تحميل رواية «العابثة الصغيرة» PDF
بقلم سوليية نصار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قتل أختي يا باشا، إزاي ياخد براءة؟ فين العدل؟ فين القانون؟ قالتها سميرة وهي تبكي. زفر الضابط بضيق وقال: دي جريمة شرف. أستاذ رائد قفش أختك مع عشيقها وقتلهم، وكمان بلّغ على نفسه. قانونًا ميتحبسش. يعني برضه مش هتحاسبوه ولا هتحققوا العدل؟ يا آنسة، عدل إيه؟ أستاذ رائد قانونًا مش مجرم. يعني اعذريني، واحد يلاقي مراته في حضن عشيقها، عايزاه يعمل إيه؟ ياخدها بالحضن؟ اغتاظت سميرة ونهضت وهي ترتدي نظاراتها وتخرج من مركز الشرطة. ضحك الضابط بسخرية وقال: اللي اختشوا ماتوا. أختها كانت زانية، بدل ما تتكسف بتبجح!...
رواية العابثة الصغيرة الفصل الأول 1 - بقلم سوليية نصار
قتل أختي يا باشا، إزاي ياخد براءة؟ فين العدل؟ فين القانون؟
قالتها سميرة وهي تبكي.
زفر الضابط بضيق وقال:
دي جريمة شرف. أستاذ رائد قفش أختك مع عشيقها وقتلهم، وكمان بلّغ على نفسه. قانونًا ميتحبسش.
يعني برضه مش هتحاسبوه ولا هتحققوا العدل؟
يا آنسة، عدل إيه؟ أستاذ رائد قانونًا مش مجرم. يعني اعذريني، واحد يلاقي مراته في حضن عشيقها، عايزاه يعمل إيه؟ ياخدها بالحضن؟
اغتاظت سميرة ونهضت وهي ترتدي نظاراتها وتخرج من مركز الشرطة.
ضحك الضابط بسخرية وقال:
اللي اختشوا ماتوا. أختها كانت زانية، بدل ما تتكسف بتبجح!
وقفت سميرة بجوار مركز الشرطة وهي ترتدي نظاراتها وتقول:
إن ما كانش الشرطة هتجيب حق أختي، فأنا هجيبه!
بعد مرور أربع أشهر.
جلس على الطاولة، عينيه متجمدة لا تحمل أي مشاعر. يكلم سائقه بحدة أصبحت ملازمة له مؤخرًا:
كم مرة قلت لك إن مفيش ست تدخل البيت ده. أنا طلبت راجل يعمل شغل البيت ويطبخ، وأنت جبت لي ست.
بس يا بيه...
زعق به رائد وهو يضرب على طاولة الطعام بعنف:
من غير بس يا منعم. أنا عايز شغال راجل. والله لو جبت لي ست المرة الجاية، هرميك أنت وهي بره الفيلا.
حاضر يا بيه، أمرك.
ذهب منعم من أمامه ليشرع رائد بتناول الطعام دون شهية. على الرغم من وجهه المتجمد، إلا أن الضجيج في عقله لا يهدأ. منظر المرأة التي أحبها أكثر من حياته بين أحضان أخيه لا يفارقه، يجلده بقوة، يذكره بسذاجته وغباؤه. لكن تلك الأيام قد ولت. رائد الغبي ذلك مات بنفس الرصاصة التي قتل بهما. هو الآن شخص جديد، تعلم أن الأفضل أن تموت على أن تثق بامرأة.
ده بدل ما تدافع عني يا علي. قلت لك إن الراجل حاول يتحرش بيا. كان مفروض تضربه بأي حاجة على نفوخه. حسسني إني مخطوبة لراجل يا أخي، مش كيس شيبسي!
نظر إليها علي بضيق وقال:
دعاء، احترمي نفسك. أنا راجل غصب عنك. وبعدين محصلش حاجة لكل ده. الراجل كان بس بيلطف معاكي. وبصراحة، المعلم سلامة اتحمل كتير يا دعاء. أنتِ ساكنة لوحدك أنتِ وأخوكي بعد ما أمك ماتت وأبوكي سابكم واتجوز وبطل يسأل عليكم. لا بتدفعوا للراجل إيجار وهو مقدّر، فمتقفيش على الواحدة. ارتحتي دلوقتي لما طردك من البيت؟
خلعت دعاء محبسها وقالت:
ليها حق منال لما قالت عليك خرونج. آسفة يا علي، مقدرش أتجوّز واحد أنا أرجل منه.
ألقت الخاتم بوجهه ثم ذهبت.
في بيت منعم.
وحدي الله يا دعاء، بس. أنتِ زعلانة ليه؟ كويس إنك خلصتي منه!
أنا مش زعلانة عليه يا منال. أنا أصلًا مكنتش بحبه. هو قعد يزن عليا كتير لحد ما وافقت عشان أخلص من صداعه. أنا زعلانة على حظي. أمي ماتت وأبويا سابني. قرايبي ما بيسألوش عليا. وكل شغلة لازم تحصل معايا مصيبة مع الزباين وأتطرد. ودلوقتي بقيت من غير بيت أنا وأخويا. قوليلي أعمل إيه؟ أعيش فين؟ وأكل منين أنا وأخويا؟
ضربتها منال على كتفها وقالت:
بطلي هبل يا بنت. إنتِ واحنا روحنا فين؟ مش إحنا عيلتك ولا إيه؟ أنتِ هتعيشي معانا وتاكلي معانا. طب والله أنتوا مونسيني. كده كده ببقى زي القرد لوحدي لحد ما أبويا يجي.
ربتت دعاء على كفها وقالت:
ربنا يخليكي يا منال. بس لحد أمتى يعني هقعد عندك أنا وبسام؟ مينفعش، لازم ألاقي شغل وأعتمد على نفسي.
دوري على شغل، ما عنديش مانع. بس ابقي هنا. على الأقل يا ستي لحد ما تدبري بيت.
تنهدت دعاء بتعب وقالت:
أصلًا معنديش حل تاني.
أبوس إيديك يا سميرة، يا بنتي بلاش. ده قتل أخوه، عارفة يعني إيه أخوه؟ يعني مش هيتردد يقتلك زي ما قتل أختك. يا بنتي مش عايزة أخسرك أنتِ كمان، متحرقيش قلبي.
أمسكت سميرة كف والدتها وقالت:
ودم أختي يا ماما. دم بنتك يروح هدر.
بنتي هي اللي خانت. دي خانته مع أخوه وفي فراشه يا بنتي. أي راجل هيعمل كده.
يعني انتي مسامحاه؟
أجهشت والدتها بكاءً وقالت:
لا طبعًا. أنا قلبي محروق على نيرمين. صحيح غلطت، بس بنتي وأنا قلبي محروق عليها. قلت أخيرًا اتجوزت واحد بيحبها وهيسعدها، بس نتيجة غلطها ماتت. وأنا خايفة عليكي. أنا أم يا سميرة، أم يا بنتي وخسرت واحدة، مش عايزة أخسر التانية.
أمسكت سميرة كف والدتها وقبلتها وقالت:
متقلقيش يا ماما، مش هيحصلي حاجة. أوعدك، أنا بس هاخد حق أختي.
طيب، هتاخديه إزاي؟
لمعت عينيها السوداء بحقد وقالت:
بكرة تعرفي يا ماما.
في المساء.
وصل منعم لمنزله ليجد منال بصحبة دعاء. ابتسم بطيبة وقال بحنان أبوي:
إزيك يا دعاء يا بنتي، أخبارك إيه؟
كويسة يا عمي،
قالتها دعاء بارتباك. لتمسك منال كفها وتقول:
دعاء هتقعد معانا فترة يا بابا.
تنوري يا بنتي، بس هو حصل حاجة؟
أيوه يا أبويا، الحاج سلامة الله يحرقه حاول يتحرش بيها. ولما صدته، طردها هي وأخوها من البيت.
ظهر النفور على وجه منعم وقال:
حسبي الله ونعم الوكيل، راجل ناقص صحيح.
ربت كل كتف دعاء بحنان وقال:
ولا يهمك يا بنتي، اقعدي هنا زي ما أنتِ عايزة. أنا أبوكي ومنال أختك، وده بيتك.
لمعت عيني دعاء بالدموع وقالت:
جميلك ده عمري ما هنساه.
بطلي هبل يا بنت. إنتِ ويالا يا منال جهزي أكل، أنا هموت من الجوع.
ثانية ويجهز يا أبويا.
نظر منعم حوله وقال:
صحيح، فين أخوكي بسام؟
نايم يا عمي.
بعد دقائق.
كان الجميع ملتف حول طاولة الطعام الصغيرة عندما تكلمت منال:
صحيح يا بابا، أنت اتأخرت ليه على غير العادة؟
بلع منعم طعامه وقال:
كنت بدور على شغال لرائد بيه. مشي الشغالة القديمة، ومن ساعتها وهو لايص، مش لاقي شغالين عدلين.
فكرت دعاء قليلاً ثم قالت بسرعة:
أنا ممكن أشتغل يا عمي. أنا ليا في شغل البيت أوي، المهم بس اشتغل.
عبست منال وقالت:
إيه اللي أنتِ بتقوليه ده يا دعاء؟!! عايزة تشتغلي خدامة؟ وفي بيت راجل أعزب؟ أنتِ اتجننتي ولا حصلك إيه؟
مالها الخدامة يا منال؟ مش شغلة وخلاص. عاجبك ابقي كده من غير شغل؟
يا ستي، شوفي أي شغلة تانية. مش حبكت دي يعني. ما الشغل كتير، بس أنتِ دوري.
زت دعاء رأسها وقالت:
خليني أجرب الشغل ده الأول، مش هخسر حاجة.
مرر منعم نظراته بينهما هما الاثنين بطريقة مضحكة وقال:
هو أنتوا بتغنوا وتردوا على بعض؟ مين قال أصلًا إن رائد بيه هيرضى يشغل دعاء؟
قالت دعاء باستنكار:
وليه ميشغلنيش إن شاء الله؟
رائد بيه عايز شغال راجل، مش ست. المرة اللي فاتت لما جبت له خدامة، كان هيطردني أنا وهي.
نظرت دعاء بحيرة وقالت:
وده ليه إن شاء الله؟
هو متعقد من الستات لسبب خاص.
إيه هو؟
دي أسرار بيوت يا بنتي، مقدرش أطلعها. المهم أن للأسف أنتِ متنفعيش.
أحنت دعاء رأسها بحزن وظلت صامتة لدقائق. فجأة لمعت في عقلها فكرة. فكرة مجنونة للغاية. نظرت لمنعم وقالت:
أنا عندي فكرة حلوة.
ربنا يستر،
قالها كلا من منال ومنعم في وقت واحد.
رواية العابثة الصغيرة الفصل الثاني 2 - بقلم سوليية نصار
كانت تسير بجانب منعم وهي تعدل من وضع الشارب الصغير.
نظرت إلى منعم وقالت:
- أظن كده خلاص اتعدل.
نظر إليها منعم بخوف وقال:
- بصراحة أنا خايف.. ياريتني ما سمعت كلامك يا دعاء شكلك هتودينا ورا الشمس.
نظرت إليه دعاء وقالت بتسلية:
- متخافش يا أبو منال مش هيحصل حاجة... أنا اتنكرت كويس.
ضحك منعم بسخرية وقال:
- صحيح بدليل أن أم معتز بتاعة الخضار شكت فيكي؟ أنا عارف إني هجيب لنفسي المصايب... رائد بيه لو اكتشف أنك بنت والله ليعلقني أنا وانتي في المروحة.
- متقلقش إن شاء الله مش هياخد باله.
قالتها دعاء لتطمئنه ليردد هو بخوف:
- يارب ميخدش باله.
بعد نصف ساعة كانا قد وصلا لمنزل عائلة غنيم.
نظرت دعاء إلى الفيلا الصغيرة حجماً وقالت:
- هو ده بيت المحروس... اومال ايه بقا رائد بيه راح رائد بيه رجع... وهو عايش في علبة كبريت... أنا افتكرت أنه عايش في قصر.
أمسك منعم ذراعها وقال:
- طب يالا يختي وبلاش لماضة قال قصر قال.
ولج كلا من دعاء ومنعم الفيلا.
تخصرت دعاء وقالت:
- اومال فين الب...
انحشرت الكلمات في فمها عندما رأته ينزل الدرج.
اتسعت عينيها وهي تمررها عليه بذهول.
كان وسيم... وسيم كلمة قليلة عليه... كان يشبه تماماً أبطال الروايات التي كانت تقرأ عنهم... طويل وعريض... عيناه سوداء حادة يغلفها الجليد وشعره أسود كجناح الغراب... كان مثالياً بل أكثر من مثالي.
لهثت وهي تمسك كف منعم وتقول:
- مين الصاروخ ده يا عمي؟!!
- الله يخربيتك اكتمي!
- يا أخويا ما تنطق مين القمر اللي طل علينا ده في عز النهار.
كاد منعم أن يبكي بسبب غبائها.
انحنى قليلاً ثم همس:
- ده رائد بيه اللي هتشتغلي عنده خدامة.
- يا دي الهنا اللي أنا فيه... أنا هشتغل عند الصاروخ ده.
- يا يت اتهدي بقا هتفضحينا!!
ضحكت دعاء وقالت:
- ما هو بصراحة انت جايبني اشتغل عند واحد موز... هي الرجالة في مصر احلوت أمتي... ده أنا كنت مخطوبة لشبشب.
كتم منعم ضحكته وقال:
- في دي عندك حق.
نزل رائد ووقف أمام منعم وهو يرمق دعاء بنظرات غريبة متفحصة.
- مين الشبر ونص اللي انت جايبهولي ده يا منعم.
كاد منعم أن يرد إلا أن دعاء سبقته وقالت:
- أنا دعاء...
- ايه!!! قالها رائد مذهولاً لترد دعاء وتقول محاولة تخشين صوتها:
- ايه!! أنا قلت ايه.
- يخربيتك. همس منعم ليقول رائد بخشونة:
- ازاي اسمك دعاء وأنت شاب!
ازدرد منعم ريقه وهو يدعو الله أن يمر هذا اليوم على خير والا يقطع رائد رأسه.
نظرت إليه دعاء وردت بسرعة:
- أقصد أن أسمي داوود وأنا الخدام الجديد... هو انت مش كنت طالب خدام راجل.
- أيوة طلبت... بس مين دعاء بقا. قالها رائد بشك لترد دعاء بسرعة وهي تضحك:
- أهلي كان نفسهم يسموني دعاء ولحد دلوقتي بينادوني بالاسم ده.
- أهلك بينادوك بإسم بنت!
- كان نفسهم يجيهم بنت ويسموها دعاء فجيت أنا للأسف.
ظهر النفور على وجه رائد وقال:
- ليه للأسف.... فيه حد عاقل يحب خلفة البنات.. كلهم صنف زبالة.
ضمت دعاء شفتيها بغضب وبإرادة من حديد سيطرت على الشتائم التي كادت تخرج من فمها.
نظر رائد إلى منعم الشاحب وقال:
- مالك يا منعم فيه حاجة.
- لا يا بيه تعبان شوية.
- لو حابب تروح...
قاطعه منعم بسرعة:
- لا يا بيه هبقي كويس.
هز رائد رأسه وقال وهو ينظر إلى داوود:
- يا تري داوود يعرف نظام الشغل يا منعم.
هز منعم رأسه وقال:
- أيوة يا بيه فهمته كل حاجة.
- تمام... بص يا داوود الفيلا صغيرة مش هتتعب كتير انت هتساعد عم كريم في ترتيبها بس كل أمور الأكل والمطبخ عليك عشان عم كريم مبيعرفش يطبخ... هتبدي شغل من تسعة الصبح عشان أنا بفطر الساعة عشرة بالضبط وهتخلص شغل الساعة عشرة بعد العشا بتاعي... هديك ألفين جنيه شاملة سكنك عندي والأكل أما بقا لو عندك شقة برة ومش عايز تسكن هنا هتأخد ألف زيادة تمام.
تهللت أسارير دعاء وقالت بصوت حاولت جعله خشن:
- أكيد تمام يا بيه... أنا عندي سكن برة.
