تحميل رواية «العابثة الصغيرة» PDF
بقلم سوليية نصار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قتل أختي يا باشا، إزاي ياخد براءة؟ فين العدل؟ فين القانون؟ قالتها سميرة وهي تبكي. زفر الضابط بضيق وقال: دي جريمة شرف. أستاذ رائد قفش أختك مع عشيقها وقتلهم، وكمان بلّغ على نفسه. قانونًا ميتحبسش. يعني برضه مش هتحاسبوه ولا هتحققوا العدل؟ يا آنسة، عدل إيه؟ أستاذ رائد قانونًا مش مجرم. يعني اعذريني، واحد يلاقي مراته في حضن عشيقها، عايزاه يعمل إيه؟ ياخدها بالحضن؟ اغتاظت سميرة ونهضت وهي ترتدي نظاراتها وتخرج من مركز الشرطة. ضحك الضابط بسخرية وقال: اللي اختشوا ماتوا. أختها كانت زانية، بدل ما تتكسف بتبجح!...
رواية العابثة الصغيرة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سوليية نصار
خلصت اللعبة خلاص يا سميرة.
قالها رائد وهو ينظر إليها بشماتة، بينما رجال الشرطة حاصرت المكان جيدًا وتم إلقاء القبض عليها.
لا لا سيبوني.
الموضوع مخلصش يا رائد غنيم، هطلع وهطلع روحك بإيدي.
ابتسم بإستخفاف، بينما رجال الشرطة يجرونها خلفهم.
ركض رائد جهة دعاء الفاقدة للوعي وفك وثاقها، بينما أخذتها رجال الإسعاف للمشفى.
في المشفى.
كان رائد يذرع الرواق بتوتر منتظرًا أي أخبار، لينتبه عندما خرج الطبيب.
اقترب رائد من الطبيب وقال:
خير يا دكتور، دعاء كويسة؟
ابتسم الطبيب بلطف وقال:
متقلقش يا رائد باشا، المدام كويسة أوي، هي شوية رضوض بسيطة. هكتبلها على خروج النهاردة بإذن الله.
تنهد رائد براحة وابتسم وهو يقول للطبيب:
طيب أقدر أشوفها دلوقتي صح؟
أكيد.
هز رائد رأسه بإمتنان وذهب لكي يراها، وقلبه ينبض داخل صدره بقوة. كاد يطير من السعادة. حب حياته بخير وانتهت كل تلك الكوابيس. أخذ عهدًا بداخله أنه سيعوضها عن السوء الذي رأته منه. لقد كانت بسببه، بسبب وساوسه، وحتى عندما عرف الحقيقة تمادى في جرحه لها، تاركًا غيرها تقتحم رقعة حياته. كان قلبه لها، ولكنه فعل هذا من أجل أن يظهر الحقيقة. وفي خضم انشغاله بكشف سميرة، دعاء كادت أن تضيع منه، ولكنه متأكد عندما يخبِرها بالحقيقة ستسامحه، فهي تعشقه، هو متأكد من هذا وسيفعل المستحيل حتى تقبل به مرة أخرى. لن يضيع امرأة أحبته بهذا القدر. لقد تحملت هي ما بدر منه، وسوف يتحمل هو أيضًا جميع ثورات غضبها.
بتوتر تقدم لغرفتها، وجدها تتسطح بتعب، واضعة كفيها على بطنها وشاردة بعيدًا. ما زالت الرضوض تحتل وجهها الصغير الناعم وجرح صغير يوجد بجوار شفتيها.
أغمض عينيه بغضب وهو يتذكر أن تلك الحقيرة سميرة هي من أذت دعاء. ولكن هي الآن نالت جزاءها.
اقترب منها وهو يقول:
دعاء.
نظرت إليه بنظرة جوفاء باردة جعلته يشعر بالخوف. ظلت تنظر إليه بنفس ذلك البرود، وكأن عشقه في عينيها البنية اختفى تمامًا وحل محله الجليد. شعر وكأن عالمه بأكمله يهتز.
اقترب أكثر وكاد أن يتكلم، ولكن بنبرة باردة ولكن حازمة قالت:
متقربش.