- تمام كده اتفقنا على كل حاجة.
- طيب تحب أحضرلك فطار يا بيه.
هز رائد رأسه وقال:
- لا يا داوود انا هفطر في الشركة.. يالا يا منعم عشان توصلني الشركة.
وقفت سيارة رائد أمام الشركة وترجل رائد منها واتجه للشركة التي أصبحت له بالكامل بعد أن قتل شقيقه.
كانت من بعيد تجلس هي بسيارتها تراقبه وعينيها السوداء يظللها الحقد.
ابتسمت بشر وقالت بنبرة لا تخلو من الغل:
- دورك قرب يا رائد.... نهايتك هتبقي علي أيدي.
ولج رائد إلى الشركة وسط همهمات العاملين بها ليتوقف فجأة وينظر إليهم ويقول مهدداً:
- اللي بيحب يتكلم كتير ياريت يطلع برا شركتي ويتكلم هنا مكان شغل وبس.
عاد الجميع إلى عمله بهدوء بينما قال لصديقه وسكرتيره الخاص:
- تعالي يا لؤي وجيبلي ورق كل الصفقات اللي وقفت المرة اللي فاتت.
هز لؤي رأسه وهو يلتقط الملفات ويدخل خلفه.
جلس رائد على مكتبه بأريحية وقال:
- هما هنا لسه بيتكلموا علي اللي حصل.
هز لؤي رأسه وقال ضاحكاً:
- لا دلوقتي انشغلوا بموضوع المدير اللي مشى كل البنات اللي عنده في الشركة وشغل رجالة مكانهم.
لم يبتسم رائد بل غرق في أفكاره مجدداً.
يتذكر كيف كان إنسان محب وطيب وكيف تحول لهذا الوحش الذي قطع عيش فتيات كثيرات بسبب عقدة.
هي من فعلت به هذا... هي من جعلته يكره جميع النساء... ينفر منهم ويحتقرهم.
نظر لؤي إلى صديقه بشفقة وقال:
- انسي يا رائد.
اللمعت عينا رائد بالدموع وقال:
- أنسي ايه يا لؤي.... أنسي الخيانة.... أنسي واحدة حقيرة فرشتلها الأرض ورد وراحت تخوني مع أخويا... أنا قتلت أخويا بإيدي عشانها يا لؤي... قتلت كريم بسببها.
- كريم خانك يا رائد.... زيها بالضبط.
مسح رائد دموعه وعاد الجليد مرة أخرى ليغلف عينيه وقال:
- ممكن تقفل الموضوع ده لو سمحت يا لؤي.
- حاضر هسيبك دلوقتي تراجع الملفات.
ثم غادر دون أي كلمة.
فتح رائد الملفات ثم أخذ يراجع الأوراق محاولاً أن يمحو من عقله مشهد زوجته وشقيقه.
في الليل.
مسحت عرقها بعد أن انتهت من تحضير الطعام.
ابتسمت برضا وهي تنظر إلى أصناف الطعام المختلفة وشعرت أن تعبها قد اختفي.
كانت فخورة بنفسها.
نزل رائد الدرج لتنحبس أنفاسها مرة أخرى وهي تراه.
كان شعره مبللاً وقميصه الأسود مفتوحاً قليلاً.
- عمار يا مصر.
عقد رائد حاجبيه وقال:
- بتقول حاجة يا داوود؟
هزت دعاء رأسها وقالت:
- كنت بقول أن كده خلصت كل حاجة وعم كريم قالي أنه هيلم الأطباق حضرتك عايز مني حاجة قبل ما أمشي.
- آه استني. أخرج من جيبه مبلغاً من المال وقال:
- خد دوول يا داوود.
- بتوع ايه دوول يا بيه.
ابتسم لها لأول مرة مما جعل قلبها يقفز في حلقها وقال:
- اعتبرهم مكافأة أو هدية بمناسبة يومك الأول في الشغل.
أخذتهم دعاء منه بخجل.
رفعت عينيها البنية إليه عندما لمس كفها دون قصد واحمرت وجنتها.
بإرتباك أخذت المال ثم هربت من أمامه.
دخلت دعاء إحدى الحمامات العامة ثم أزالت الشارب وباروكة الشعر ليظهر شعرها القصير.
ثم خرجت وركبت سيارة أجرة لتعود للمنزل.
دخلت دعاء الحارة وهي تحمل كعكة صغيرة لتحتفل مع منال وعم منعم وشقيقها بنجاح أول يوم لها عندما أوقفها علي.
- دعاء.
زفرت بضيق وهي تقول:
- يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم... خير.
ابتسم علي ونظر إليها وقال:
- وحشتيني.
- ما تخلصني يا عم روميو مش فاضية لمياعتك.
حمحم علي وقال بثقة:
- أنا شايف أن الموضوع بينا كبر... أنا مقدر أنك متضايقة شوية عشان كده هسامحك علي اللي قولتي ومستعد ارجعلك.
ضحكت بسخرية وقالت:
- ايه الكرم ده بس أنا هعيط.
- ده عشان خاطرك بس مع أن أمي حلفت إني مكلمكيش تاني بس أنا لأول مرة أقف قصادها علشانك.
اغتاظت دعاء ثم أمسكت الكعكة ووضعتها على وجهه وقالت:
- طيب روح لأمك يا روح أمي.
رواية العابثة الصغيرة الفصل الثالث 3 - بقلم سوليية نصار
كفاية ضحك بقا يا منال.
قالتها دعاء وهي تضحك... حاولت السيطرة علي نفسها وقالت:
-البيه بيقولي هتنازل واسامحك ونرجع.. ده واحد موهوم بجد فاكرني هرضي بيه بعد اللي حصل.
وضعت منال كفها علي بطنها وقالت بضحك:
-بس انتي مش سهلة يا دعاء لبستي الواد التورتة في وشه... كل أما أفتكر شكله بطني توجعني من الضحك.
-متفكرنيش يا منال والله زعلانة علي التورتة اللي لبستها في وشه... كانت غالية خسارة في أمه.
ضربتها منال علي كتفها بمشاغبة وقالت:
-سيبك من النطع اللي اسمه علي وقوليلي أخبار أول يوم شغل ايه... أنا سمعت من ابويا أن رائد بيه وسيم شوية.
-شوية ايه.... الواد صاروخ
-احلفي
-آه والله يا منال قمر.. قمر أنا في حياته ما شوفت راجل بالشكل ده جمال ايه وكاريزما ايه... وطلة ايه بس....
نظرت إليها منال وقالت:
-بس ايه
تنهدت دعاء وقالت:
-بشوف في عيونه حزن كبير... حاسه أنه مكسور وبيخبي ده ببروده.
أمسكت منال كفها وقالت:
-اقولك علي حاجة سمعتها بس متقوليش لبابا إني قولتلك
-أكيد.
-رائد بيه قتل مراته وأخوه بعد ما قفشهم سوا
-ايه.
...........
بخطوات متثاقلة اتجه إلي فراشه لعله يحتضنه وينسيه مرارة الخيانة التي لا تنفك ان تهاجمه... اغمض عينيه بينما سمح لعقله أخيرا أن يتذكرها بعينيها السوداء التي اسرته... رقتها غير المعهودة... نظراتها المشاكسة وخيانتها القاتلة... غاص عقله أكثر في ذكرياتهم الوردية وتذكر اللقاء الأول.
......
ولج رائد للمصعد لتدخل بعده فتاة فارعة الطول... شعرها بني قصير وعينيها كحبات القهوة... كانت تمسك ملف وتضمه لصدرها بقوة.... لم تنظر اليه حتي وتلك كانت المرة الأولي التي لم تعيره امرأة أي اهتمام.... ضغط علي زر الصعود... وعندما تحرك المصعد شهقت بقوة وهي تضم الملف أكثر وترتجف ... فجأة المصعد توقف تماما وانطفأت اضواءه لتصرخ هي وتمسك ذراعه دون وعي... وتلك كانت المرة الأولي الذي ينبض قلبه بتلك القوة.
....
عاد رائد إلي الحاضر وسمح بدموعه تتحرر من عينيه لعل تلك الدموع تطفئ النيران التي تشتعل داخله... ماذا فعل لتخونه؟ لقد أحبها أكثر من حياته... أكثر من أي شئ في العالم وهي بكل بساطة تطعنه بتلك القوة... ليته لم يعشقها لهذا الحد... فقد عرف الآن أن العشق يقلل من قيمة الرجال... هو ارتكب خطأ مرة وعشق ولن يسمح لقلبه أن يعشق مرة أخري ابدا! .. أغمض عينيه وهو يطرد ذكرياته التعيسة من عقله.
.......
-بتهزري مع أخوه... أخوه دي جاحدة
-ششش يا دعاء هتفضحينا.
وضعت دعاء كفها علي فاها وهي غير مصدقة .... هذا إذن سبب كرهه للنساء.
-أبلة دعاء.
أخرجها من شرودها بسام شقيقها الصغير البالغ من العمر ستة سنوات فقط... لتبتسم دعاء وتلمس شعره الناعم وتقول:
-نعم يا حبيبي
-أنا هنام ممكن تيجي تنامي جمبي.
ابتسمت دعاء بحنان وأمسكت كفه وذهبت لتنام بجواره.
..........
في اليوم التالي...
استيقظت مبكرا كالعادة اغتسلت وتناولت الإفطار ثم أخذت اشيائها وذهبت مع عم منعم... وفي الحمام العمومي وضعت باروكة الشعر والشارب وعدلت وضع ثيابها... لحسن الحظ أنها نحيفة للغاية وتفتقر لمعالم الأنوثة وهذا جعل من السهل عليها ان تتنكر في هيئة رجل.... بعد أن انتهت خرجت من الحمام العمومي واتجهت مع عم منعم للعمل.
...........
-صباح الخير يا عم كريم.
قالتها سريعا وهي ترتدي مئزر العمل وتشرع في إعداد الطعام ليرد عم كريم:
-صباح الخير يا داوود يا بني.... ساعة كده ورائد بيه ينزل تكون انت خلصت الفطار.
-تمام.
تركها كريم بينما أخذت بسرعة تجهز الإفطار.... لحسن الحظ أنها سريعة في أعمال المنزل مما جعلها تجهزه علي الوقت تماما... اعدت طاولة الطعام... وانتظرت بصبر نزوله.
انحبست انفاسها وهي تجده ينزل من الدرج... وجه بعفوية ابتسامة رائعة. لها جعل قلبها يقفز داخل صدرها وقال بصوته المميز:
-صباح الخير يا داوود
-صباح النور يا بيه.
جلس رائد علي الطاولة برضا بينما علي شفتيه ترتسم ابتسامة وقال:
-تسلم ايديك قبل ما ادوق... أكيد هيكون حلو.
-مش هيكون في حلاوتك والله.
قالتها دعاء بصوت منخفض ليقول رائد:
-بتقول حاجة يا داوود
-لا يا باشا بقول بالهنا والشفا علي قلبك
أشار له رائد:
-طيب ما تقعد تفطر معايا..
-بتقول ايه!
ضحك رائد وقال:
-علي فكرة عادي أنك تقعد وتفطر معايا أنا لا متكبر ولا مستبد ممكن بس أكون عصبي شوية.
-لا يا بيه شكرا أنا سبقتك اتفضل انت.
-طيب لو هتعبك ممكن تعملي قهوة أكون خلصت فطاري
-أكيد يا باشا.
ثم ذهبت من إمامه مسرعة.
ولجت دعاء إلي المطبخ وهي تضع كفها علي قلبها الذي ينبض بقوة غريبة عليها.... لم ينبض قلبها هكذا ابدا...لم ترتعش لمرآي شخص من قبل ولم تطير من السعادة عندما تري أحدهم يبتسم لها!... لم يحدث معها هذا الشئ من قبل.. لا مع علي ولا مع اي شخص اخر!
-جرالك ايه يا دعاء... اهدي شوية مش عشان حلو شوية... لا شوية ايه احنا هنكدب الواد قمر اربعتاشر... يقول للقمر قوم وأنا اقعد مكانك... ده بينور في الضلمة! بينور في الضلمة يا دعاء
هزت رأسها لتطرد تلك الأفكار هنا... هي فقط منبهرة بها هكذا اقنعت نفسها وحتى لو كان هناك مشاعر له لا يجب أن تنسي مكانتها... هي هنا خادمته بل خادمه وأن اكتشف كذبتها لن يرحمها!...
بيدين مرتعشة أخذت تعد القهوة له.
بعد أن انتهي من الطعام مسح فمه بمحرمه ثم أنتظر وصول القهوة..
اقتربت دعاء منه ببطئ وهي تقدم له القهوة عندما لمس كفها بالخطأ... ارتعشت كفيها ليمسك هو الكوب ويقول بقلق:
-داوود أنت كويس فيه حاجة.
هزت دعاء رأسها بإرتباك ثم انسحبت بسرعة للمطبخ وضجيج قلبها يكاد يصم اذنيها.. هو رائد رأسه بحيره وهو يقول:
-ماله ده؟
مط شفتيه دون اهتمام ثم شرع في تناول قهوته ليذهب للشركة.
.............
-لا يا هانم دي مهمة صعبة وخطيرة وهحتاج أكتر من المبلغ ده
زفرت بضيق وقالت وهي تنفث دخان سيجارتها بتوتر:
-خد المبلغ ده دلوقتي ولما تنفذ هديك قدهم بس بشرط.
-اشرطي.
لمعت عينيها وقالت بحقد:
-عايزاك تعذبه قبل ما تقتله... مترحمهوش... عايزاه يتمني الموت... خليه يترجاك أنك تقتله وكل ما عذبته أكتر هديك فلوس أكتر يا جابر... فاهمني.
متقلقيش يا هانم هعمل اللي يرضيكي.
-طبعا عايزاك توثقلي كل حاجة بالصوت والصورة... نفسي أشوفه وهو بيتعذب
-أمرك.
نظرت إليه وقالت:
-بس خطط كويس هو مش سهل ولا اهبل
-متقلقيش يا هانم أنا جابر العواد وانتي عارفة أنا ممكن اعمل ايه كويس
-طيب يا جابر هنشوف.
...............
بعد أسبوع
-الغي الصفقة!
-أنت اتجننت يا رائد أنت عارف ده معناه ايه احنا هنخسر كتير كده.
نظر إليه رائد ببرود وقال:
-الغي الصفقة يا لؤي من غير كلام كتير... أنا مش هتعامل مع شركة مديرتها ست!.
اغتاظ لؤي ونهض وصرخ به:
-أنت اتجننت خالص.. ايه التصرفات الطفولية دي يا رائد... عايز تخسر صفقة مهمة زي كده عشان بس المديرة واحدة ست... أنت مجنون
-لؤي... اسمعني
-لا يا رائد كفاية كده انت دلوقتي اللي هتسمعني... طردت كل البنات من شركتك وقطعت عيشهم وسكت... رفضت تشغل أختي في شركتك وقلت براحتك لكن لحد هنا وكفاية م كل الستات زي ست زفت نيرمين بتاعتك دي فمتعممش...
-كلهم زي بعض.
-الكلام ده يشمل الست الوالدة.
-لؤي أحترم نفسك وفوق
-لا أنت اللي تفوق يا رائد لأنك بتخسر كتير.. كريم برضه خانك صح وده راجل اشمعنا بتثق في الرجالة... لازم تتخلص من عقدتك دي يا رائد والا هتخسر كتير وأولهم أنا.
صمت رائد ليقترب لؤي ويقول:
-يا رائد مش كلهم زي بعض... بعدين أنا مش بقولك اتجوزها أنت هتعمل صفقة مع شركتها بس اتخلص من عقدتك دي لأنك أكيد هتتعامل مع الستات.. متخليش خيانة مراتك تدمر حياتك بالشكل ده.. فكر في كلامي.
ثم تركه وذهب.
...........
بعد قليل...
خرج رائد من مكتبه واتجه للؤي وقال:
-أنا تعبت شوية وهروح يا لؤي حاول تمشي الدنيا هنا
-تمام بس فكر في اللي قولتلك عليه
-حاضر.