قالتها ببرود ليتجمد مكانه وتتسع عينيه وهو يرى نيران الكراهية التي اندلعت فجأة.
دعاء مالك، اهدي شوية.
كادت حقًا أن تفقد عقلها بسبب بروده، ولكنها استطاعت السيطرة على نفسها بجهد كبير وقالت:
عايزة أروح.
أكيد يا حبيبتي، هنروح بيتنا دلوقتي. أنا جهزت كل حاجة وهجيب المأذون.
ولكن قاطعته فجأة صوت ضحكاتها الهستيرية وهي تنظر إليه كأنه فقد عقله كليًا. هزت رأسها وقالت:
ارجع معاك فين؟ معلش أنت مجنون صح؟ أو فاكرني مجنونة؟ ده انت مسحت بكرامتي الأرض وبسهولة، دلوقتي بتقول أرجع ومأذون؟ لا يا حبيبي، المأذون ده تكتب بيه على أربعة غيري يكونوا شبهك بنفس مرضك وهوسك. أنا كسبت حياتي أخيرًا ومستحيل أرجعلك تاني.
اقترب رائد منها وهو يقول بتوسل:
دعاء اسمعيني بس. اديني فرصة.
طيب ما أنا طلبت فرصة يا رائد بيه، وأنت عملت إيه؟ ها؟ ضربتني وطلقتني وكسرتني، عاملتني كأني واحدة رخيصة مسواش قرش بالنسبالك. ودلوقتي جاي تطلب فرصة عشان نرجع؟ لا يا رائد، مستحيل أرجعلك.
اقترب أكثر ولكنها صرخت وهي تقول:
قولت مكانك، متقربش.
ولكنه لم يستمع إليها، بل اقترب أكثر حتى كاد أن يلامس السرير الموضوعة عليه. لتصرخ فجأة بحدة لدرجة أنه وضع كفه على أذنه.
ولجت الممرضة بخوف وهي تجدها بهذا المنظر.
فيه إيه؟ مالها؟
قالتها بفزع وهي تقترب من دعاء التي تصرخ.
فجأة توقفت دعاء عن الصراخ وقالت:
لو سمحتي طلعيه بره. مش عايزة أشوف وشه.
احمر وجهه رائد من الإحراج. لم يتخيل أبدًا أن يتم وضعه في ذلك الموقف أبدًا.
اقتربت منه الممرضة وقالت بتوسل:
لو سمحت اطلع.
بس... اعترض بإرتباك، لتكرر طلبها وتقول:
من فضلك إيه؟ مش شايف حالتها؟ بطلب منك بأدب كده، البنت هتنهار.
نكس وجهه وخرج حتى دون أن يلقي نظرة إليها. لم يكن لديه القدرة حتى على هذا.
تنهدت دعاء براحة وهي تجده قد حل عنها أخيرًا. ثم ابتسمت بسخرية وهي تتذكر كلامه بشأن رجوعها. لقد جن تمامًا. هي لن تعود حتى لو كانت حياتها معلقة به. لو تحطم قلبها آلاف المرات بسبب بعده، أهون من أن تكون بلا كرامة معه.
كان يجلس بجوار غرفتها بيأس. لم يستطع مغادرة المشفى. قلبه يؤلمه بسبب رفضها. يعلم أنه يستحق هذا. ولكن الخوف تسلل لقلبه. ماذا إن رفضت العودة إليه؟ هل يحترق بنيران العشق والندم والفراق؟ هل ستتركه المرأة الوحيدة التي أحبته بصدق وتحملت ما فعله بها؟ أغمض عينيه وهو يتذكر كل الأشياء السيئة التي فعلها. كم كسرها، أهانها وأبكاها. ما الذي سيعوض جرح قلبها؟ هل ستطيب جراحها يومًا ما؟ أم ستظل حاقدة عليه للأبد؟ هل كرهته يا ترى؟ أم أن مشاعرها أصبحت متجمدة من ناحيته، وتلك هي الكارثة الأكبر؟ والأهم من هذا، هل سيستسلم؟ وجاء الجواب سريعًا من قلبه. صرخات قلبه أخبرته أنه يريدها وسيفعل المستحيل حتى تعود إليه. سيتغير تمامًا. ولكن، لن يتركها تبتعد عنه أبدًا. سيبقى يلاحقها في كل مكان حتى تسامحه. فلتضربه، تهينه أو تقتله، حتى إذا كان هذا سيجعلها تشعر بالراحة. أما أن يموت أو يجعلها تعود له.
بعد أسبوع، عادت دعاء إلى منزل منال بعد ما تم إثبات براءتها التي حرص رائد على نشرها في الحي لكي تعود مرفوعة الرأس. وعلى والدته تم فضحهما في الحي، كما أنه تم القبض على على لثبوت أنه تم التهجم على دعاء في منزلها بعد اعترافه، مما جعل والدة على تترك الحي وتذهب وهي خجلة من أفعال ابنها. ودون أن تعرف دعاء، دبر لها رائد عملًا جيدًا واشترى منزلًا لها لكي تكون أكثر راحة وأمانًا، وأعطى المفتاح لعم منعم، جاعلًا إياه يخبِرها أنه هو من دبر هذا العمل وهذا السكن لها بسعر رمزي. وكان هناك شيئان أراد رائد القيام بهما. أولهما كان ذلك القذر عماد. بعد أن عرف ما فعله بدعاء، اشتعلت النيران بقلبه وذهب له لكي يلقنه درسًا، ولكن وقف مبهوتًا أمام منزل عمة دعاء عندما وجد رجال الشرطة يسحبونه بقوة. وعندما سأل أحد الجيران أخبروه أنه متهم بإغتصاب فتاة قاصر! ابتسم رائد وقد شعر أن حق دعاء يعود. والآن تبقى هي، رأس الأفعى!
وقف أمامها ونظر إليها بإنتصار. ابتسم ابتسامة مستفزة وقال:
ياااه يا سميرة، ده مكانك الأساسي. مكانك المناسب.
نظرت إليه من خلف القضبان بحقد وقالت:
متفرحش يا رائد، هطلع. هطلع واقتلك وعد مني.
ابتسم وقال:
يديني ويديكي طول العمر. ده شروع في قتل يعني هتشرفي في السجن كتير. أحسن حاجة أن اللي عملتيه في دعاء اتعمل فيكي أضعاف. سميرة الموظفة المحترمة بنت الناس تتحبس بتهمة شروع في قتل وسيرتها تبقى على كل لسان. بجد حالك يحزن.
نظرت إليه بغضب. كانت تريد أن تقتله في تلك اللحظة. تمزق قلبه. الحقير كان يتلاعب بها وقد ظنت بكل سذاجة أنها المتحكمة بأصول اللعبة. لكنها كانت مجرد بيدق في لعبته.
إزاي عرفتني؟ حابة أعرف وعندي فضول.
ابتسم وعينيه لمعت وقال:
أنا عرفتك من أول ما شوفتك. عرفت إنك أختها، غير أني شوفت صورك يا سميرة. مش مصدق إنك غبية للدرجادي إنك مقدرتيش ذكائي. يعني خطتك مشيت كلها تمام بس في الآخر فشلتي. عارفة ليه يا سميرة؟
ابتلعت ريقها ليقترب أكثر ويقول:
عشان استهونتي بذكائي. افتكرتي إني غبي. ساعتها بس بدأت أربط الخيوط ببعض. ساعتها بس فكرت إن ممكن دعاء تكون مظلومة. وبـ"علقة" محترمة لـ"علي" اعترف بكل حاجة. ساعتها قررت ألعبك لعبتك يا سميرة، قررت أمشي على خطتك عشان أجيب آخرك.
لمعت عينيه بحزن وأكمل:
بس غلطي الأكبر إني أهملت دعاء وأنا مشغول عشان أكشفك. عشان أعلمك درس، كنت هخسر الست الوحيدة اللي حبتني وحبيتها. بس خلاص، أنتِ أخدتي جزاءك والباقي هياخد جزاؤه برضه.
هزت رأسها وصرخت:
لا. لا، غلطان يا رائد. هطلع، هطلع واقتلك.