ثم ذهب.
.........
خرج من الشركة وركب سيارته غير منتبه لذلك الذي يراقبه من بعيد
......
-يااه أخيرا عم كريم مشي وقرر يسيبني أنا انضف دلوقتي أنا لوحدي أقدر اخد راحتي.
خلعت شاربها والباروكة ثم صعدت لكي تنظف غرفة رائد...
ولجت للغرفة لتهاجم أنفها رائحة عطره المميزة.. أغمضت عينيها وهي تستنشقها بقوة... أصبحت مدمنة بكل ما يتعلق بهذا الرجل.. هزت رأسها موبخة نفسها:
=جرا ايه يا دعاء انتي هتخيبي ولا ايه.
ثم شرعت بالترتيب... قامت بطوي ملابسه النظيفة بعناية وفتحت الخزانة لتضعه فيه... وكادت أن تغلق الخزانة إلا أنها لمحت فستان. أحمر مطوي بعناية مع ملابسه.. أخرجته دون تفكير ثم فردته نظرت إليه... كان فستان احمر قصير... عاري الكتفين بتصميم بسيط... خاطرة مجنونة مرت بعقلها... ارادت حقا ان تجربه لذلك دون تفكير ولجت للحمام الملحق بغرفة رائد لكي ترتديه.
في تلك الأثناء وصل رائد للبيت وتعجب من الهدوء الذي يعم البيت.
-عم كريم... داوود
هتف باسمهما ولكن لا مجيب مط شفتيه وصعد لغرفته.
أبتسم عندما ولج ووجدها منظمة للغاية... جلس علي الفراش وتسطح بتعب.
في الحمام...
انتهت دعاء من ارتداء الفستان وقالت:
=تمام هطلع بره عشان أشوفه في مرايا التسريحة المرايا دي صغيرة.
ثم دون تفكير فتحت الباب و....
رواية العابثة الصغيرة الفصل الرابع 4 - بقلم سوليية نصار
_سافرتقالها بجمود، كان قاعد على الكرسي في مكتبه، في حين رافع رجليه الاتنين وحاطتهم على بعض فوق الترابيزة، بين صوابعه سيجار عريض بينفخ دخانها في الجو ببرود، وشه خالي من الحياة تمامًا كإنه بلا مشاعر، ولكن اللي يركز معاه هيلمح الألم والعذاب اللي كانوا في عيونهكان قاعد قصاده على الناحية التانية أمجد اللي كان بينفخ دخان سيجارته هو كمان وبيراقبه بتمعن وقال_كان بإيدك تمنعها_مش عاوزرد ببرود أكتر، في حين بيمد إيده وبيطفي السيجار اللي كانت خلصت، وطلع واحدة تانية يولعها قصاد عيون أمجد اللي اتنقلت نظراته بين الطفاية المليانة وبين اللي بيولعهاأيوب بيحرق نفسه مش بيحرق السيجار، جواه نار مشتعلة مش عارف يطفيها ودي حاجة مضايقاه، فاتنهد أمجد وقال_كان ممكن تدوا فرصة لبعضهز رأسه في حين باصص للسقف بشرود وقال_كده أحسن ليناأنا مش بتاع جوازودخلت طريق مش طريقي من البدايةأول مرة حسيت نفسي ضعيف على إيديها هيوأنا مش من عادتي الضعفأيوب القديم كان لازم يرجعمط امجد شفايفه بضيق، دخول ياقوت لحياة أيوب شقلبها، وفوق ده طلعت مزقوقة عليه، ودي إهانة كبيرة في حد ذاتها لأيوب، يمكن فعلًا الأنسب إنهم يبعدوا عن بعض، يمكن هما من البداية مجرد محطات في حياة بعضولكن كان مكتوب لكل ده إنه ينتهي زي ما بدأاتعدل أيوب وطفى السيجارة، اخد موبايله ومفاتيحه واتحرك وخرج من المكتب تحت أنظار أمجدكان رغم الجمود اللي ظاهره إلا إنه كان بيتعذب من حواه، لأول مرة يحس إنه مكسور، إنه ناقصه حاجات كتيرة من غيرهاواللي واجعه أكتر إنها بعدتوالمسافات بينهم زادترجع لبيته وطلع على أوضته، حاسس إنه فاقد الشغف ناحية اي حاجةوده مسببله غضب كبير إن ليها تأثير ملحوظ عليهمينفعش يفضل ضعيف كدهأيوب الحسيني لازم يرجع…صباحًااتحرك للنيابة بعد ما وصله اللي حصل، كان حابب يتأكد إذا كان ليها يد في القبض على عبدالوهاب وشادية فعلًا ولا لاخاصة وإنه عرف إنها راحتلهم تانيكان قاعد في مكتب وكيل النيابة مستني حضورهم، لحد ما لقى الباب بيتفتح ودخلوا عليه وهما الاتنين متكلبشين، جريت ناحيته شادية ودموعها مغرقة وشها وباين عليها الإنهيار، واتوسلته وهي بتقول_مش قولت لو متكلمناش مش هتئذينا؟خلتها تدسلنا مخدرات في البيت ليه؟!بالله عليك طلعنا من هنا إحنا مش قد السجونبصلها بقوة وقال_وهي ياقوت كانت قد السجون برضه لما غدرتوا بيها؟لطمت شادية على وشها وهي بتبكي بجنون وبتقول_ندمنا، والله العظيم ندمناكان زلة شيطانطمعنا وفوقنا بالله عليك خرجنا من هنانفض إيديه عنها بإشمئزاز لما مسكتها تتوسله، في حين نقل نظراته على عبدالوهاب اللي كان جامد تمامًا من صدمة اللي حصله، عدل أيوب من هدومه وقال_كده كده كان لازم تجربوا اللي دوقتهولهابس كويس إنها سبقتني لإني مكنتش هرحمكواقالها وسابهم وخرج في حين إنهارت شادية في الأرض وهي بتصوت وتلطم على مستقبلها اللي ضاع بعد ما التهمة بقت لابساهم كده كدهقفل أيوب الباب وراه وهو سامع نحيبها، ولكن غصب عنه شقت ابتسامة فخر ثغره، وكإنه بيقول جوا نفسههي دي ياقوت اللي يعرفهاطلع تليفونه من جيبه وطلب رقم معين لحد ما جاله الرد جمدت نظراته واتمحت الابتسامة على وشه وهو بيقول_جهزت كل حاجة؟اتوحشت نظراته واظلمت أكتر وهو بيقول_عايزها قرصة ودن من غير ارواحنفذ اللي قولتهولك بالظبط…ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــكان قاعد في صالون بيته، في حين كان فيه بنت شبه قاعدة في حضنهصوت قهقاتهم مرتفعأكواب وزجاجات النبيذ حواليهم من كل حتةاجواء غير أخلاقية تمامًا_نوح بيهالحق يا باشاقاطع قعدتهم الغير شريفة اقتحام واحد من رجالته المكانرمى نوح الاكل اللي في إيده وهو بيزفر بضيق وبصله وهو بيقول بعصبية_عايز إيه يا زفت؟!كان باين على وشه الرعب وكإنه مش عارف هيقولهاله ازايحس نوح إنه فيه حاجة غلط من نظراته، فبعد البنت من حضنه وقام وقف واتجه ناحيته وهو بيقول بحذر_ما تنطق يلا!بلع ريقه بارتباك وقال_المخزن اللي في العاشر ولع بالحاجات اللي فيه_إيه!!صرخ بيها برعب واتبدلت نظراته تمامًا، خد مفاتيحه وجري لبرا ورجله وراه بيحاول يلحق خطواتهركب عربيته واتحرك بيها لبرا وسط أنظار واحد من رجالته اللي كانوا واقفين واللي كان باين على نظراته الخبثكان ماشي على سرعة عالية جدًا، ومن لحظة للتانية بيتابع التطورات اللي حصلت، والده لو عرف باللي حصل ممكن ينهي حياتهالمخزن ده يعتبر من أكبر المخازن، ده غير الأجهزة اللي فيه تساوي ملايينوللأسف والده بيكمل شغله برا ومسلمه زمام الأمور هنافشله في حاجة زي دي معناها نهايتهاتصبب وشه بقطرات العرق وهو بيحاول يركز في الطريقداس على الفرامل عشان يخفف السرعة، ولكن لوهلة ملقاش الفرامل شغالةبرق برعب وهو بيحاول يخفف السرعة بأي طريقة ولكن من غير فايدة_يا نهار اسود!!صرخ بيها بهلع وهو مش عارف يتحكم في عربيتهالفرامل كإنها مقطوعةواللي زاد هلعه أكتر عربية النقل اللي كانت واقفة بعرض الطريقوقبل ما يستوعب كان دخل فيها بعربيته في حادث اصطدام قوي اتهشمت عربيته على أثرها….كان واقف في جنينة بيته حاطت إيديه الاتنين في جيوبه وباصص قدامه بشرود، اتلفت نص لفته لما حس إن حد من رجالته وراه، فرجع بص قدامه تاني وقال_مات؟اتكلم من وراه_لا في المستشفى متكسرابتسم باستهزاء وسأل ببرود_والمخزن_كل اللي فيه اتصفى في النار، وهاشم رزق نزل من السفر وخارب الدنيازادت ابتسامته العابثة وتمتم_كويسانحنى رجله وسابه ومشي رغم إنه ملتفتش ليه أصلًا، أما أيوب ففضل واقف مكانه شويةمكانش هيسيب حقه نهائيخاصة بعد الضربه الأخيرة اللي اتسددتله واللي صابت قلبه تمامًانوح بقاله فترة بيلعب على شغله، ولكن المرادي كان عايز شغله وسمعته كمانالأول كان بيقول واحد وحزين على اخته اللي مش هينكر إنه كان سبب في حالتهاولكن الموضوع ده عدى عليه ٥ سنين واتقفل بعد حوارات كتيرة جدًا!اتنهد بعمق وابتدى ألمه يظهر على ملامحه، حاسس بفراغ رهيب بيتملك منهفراغ بقى جديد عليه رغم إنه عاش سنين بيهولكن وجودها في حياته كان مخليه حاسس إن كل علاقاته السابقة هي صفر على الشمال جنبهارفع عيونه اللي لمعت بحزن للسما وهو بيتنهدلازم ينساهالازم يرجع أيوب القديمعلاقتهم مكتوب عليها الفشل من بدايتها لما قرروا فجأة يتجوزا من غير ترتيبات أو حساباتلذا كان طبيعي ينكتب عليها الفشل..ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ“برلين، ألمانيا بعد ما يقارب من السنة ونصف”هل البعيد عن العين بعيد عن القلب؟سؤال بسأله لنفسي كل يومولكن!الأيام بقت أسابيع والأسابيع شهورحاجات كتيرة اتغيرتإلا حبه في قلبي!بل كل ما يزيد البُعد والمسافات بتزيد لهفتي ليهمطالبة قلبي بقربهوشوقي إليه!إذن فالبعيد عن العين مستوطن القلبعمره ما كان بعيد…دونت الكلمات دي في الدفتر اللي محتفظة بيه بقالها سنة ونص وهي بتتنهد بحزن وبتضمه لقلبها، يمكن دي الحاجة الوحيدة اللي بتصبرها على الغربةأيوب بالنسبالها زي اللعنة اللي ملاحقاهارغم إن عدى وقت كبير جدًا ولكن مازالت بتتمنى قربه!متعرفش حاجة عنهومبتحاولش تدور وراه عشان متضعفشبتشغل نفسها عنه وعن تفكيرها فيهولكن بمجرد ما ييجي الليل وتبقى لوحدها بتتعاد كل الذكريات والليالي الحلوة اللي بينهم قصاد عينهاحطت الدفتر في درج الكومودينو اللي في أوضتها واتحركت لدولابها طلعت فستان قصير سادة باللون باللون الاسود، في حين سابت خصلات شعرها الداكنة مفرودة على ضهرهااتغيرت؟بالفعل كتير عن الأولمسابتش أي أثر لياقوت القديمةحتى خصلاتها اللي كانت مخلياها مميزة فردتهم وغيرت لونهمرغم معرفتها بحب أيوب ليهمولمظهرهم الغجريولكنها كانت قاصدة تمحى اي ماضي يفكرها بيهالغريبة إن برضه فاكراه!حطت ماكياچ خفيف وخرجت من شقتها ومنها لبرا العمارة الأنيقة اللي عايشة فيهاركبت عربيتها الصغيرة وساقت لوجهتهاسرحت في ذكرياتها قبل سنة ونصلما باعت عربيتها ودهبها وكل حاجة كانت تملكها واتوجهت لكنداكانت عارفة إن وجودها هناك مش أمان ليهاسواء من ناحية أيوب أو نوح اللي سهل يوصلولها لمعرفتهم بجواز السفر اللي معاها حاليًاومن هناك قدرت تجهز أوراقها لألمانياأيام عدت عليها وهي تايهة ومحتاسة مش عارفة تتصرف، وجودها في بلد غريبة عنها لا تعرفها ولا تعرف لغتها صعب عليها حاجات كتيركانت عاملة زي الغريق اللي بيتمسك في قشايةلحد ما قابلت ليلى بالصدفة…ركنت عربيتها قدام المكان اللي هتسهر فيه، شافت ليلى وياسين مستنيينها من بعيداعطت مفتاح عربيتها للسايس واتجهت ناحيتهم بثقة وهي بتعدل من خصلات شعرهاسلمت على ليلى اللي مدحتها بمرح وهي بتغمز وبتتأملها من فوق لتحت_دي حاجة ١٧ خالص!ضحكت ياقوت واتجهت لياسين تسلم عليه اللي مسك إيديها وطبع قبلة على ضهرها وهو بيقول بنظرات لامعة_كل مرة بتبهريني يا ياقوتة حياتي!لوهلة ارتبكت واتوترت نظراتها لما لاح في ذاكرتها أيوبكان الدلع المحبب لاسمهاواللي كان بيطلع منه بشكل تانيصادقمليان مشاعر جربتها على إيديه هو بسشدت إيديها من إيده وهي بتعدل شعرها وبتبتسم بارتباكرغم محاولاتها المستميتة لنسيانه إلا إن كل حاجة بتفكرها بيه برضه!اتحركوا مع بعض ودخلوا للمكان اللي كان عبارة عن مطعم كبير بطاولات أنيقةاتجهوا لترابيزة معينة فشدلها ياسين الكرسي فابتسمتله بامتنان وقعدتوبعد أحاديث طويلة ومليانة مرح، سندت ليلى على إيديها وهي بتنقل نظراتها عليهم بعيونها البنية وقالت_ها يا حلوينناويين تعملوا الفرح امتى بقى؟ارتبكت ياقوت ولوهلة حست بنفسها بتختنق من الأكل، ففضلت تكح بقوة لدرجة إنها دمعت ووشها بقى شديد الاحمراراداها ياسين كوباية الماية بسرعة فخدتها منه وشربتها مرة واحدة وهي بتحاول تلقط أنفاسها وسط نظرات الخوف من ليلى وياسين اللي حط إيده على ضهرها وهو بيقول_بقيتي تمام؟هزت راسها ليه وهي بتبصله بتوتر، أما هو وجه نظراته لـ ليلى وهو بيقول_والله لو عليا نتجوز بكرا، بس لما تحن علينا الاستاذة ياقوت الأول!ضحكت ليلى وقالت بنظرات خبيثة_دي على السيرة بس كانت هتروح فيها، شايف الكسوف!ابتسمت ياقوت بارتباك عشان متحاولش تبين حاجة وقالت_مش حابة بس نستعجل يعني إحنا مخطوبين بقالنا شهرين بسصححلها ياسين وهو بيقول_وعارفين بعض بقالنا سنة و٣ شهور، يعني جو الخطوبات ده المفروض مش لينا ولا إيه؟