ولكنه نظر إليها بإستخفاف:
في أحلامك يا سميرة. هتفضلي هنا لحد ما تحصلي المرحومة. باي يا حبيبتي، خسارة الجمال ده في السجن والله، بس نعمل إيه، غبية زي أختك، عشان كده ده جزاتك.
صرخت بقهر بينما يستدير ويذهب وقد ارتاح أخيرًا عندما عاد حق دعاء ممن آذاها. تبقى عقابه هو. وكم يخاف أن يُعاقب بفقدانها للأبد. الموت والسجن عنده أهون من هذا. ولكن قرر ألا يستسلم وسيعمل المستحيل إن تطلب الأمر حتى تعود.
عايز إيه يا رائد؟
بتمشي ورايا في كل حتة. مش عايز تنساني ولا مخليني أنساك. أنت فاكر إنك بالشكل ده هرجعلك مثلًا؟ هنسي الإهانة والذل اللي شوفتهم على إيدك؟ أنت شايفني رخيصة للدرجادي يا رائد؟
نظر إليها بحزن وحاول أن يقترب منها. يطيب خاطرها، يطلب السماح. ولكنها صرخت به:
وقف. قلتلك اوعي تقرب مني، فاهم؟
تجمد مكانه.
نظرت إليه بكره.
رائد وهو ينظر إليها وقال:
مش ناوية تسامحيني؟ حرام يا دعاء، أنا بقالي أربع شهور بجري وراكي في كل مكان.
أسامحك؟
صرخت بها وهي تدفعه بعنف ثم أكملت:
أسامحك على إيه ولا إيه؟ انطق يا رائد. أسامحك إنك اتهمتني بالخيانة قبل ما تتأكد؟ ولا أسامحك إنك عاملتني معاملة الكلاب؟ ولا أسامحك إنك طلقتني ورمتني رمية الكلاب؟
أمسك رائد ذراعيها ثم ضمها إليه بقوة وهو يقول بندم:
آسف. آسف. سامحيني أبوس إيديكي.
ولكن دعاء دفعته بقوة وقالت:
مستحيل أسامحك يا رائد. أنا بكرهك وهفضل أكرهك طول حياتي. هدعي إن ربنا يكسرك زي ما كسرتني.
أمسك رائد كفها وقال بتوسل بينما ابتلت عينه بالدموع:
أنا آسف. اديني فرصة واحدة أبوس إيديكي. فرصة أصحح غلطي معاكي. والله يا دعاء بحبك. أبوس إيديكي فرصة واحدة. واحدة بس. أنا هطيب قلبك. هعمل المستحيل عشان أعوضك.
مسحت دعاء دموعها وأبعدته عنها وقالت:
روح عالج نفسك يا رائد، أنت مريض. وانساني لأني مستحيل أرجعلك، فاهم؟
في السجن.
ركض السجان للضابط وصرخ:
الحق يا فندم، المسجونة سميرة هربت!
رواية العابثة الصغيرة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سوليية نصار
هي فتاة وردية ساذجة عشقت بجنون. تركت لجام العقل وتمسكت بلجام القلب. والنتيجة كان شرخ في قلبها قد يدوم للأبد.
بينما هو يتوسل السماح طالباً فرصة أخرى. جل ما كانت تشعر به هو الشفقة على حالهما. لماذا حدث هذا لهما؟ لماذا لم يكن الأمر أفضل؟ هذا خطأ من... هل خطأ رائد الذي رفض أن يسمعها أو يثق بها؟ أو أنها تتحمل جزء من الخطأ كما تقول منال، عندما تزوجت برجل يعاني من ظلام روحه؟ رجل واجه أسوأ أنواع الخيانة نتجت عنها عقد لا تنتهي. هل كانت محقة أن تحب رجلاً كهذا؟ أم أن زواجها به كان أكبر خطأ ارتكبته؟
أسئلة كثيرة تدور بعقلها لا تجد لها إجابة. ولكن ما تعرفه أنها فقدت القدرة على الغفران. لأن الجرح الذي سببه رائد في قلبها لن يندمل أبداً.
مسحت الدموع التي انسابت من عينيها وهي تنظر لرائد. قست قلبها وهي تقول بنبرة جامدة لا أثر للعاطفة فيها:
- أنا مستحيل أرجع لك يا رائد. خلاص أنت طلعت بـرة حياتي للأبد. أنا اكتفيت منك ومن هوسك وشكك ومرضك.
ابتلع ريقه وهو يتلقى إهاناتها. وداخله يقر أنه يستحق أكثر من هذا بكثير. هو من أهان، وهو من ظلم. وما تفعله دعاء الآن سوف يتقبله برحابة صدر.
نكس رأسه وهو يستمع لاهاناتها المتتالية. تنهدت دعاء وهي تنظر إليه وقالت بهدوء أخيراً:
- أقول لك على نصيحة أخيرة. نصيحة لله يعني. اتعالج يا رائد لأنك فعلاً مريض.
ثم ذهبت وتركته يشعر بثقل في قلبه. أراد الصراخ، الانهيار. كان يشعر أن العالم يضيق به. ولكن هل يمكنه حتى أن يلومها؟ بالتأكيد لا. هي محقة في كل كلمة قالتها. هو مريض فعلاً، غير متزن نفسياً. وأن عادت وهو بتلك الحالة سوف يأذيها مجدداً. وهو حقاً لا يريد هذا.
مسح دموعها ثم غادر وقد قرر شيئاً ما.
...
- هتروح دكتور نفسي يا رائد؟
قالها لؤي بإستهجان لصديقه. ليهز رائد كتفه ويقول:
- أيوه يا لؤي. ماله الدكتور النفسي يعني؟
- ملهوش أكيد بس...
- من غير بس يا لؤي. أنا اتقبلت أني مش طبيعي. دي خطوة متأخرة جداً كمان. أنا اللي واجهته صعب وصعب أقدر أعديه لوحدي. لازم حد متخصص يساعدني.
- زي ما تحب.
قالها لؤي وهو يهز كتفيه.
...
في المساء. جلس بتوتر أمام الطبيب. خطوة خطيرة أقدم عليها. فقط من أجلها قرر أن يتخلص من شياطين شكوكه. قرر أن يعود شخص آخر من أجلها. لعلها تغفر وتقبل به.
ابتسم الطبيب برفق وهو يرى توتره وقال بلطف:
- ها يا رائد حابب تتكلم؟
فرك رائد كفيه بتوتر. وفكر حقاً في الهروب. ولكنها تستحق. حبيبته تستحق أن يقاوم لأجلها. نظر للطبيب النفسي بتردد ثم بدأ بالكلام.
أبت الحروف أن تخرج من شفتيه ولكنه قاوم. تذكر أنها في سبيله ضحت كثيراً. وحان دوره هو ليضحي. أتي دوره لكي يكون إنسان متزن عقلياً من أجلها ومن أجل نفسه. أتي الوقت ليتخلص من الظلام القابع في روحه. وذكرياتها ستساعده على التحرر من الظلام. ولكي يتخلص من الظلام يجب أن يخبر الطبيب كل شئ. طفولته، عقده، وخيانة زوجته التي حولته لشخص آخر.
فرك كفيه أكثر ثم نظر إلى الطبيب وقال وهو يرتجف:
- أنا اتكسرت من أقرب ما ليا.
قالها ثم دون أن يدري انفجر في البكاء. ليعود ذلك المشهد الذي رأى زوجته وأخاه معاً في الفراش يطارده بقوة.
ربت الطبيب على كفه وقال بهدوء:
- لو مش عايز تتكلم دلوقتي مفيش مشكلة. نتكلم الجلسة اللي جاية. أي رأيك؟
هز رائد رأسه بالنفي وقال:
- هاجي على نفسي. أنا لازم أتعالج عشانها. عايز أكون طبيعي عشان ترجعلي.
تنهد الطبيب بينما استفاض هو بالشرح للطبيب كأنه أراد أن ينفجر فجأة. سالت دموعه وهو يتذكر ما قام به. يتذكر كيف كسر قلبها. كيف أحبته وكيف هو خيّر هذا الحب فأصبح لا يرى في عينيها إلا كره عظيم له.
انتهت الجلسة وخرج يشعر لأول مرة منذ زمن بالسلام. شعر كأنه ألقى جبلاً ثقيلاً من على قلبه وارتاح تماماً.