هزت ياقوت راسها ليه وهي حاسة إنها وقعت نفسها ومش عارفة تهرب، ولكنها زفرت براحة لما ليلى قالت_برضه يا ياسين أنتَ عارف إن الجواز مسئولية وخطوة جريئة خاصة بعد تجربتها من جوازتها الأولى اللي اتغصبت عليها، خليها تاخد راحتهاابتسم ياسين واحتوى إيديها بين كف إيده وقال_لو عليا استناها العمر كله مفيش مشكلةنهى جملته ورفع كفها طبع عليه قبلة عميقة، فشاكلته ليلى بمزاح_سيدي يا سيدي على الرومانسية!خليكوا انتوا حبوا في بعض وسيبوا الشركة تضرب تقلب علشان زيارة بكراده بابا هيكهربنا كلنا!ضحك ياسين وقال_صحيح معرفتوش هيوصل امتى؟مطت ليلى شفايفها وقالت في حين ماسكة كاس فيه مشروب بين إيديها وبتشرب منه_تقريبًا طيارته هتوصل الساعة ٣تابعتهم ياقوت باهتمام وقالت_لحد دلوقتي لسة محددناش هيمولنا بقد إيهريح ياسين ضهره على الكرسي وقال_بعد ما نحدد الفندق اللي هنبنيه هيحتاج كام طن حديدلسة لحد دلوقتي مخلصناش الشكل النهائي للفندق كل اللي حددناه يدوب المساحةكل ده بقى هنشوفه لما الضيف اللي شريف بيه العمري طالع بيه السما ييجي_ده شريف بيه العمري هيعلقنا كلنا لو روحنا الشغل متأخر بسبب سهرتنا دي!قالتها ليلى بضحك فضحكوا كلهم عليهاشريف العمري هو والد ياسين وليلى، والدهم صاحب شركة مقاولات واستقر هنا في ألمانيا ولكن لسة بيدير مشروعات في مصر، زي مشروع الفندق اللي محتاجله تمويلاشتغلت في الوقت ده اغنية هادية، فقام ياسين وقف وهو بيعدل من چاكيت بدلته الرصاصي وبيمد إيده لياقوت وهو بيقول_بما إننا كده كده هنتهزأفاسمحيلي استمتع باللحظات الأخيرة قبل التهزيقضحكت ليلى وياقوت بشدة، ولكن في النهاية إديته ياقوت كفها وقامت معاه واتحركوا لوسط الناس اللي قاموا يرقصوا مع الاغنيةكانوا قريبين من بعض، في حين ياسين محتويها ومقربها منه، نظراته كان الحب واضح عليهم، من أول يوم شافها وهي جذبتهشخصيتها العنيدة ووالقوية رغم الحيرة والتوهة اللي كانت فيها لما ليلى عرفتهم عليهاولكن حس إنها مش هتبقى شخص عاديعيونه البنية كانت بتلمع وهي بتبصلها، أما هي كانت حاسة بارتباك وتوتر ملحوظرغم إنها وافقت على خطوبتهمولكنها كانت محاولة تنسيها أيوب بعد ما يأست من إنها تنساهولكن مكانتش مدركة إنها بالفعل غرست ومتقدرش تخرج من الوضع اللي حطت نفسها فيه وإلا هتخسر كل حاجةوفين أيوب؟مش موجودومتعرفش ممكن يشوفوا بعض امتى تانيومدركة إن حتى لو شافوا بعض فاستحالة يرجعوا بعد كل الاحداث اللي حصلت وسابت ندوب فيهمإذن لا مانع من الاستقرار حتى لو قلبها ملهاش سلطان عليهجذبها من خصرها أكتر ليه وقال بصوت ناعس_مش ناوية ترجعي شعرك الأشقر تاني؟ابتسمت وهي بتحاول تخلي مساحة بينهم وقالت_حابة البني عليا أكتررفع إيده وملس على شعرها ومنها لمساته اتجهت لخدها وهو بيقول_أنتِ حلوة في كل حالاتكبلعت ريقها بتوتر، حاسة بالذنب قصاد الحب اللي شايفاه في عيونه وتصرفاته، ولكن ما باليد حيلةكالعادة بترجع تفوق متأخر ومبتتعلمش من غلطاتهاانتهت الرقصة في الوقت ده، فبعدت عنه أخيرًا وهي بتصقف مع الناس، وكإن الدقايق اللي عدت في قربه كانت جحيممش قادرة تقرب لحد غيرهمش قادرة تتخيل نفسها لحد غيره ودي حاجة مسببالها غضب كبير من نفسهااتحركت ليلى ناحيتهم وهي بتقول باستهزاء_مش يلا ولا إيه يا عصافير الحبشريف بيه كلمني وقال هيصطادنا كلنا عصفورة عصفورة لو مروحناش دلوقتي وجهزنا لبكراضحكوا على كلامها واتجهوا بالفعل لبرا، ودعتهم ياقوت وركبت عربيتها واتجهت لمكان سكنها اللي مكانش بعيد كتير عن المطعم اللي كانوا سهرانين فيهطلعت شقتها وقلعت جذمتها اللي كعبها عالي وهي بترميها بإهمال وحدفت شنطتها على الأرض واترمت على السرير وهي باصة للسقف بتوهةكل ما بتحاول تعيش ذكراه بتنغص عليها حياتهامش عارفة تعيش من غير ما يكون هو في بالهارغم عنها حست بدموعها بتسيل على وشهاانكمشت على نفسها في وضع الجنين وهي بتنحب بألم لحد ما راحت في النوم وهي على وضعها…ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدخلت الشركة وهي بتبص حواليها باستغراب، الوضع بالفعل مقلوب، الموظفين بيجروا حوالين بعض عشان يقدروا ينهوا كل حاجةوقفت مكانها تبص ليهم باستغراب، لحد ما شافت ليلى بتقرب منها وهي بتقول_لا صحصحي كده مش وقت استغرابشريف بيه مولع على الآخربصتلها وهي بتبلع ريقها بتوتر، فكملت ليلى بأسف_سأل عليكي ٣ مراترفعت ياقوت إيديها في وشها بدهشة_٣ مرات؟ردت ليلى بضحك_٣ مرات يا سيداستلمي بقىسابتها ليلى وجريت تكمل في وشها، فاتوجهت ياقوت بقلق ناحية أوضة الاجتماعات اللي كان قاعد فيها، خبطت على الباب كذه مرة بارتباك لحد ما سمعت صوته بيأذنلها تدخل، فتحت الباب بتوتر ولكن انتفضت برعب لما لقته بيزعقلها_ما لسة بدري يا هانممسئولة العلاقات العامة جيالي الساعة ١٢ الضهر!نقلت نظراتها بينه وبين ياسين اللي كان قاعد منكمش وبيحاول يكتم الضحك، بصتله ياقوت بتوعد فضحك وهو بيقول علشان ينجدها من عصبيته_معلش يا بابا ا….اتوجهت نظرات شريف لابنه وهو بيقول بحدة_أنتَ تسكت خالص، أكيد تأخيرها ده أنتَ السبب فيه مفيش حد غيرك هيفسدها!بصتله ياقوت بشماتة فجز ياسين على اسنانه، دخلت ياقوت وحطت شنطتها على الترابيزة وهي بتقول برقة_قلقان ليه بس يا شريف بيه ما لسة طيارته هتوصل الساعة ٣!رد عليها شريف بتريقة_٣!!ده مين الحمار اللي قالك كدهدخلت ليلى في الوقت ده وهي سامعة إهانتها وهي بتقول_انا الحماراتعصب شريف أكتر وقال بحدة_طبعًا ما أنا مشغل عبطواحدة مقضياها أكل ومرعى وقلة صنعةوالتانيين ناقص اجيبلهم شجرة واتنين لمون!كان ياسين من وراه منهار في الضحك في حين ليلى وياقوت بيتوعدوله، أول ما اتلفت ليه شريف اتعدل واتنحنح متصنع الجدية، وجه شريف كلامه لياقوت_الممول وصل ألمانيا من ساعة يا هانم وفي طريقه لهنااتفضلي جهزي نفسك عشان تستقبليه من تحت!هزت ياقوت راسها بسرعة وجريت على برا كإنها ما صدقت خلصت منهوسابت ليلى وياسين ياخدوا دورهم من التهزيقجهزت نفسها وعدلت من شكلها قصاد المرايةكانت لابسة ميني چيب وعليها بليزر تحته شميز أبيض، رابطة شعرها ديل حصانلفت حوالين نفسها قصاد المراية تتأكد من هيئتها اللي مفقدتش رونقهالسة ملفتة زي ما هي!وبعدين اتجهت لبرا وهي بتشاور لعدد من الموظفين يلحقوهانزلت لتحت قدام الشركة في نفس الوقت اللي وصل فيه حوالي ٣ عربيات ضخمةرسمت على وشها ابتسامة رسمية ووقفت بتأهب وهي شايفة باب العربية بيتفتح وبينزل منه وهو بيخلع نضارته الشمس وللحظة اتجمد لما وقعت عينه عليهااتمحت الابتسامة اللي كانت على وشها واتوسعت عينيها بصدمةومع اضطراب دقات قلبها من شوفته رددت بهمس_أيوب….
رواية العابثة الصغيرة الفصل الخامس 5 - بقلم سوليية نصار
اليوم التالي.
- باسك؟!!!
صرخت منال بفزع، لتزجرها دعاء وتقول بعنف:
- ما توطي صوتك يا ست... كفاية اللي أنا فيه!
اختنق صوت دعاء وتصاعدت الدموع لعينيها البنية وقالت:
- معرفش حصل إزاي... هو كان سخن... كان بيهلوس باسمها.
- اسم مين؟
- اسم نيرمين... مراته اللي خانته... قربت بس عشان أسمعه بيقول إيه، فقام شدني وباسني.
وضعت دعاء كفها على فمها وشرعت تبكي. تشعر بغليان قلبها، وليتها تعلم السبب. أو هي تعلم بالفعل ولكنها ترفض الاعتراف. فالاعتراف يعني تقبل مشاعرها وهذا مستحيل... مستحيل أن يحدث.
نظرت إليها منال بشفقة ثم ضمتها إليها وقالت برفق:
- خلاص أهدي... أهدي.
ظلت لبضع لحظات تبكي بين ذراعيها، بينما منال تضمها أكثر وأكثر. أخيراً ابتعدت دعاء عنها وهي تمسح دموعها وقالت:
- أنا لازم أسيب الشغل... كده مينفعش. هدور على شغل تاني بس مش هستمر في المسرحية السخيفة دي، مستحيل.
أمسكت منال كفها وقالت باعتراض:
- بس يا دعاء...
- من غير بس يا منال... أنا دخلت بيت واحد على أساس إني راجل واشتغلت عنده... وصممت إني أبّات عنده لما تعب، وادي شوفتي اللي حصل.
- طيب ممكن تهدي...
زعقت دعاء:
- لا مش ههدي وهسيب الشغل... انتي ليه مش حاسة بيا؟... ليه مش فاهماني؟ أنا مينفعش أروح هناك بعد النهاردة.... أنا.....
- انتي بتحبيه.
تجمدت دعاء وهي تنظر إليها بذهول. ثم ضحكت بسخرية وعصبية قائلة:
- بطلي تخلف! أحب مين!
- طيب ورحمة أمي بتحبيه يا دعاء، باين عليكي يا حبيبتي!
أحمر وجهها، خجلاً، غضباً، وإحراجاً. لقد واجهتها منال بما ترفض الاعتراف به. واجهتها بالمشاعر الغامضة التي تخفيها في قلبها. مشاعر فضلت ألا تطلق عليها اسم، فضلت أن تغطيها للأبد. ولكن ها قد أتت منال ببساطة وعرت مشاعرها. هل هي حقاً تحبه؟! هل وقعت أخيراً في حب رجل قاسٍ يكره النساء؟! أغمضت عينيها وهي تتذكر الطريقة التي ينبض بها قلبها عندما تراه أمامها. جسدها كله يرتعش بقوة وتشعر أن قلبها سوف يخرج من جسدها ويهرب. عندما يعاملها بلطف ويضحك لها تشعر أنها أسعد نساء العالم. كيف يمكنها التغاضي عن هذا؟ هي فعلاً تعشقه، تحبه. انسابت دموعها مرة أخرى وهي تنظر إلى منال وتقول بصوت مختنق:
- مينفعش!
- مينفعش إيه يا دعاء؟
شهقت دعاء وقالت:
- مينفعش أحبه... مينفعش...
ربتت منال على كتفها وقالت:
- بس الحب يا دعاء مش بإيدينا.
هزت دعاء رأسها وقالت:
- انتي مش فاهماني يا منال... ليه مش قادرة تفهمي؟ أنا مش هستفيد حاجة من الحب ده... قلبي هيتوجع وبس... روحي هتتحرق وأنا اللي هخسر في الآخر... هخسر قلبي وسعادتي وكرامتي كمان. رائد مش هيبص لواحدة زيي... رائد عامل زي النجمة البعيدة أنا مقدرش أطولها ولو حاولت هتحرقني الشمس. عرفتي ليه مش عايزة أحبه... لأن هو لاغي الحب من حياته بسببها... رغم خيانتها مش شايف غيرها.
وضعت كفها على فمها وهي تكتم شهقاتها. ربتت منال على كتفها بمواساة. نظرت إليها دعاء وهي تقول بنبرة تغلي غيرة وقهر:
- كان بيقول اسمها وهو نايم... كان بيقول أنه بيحبها يا منال.... بعد ده كله بيحبها تخيلي.
- الآه... هو إحنا هنبدأ نغير ولا إيه؟
أشارت دعاء إلى نفسها وقالت:
- أنا بغير عليه؟!
- أيوة بتغيري.
شهقت بكاءً وهي تقول:
- يعني باين إني غيرانة عليه صح!
ضحكت منال وقالت:
- بصراحة الأعمى ذات نفسه يشوف غيرتك دي...
بكت دعاء وارتمت بحضن منال وهي تقول:
- منال أنا مش عايزة أحبه!
قلبت منال شفتيها بسخرية وقالت:
- تحبيه إيه بس! انتي وقعتي وقعة سودة يا حبيبتي. عيطي يختي عيطي.
............
ذهبت إلى العمل وقد قررت وانتهى الأمر. ستترك هذا العمل. ربما أن ابتعدت عنه ستنساه. هذا صعب صحيح، ولكن ليس مستحيل. فهي فتاة لا تملك رفاهية الحب، خلقت فقط لتشقى. لطالما فكرت هكذا، ولكن لم تقنط يوماً بل اعتبرت الأمر ابتلاء من الله. فعندما ماتت أمها صبرت، وعندما تركها والدها وتزوج صبرت. ولكن حقاً تعبت الآن. لا تريد أن تتعلق بأحد فيخذلها مجدداً. لا يمكن.
ولجت إلى المنزل لتجده أمامها بوجه متجهم للغاية. ارتبكت واحمر وجهها وهي تراه أمامه يبدو ضعيفاً للغاية. ما زال المرض يؤثر به. تكلم بصوته المبحوح قليلاً وقال:
- ليه جيت يا داوود؟ عم منعم قال إنك سهرت قصادي للصبح. أنا حتى روّحته. روح أنت كمان وارتاح.
أطرقت دعاء وقالت:
- لا يا باشا أنا هقعد معاك النهاردة... مقدرش أسيبك وأنت تعبان كده.
- بس انت منمتش. اسمع الكلام ونفذه.
- يا باشا لو سمحت انت لسه تعبان. روح على سريرك وأنا هجهز الفطار فوراً.
نظر إليه رائد بحيرة لما كل هذا الاهتمام من قبله.
.......
كان جالس على فراشه ورأسه يعيد ذلك الحلم الغريب ويتساءل هل حقاً كان حلم؟ بل كابوس غريب من قبله أم حقيقة؟ فتصرفات داوود تثير الريبة. هل يكون ما يفكر به صحيحاً؟ وضع كفه على رأسه وقال:
- ده إيه الورطة دي يا ربي... لا يا رائد بلاش ظلم... بس أنا هتجنن. إزاي حلمت إنه باسني!!! هو أنا اتجننت ولا إيه!! ياربي إيه اللي بيحصلي بس.
ولجت دعاء وهي تحمل صينية الإفطار ووضعتها على الفراش ثم ابتسمت وقالت:
- الفطار أهو يا بيه. أفطر عشان تاخد دواك.
ودون انتظار خرجت وأغلقت الباب سريعاً وهي تضع كفها على قلبها وهمست:
- الله يخربيتك أهدي شوية. انت دايماً كده فاضحني. ما تضخ الدم من غير دوشة. لازم تدخل في متاهات الحب. عاجبك الوجع اللي انت فيه دلوقتي. يا ربي أنا قولت إني جاية عشان أقوله إني همشي. إيه اللي خلاني أقعد وأحضر الفطار كمان!! أنا بعد الغدا بإذن الله هقوله كده.
ثم هزت رأسها وهي تبرر:
- أيوة أنا همشي بعد الغدا. ما هو ميصحش مغديش الراجل وهو تعبان كده.
ثم ذهبت لتكمل عملها.
............
في مكان ما.
قدم لها جابر الملف بأكمله وقال:
- ودي كل تحركاته يا هانم. روتينه نادراً ما يتغير. غير إن بيته مش مأمن كفاية. أي حرامي شاطر يقدر يدخله.
ابتسمت سميرة بشر وقالت:
- جميل يا جابر.
ثم أعطته مبلغاً محترماً من المال وقالت:
- إحنا كده عارفين كل تحركاته. فاضل بس تقتله زي ما طلبت منك وهديك باقي المبلغ.
- تمام يا هانم.
ابتسمت وقالت:
- مش عايزة أي غلط يا جابر... أنا عايزة تحصل مجزرة حرفياً. رائد غنيم لازم يتعذب الأول قبل ما يموت.
...........
كانت تتطلع إليه بحنان وهو يأكل حساء الخضار الذي أعدته. فأخيراً رضخ لها وقبل بالحساء. حسناً، هو تحسن كثيراً عن البارحة ولكنه ما زال مريضاً قليلاً.
نظر إليها رائد وعقد حاجبيه بحيرة. نظرات داوود لا تريحه. وما لا يريحه أكثر هو الحلم الغريب الذي حلم به. لقد حلم أنه كان يقبله، يقبل داوود! لم يكن حلم بل كابوس بالطبع وشيء مقزز أيضاً. فكيف يحلم بهذا؟ يبدو أن مكوثه طويلاً مع الرجال جعله يفقد عقله. حمحم رائد وقال:
- معلش يا داوود، ممكن تروح تعملي حاجة سخنة أشربها عقبال ما أخلص طبق الشوربة.
هزت دعاء رأسها بالإيجاب ثم ركضت للمطبخ. أخذت تجهز له "يانسون" بنشاط وسعادة. لقد تقبلت الأمر. هي تحبه. فتلك النبضات ملكه. فالقلب لا يكذب. هو ينبض فقط لمن يحب. وهي وقعت في الحب. ولا يهم ما الذي سيحدث بعد الآن. فلتعش كل يوم بيومه ولا تفكر بالمستقبل. انتهت من إعداد "اليانسون" ثم ذهبت به إليه وقالت مضخمة صوتها:
- أهو أجمل يانسون لأجمل رائد.
- أفندم؟ بتقول إيه؟
- هو أنا بقول إيه صح... معلش يا بيه زلة لسان.
نظر إليه رائد مضطرباً وقد ازدادت شكوكه. هل يعقل أن هذا الشاب قد قبله فعلاً وليس حلماً؟
شهق ووضع كفه في فمه. يا إلهي هل يكون لديه ميول منحرفة؟ يا إلهي هل هو قد تخلص من النساء لكي يشتبك مع الرجال؟ إن الأمر لفضيحة كبرى.
نظرت دعاء إلى شروده واضطرابه بتوتر. ودون وعي لمست كفه وقالت:
- خير يا بيه؟ فيه حاجة؟
انتفض رائد وزعق:
- متلمسنيش!
ثم ذهب إلى غرفته وأغلق الباب وهو يضع كفه على قلبه الذي يدق بقوة غريبة.
- فيه إيه اللي بيحصلي ده؟!
ثم أمسك هاتفه واتصل بلؤي.
- الو لؤي.... تعالي فوراً! من غير كلام تعالي أنا عايزك.
ثم أغلق الهاتف وجلس على الفراش واضعاً رأسه بين كفيه، بينما ما زال يشعر بلمسة داوود على كفه! وأخذ عقله يتساءل ماذا يحدث معه بالضبط!!
.........
بعد نصف ساعة كان قد وصل لؤي تلبية لطلب صديقه الذي يتصرف مؤخراً بطريقة غريبة للغاية.
ابتسمت دعاء وهي تقول بصوت خشن:
- أهلاً أستاذ لؤي. رائد بيه مستنيك في أوضته فوق.
- شكراً يا داوود. أنا طالع.
ثم صعد الأدراج بسرعة، بينما عادت دعاء إلى عملها.
....
ولج لؤي لغرفة رائد فوجده قابعاً على الفراش دافناً وجهه في كفيه. نظر إليه لؤي بخوف واقترب قليلاً وقال:
- فيه إيه يا رائد؟ خضتني.
نهض رائد وأمسك كفه قائلاً:
- الحقني يا لؤي أنا واقع في مصيبة!!!
.............
- إيه اللي انت بتقوله ده يا رائد؟ أنت مجنون؟! أكيد انت فهمت الموضوع غلط.
قالها لؤي مصدوماً. ليهز رائد رأسه ويقول:
- ياريتني كنت فهمت الموضوع غلط زي ما بتقول يا لؤي... لكن أنا فعلاً شبه متأكد أن داوود ده منحرف. نظراته ليا غريبة... ولو لمست إيده من غير قصد يتكسف ووشه يحمر... وبعدين أنا شاكك أنه باسني وأنا نايم.
كان يحتسي لؤي العصير ولكن عندما أخبره رائد بهذا بصق كل ما شربه ثم أخذ يسعل بقوة وهو يقول:
- متهزرش! عمل كده!!!
مط رائد شفتيه وقال:
- بصراحة أنا شاكك بس مش متأكد. أنا كنت ساعتها سخن. لؤي... أنا بدأت أخاف منه. ما هو أنا مش هخلص من الستات ييجيلي رجالة.
ضحك لؤي وقال غامزاً:
- أيوة يا سيدي حظك في السما... مطلعش كل الستات بتحبك وبس ده طلع فيه رجالة كمان.
ثم أكمل لؤي ضحكه ليلقي عليه رائد الوسادة ويقول:
- بطل بواخة بقا وشوفلي حل.
- طيب ما تمشيه.
توتر رائد وقال:
- إزاي بس يا لؤي؟ هقطع عيش الراجل. بعدين هو مريحني.
غمز لؤي مرة أخرى مشاكساً وقال:
- مريحك إزاي يعني؟ عندي فضول أعرف!
- يا أخي بطل سخافة مش وقت هزارك.
هز لؤي كتفيه وقال:
- ما دام متأكد أنه مش مضبوط خلاص اطرده، يا رائد هو ده الحل الوحيد.
أطرق رائد وقد أوجعه قلبه لسبب مجهول وقال:
- عندك حق. هطرده.
ابتسم لؤي وقال:
- صحيح، ده عين العقل. ولو قدرت انصحه يستشير دكتور.
هز رائد رأسه برفض قاطع:
- لا مقدرش أقوله كده. وزي ما قولتلك إحنا مش متأكدين بس أنا مش مرتاح لنظراته.
- تمام يبقي مشيه بس من غير ما تقول أي أسباب.
- هو ده اللي هيحصل.
...........
كانت تنظف المطبخ عندما ولج رائد. تطلعت إليه دعاء بوجه محمر كالمعتاد لتجده يعطيها ظرفاً.
- إيه ده يا بيه؟
تنهد بعمق وقال:
- دي زي مكافأة آخر الخدمة. أنت مطرود من الشغل يا داوودي.
رواية العابثة الصغيرة الفصل السادس 6 - بقلم سوليية نصار
شحب وجه دعاء وهي تسمع قرار رائد الصادم. صحيح هي من كانت تريد أن تبتعد عنه، ولكن أن يخبرها أن طردها بتلك الطريقة جرحها بعمق. لم تستطع منع السؤال الذي خرج من فمها:
"ليه يا بيه؟ أنا عملت حاجة؟ زعلتك في حاجة؟ شغلي وحش يعني ولا إيه؟"
شعر رائد بالذنب. لم يعرف ماذا يقول لها. هل يصارحها بالحقيقة أنه يشك بميولها، لذلك يطردها بعيدًا؟ عقله توقف عن العمل وهو يطالع ذلك الشاب الذي ينظر إليه بحزن بالغ. يقسم أنه لمح طيف الدموع في عينيه. أحس باليأس لأنه سيقطع رزقها.
لذلك سريعا عقله اهتدى لفكرة ما وقال:
"لا طبعًا معملتش حاجة، بس انت بصراحة طيب وأنا كنت حابب أرد جميلك، عشان كده شوفتلك شغل أحسن."
هزت دعاء رأسها وقالت وهي تمنع نفسها من البكاء:
"بس أنا حابة، أقصد حابب أقعد معاك هنا… مش عايز أي شغلانة تانية."
"صدقني يا داوود، الشغلانة دي حلوة وفلوسها أكتر، يا بني شوف مصلحتك."
اعترضت دعاء وقالت:
"أنا عايز أبقى معاك، أنا مصلحتي هنا."
لم تعرف حقا ما بها. إنها بكل غباء تثير الشك بنفسها. قد يتوصل رائد إلى حقيقة أنها فتاة وليست شابًا. لكنها يائسة، على الرغم من أن كانت رغبتها هي أن تبتعد عنه حتى لا تتعلق به أكثر. ولكن أخيرا اكتشفت أنها غرقت في حبه حتى أذنيها. لقد فات الأوان، هي لن تستطيع اقتلاعه من قلبها بعد الآن. وكان إن أبعدها هو، فهذا يعني أنه يحكم عليها بالإعدام.
نظر رائد بريبة إليها، وقد ازداد خوفه وشكوكه. لذلك ارتدى قناع الصرامة وقال بصوت عالٍ متسلط:
"وأنا مش عايزك تشتغل معايا يا داوود، أنا حر! إما تاخد الشغل اللي أنا جبته وتمشي، أو تمشي وخلاص. لكن أنك تشتغل عندي ده مرفوض، اتفقنا."
أطرقت دعاء وقالت:
"أمرك يا بيه، أنا همشي… ومش عايزة الشغل التاني."
***
كان الناس يتطلعون إليها بحيرة وهم يرونها تبكي بتلك الطريقة في أحد المواصلات العامة. تشجعت سيدة بجوارها وأمسكت كفها وهي تقول:
"مالك يا بنتي بس؟ من أول ما ركبتي وانتي بتعيطي."
نظرت إليها دعاء وقالت:
"سيبني بعد الحب اللي حبتهوله ده، طردني من حياته… تخيلي."
"مين ده اللي سابك يا بنتي؟"
تدخلت إحدى النساء لترد أخرى:
"أكيد خطيبها… معلش يا حبيبتي، هما الرجالة كده ميملاش عينيهم إلا التراب."
لم تعلق دعاء، حتى لم تكتراث وتصحح لهم معلوماتهم، بل جعلتهم يسبونه لأنها حقا غاضبة منه. غاضبة من قلبها الذي يتعلق بالأشخاص الخاطئة تمامًا.
***
"مال وشك يا بت انتي؟ معيطة؟"
قالتها منال وهي ترى وجه دعاء المحمر وعينيها الدابلة والحمراء كالدماء. ارتمت دعاء بين ذراعيها وهي تقول:
"طردني يا منال… طردني."
"طيب افهم دلوقتي، انتي كنتي عايزة تمشي ليه؟ زعلانة دلوقتي؟ أهو كويس أنها جات من عنده."
ظلت دعاء تبكي ولم ترد عليها، فاغتظت منال وقالت:
"يا بت انتي متجننيش… انتي اللي كنتي عايزة تبعدي صح؟"
"صح."
"اومال ليه بتبكي دلوقتي؟"
نظرت إليها دعاء بحزن وقالت:
"مش عارفة يا منال، بس لما طردني قلبي وجعني… أنا بحبه يا منال، مش هقدر ابعد عنه."
ثم ارتمت مرة أخرى تبكي بين ذراعيها.
حركت منال شفتيها يمينًا ويسارًا وقالت:
"يقطع الحب وسنينه يا اختي."
***
"خلاص يا رائد، أنت ليه متضايق… كويس أننا مشيناه من غير مشاكل."
لم يرد عليه رائد، بينما شعور غريب يعصف بداخله بقوة. لقد طرده وارتاح من تلك الوسواس التي تنتابه بسببه. إذن لماذا هذا الشعور؟ لماذا يشعر بذلك الفراغ؟ ونظرة داوود الحزينة لا تفارقه. ماذا حل به بحق الجحيم؟
"رائد."
لمس صديقه كفه بتوجس. ليبعد رائد كفه بسرعة وينظر إليه.
"مالك يا رائد؟ مش على بعضك ليه؟ كل ده عشان مشيته؟"
"حاسس بالذنب، هو معملش حاجة وحشة معايا."
"بس لو كان قعد يا رائد، كانت الشكوك هتملي عقلك بسببه، فالأحسن أنك تمشيه. وبعدين أنت عرضت عليه شغل تاني وهو رفض… خلاص كبر دماغك."
هز رائد رأسه وقال:
"عندك حق."
***
بعد أسبوع.
ولجت دعاء إلى المنزل بتعب. جلست على الأريكة بتعب وعينيها البنية تلمعان بدموع محبوسة. منذ أسبوع وهي تبحث عن عمل ولا تجد. فأصبح هذا روتين يومها، تقضي كل النهار تبحث عن عمل حتى تعود آخر النهار منهكة. ثم تقضي الليل طوله تبكي وتفكر به. لا تستطيع إخراجه من عقلها، فكيف تخرجه وهو احتل كل جزء من روحها. ظنت أنها ستنساه عندما تبتعد عنه، ولكن على العكس تمامًا، كل يوم يزداد اشتياقها له. شوقها كالنار لا يهدأ. وقلبها المسكين يعاني.
"ها يا دعاء لقيتي شغل؟"
سألتها منال وهي تجلس بجانبها. لتهز دعاء رأسها بيأس ثم تمسح الدموع التي انسابت من عينيها. نظرت منال بحزن إلى صديقتها وربتت على كتفها وقالت:
"هتلاقي إن شاء الله."
هزت دعاء رأسها وهي تبكي قائلة:
"مظنش يا منال… أنا بقالي أسبوع بدور مفيش فايدة!"
"ليه مقبلتيش عرض رائد يا دعاء؟ كان زمانك شغالة دلوقتي…"
نظرت إليها دعاء بلوم وقالت:
"إزاي تقولي كده يا منال؟ بعد ما طردني من غير ما أعمل حاجة عايزاني كمان أقبل أنه يساعدني؟ إزاي بس."
"يا دعاء أنا قصدي بس…"
"قصدك إيه يا منال؟ بس بقولك الراجل طردني من غير ما أعمله أي حاجة، بعدني عنه… وعشان ميحسش بتأنيب الضمير عرض عليا يشغلني… قوليلي إزاي أقبل."
بكت دعاء وهي تربت على قلبها وتقول:
"ليه عمل كده؟ ليه طردني من حياته بالسهولة دي؟"
"بس انتي يا دعاء كنتي عايزة كده عشان تنسيه."
ضحكت دعاء بسخرية وقالت:
"وياريتني نسيته يا منال… بحاول أطلعه من عقلي مش قادرة… كل يوم بفكر فيه أكتر… كل يوم."
ضمتها منال إليها وقالت:
"هتنسي يا دعاء، هتنسيه… مسألة وقت بس." ثم ضحكت وقالت بمزاح: "يختي يقطع الحب وسنينه… أنا عمري ما حياتي ما هفكر أحب ابدا… يا بت الرجالة ميستهلوش الحب."
ابتعدت دعاء عنها وقالت:
"اومال مين اللي يستاهل؟"
ضربتها منال على كتفها وقالت:
"طاجن السمك اللي أنا عملاه يستاهل… يالا بلا حب بلا نيلة اغسلي إيديكي واندعي أخوكي خلينا ناكل."
ضحكت دعاء ومسحت دموعها وقالت:
"عندك حق، بلا حب بلا نيلة."
***
جالس على الأريكة بوجه متجهم. نظرات داوود الحزينة لا تفارقه وشعور بالفراغ يسكن روحه. أهذا هو الشعور بالذنب؟ هل يعقل لرجل طرد جميع النساء بشركته أن يشعر بالذنب لأنه قطع رزق شاب؟ أغمض عينيه وهو يحاول طرده من عقله. تأفف ونهض وهو يقف أمام النافذة. ظهره متوتر بالكامل.
وقف لؤي خلفه وهو منزعج وقال بعصبية:
"بقالك أسبوع مجيتش الشغل، يا رائد أنت بتستهبل ولا إيه؟!"
لم يرد عليه. ليهزه لؤي ويقول:
"رائد أنا بكلمك!!"
نظر إليه رائد بحزن وقال:
"أنا متضايق بسبب اللي عملته في داوود… ضميري بيوجعني أووي يا لؤي… نظراته الحزينة مش مفارقاني."
"أنت سامع نفسك بتقول إيه يا رائد… أنت اتجننت؟ سايب شركتك تغرق عشان طردت داوود؟"
"أنا… أنا…"
غضب لؤي وزعق:
"أنت إيه يا رائد؟ مالك فيه إيه؟ أنا عمري ما شوفتك كده… بعدين الصح أنك طردته بعد اللي حكيته عنه!"
أمسك ذراعه وقال:
"ويالا على شغلك يا رائد، بلاش سخافة."
ابتعد رائد ونظر إليه وقال:
"أنا قررت أرجع داوود الشغل."
"نعم يا أخويا!!!!"
***
كانت جالسة تبحث عن وظيفة بأحد المجموعات الإلكترونية على الفيس بوك عندما رن هاتفها فجأة. شهقت وألقته بعيدًا عندما رأت المتصل، والذي لم يكن إلا رائد. بتوتر أمسكت الهاتف وردت. أغمضت عينيها ما إن اقتحم صوته أذنها. بضعة ثوانٍ وقال لها ما يريده بالضبط ثم أغلق الهاتف.
ضمت الهاتف لقلبها وهي تتنهد مبتسمة، بينما غمازاتها الرائعة تبرز بقوة. وقفت منال أمامها وهي تتطلع إلى دعاء الغارقة بأحلامها الوردية. كانت حقا متعجبة من حالتها تلك. صفقت أمام عينيها وقالت:
"انتي يا أمي فوقي شوية كده وقوليلي ليه متنحة بالشكل ده؟!"
"رائد اتصل بيا."
"وعايز إيه ده كمان؟"
نهضت دعاء وقالت بسعادة:
"عايز يرجعني الشغل."
نظرت إليها منال بصدمة وقالت:
"وانتي فرحانة؟"
جمعت دعاء أشياءها وأزياء التنكر خاصتها وقالت قبل أن تذهب:
"ده أنا هطير من الفرحة."
ثم ذهبت. أخذت منال تهتف باسمها:
"بت يا دعاء…. يا دعاء لمي كرامتك المتبعثرة دي…. يخربيتك يا دعاء ويخربيت الحب اللي ضيع دماغك."
***
وقفت دعاء أمامه بتوتر. كان ينظر إليها بتركيز. لم يركز معها بذلك الشكل أبدًا، وهذا جعلها تتوجس قليلا لدرجة أنها أخذت تعدل من الباروكة القصيرة لتتأكد أنها على رأسها. تنهد رائد وقال:
"ابدأ أنت شغلك يا داوود، ولما أجي هتكلم معاك بإذن الله."
هزت دعاء رأسها، بينما ذهب كلا من رائد ولؤي إلى العمل.
تنهدت دعاء براحة ثم ذهبت لإتمام الأعمال المنزلية.
***
كان يجلس على مكتبه براحة. الإبتسامة لا تفارق شفتيه وشعور بالرضا يملأ روحه بعد أسبوع من الفراغ التام. وضع لؤي كفه على جنته وهو يراقب صديقه الذي تبدل حاله بسرعة ما إن أعاد داوود. وجهه أشرق والحماس دب في أوصاله، مما جعل الشك أيضًا يخترق قلب لؤي بخصوص صديقه. شكوك مرعبة حاول طردها فلم يفلح. رائد يعرف ميول داوود ورغم هذا تركه يقترب منه. لماذا يا ترى؟ قرر أن يسأله، فهو لن يدع نفسه فريسة للشكوك.
"رائد."
"نعم."
تنهد لؤي ثم أكمل وقال:
"إزاي تخلي داوود يقرب منك تاني بعد اللي عرفته عنه؟"
"ضميري وجعني يا لؤي، وبعدين أنا مش متأكد."
غضب لؤي وقال ساخرًا:
"ضمير إيه يا رائد… هو أنت عندك ضمير؟ ده انت طردت كل البنات اللي بتشتغل في شركتك وقطعت عيشهم… دلوقتي ضميرك بيأنبك عشان واحد شاكك في ميوله."
"قصدك إيه؟ مش فاهم."
نهض لؤي وقال:
"لا لازم تفهم وتشوف تفكيرك وتصرفاتك… ليه الاهتمام الشديد بالشاب ده؟… ليه لما رجعته تاني شكك رجع ينور؟"
ابتلع رائد ريقه وقال بتوتر:
"أنت بتلمح لإيه بالضبط؟!"
"رائد الواد ده قدر يأثر عليك."
نهض رائد بعنف وقال:
"إيه اللي بتقوله ده؟ أنت اتجننت؟!"
"لا متجننتش يا رائد، أنت اللي تصرفاتك غريبة… أعقل يا رائد وشوف نفسك."
ثم تركه وذهب لينهار هو على المقعد ويشعر بالدوار. هل يمكن هذا؟ هل هو يفكر بتلك الطريقة؟ لا لا… هذا مستحيل. إذن لماذا الاهتمام الشديد بذلك الفتى؟ لماذا يشعر بالسعادة بجانبه؟ لماذا شعر بالفراغ القاتل عندما ابتعد أسبوع وعندما عاد شعر وكأن الحياة عادت له من جديد. وقف بتوتر وهو يهز رأسه بعنف شديد ويقول موبخًا:
"إيه اللي أنا بفكر فيه ده؟ ده شاب!!! … أنا اتجننت ولا إيه…. لؤي عنده حق، أنا فعلا اتجننت…. ياربي أعمل إيه دلوقتي… أنا مش من النوع ده…."
رفع سماعة الهاتف واستدعى لؤي.
***
"اقتنعت دلوقتي بكلامي؟"
هز رائد رأسه بيأس وقال:
"دي مصيبة! إزاي أفكر كده؟!"
كاد أن يمسك كف لؤي إلا أنه ابتعد وقال:
"لا يا أخويا متلمسنيش، أنت دلوقتي أمرك مشكوك فيه."
"يا لؤي بطل سخافة وقولي أعمل إيه."
"الموضوع بسيط يا نجم، أنت بس مشوش لأن بقالك فترة بعيد عن الستات… أنت بعد ساعتين كده هتيجي معايا مكان لطيف وتسهر مع بنت لطيفة وساعتها هتحس أنك طبيعي."
"متأكد من الكلام ده؟"
"مية في المية… بس اتصل بداوود قوله أنك احتمال تبات برة."
هز رائد رأسه.
***
في المساء.
في أحد النوادي الليلية الشهيرة كان يقف متصلبًا بجوار تلك المرأة التي تمرر كفها على وجنته. ضحكت بعمق وهي تنظر للؤي وتقول:
"إيه يا لولو؟ هو مال صاحبك كده كاشش في نفسه؟"
غمز له لؤي وقال:
"ولا كاشش ولا حاجة، ما هو طبيعي أهو مش كده يا رائد."
أبتسم رائد بتوتر وهو يضم المرأة إليه ويقول:
"أنا فعلا طبيعي."
"طيب ما تيجي بقا."
"أجي فين؟!"
ضحكت بسخرية وقالت للؤي:
"إيه يا لؤي؟ أنت جايبلي واحد من الحضانة ولا إيه؟!"
نهض لؤي وأمسك ذراع رائد وأخذه جانبا وقال:
"جرا إيه يا دنجوان؟ ده انت كنت قبل ما تتجوز مقطع السمكة وديلها، حصلك إيه… لا فوق مروة بدأت تشك فيك."
"حاضر يا لؤي، متقلقش."
عندما عاد لمروة كان أكثر ثقة بنفسه. أعطاها ابتسامة ساحرة زلزلت كيانها. وضعت مروة كفها على قلبه وقالت:
"ما هو انت كويس أهو، اومال دور تلميذ الحضانة اللي عايش فيه ده إيه؟… ها تحب نكمل سهرتنا هنا ولا نروح عندك البيت؟"
"يالا نكملها في البيت… هيكون هادي وداوود هيكون مشي."
"مين داوود ده يا أخويا؟"
"الخدام بتاعي."
أمسك رائد كف مروة وخرج بها بعد أن ودع صديقه.
***
بعد أن وصل فيلته فتح له الحراس البوابة ودخل بسيارته.
تناول كفها في كفه وصعد لفرفة نومه وأغلقا الباب خلفهما. حاصرها عند الزاوية واقترب منه ليقبلها عندما انفتح الباب فجأة وخرجت دعاء تلتف بمنشفة. شاربها على وجهها بينما الباروكة اختفت وانسدل شعرها القصير. وفجأة صرخ الثلاثة معًا. كانت مروة أول ما توقفت وقالت:
"هو انت عندك كائنات غريبة في البيت؟!"
نظر رائد إلى دعاء التي قالت وهي تضرب على صدرها:
"يا فضيحتك يا دودي!"
رواية العابثة الصغيرة الفصل السابع 7 - بقلم سوليية نصار
كانت دعاء جالسة على الأريكة.
مرتدية ثيابها، عينيها ثابتة على الأرض لا تقدر على مواجهته.
بينما هو يتحرك كأسد حبيس داخل قفصه، لا يصدق أنه قد تم خداعه.
لا يصدق أن طوال هذا الوقت كانت تخدمه امرأة.
نظر إلى دعاء بغيظ وقال:
- يعني كل الفترة دي كنتي بتخدعيني، بتكدبي عليا؟
- رائد بيه أنا...
- اخرسي... اخرسي ولا كلمة.
زعق بها رائد لتنتفض برعب.
ليجذبها هو من ذراعيها.
عينيه السوداء الحادة تقابل عينيها البنية المذعورة.
ابتسم ابتسامة مرعبة وقال:
- لولا أنك ست كنت ضربتك لحد ما كسرت كل عضمك.
- بس للأسف موصلتش لمستوى إني أمد إيدي على ست.
ارتجفت شفتيها وأوشكت على البكاء.
ليدفعها بعنف حتى سقطت على الأرض وقال:
- اطلعي برة ولو شوفتك قدامي تاني هقتلك بجد.
وقف منعم أمام رائد وقلبه يرتجف خوفًا.
لقد اكتشف خدعتهما وهو الآن ينتظر رصيده من الإهانة والطرد.
أخذ رائد يتطلع إليه بغضب.
لا يصدق أنه تم خداعه بتلك الطريقة الدنيئة.
كان غاضب، غضبه كفيل بإحراق منعم ودعاء سوياً.
- ليه يا منعم أنا وثقت فيك؟
أطرق منعم برأسه خجلاً وقال:
- حبيت أساعدها يا بيه.
- دعاء بنت مسكينة أمها ماتت وأبوها سابها واتجوز ورماها هو وأخوها.
- صعبت عليا.
رمش رائد قليلاً وكان على وشك أن يتعاطف معها إلا أنه سيطر على نفسه وزعق به:
- مش على حسابي يا أستاذ منعم.
- مش بالخداع.
- أنت كدبت عليا وخدعتني.
- استغفلتني عشان كنت كويس معاك.
- يا بيه أنا...
- اسكت يا منعم... اسكت.
- أنت كدبت عليا ووثقت فيك وخدعتني.
- قولتلك إن ممنوع ست تدخل البيت ده وكسرت أوامري.
- أثق فيك إزاي دلوقتي؟
- أنا آسف يا رائد باشا.
قالها منعم بحزن.
ليتنهد رائد ويقول:
- عدي على عم كريم هيديك باقي حسابك.
- آسف، ملكش شغل هنا يا منعم.
نظر إليه منعم بحزن.
ليذهب رائد من أمامه.
لم يتخيل أبداً أن يعامل منعم بتلك الطريقة ولكنه يكره الكذب والخداع.
فما فعله منعم لا يغفر.
جلس رائد على سريره بحزن.
أغمض عينيه بينما عيون أخرى تطارده.
عيون بنية تنظر إليه بحزن، بخيبة.
نهض بعنف ونفض رأسه ثم خرج فهو هنا يشعر بالاختناق.
كانت تسير في الشارع دون هدى.
نظرات عينيه الغاضبة ما زالت تلاحقها وتجلدها بقسوة.
الكره الكبير لها صدمها.
لقد شعرت بكرهه وهذا كسر قلبها.
كسر قلبها لأنها أحبته بطريقة تثير الشفقة.
ولا تعرف لماذا قلبها تعلق به هو دون عن باقي الرجال.
لماذا أحبت رجل لن يحبها من الأساس.
وها هو طردها من حياته للأبد.
- أنا قلقانة على دعاء يا بابا دي اتأخرت أوي وكمان قافلة موبايلها.
قالتها منال وهي تدور حول نفسها بقلق.
- أبلة منال هي أختي فين؟
قالها بسام بخوف وهو يخرج من الغرفة.
اقتربت منال وهي تقول بكذب:
- متخافش على أختك يا حبيبي، هتيجي دلوقتي.
- روح نام دلوقتي عشان وراك مدرسة.
دخل بسام الغرفة.
بينما قال منعم وهو يهز رأسه:
- رائد بيه اكتشف خدعتنا وطردنا أنا وهي يا منال.
- زمانها منهارة دلوقتي.
- أكيد رائد سمعها كلام كتير وهي زعلت.
- غير إني خسرت شغلي، أكيد هتكون مكسوفة تواجهني.
- أوعى يا بابا تضايقها ولا تقولها حاجة.
- لا يا بنتي مستحيل أعمل كده.
- هي بس تيجي بالسلامة ومش مهم الباقي.
فجأة أتت دعاء من الخارج يبدو على ملامحها الإنهاك.
عينيها حمراء بقوة من أثر البكاء.
اقتربت منال منها وضمتها بقوة.
لتبكي دعاء وهي تضم منال بدورها.
نهض والد منال ثم ذهب لغرفته ليتركهما على راحتهما.
بعد قليل.
- أنا السبب يا منال.
- أنا دمرت حياتكم.
- أبوكي بسببي اتطرد من الشغل.
- أنا...
أمسكت منال كفها وقالت:
- بطلي هبل ده، نصيب بابا وهو أكيد هيلاقي شغل أحسن.
- وبعدين انتي نسيتي إنه فاتح مشروع جنب شغله يعني متقلقيش مش هنموت من الجوع.
- أنا مش عارفة أواجهه إزاي والله.
- مكسوفة أوي يا منال.
- أبوكي فتح لي بيته وخلاني أشتغل.
- وأنا كده ارد المعروف.
- بطلي هبل يا بنت أنتِ.
- أبويا بيعتبرك بنته وكويس إنه ساب الشغل عند الراجل قليل الذوق ده.
أغمضت دعاء عينيها وانسابت دموعها وهي تتذكر معاملة رائد السيئة لها.
كان قلبها يؤلمها.
لقد خسرت من أحبته.
يا إلهي لماذا أحبت هذا الرجل بالذات.
كان رائد يسير في المنزل كثور هائج.
لقد تم خداعه بسهولة تامة من قبل فتاة لا تتجاوز كتفيه حتى.
لا يصدق أن منعم يفعل هذا به.
هو غاضب بشكل سيء.
يود لو يذهب لتلك الفتاة ليحطم رأسها.
يود فعل الكثير والكثير.
ولكن لا يريدها أن تخرج بتلك الطريقة من حياته.
حقا لا يعرف ماذا حل به وكيف وقع تحت سحرها.
يعرف فقط أن يومه فارغ بدونها.
منزله مهجور بدون وجودها.
جلس على الفراش وهو مغمض عينيه ويتذكرها.
يتذكر اهتمامها الشديد به.
عينيها التي تلمع لأجله.
وارتباكها أمامه.
تلك الأشياء كان يخاف أن يثبتها.
وأقنع عقله تماماً أنه يتوهم.
ولكن الآن هو سعيد.
سعيد للغاية.
نعم غاضب بسبب خداعها ولكن سعادته تكمن في أنه طبيعي.
هو يحبها.
يحب دعاء.
وقع في حب الفتاة.
في اليوم التالي.
جهزت دعاء أخاها ليذهب إلى المدرسة.
وبعد ذهابها، جهزت حالها لتخرج وتبحث عن عمل.
قررت ألا تبقى دون عمل.
وأيضاً قررت أن تستأجر منزل بالمال الذي جنته من العمل عند رائد.
لقد بقيت في منزل عم منعم كثير وهي لن تثقل عليه أكثر من هذا.
مرت الساعات وهي تبحث.
أرادت عمل أي عمل ولكن محاولاتها باءت بالفشل التام.
جلست على أحد المقاعد الطينية وأغرورقت عينيها بالدموع.
كانت تشعر بالاختناق.
رفعت رأسها للسماء وهي تقول:
- يارب ساعدني.
- ساعدني يارب أنا مليش غيرك.
كان رائد يقف أمام المرآة وهو يصفر.
لقد قرر الذهاب إليها والاعتراف بحبه لها.
سينسى غضبه.
سينسى الكذب وسيتذكر فقط أنها الفتاة التي أحيت قلبه مجدداً.
هو فقط ممتن أنها لم تكن رجل.
ضحك على تفكيره ثم خرج.
أخذ سيارته وانطلق.
ومن بعيد كان أحدهم يراقبه.
عادت دعاء إلى المنزل وهي منهكة.
لقد فشلت في إيجاد عمل مجدداً.
تنهدت بيأس وقررت أنها لن تستسلم.
خرجت من شرودها عندما اقتربت منها منال وقالت:
- الحقِ يا بت رائد بيه جوه مع بابا وعايز يقابلك.
خفق قلبها بعنف وكادت أن تقع من الصدمة.
إلا منال أمسكتها وقالت:
- لا امسكي نفسك يا برنسيسة، مش كده اجمدي شوية وروحي قابليه.
- بمنظري ده.
- لا طبعاً أنتِ عاملة زي المتشردين.
- روحي ظبطي نفسك شوية.
هزت دعاء رأسها بطاعة ثم ذهبت لتجهيز نفسها.
بعد قليل كان قد خرج منعم وأخبرها أن رائد يريد أن يراها.
تنفست بعمق وولجت إلى الغرفة.
خفق قلبها بقوة وهي تتطلع إليه.
عينيها تنظران دون شعور إليه بإشتياق.
لقد اشتاقت إليه وهو بكل قسوة طردها من حياته.
أرادت أن تركض إليه وتضمه ثم تبكي بين ذراعيه.
ابتسم رائد وهو يراها ثم تقدم منها وقال دون تردد وبثقة تامة:
- دعاء أنا بحبك.
وما أن قالها حتى فقدت الوعي تماماً.
رواية العابثة الصغيرة الفصل الثامن 8 - بقلم سوليية نصار
عقدت دعاء حاجبيها وهي تشعر بالماء على وجهها.
فتحت عينيها بضعف ليقول رائد:
- دعاء، أبوس إيديكي قومي، هيفتكروا إني عملتلك حاجة.
نهضت دعاء وهي تشعر بالدوار وقالت:
- هو... هو حصل إيه بالظبط؟
- قولت إني بحبك فأغمي عليكي.
- إيه حضرتك بتقول إيه؟!
قالتها دعاء وهي تتنفس بصعوبة، بينما قلبها يقفز داخل صدرها بسعادة. أرادت أن تسمع اعترافه عدة مرات، أرادت أن يخبرها أنه يحبها. لكم اشتاقت لتلك الكلمة منه بالذات. كانت متأكدة أن رائد مستحيل ينظر إليها أو يحبها، ولكن المستحيل الآن يتحقق. فها هو رائد يعترف بحبه لها، يخبرها أنه وقع بحبها. تنفست بإضطراب وهي تنظر إليه وقالت مرة أخرى:
- هو حضرتك قولت إيه؟!
تنهد رائد وقال:
- قولت إني بحبك يا دعاء. معرفش إزاي وامتى. أنا كنت هتجنن لما حسيت إني منجذب ليكي وقت ما كنتي متنكرة كراجل. حسيت إني مش طبيعي. حاولت أهرب منك ومقدرتش، لقيت نفسي بقرب تاني. وحتى لما...
نظر إليها. ابتسم ابتسامة سلبت قلبها وأكمل:
- حتى لما اكتشفت إنك بنت صحيح اتعصبت أوي، بس غضبي هدي وملقتش نفسي إلا وأنا بفكر فيكي. عيونك، صوتك، طيبة قلبك.
طرق قليلاً وقال:
- أنا اتعذبت في حياتي كتير. مكنتش لاقي الأمان، بس لما حبيتك لقيته. وأنا مش هضيعك من إيدي تاني. أوعدك إني هعمل المستحيل عشان أسعدك. هنسيكي العذاب اللي شوفتيه بعد ما أبوكي سابكم ومشى. أي دموع نزلت من عينيكي بسبب الحزن هتكون بسبب الفرح.
أمسك كفها وقال:
- وعد مني يا دعاء إني هخليكي أسعد واحدة في الدنيا. عمري ما هجرحك ولا أزعلك.
انسابت دموع دعاء ليمسح دموعها وهو يقول:
- تتجوزيني؟ اتجوزيني. أنا محتاجك في حياتي.
فقدت دعاء النطق تمامًا وفغرت فاها بشكل مضحك. ضحك رائد عليها ثم قال:
- هديكي وقت تفكري طبعاً. أسبوع كويس.
لم ترد، فقط رمشت وهي تنظر إليه بثبات. ابتسم بخبث وقال:
- أفهم من سكوتك إنك مش عايزة تتجوزيني مثلاً؟
هزت رأسها بسرعة وهي تقول:
- لا، أنا... أنا.
ضحك وهو يربت على كتفها وقال:
- هديكي أسبوع. فكري كويس.
ثم تركها وذهب. تركها تغرق في أحلامها الوردية. تركها وهي تشعر أنها تطفو على سحابة وردية خفيفة. وضعت كفها على فاها وضحكت. ضحكت كثيراً وهي تدور حول نفسها. لقد عرض عليها.
ولكن، مسرعة وهي تقول:
- حصل إيه؟
أمسكتها معصمها وهي تقول وهي تضحك بسعادة:
- ده عرض عليا الجواز. عرض عليا الجواز يا منال. لا لا، أنا أكيد بحلم. مستحيل أحلامي تتحقق بالبساطة دي. أنا واحدة فقيرة وعارفة نفسي. أكيد رائد هيتجوزني عشان حاجة معينة.
ضحكت منال وقالت:
- عشان إيه يا دعاء؟ يكونش عشان فلوسك المتلتلة في البنك؟
- ممكن يكون عشان ينتقم مني إني خدعته.
ضحكت منال وقالت:
- بطلي تقري روايات كتير يا دعاء، لأنها لحست دماغك خالص. الراجل جاي يطلبك وحاطط قلبه تحت رجلك، وإنتي مش راضية.
جلست دعاء بجانبها وقالت:
- مين قال بس إني مش راضية يا منال. بس الحاجات الحلوة مبتحصلش معايا ولا هتحصل. وده مش اعتراض على قضاء ربنا. بس فعلاً أنا اتأكدت إن حظي قليل في الدنيا.
ابتسمت منال وهي تمسك كفها وتقول:
- لا صدقي يا دودو. إنتِ قلبك طيب وتستاهلي كل خير.
...........
- إيه؟ هتتجوزها؟ إنت اتجننت يا رائد؟ دي لا من مستواك ولا من بيئتك. دي كانت بتشتغل عندك خدامة أو خدام. أنا بقول أخرج معاها بس اتسلى شوية وبعدين سيبها. النوع ده متتجوزهوش لأنه معروف. ولا نسيت نيرمين؟
نظر إليه رائد بغضب وقال:
- دعاء مش نيرمين يا لؤي. دعاء أشرف منها بمليون مرة. بعدين إنت ذات نفسك كنت بتقولي إن مش كل الستات زي نيرمين، ليه غيرت كلامك؟
- أنا مغيرتش كلامي ولا حاجة، بس دعاء دي من صنف نيرمين. بنت فقيرة مش لاقية تاكل بتستغل جمالها عشان توقعك وعاملة فيها شريفة. مش ده اللي كانت بتعمله نيرمين في الأول عشان تقنعك إنها محترمة؟ وفي الآخر خانتك مع أخوك.
صمت رائد ليقترب منه لؤي ويقول:
- صدقني يا صاحبي، أنا خايف عليك. النوع ده مش سهل. إيه رأيك أثبتلك إنها رخيصة؟ أخرج معاها.
- وفسحها. خليها تحس إنها عايشة في الجنة. وبعدين خدها على بيتك وحاول معاها هتلاقيها سلمت نفسها بسهولة.
- ولو طلعت محترمة!
قالها رائد بتحدي. ليمط لؤي شفتيه ويقول:
- يبقى تتجوزها!
..........
في اليوم التالي.
طلب رائد من منعم أن يجعل دعاء تخرج معه اليوم بغرض التعرف عليها. وقد كان.
كانت دعاء في قمة سعادتها، بينما تعيش يوم في عالم الأحلام مع رائد. أخذها لأماكن كثيرة، مطاعم فاخرة، دللها كثيراً. نظراته السوداء كانت تحكي لها قصة عشقه. وقد شعرت أنها أجمل امرأة في العالم. السعادة كانت تغلف قلبها. ولمساته البسيطة كانت تزيدها خجلاً. لم تتوقع من رائد أن يحبها بكل تلك القوة. لم تعرفه رجلاً شغوفاً لهذا الحد.
عندما أسدل الليل ستائره، أصر أن يتعشيا في منزله. وبدون اهتمام لاعتراضها الواهي، أخذها هناك. كي يثبت لنفسه قبل لؤي أنها شريفة.
أخفت دعاء توترها وهي تجد أن المنزل فارغ. هي تعرف أن عم كريم أحياناً يذهب لأقاربه. وبالطبع هي لا تخاف من رائد. بالطبع لا تخاف، على الرغم من تلك النظرة الغريبة في عينيه. نظرة الرغبة فيهما. تصاعدت الحرارة لحلقها بينما يمسك كفها ويجلسها على الطاولة قائلاً بحب:
- أنا طلبت الأكل ده عشانك. بتمنى يعجبك يا دعاء.
ابتسمت بتوتر وهي تمسك شوكتها ثم تشرع في الأكل تحت نظراته الحارة. بعد أن انتهيا، وقفت دعاء وهي تقول بنبرة مرتاحة:
- خلصنا أكل، ممكن نمشي بقا؟
- بالسرعة دي؟ خلينا نقعد شوية.
- لا يا رائد، عم منعم هيتضايق. بعدين الموبايل فصل شحن وزمانه قلقان عليا. خلينا نمشي.
وكادت أن تذهب إلا أنه أمسك كفها برفق وقال:
- خليكي معايا شوية يا دعاء. لو سمحتي. أنا مش هأكلك، متقلقيش.
وضعت كفها على عنقها بتوتر وقالت:
- مش خايفة، بس...
- من غير بس. هنقعد شوية نشرب عصير وبعدين نمشي.
ارتج قلبها بتوتر. هي تثق به كثيراً، ولكن الآن هي خائفة. نظراته توترها ونبرته تخيفها حقاً. قلبها يخبرها أن شيئاً ما غير جيد سيحدث. ولكنها لم ترد أن تزعجه، لذلك أطاعته وذهبت خلفه.
كانت تشرب العصير بتوتر بينما نظراته منصبة عليها هي فقط. عينيه تراقبها بإنبهار. وبتعمد اقترب وهو يطبع قبلة رقيقة على وجنتها. اختنقت دعاء ووضعت كأس العصير وهي تنظر إليه بصدمة. ليقترب هو من شفتيها بغرض تقبيلها. دفعته بخوف ونهضت قائلة:
- رائد، إنت بتعمل إيه؟ إنت اتجننت؟
نهض ثم ضمها لذراعيه وهمس برغبة:
- دعاء، أنا عايزك ودلوقتي. ومستعد أديكي المبلغ اللي إنتي عايزاه.
رواية العابثة الصغيرة الفصل التاسع 9 - بقلم سوليية نصار
-انت بتقول ايه!
قالتها دعاء بصدمة وهي تحاول أن تبعده... ولكن رائد أحكم إمساكها جيداً وقال:
-ليلة واحدة وبس وهديكي اللي انتي عايزاه...
دفعته بعنف ثم صفعته بقوة وهي تصرخ:
-أنا بكرهك أوعى توريني وشك مرة تانية.
ثم اندفعت خارجاً وهي تضع كفها على فمها وتبكي بعنف...
.....
وفي مكان آخر...
صفعة أقوى حطت على وجه جابر... ضم جابر كفه بقوة وهو يحاول أن يتمالك غضبه قليلاً فهو لا يريد أن يتهور معها... نظرت إليه سميرة بغضب... هذا الغبي ألم يتمم مهمته؟ لم ينتقم لها ليبرد تلك النيران التي تشتعل في قلبها...
-مر أكثر من شهر وأنت مش عارف تقتله... كل شوية توعد وتخلف... ما دمت مش هتقدر، مسكت المهمة ليه؟
-يا سميرة هانم...
-اخرس.
قاطعته بغضب ثم أشارت وهي ترتجف من فرط الانفعال:
-اطلع برة... خلاص مش عايزة مش وشك حاجة... تار أختي أنا هاخده بنفسي... بس قبلها تجيب كل الفلوس اللي اديتهالك وإلا أقسم بالله يا جابر لأنـدمـك على اليوم اللي اتولدت فيه... يلا غور من وشي.
.........
-وديني لأقتله.
قالتها منال وهي تحاول الاندفاع للخارج لتمسكها دعاء وتقول بخوف:
-أهدي بس يا منال!
-لا مش ههدي... مش كل يوم تجيلي معيطة بسبب سي زفت بتاعك ده... يا بنتي إيه المهانة اللي انتي فيها دي... واحدة غيرك كان طردته من حياتها على اللي بيعمله ده.
أطرقت دعاء وتساقطت دموعها لتقول منال بعصبية:
-إنتي بتبكي ليه دلوقتي؟ يا بت اجمدي شوية متخليهوش يعاملك بالطريقة دي... يغور الحب اللي يهين صاحبه بالشكل ده... متـرخصيش نفسك بالشكل ده... إنتي اللي هتتعبي.
أمسكت منال ذقنها ورفعته ثم مسحت دموعها برفق وقالت:
-دعاء إنتي أختي وأنا خايفة عليكي... متقابلـهوش تاني صدقيني ده هيؤذيكي... متنسيش إن مراته خانته وهيطلع كل عقده فيكي إنتي... وفي الآخر هتلاقي نفسك خسرتي كل حاجة.
هزت دعاء رأسها وقالت:
-مش هقابله تاني أوعدك... وكمان هنساه... هخرج حبه من قلبي... بس إنتي ساعديني.
أمسكت كفها وقالت:
-أنا معاكي للنهاية وهساعدك... صدقيني مش مستحيل تنسيه... اشغلي وقتك بس وافتكري دايماً إنه إنسان مريض مينفعكيش... أنا افتكرته فعلاً بيحبك لكن ده إنسان معقد وأنا خايفة عليكي.
تساقطت دموع دعاء وهي تقول بصوت مختنق:
-تفتكري هقدر أنساه يا منال؟
-هتنسيه وأنا معاكي.
ارتمت دعاء بين ذراعي منال وهي تبكي بقوة... قلبها ما زال ينزف... لا تصدق أن رائد آذاها لتلك الدرجة... لقد عاملها وكأنها فتاة رخيصة... لن تتكلم معه مرة أخرى ولن تراه... هي ستنساه... منال محقة... هو سيلقي جميع عقده بها هي... سينتقم من زوجته عن طريقها... وهي لن تتحمل... كم قلبها يؤلمها الآن... لقد أعطاها رائد السعادة ولكن سرعان ما أخذها منها جاعلاً إياها تعيسة!
......
-الله يخربيت شورتك يا عم أخد حتة قلم منها.
قالها رائد وهو يضحك...
ضحك لؤي معه وقال:
-بصراحة طلعت ظالم البنت.
-أوي يا لؤي مشوفتش وشها لما قولتلها كده.
اختفت ابتسامة رائد وحل محلها الحزن وقال:
-حسيت إني بجد جرحتها... مكنتش حابب أعمل كده.
ضرب صديقه على كتفه وقال:
-أنا إيه اللي خلاني أسمع كلامك... دعاء حالياً زعلانة أوي مني ومجروحة... خايف إنها متسامحنيش وأنا بجد اتعلقت بيها.
نظر إليه لؤي وقال:
-متقلقش يا رائد... هي بتحبك وأكيد هتسامحك... إنت بس قولها الحقيقة هي هتتفهم... هي عارفة قصة نيرمين.
-لا.
قالها رائد بسرعة وقد تقلصت عضلات وجهه من التوتر.
-لا مينفعش لازم تقولها كل الحقيقة... لازم تبدأوا من غير أسرار عشان تنجحوا سوا ولا إيه.
-عندك حق.
........
في اليوم التالي...
قرر رائد ولؤي الذهاب إلى دعاء للاعتذار منها ولكن!!
-ابعد عن صاحبتي يا رائد بيه... مش كفاية كل اللي عملته فيها جاي تعمل إيه تاني.
نظر رائد إلى دعاء المنكمشة على نفسها وقال بتوتر:
-عايزة أتكلم مع دعاء شوية.
ضحكت منال بسخرية وقالت:
-خلاص شطبنا يا أخينا... دعاء مش عايزة تتكلم معاك ويلا إطلع برة.
تدخل لؤي بغضب وقال:
-فيه إيه يا آنسة ما تخلي صاحبتك هي اللي تقرر وترد واحترمي نفسك وبلاش طولة لسان.
نظرت إليه بغضب ثم تناولت الخف وقالت:
-ودلوقتي أنا هوريك طولة اليد يا ننوس عين أمك.
ثم بسرعة ألقت عليه الخف وصرخت:
-وديني لو ممشتوش من هنا لأخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكم.
امسك لؤي الخف وقال:
-لا ده إنت قليلة ذوق ما تحترمي نفسك!
-أنا محترمة غصب عنك يا حي...
-منال كفاية!
قالها والد منال الذي دخل ليجد ابنته تتشاجر مع رائد وصديقه... صمتت منال وهي تنظر لوالدها بخجل ليقول منعم:
-أهلاً يا رائد بيه نورتنا.
-ده نورك يا منعم... أنا جيت عشان أتكلم مع دعاء يا منعم... ضروري أتكلم معاها عشان أوضحلها سوء الفهم اللي حصل.
-أكيد يا بيه.
-بس يا بابا ده...
-استني إنتِ يا منال... مفروض ناخد رأي دعاء الأول هي صاحبة الشأن إنتِ ملكيش دعوة.
أرسلت منال إلى دعاء نظرات تحذيرية تخبرها ألا تقبل... ولكن دعاء كانت تنظر إليه وكأنها لا ترى غيره... لذلك عندما سألها منعم هل تريدين أن تتحدثي معه وافقت... رغم أنه حطم قلبها ولكنها أرادت أن تسمع تبريراته... أرادت تبرئته أمام محاكمة حبها... لأنها للأسف قد عشقته... عشقته أكثر من أي شيء في الحياة ولا تريد أن تخسره بتلك السهولة.
-خلاص وادي صاحبة الشأن وافقت يالا نسيبهم مع بعض.
-لا يا بابا مش هيحصل... إيه الهزار ده.
-منال!
-يا بابا ده...
-خلاص ولا كلمة يالا نطلع ونسيبهم يتفقوا.
ألقت منال على دعاء نظرات نارية أخافتها ثم خرجت وهي توعد لها.
........
بعد أن خرج الجميع نظر رائد إلى دعاء التي لمعت عينيها بالدموع:
-متبكيش ممكن.
قالها بحزن لتطرق رأسها لأسفل وتشهق وهي تتذكر إهاناته... اقترب منها ليضمها إليه ولكنها ابتعدت بخوف عنه... ما زالت غير مطمئنة له فما فعله معها كان بشعاً للغاية... لم يضغط عليها بل قال:
-دعاء أنا معرفش عملت ده إزاي... معرفش إزاي بعد ما اديتلك الأمان جرحت قلبك الطيب ده.
كانت دموعها تنساب دون أن تشعر... الجرح الذي في قلبها لم يطيب بعد... كلماته القاسية ما زالت تتردد في عقلها ولا تتركها... كيف لها أن تثق برجل لديه عقد مثله... فهي إن اقتربت منه ستحترق وإن ابتعدت أيضاً ستحترق... هي عرفت الآن أن الحب ليس بذلك الجمال بل أنه في داخله يمتلك أكثر وجوهه بشاعة.
نظر هو إليها بقلب متألم... لم يقصد أبداً أن يجعلها تبكي... ولكن أشباح ماضيه ما زالت تطارده وهو لا يستطيع محاربتها... يحتاج إلى من يساعده... يحتاج إليها هي تخرجه من جحيمه... تنسيه أخرى أحبها أكثر من الحياة لتقتله هي بدم بارد... انتهى الأمر... يجب أن يقنع دعاء أن تبقى معه... تعطيه ذلك الحب الذي يريده ويتمناه... اقترب أكثر وقال:
-دعاء رسمياً أنا بسلم قلبي ليكي وبطلبك للجواز وبما توافقي هحكيلك عن اللي خلاني بالعقد دي.
رواية العابثة الصغيرة الفصل العاشر 10 - بقلم سوليية نصار
نعم يا أختي سامحتيه وكمان قبلتي تتجوزيه.
صرخت منال وهي تركض خلفها بعصا المكنسة.
بينما تركض دعاء وتصرخ بخوف:
- يا منال بس افهميني... أنا بحبه.
- حبك برص يا بعيدة.... انتي ايه يا بت معندكيش كرامة كده خالص.... خلاص لقيتي كرامتك في كيس شيبسي.... ده أنا دلوقتي هضرب فيكي لحد ما يبانلك صاحب يا مهزقة.
استطاعت منال امساك دعاء وشدتها من شعرها وقالت:
- انطقي يا بت ازاي توافقي عليه بعد ده كله.... راحت فين النصايح اللي ادتهالك.... يا بت أنا لو كنت بنصح حمار كان فهم... الله يخربيتك الحب لغي عقلك خالص كده وخلاكي مبتفهميش.
- اه يا منال اسمعيني بس.
قالتها دعاء بوجع لتدفعها منال وتقول:
- ها ارغي.
- هنعمل خطوبة.
- يا فرحتي بيكي يا اختي.
- وقالي هيحكيلي عن الماضي بتاعه.
ضربت منال كف علي كف وقالت:
- انتِ ناوية تجننيني يا بت أنتِ ... يعني عشان هيحكيلك عن ماضيه تروحي تتجوزيه ... ما احنا عارفين أن مراته اتنيلت خانته وقتلها.
هزت منال رأسها بخوف وقالت:
- يا دعاء ده واحد اكيد عنيف ... ده قتل مراته وأنتِ هتتجوزيه ... معرفش ازاي أنا وافقتك علي المسخرة دي.
أمسكت دعاء كف منال وقالت:
- صدقيني يا منال رائد كويس هو بس عايز فرصة أن حد يصلح حياته.
- وانتي مش مصلحة اجتماعية يا دعاء ... مينفعش عشان تصلحي حياته تدمري حياتك.
نظرت إليها دعاء بحزن لتتأفف منال وتقول:
- اعملي اللي أنتِ عايزاه بس اياكي تشتكي.
ابتسمت دعاء وضمت منال إليها وقالت:
- بحبك.
- وانا كمان يا مجنونة بحبك.
قالتها منال بإبتسامة ظاهرية ولكن داخلها كانت خائفة علي صديقتها... هذا الرجل خطير للغاية له تأثير قوي علي صديقتها... تشعر أن دعاء تساق الي فخ ... بل جحيم لا تدركه ... تعلم أن دعاء ستتعذب مع شخص بارد مثله وقلبها الصغير لن يتحمل اهاناته المتتالية.
بعد اسبوع
انعقدت خطبة رائد ودعاء في حفل بسيط.
كانت ترقص دعاء مع رائد علي الموسيقي الناعمة.
كانت تشعر أنها تطير.
دقات قلبها تمتزج مع دقات قلبه.
تشعر بفراشات تداعب معدتها.
- مبسوطة يا دعاء.
قالها رائد وهو ينظر لوجهها المشع بسعادة لا يمكن انكارها.
هزت رأسها بحماس وضحكت مما جعلها تبدو أكثر سحرا.
ابتسم رائد وهو يتأملها بقلب خافق.
كانت تبدو جميلة للغاية.
شعرها القصير يعانق وجهها وفستانها الأحمر المحتشم يحتضن جسدها الضئيل بنعومة.
كانت مبهرة.
جمالها صحيح ليس مبهر ولكن تلك الروح التي تمتلكها والتي يراها بوضوح من خلال عينيها الشفافتين.
لديها براءة غريبة.
تلك البراءة لم يشعرها لدي أحد حتي عند نيرمين.
تجهم وجهه عندما تذكرها.
وكأن الذكريات السيئة مصرة أن تهاجمه حتي في اسعد أوقاته.
ذكريات خيانتها وخداعه ما زالت تنهش في جسده كالمرض ولكنه لن يدع تلك الذكريات تسيطر عليه.
لن يدعها تعكر مزاجه.
هو علي يقين أن دعاء مختلفة تماما عن نيرمين.
هي من ستصونه وتطيب جراحه.
هي ستقضي علي شياطين الماضي التي تلاحقه بضراوة.
هي فقط.
ابتسم ابتسامة ساحرة ثم اقترب منها وقال:
- بحبك.
- ايه خطب!! أختي مكملتش تمن شهور ميتة وهو خطب.
لمعت دموع الغضب بعينيها وقالت:
- بعد ما قتل أختي ودمر حياتنا... ببرود راح يتجوز واحدة تانية.
هزت رأسها وهي تمسح دموعها.
هذا الرجل قتل شقيقتها وبدلا من أن يدفع الثمن هو سعيد الان.
بينما هي تتلوي من القهر.
شياطين انتقامها لا تحل عنها.
أمسكت شعرها بقوة حتي كادت أن تقتلعه.
لا لن تسمح بهذا ابدا.
رائد غنيم يجب أن يدفع ثمن ما فعله بشقيقتها.
تنهدت وحاولت أن تحافظ علي هدوئها وهي تقول بنبرة آمرة:
- طيب تعالي دلوقتي البيت عندي عشان نشوف الخطة التانية.
ثم أغلقت الهاتف وهي تجلس مكانها.
تشعر بنيران تنفجر في روحها.
ثأرها لا يهدأ.
هي لن تهدأ حتي تري رائد يدفع الثمن.
لن تهدأ حتي تراه راكعا أمامها نادما علي ما فعله.
حينها.
تنفست بعنف.
حينها سوف تقتلع رأسه من مكانها.
- سميرة بنتي مالك صوتك كان عالي.
قالتها والدتها بتوجس لتنظر اليها سميرة وتقول بعنف:
- البيه خطب.
- مين ده.
- رائد خطب... دم اختي لسه منشفش وهو خطب... انا بموت من القهر وهو سعيد.
- انسي يا بنتي ... انتِ حاولتِ ومقدرتيش .. خافي علي حياتك يا سميرة ده واحد جبار.
- مستحيل.
صرخت سميرة وعينيها استحالت حمراء بسبب الدموع ثم أكملت:
- مش هنسي تاري.... رائد لازم يموت زي نيرمين.
أمسكت والدتها كفها بخوف وقالت:
- يا بنتي اسمعيني ... أنا خايفة عليكي ... انسي الانتقام وخلينا نبعد ... خلينا نسافر ... رائد مش هيسيبك.
ابتعدت سميرة عنها وقالت:
- لا يا ماما مش هبعد ... رائد هيدفع التمن ... مش هرتاح الا لما تشوفه تعيس ... هاخد حق اختي منه ... ساعتها ممكن ابعد ... ساعتها اوعدك هنسي كل حاجة وامشي.
ثم أمسكت صورتها وهي ونيرمين وقالت بينما الدموع تحتشد في عينيها:
- هاخد حقك يا نيرمين قريب ... رائد غنيم هينتهي قريب وعد مني.
بعد أن انتهت حفل الخطبة اصر رائد أن يخرج مع دعاء.
كانا يسيران معا متشابكي الأيدي علي النيل.
كانت دعاء مستمتعة كثيرا بصحبته.
تحب مزاجه الرائق هذا.
نظر إليها رائد وابتسم وقال:
- شكلك تعبتي ياريتني جبت عربيتي معايا.
- لا ابدا بالعكس بحب اتمشي علي الكورنيش .. بحس بالسلام.
نظر رائد الي أحد الباعة وقال:
- اجيبلك حمص شام.
- ماشي.
بعد قليل كانت تتناول منه دعاء الكوب الساخن والملعقة ليجلس هو بجوارها وهو صامت.
نظرت إليه بتردد وقد خفق قلبها توترا وقالت:
- رائد.
- نعم يا حبيبتي.
- انت وعدتني انك هتحكيلي عن اللي خلاك.
صمتت وترددت.
خافت أن تفسد تلك اللحظات ولكن رائد نظر إليها دون اي تعبير لتتشجع وتقول:
- حابب تحكي عن الماضي.
تنهد وهو ينظر إليها وقال:
- مستعدة تسمعيه.
هزت رأسها ليبتسم بحزن بينما يبحث بإرادته في ذلك الجزء المظلم من عقله عن تلك الذكريات السيئة.
- انا كنت متجوز قبل كده يا دعاء ... اكيد عم منعم قالك ... بس يا تري قالك أنها ماتت واني أنا اللي قتلتها.
ازدردت دعاء ريقها بصعوبة وقد ارتعش جسدها.
هي تعرف أنه قتل زوجته ولكن عندما اعترف لها بتلك البساطة خافت.
صمت رائد قليلا واكمل وقد بدا غارق في ذكرياته:
- كان اسمها نيرمين ... كانت اجمل بنت اشوفها في حياتي واول واحدة قلبي يدق ليها بس مكنتش اعرف أن الست اللي حبيتها وحطيت قلبي تحت رجليها هتقتلتني بالشكل ده.
اشتغلت في شركتي... خليتها سكرتيرتي... كنت دايما بحاول اقرب منها وهي بتصدني.
حبيتها... حبيتها اكتر من اي حاجة في حياتي وقررت اني مضيعهاش من أيدي واتقدمت واتجوزتها.
حطيت العالم كله تحت رجليها... كنت بعمل المستحيل عشان اخليها مبسوطة.
بس في يوم.
اختنق صوته واكمل.
- في يوم بدأت اشك في تصرفاتها ... بعدت عني وعلطول بتتكلم في التليفون فقررت اكدب عليها واقولها اني هسافر وبعدين رجعت البيت عشان اتأكد لقيتها.
احتشدت الدموع في عينيه واكمل.
- لقيتها هي واخويا في سريري ... قتلتهم الاتنين وبلغت عن نفسي ... وبما أن الجريمة جريمة شرف طلعت منها.
مسحت دعاء دموعها وكل خوفها منه تبدد.
هو يعاني وهي بطبيعتها الساذجة ظنت أن علاجه لديها.
ابتسمت بدموع ثم أمسكت كفه وقالت:
- انا معاك ... أنا هنسيك كل اللي حصلك وعد.
وموافقة علي أن يكون كتب الكتاب الاسبوع اللي جاي.