رن هاتفه عندما كاد أن يركب سيارته. فتحه وقد صدم ما سمعه. لقد هربت سميرة. أغلق الهاتف وشعر بعقله يدور. هذا يعني أن دعاء في خطر. فكر بخوف. ثم دون انتظار ركب سيارته وانطلق وهو يدعو أن يكون كل شيء على ما يرام.
كان يقود السيارة بأقصى سرعة لديه. قلبه يقصف بقوة داخل صدره. يخاف عليها. بل هو مرعوب أن تفعل تلك المجنونة بها شيئاً. استل الهاتف واتصل بدعاء ولكنها لم ترد. أغمض عينيه بإنفعال وهو يزيد من سرعة السيارة ليذهب إلى عملها.
بعد عشر دقائق كان قد وصل أخيراً. نزل من السيارة ورأى من بعيد دعاء قادمة. كاد أن يبتسم بإطمئنان عندما رأى سميرة تقف من بعيد مصوبة المسدس عليها.
- دعاااااء.
صرخ رائد ثم ركض ناحيتها. ضغطت سميرة على الزناد وأطلقت الرصاصة.
بسرعة وقف رائد أمام دعاء وتلقى هو الرصاصة.
- رائد.
صرخت دعاء وهي تنظر إليها بفزع. أصبح المكان في حالة فوضى بينما ركضت سميرة بعيداً. لقد قتلته. قتلته وانتهى الأمر.
أخذت تركض كالمجنونة وهي تضحك. بينما الناس ينظرون إليها بخوف.
وصلت إلى مقبرة شقيقتها ووجدت والدتها تبكي هناك. وعندما رأتها والدتها صرخت بفزع وقالت:
- انت امتى هربتي من السجن ومن فين جبتي المسدس ده؟!!
ضحكت سميرة بجنون وقالت:
- اخدت حق نيرمين. قتلته. قتلته يا ماما. وجه دوري.
لم تدرك والدتها قصدها إلا عندما رفعت السلاح وأطلقته على رأسها وسقطت ميتة.
...
في المشفي. كان الجميع في حالة ترقب. بينما دعاء جالسة على المقعد ودموعها تنزل دون إرادة منها. وعقلها يعيد ما حدث مراراً وتكراراً. جسدها يرتعش كلما تذكرت سميرة تمسك سلاح وتوجهه عليها. ولكن بسبب رائد تم إنقاذها. هو من أخذ تلك الرصاصة وهو الآن في حالة حرجة. نظرت لفوق وهي تتمتم بخفوت:
- يارب ماليش غيرك انقذه يارب.
ثم مسحت دموعها وهي تحاول ألا تفكر بالأسوأ. بل تفاؤلت خيراً سيخرج منها بإذن الله.
بعد ساعة ونصف. خرج الطبيب من حجرة العمليات. نهضت دعاء وقلبها يقصف في صدرها. وقفت بجوارها منال وامسكت كفها. بينما تقدم لؤي وقال بتوتر:
- ها يا دكتور طمني.
هز الطبيب رأسه وقال:
- الحمدلله. هو نجا منها ومحصلش أي مضاعفات.
تنهدت دعاء وهي تقول بإنهيار:
- الحمدلله. الحمدلله.
وقد شعرت أن الحياة عادت لقلبها.
...
في اليوم التالي. وفي غرفة المشفي حيث يمكث رائد. كانت دعاء جالسة بجواره تطعمه. بينما هو ينظر إليها مسحوراً. بعد كل ما حدث ما زالت تهتم به. ما زالت تحبه. وهذا جعله يتشجع.
امسك كفها وقال بتوسل:
- دعاء اديني فرصة. فرصة واحدة بس.
نظرت إليه بحزن ليكمل هو بسرعة:
- صدقيني المرة دي هننجح. أنا... أنا...
أطرق وهو يكمل:
- أنا بروح لدكتور نفسي وهو بيساعدني وهستمر معاه.
- لو رجعت مش هيبقي زي الأول.
- مش مهم. أنا هعمل المستحيل ساعتها عشان أخليكي تسامحيني.
- هحتاج وقت عشان أتقبلك.
- خدي الوقت اللي انتِ عايزاه بس في بيتي تمام؟
بعد مرور سنة. تغيرت الأحوال كثيراً في تلك السنة. انتظم رائد في جلسات العلاج النفسي وكان يشعر بتحسن كبير. وكان من حين لآخر يزور والدة سميرة القابعة بأحد المصحات النفسية بعد ما فقدت عقلها عندما قالت سميرة نفسها أمام عينيها.
عادت دعاء إلى منزله. سمح لها بالعمل وشجعها على إكمال تعليمها. ولجعل الحياة أبسط بينهما ذهبا إلى أخصائية نفسية للمشاكل الزوجية كي يتعايشا بعد كل ما حدث.
- حاسين أن دلوقتي انتوا أفضل مع بعض؟
قالتها الأخصائية النفسية وهي تبتسم لهما. هزّا رأسيهما فأكملت:
- إيه الأخبار العلاقة الزوجية بينكم؟
أطرقت دعاء بخجل بينما قال رائد:
- إحنا مش مست...
- انتوا اللي مش مستعدين ولا دعاء اللي مش مستعدة؟
نظرت إليها دعاء وقالت:
- أنا اللي مش مستعدة يا دكتورة. لسه فيه حاجز برضه.
- تمام. معلش يا رائد حابة أتكلم مع دعاء لوحدنا. ممكن؟
- أكيد.
قالها رائد ثم انسحب. بينما نظرت الطبيبة لدعاء وقالت:
- مر سنة.
- عارفة.
- مش قادرة تسامحيه صح؟
لمعت الدموع بعينيها وقالت:
- اللي شفته صعب.
- دعاء جوزك كان مريض بالبارانويا. واحد اتعرض لصدمة وغير متزن نفسياً. إنتِ كنتِ عارفة اللي حصله صح.
هزت دعاء رأسها لتكمل:
- ورغم كده اتجوزتيه.
- كنت فاكرة...
قاطعتها الطبيبة وقالت:
- كنتِ فاكرة إنك هتصلحيه مثلا وهتقدري تعالجيه. مشيتي بمبدأ I can fix him. بس أنتِ مش مصلحة اجتماعية ولا دكتورة نفسية ومش مطلوب منك تتجوزي واحد مش طبيعي وتعالجيه. لأنك أنتِ اللي هتتأذي الأول. حظك حلو لأن رائد بنفسه راح اتعالج. فيه حالات بترفض العلاج.
مسحت دعاء دموعها. لتمسك الأخصائية كفها وتقول:
- شوفي خدي وقتك براحتك. هو مش هيضغط عليكي لأنه متفهم. بس إحنا عايزين نتقدم شوية. ماشي؟ حسسيه أن فيه فايدة من محاولاته. تمام؟
هزت دعاء رأسها بالإيجاب.
...
في الطريق للمنزل كانت صامتة كلياً. حاول رائد أن يتحدث معها ولكنها التزمت الصمت. لذلك احترم صمتها ولم يتكلم هو أيضاً.
...
وفي المنزل التزمت غرفتها حتى قدوم الليل. نهضت واستحمت ثم ارتدت منامة حريرية حمراء وذهبت إلى غرفة رائد. وما أن رآها رائد حتى نهض بتوتر. اقتربت هي بخجل وقالت:
- ممكن أنام جنبك النهاردة؟
ابتسم بسعادة وقد شعر أن قلبه سيخرج من صدره وقال:
- أكيد.
ثم امسكها وتسطح على الفراش ضاماً إياها إلى صدره. وهي يتنهد بقوة ويقول:
- ده أنتِ ربتيني من أول وجديد والله.
ضحكت بقوة بينما ضمته أكثر مفكرة أن كل شيء سيكون على ما يرام. ثم راحت في النوم. نظر إليها رائد وقلبها يخفق بشكل غريب. لقد أحبها بطريقة لم يحب بها أحد من قبل. أصبح يشعر أنها الحياة. وبتلك المبادرة اليوم رأى الأمل لهما في حياة أفضل. رأى أنه سيكون سعيداً مجدداً. لقد عادت وجلبت الربيع لحياته. ابتسم بحب ثم قبلها على شفتيها وقال: