تحميل رواية «العابثة الصغيرة» PDF
بقلم سوليية نصار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قتل أختي يا باشا، إزاي ياخد براءة؟ فين العدل؟ فين القانون؟ قالتها سميرة وهي تبكي. زفر الضابط بضيق وقال: دي جريمة شرف. أستاذ رائد قفش أختك مع عشيقها وقتلهم، وكمان بلّغ على نفسه. قانونًا ميتحبسش. يعني برضه مش هتحاسبوه ولا هتحققوا العدل؟ يا آنسة، عدل إيه؟ أستاذ رائد قانونًا مش مجرم. يعني اعذريني، واحد يلاقي مراته في حضن عشيقها، عايزاه يعمل إيه؟ ياخدها بالحضن؟ اغتاظت سميرة ونهضت وهي ترتدي نظاراتها وتخرج من مركز الشرطة. ضحك الضابط بسخرية وقال: اللي اختشوا ماتوا. أختها كانت زانية، بدل ما تتكسف بتبجح!...
رواية العابثة الصغيرة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سوليية نصار
ابتسم رائد وضمها إليه بحب.
- رائد؟
قالتها دعاء بخجل.
ليبتعد عنها ويبتسم قائلاً:
- أنا النهاردة أسعد إنسان في الكون... شكراً يا دعاء على الحب اللي بتديهولي من غير مقابل... أوعدك إني هحافظ عليكي ومش هزعلك أبداً.
ابتسمت دعاء وهي تشعر أنها تطير من السعادة.
بعد أسبوع.
وقفت دعاء أمام المرآة وهي تنظر إلى فستانها الأحمر البسيط. كان الفستان طويلاً يلائم جسدها النحيف بأكمام طويلة وتل ناعم. وشعرها القصير مربوط في تسريحة بسيطة ولكن أنيقة. أحمر شفاه ناعم وماسكارا سوداء هو كل ما يزين وجهها. ابتسمت وهي تتطلع إلى نفسها برضا. اليوم هو كتب كتابها. اليوم ستُنسب للرجل الذي اختاره قلبها. وضعت كفها على قلبها النابض وهي تشعر بالسعادة. لا تصدق أن أحلامها المأموله وفي حرب واحد تحققت بتلك البساطة. تشعر وكأنها تطير من السعادة.
- يلا يا عروسة.
قالتها منال بسعادة وهي تدخل الغرفة.
فجأة صفرت منال وقالت:
- إيه الجمال ده بس يا بت؟ طالعة قمر اللهم بارك.
ابتسمت دعاء بخجل وقالت:
- أنا فرحانة أوي النهاردة يا منال، حاسة إن أحلامي بتتحقق. خايفة يكون ده كله حلم وأفوق على الواقع المر.
أمسكت منال كفها وقالت بسعادة:
- لأ يا دعاء، إنتِ مش بتحلمي، ده حقيقي. إنتِ اتعذبتي كتير وجه الأوان إنك تفرحي. افرحي وانسى.
هزت دعاء رأسها وهي تضم منال إليها. بينما في داخل منال بعض المخاوف ولكنها حاولت أن تمحيها حتى لا تزعج دعاء.
قبلت زواجها بكلمات بسيطة. أصبحت زوجته. أصبحت ملك له للأبد. كان قلبها ينبض إثارة بينما يقترب منها مانحاً إياها ابتسامة زلزلتها. ثم طبع قبلة على جبينها وقال:
- مبروك يا عروسة.
ابتسمت دعاء بسعادة وقد شعرت أنها انفصلت على العالم تماماً.
بعد قليل أخذها رائد في مركب خاص على النيل ليحتفلا بكتب الكتاب. كان يحتضنها من الخلف ويقول:
- عمري ما تخيلت إني أكون فرحان بالشكل ده تاني. وكل ده بفضلك يا دعاء.
ابتسمت دعاء بخجل بينما أدارها هو إليه. غرقت هي في سواد عينيه وارتبكت وهي تجده ينحني نحوها. أغمضت عينيها بينما شفتيه تعانق شفتيها بلطف. تمسكت به وهي تشعر أنها تطفو بسعادة.
لعدة دقائق ظلا يتعانقان إلى أن ابتعدت بخجل عنه وهي تتلمس شفتيها. كانت تتنفس بقوة وقلبها يقفز داخل صدرها. وعقلها يعيد قبلتهما الأولى. كيف أتت فجأة دون أي تخطيط. كان هو وقتها غارق بذكريات أخرى. أخرى خانته. أخرى كسرت قلبه. لتتعهد هي على إصلاحه. ولكن هل ستستطيع انتزاع من قلبه امرأة عشقها لذلك الحد؟ هي لا تثق بقدراتها. الأحرى لا تثق بنفسها. فهي رأت مدى جمال الأخرى. ابتلّت عينيها بالدموع وأمسكت كف رائد وقالت:
- رائد، أنا بحبك أوي. أكتر من أي حد في حياتي. إنت وأخويا ومنال وعم منعم عيلتي اللي مش عايزة غيرها.
ضمها إليه وهو يقول:
- وأنا كمان بحبك.
مرت الأيام سريعاً. كان البعض غارق في السعادة منتظر بترقب. والبعض الآخر كان غارق في براكين الغضب. كانت سميرة تلقي كل ما يقابلها في طريقها من أثاث. كانت قد تلبسها جن غاضب لا تستطيع السيطرة عليه. الرجل الذي دمر حياتها سعيد. وهي لن تسمح له بهذا. ستدمر سعادته تلك. لا بأس لينعم مع زوجته الحمقاء قليلاً قبل أن تحول حياته إلى جحيم لا يطاق. جلست على السرير وهي تتنهد بتعب. أخرجت سجائرها ثم أشعلت وشعرت أنها تشتعل معها. نيران الثأر مؤلمة عندما تتمكن منك. وهي لن تهدأ نيرانها حتى تنال من رائد.
آتى يوم زفافها من رائد. مشاعرها كانت حينها مضطربة بين السعادة والتوتر والخوف. هي قبلت برجل ما زالت تلاحقه شياطين ماضيه. ولأنها تحبه وافقت أن تخاطر. تخاطر بقلبها. روحها وسعادتها. لعلها تنجح. هي تعرف أن رائد لا يحبها بنفس الطريقة التي تحبه بها. ولكن ما تمتلكه داخل قلبها من حب له يكفيهما سوياً.
في قاعة الزفاف. كانت دعاء ترقص مع رائد في منتصف القاعة. السعادة تطغي على الأجواء. يفعل الموسيقي الساحرة. كان رائد ينظر إليها بسعادة وقد قرر أن ينسى كل ما حدث في حياته ويبدأ من جديد معها هي. ولكن فجأة أتت عينه على امرأة تنظر إليه من بعيد. توقف قليلاً وهو يعيد النظر ليجدها قد رحلت.
- رائد؟ فيه حاجة؟
قالتها دعاء بقلق.
ليبتسم رائد ويجذبها إليه قائلاً مكملاً الرقص:
- مفيش يا روحي.
ولكن في باله كان سؤال يتردد. من تلك المرأة التي تنظر إليه بكل ذلك الحقد؟
- اتفضلي يا عروسة.
قالها رائد بسعادة وهو يدخلها للمنزل الكبير.
ولجت دعاء بخجل. وما كادت أن تتقدم حتى شهقت عندما رفعها هو وحملها بين ذراعيه. ضحكت بخجل وهي تلف ذراعيها حوله وتسند رأسها عليه. صعد بها إلى غرفتهما ثم أنزلها. فغرت فاها وهي تنظر إلى الفراش الكبير الذي مغطى بورود الياسمين التي تعشقها والشموع التي تتناثر حول السرير برقة. بدأ شاعرية للغاية. ارتعد جسدها عندما أحاطها رائد بذراعيه ثم قبل عنقها برقة.
- يلا نصلي.
قالتها بتوتر وهي تنظر إليه. لتصدم بعينيه التي تتطلع إليها برغبة. مرر يديه على وجنتيها وقال:
- إنتِ جميلة. جميلة بشكل مش معقول يا دعاء. أنا محظوظ بيكي.
ابتلعَت دعاء ريقها بينما يمرر كفه على عنقها لتتوتر هي أكثر وتقول:
- رائد لازم...
ولكن تقاطعت حروف كلماتها عندما طبع قبلة على وجنتها. حاول التركيز والكلام إلا أن شفتيه منعتها من الحديث تماماً. ثم حملها ووضعها على الفراش. جاعلاً إياها ملكه بكل معنى الكلمة.
في اليوم التالي.
كانت تنظر إليه بحب وهو نائم. عقلها يعيد تفاصيل الأمس فتشعر بالخجل أكثر وهي تتذكر كيف غرقت معه ونسيت كل شيء. تخجل بسبب عدد المرات التي صرخت فيها بحبها له. على الرغم من قصر معرفتهما إلا أنه أصبح الحياة بالنسبة إليها. النفس الذي تتنفسه. لا تريد حبيب إلا هو. هو فقط. لا تتخيل حياتها من دونه. مرت أصابعها على وجهه وهي تبتسم بحب وتفكر بذهول أن هذا الرجل الرائع الوسيم الذي ظنت أنه لن ينظر إليها حتى قد أصبح زوجها. زوجها هي. ضحكت بدهشة وسعادة ثم انحنت وهي تطبع قبلة قوية على وجنته. لتشهق عندما امسكها هو وقال وهو يضحك:
- مسكتك! بتعملي إيه؟
ابتسمت بخجل وهي تدفن وجهها في صدره بخجل وتضمه بدورها. لم يتكلم أكثر كي لا يحرجها. يا ضمها بدوره وطبع قبلة رقيقة على رأسها.
بعد أيام قضت فيها دعاء أجمل أيام حياتها مع رائد قررت زيارة عم منعم لتأخذ شقيقها ويعيش معها.
- انزلي هنا يا دعاء، أنا هركن العربية في مكان مناسب وأجي وراكي.
- ماشي يا حبيبي.
قالتها دعاء مبتسمة وهي تخرج من السيارة الفارهة التي لا تناسب بتاتاً تواضع الحي.
أمسكت دعاء حقيبتها بسعادة وسارت باتجاه منزل منار. ولكن صوت مألوف جعلها تتجمد مكانها.
- مبروك يا عروسة.
استدارت دعاء وهي ترمق علي ببرود شديد وقالت:
- الله يبارك فيك. عقبالك.
اقترب أكثر من الحد المسموح به وقال:
- لا عقبالي إيه؟ البنت اللي كان عيني عليها خلاص أخدها غيري.
وعلى غفلة امسك كفها وقال:
- أنا عايزك إنتِ.
- إنت اتجننت؟
وما كادت أن تكمل توبيخه حتى قاطعها صوته الغاضب.
- دعااااء!
قالها رائد وهو يرى هذا المنظر لرجل غريب يمسك كف زوجته.
رواية العابثة الصغيرة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سوليية نصار
"مين ده يا دعاء؟"
قالها بصوت خشن. نيران باردة تلمع في عينيه جعلتها ترتبك كثيرا. عضلات وجهه تقلصت من الغضب ونظرات الشك في عينيه أرعبتها. علت دقات قلبها وهي تنظر إلى تغيره الواضح. ملامح وجهه التي أصبحت قاسية كالحجر. تراجعت قليلا وأبعدت كفها والخوف يسكن عينيها فتلعثمت بشدة وهي تقول:
"ده جارى وبس."
كان علي ينظر إلى توترها بتسلية. خوفها الشديد من زوجها جعله ينتشي بقوة. هو يراها في موقف لا تحسد عليه بينما الفزع يرسم خطوطه على وجهها الجميل. عرف أنه هو حاليا مخرجها من تلك الورطة. وإن أنكر كلامها ستقع في موقف لا يحسد عليه مع زوجها الثري. نظرت إليه دعاء بتوسل وخوف ليبتسم لها هو بشر. ارتعبت دعاء وظنت أنه قد انتهى أمرها تماما.
نظر علي إلى رائد الغاضب ومد كفه وقال:
"ازيك يا أستاذ رائد. أنا أبقى جار مدام دعاء وزي أخوها. آسف إني محضرتش فرحكم بس هعوضها إن شاء الله قريب."
نظر رائد إلى كف علي الممدودة ببرود ثم أمسك كف دعاء وسحبها خلفه إلى منزل منال. ابتسم علي وهو يرى مع من وقعت دعاء.
كانت دعاء تسير خلف رائد وهي تشعر بالرعب منه. كان لا يبدو طبيعيا وذلك الشك الذي يسكن عينيه أخافها. هل سيراها نسخة من زوجته الخائنة؟ هل سيتحطم عالمها الوردي الذي صنعته بتلك البساطة؟ هل سيفرق بينهما الشك؟
أسئلة كثيرة مرت في عقلها وشعرت أنها تدور في متاهة لن تنتهي.
"لا لا يعني إيه تاخدوا بسام؟ هو أنتِ يا دعاء مش مأمنة عليه هنا؟"
قالها منعم بلوم. لتبتسم دعاء بتوتر وتقول:
"والله لا يا عم منعم أنا بس..."
"من غير بس يا دعاء يا بنتي. بسام هيقعد معانا هنا على الأقل أسبوعين عشان تاخدوا راحتكم. أنتوا عرسان وأنا أبوه ومنال أخته، ولا إيه يا رائد بيه؟"
نظرت دعاء إلى رائد الصامت بتوجس. نظر رائد إلى منعم وقال:
"اللي تشوفه يا منعم. دعاء معلش أنا تعبان، يالا نمشي. استناكي في العربية. يالا سلام."
ووسط ذهول الجميع نهض.
أمسكت منال كف دعاء وجرتها بعيدا وقالت:
"مالك جوزك يا بت؟ قالب بوزه من أول ما جه ومنطقش ولا كلمة. هو إنتوا لحقتوا تتخانقوا؟"
نظرت إليها دعاء بيأس وقالت:
"لا حصل الأسوأ."
"إيه اللي حصل يا فقر؟"
قالتها منال بتوجس. لتتنهد دعاء وهي تقص عليها كل شيء. حكت لها ما حصل وتلك المخاوف التي تحتل قلبها.
وبعد أن انتهت نظرت إليها منال بصدمة وقالت بصوت يغلي:
"ليه مقلتلهوش إنه كان خطيبك؟"
"خوفت منه."
نظرت إليها منال بصدمة وقالت بعصبية:
"ليه خايفة منه كده؟ هو عاملك إيه؟"
أخذت منال تصرخ بها يزعجها كثيرا ضعفها أمامه.
مسحت دعاء دموعها التي تسللت لوجنتها وقالت:
"إنتي مشوفتيش شكله يا منال. عينيه اتغيرت. أنا خوفت منه كأني عاملة عملة. متنسيش إن الماضي بتاعه."
"مالي بالزفت الماضي بتاعه. دعاء متجننيش. ليه الخوف ده منه؟ هو عاملك إيه بالظبط كأنك عاملة غلطة. يا دعاء مينفعش كده. مينفعش تتعاملي معاه كده لأنه كده هيتمادي معاكي وهتعاني معاه."
هزت دعاء رأسها وقالت بخفوت:
"طيب يا منال خلاص اهدي. عم منعم بدأ يلاحظ."
ثم ضمتها سريعا وقالت:
"أنا هروح دلوقتي."
ثم ضمت شقيقها الصغير وذهبت.
ولجت إلى المنزل. طول الطريق لم ينطق بكلمة من الأساس. كان يتجاهلها ببرود أوجع قلبها. صعد إلى غرفته بهدوء لتصعد هي خلفه والخوف يتصاعد في قلبها مما قادم. وجدته قد خلع سترته وأمسك حاجز الفراش بغضب. وضعت كفها على كتفه وكادت أن تتكلم إلا أنها شهقت بعنف عندما أزاح كفها ونظر إليها ونيران الغضب تتصاعد في عينيه. رجعت دعاء للخلف بخوف. وقد شعرت أن قلبها وقع في قدميها من شدة الخوف. ازدردت ريقها وحاولت الكلام إلا أن لسانها لم يطاوعها.
"رائد."
قالتها برعب. ليتبسم بسخرية وهو يمسك ذراعها ويقول:
"قولي الحقيقة يا دعاء. اللي كان معاكِ ده النهاردة يبقى مين؟"
اتسعت عينيها بذعر وأخذت تتنفس بعنف محاولة ترتيب أفكارها وكلماتها ليصرخ هو بعنف ويقول:
"انطقي يبقي مين وازاي يمسك إيدك بالطريقة دي؟ انطقي بدل ما اقتلك."
انسابت دموعها وأخذت تتنفس بخوف وقد عجزت تماما عن الكلام. ليقترب أكثر منها ثم يهزها بقوة ويقول:
"بقولك اتكلمي مين ده؟"
"جارى بس والله جارى."
قالتها برعب وهي تبكي بعنف. أمسكت قميصه وهي تقول بصوت مرتعش باكية:
"رائد أنت بتشك فيا أنا؟ أنا يا رائد؟"
أزاحها رائد عنها بقرف وقال:
"كلكم نفس الصنف."
ثم تركها وذهب لتنهار هي على الأرض وتبكي وقد تحطمت أحلامها الصغيرة. عالمها الوردي تحطم للأبد وتسرب السواد إليه.
مرت أيام كالجحيم عليهما. أيام تجاهلها فيها كثيرا وكسر قلبها. كان لا ينظر إليها حتى ويعاملها ببرود كسر قلبها الصغير. نظراته الحارة لها تجمدت وأصبحت جليد. لم تتحمل هذا كله. بكت وانهارت. العروس التي كانت تشع سعادة ذبلت على يد حبيبها. ولكن في يوم طفح الكيل بها وقررت أن تواجهه. لن تسمح له أن يهينها بتلك الطريقة. هي ليست رخيصة. انتظرت قدومه على أحر من الجمر وعندما ولج لغرفتهما نهضت وقالت:
"تحب أحضرلك."
ولكنه قاطعها قائلا:
"لا شكرا. اتعشيت بره. وهناك دلوقتي. تصبحي على خير."
أمسكت كفه وهي تقول بإنفعال:
"لا يا رائد هنتكلم. كفاية تجاهل لحد دلوقتي. أنا استحملت كتير حرام عليك. ابعد كفه."
وكاد أن يتكلم إلا أنها اقتربت منه وقالت:
"ليه بتعمل كده؟ ليه بتكسرني بالشكل ده؟ أنا بحبك حرام عليك."
لم تتغير نظراته الجليدية وقال:
"يظهر إننا اتسرعنا في الجوازة دي."
لم تتحمل أكثر وهوت على صدره بكفيها وهي تصرخ هيستريا:
"كفاية كده حرام عليك. إنت إيه؟ أنا عملت إيه لده كله؟ أنا حبيتك وده جزاتي. استحملت إهانتك وبرودك معايا. خلاص طلقني وسيبني."
ثم وقعت على الأرض وهي تبكي بعنف. هلع رائد وهو يرى انهيارها. بدت دموعها صادقة. يعترف أنه قد تمادى معها ولكن ذكرى رجل آخر يمسك كف زوجته أشعلت النيران داخله. تنهد وجلس بجانبها وهو يضمها قائلا:
"أنا آسف. آسف خلاص."
ولكن بكاؤها ازداد وكأن تراكمات الأيام الفائتة انفجرت أخيرا. ظلت نصف ساعة تبكي وعندما هدأت قليلا أبعدها عنه رائد وهو يقبلها على جبينها قائلا:
"آسف. عارف إني زودتها وباجي عليكي كتير بس أنا كمان بعاني. أنا خايف يا دعاء خايف أفشل تاني."
"إنت مش واثق فيا؟"
واجهته بحزن ودموعها تنساب بغزارة. ليمسح دموعها برفق ويقول:
"أنا مش واثق في نفسي وخايف."
انسلت دموعه بخلسة من سجن عينيه. لتمسح هي دموعه برفق ثم تمسك كفه وتضعه على قلبها قائلة:
"القلب ده لديك والله محبتش ولا هحب غيرك. بلاش تبعد يا رائد لآني بخاف. بلاش تأذيني بالشكل ده."
هو رأسه وهو يضمها بقوة إليه طاردا كل تلك الأفكار البشعة.
بعد بضعة ساعات. نظر إليها بحب وهي نائمة. كانت تبدو كالملاك. احتلت ملامحه الحزن للحظات وهو يفكر في الأيام الماضية كيف أساء إليها وشك بها. ولكن هو معذور. ماذا يفعل بأشباح ماضيه التي تطارده ولا تجعله يعيش بسلام. خيانة زوجته ما زالت تلاحقه وهذا ما يعكر صفو علاقته مع دعاء. ولكن قرر ألا يجرحها مرة أخرى. خرج من شروده على صوت رسالة على هاتف زوجته. عقد حاجبيه بشك ثم أمسك الهاتف وفتحه. اشتعلت النيران في جسده وهو يرى رسالة من رقم غريب مكتوب فيها:
"وحشتيني. حبيبك علي."
رواية العابثة الصغيرة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سوليية نصار
انتفضت بخوف وهي تراه يدور حول نفسه. عيناه مشتعلة بالغضب وجسده متوتر. أرادت أن تسأله عن سبب توتره ولكن حالته لم تشجعها بتاتًا.
"رائد، فيه إيه؟"
نظر إليها بغضب بالغ. كانت براكين غضبه تثور داخله. ود لو حطم عظامها. تراجعت دعاء بخوف وهي ترى تلك النيران التي تنبعث من عينيه وعقلها بدأ في وضع أسوأ السيناريوهات.
ابتسم ساخرًا ثم اقترب منها وهو يقول بغضب:
"إزاي يبعت لكِ رسالة زي كده؟"
نظرت إليه بحيرة ولكن بقلق وخوف وقالت:
"رسالة إيه؟"
أخرج هاتفها من جيبه وفتحه وهو يريها رسالة أتتها بعد منتصف الليل من علي. كتب فيها: "وحشتيني". تدلى فك دعاء بينما أخذ قلبها يهدر بعنف داخل صدرها. رباه، هذا الحقير ينوي تخريب حياتها.
"انطقي يا دعاء، إزاي جارك يبعت لكِ رسالة زي دي!!!"
تراجعت بخوف. لسانها انعقد تمامًا لم تعرف ماذا تقول. هل تقول إنها كذبت وأنه خطيبها السابق؟ لو أخبرته هذا سيعتقد أنها كاذبة ولن يصدقها. أن أخبرته أنه يفعل هذا كي يدمر حياتها؟
اللمعت الدموع بعينيها وقالت بخوف:
"رائد، اسمعني"
"قوليلي إزاي يبعت لكِ الرسالة دي؟ فيه إيه بينك وبينه؟ انطقي!"
"أنت بتشك فيا؟"
سألته بصدمة بينما ترمش لتحرر تلك الدموع الثقيلة على عينيها. بيضحك هو ساخرًا ويقول:
"لا، العفو يا مدام يا شريفة. ألاقي واحد باعت لمراتي رسالة حب آخر الليل ومفروض آخدها بالحضن صح؟"
فجأة أمسك ذراعها وضغط عليه بقسوة ثم قال:
"انطقي يا دعاء، إزاي يبعت لكِ رسالة زي كده... بدل ما أدفع والله أدفعك هنا وأخلص منك أنتِ، فاهمة؟!"
"رائد..."
قالتها بخوف ليصرخ هو بها بقوة ويقول:
"انطقي يا بت..."
أغمضت عينيها وهي ترتجف بقوة وتقول:
"كان خطيبي"
ابتعد عنها بصدمة لتمسك هي كفه وتقول:
"والله يا رائد ما كنت حابة أقولك عشان ما تتضايقش. ده واحد حيوان، لما رفضت أرجع له دلوقتي عايز يخرب بيتي. والله ما في حاجة بيننا يا رائد، ما تخليش يخرب حياتنا، أبوس إيديك."
أبعد كفيه يتقزز وهو ينظر إليها نظرات قتلتها. نظرات الشك كانت تلمع بعينيه. نظراته أخبرتها بوضوح كيف يفكر بها.
"كلكم واحد... أنتِ ما تفرقيش عنها."
لفظها أخيرًا بقرف لتشعر وكأنه غرز سكين صدأ في قلبها. نزيف قلبها لا يتوقف ونار روحها لا تنطفئ. ولكن هل تلومه؟ هي من كذبت، ولكنه فاقد الثقة بها. مع أول رياح هاجمت ثقته الواهية تحطمت تمامًا.
نظر لدموعها ببرود وقال:
"حلوة أوي دموع التماسيح دي... أمسك ذراعها وقال: بس الدموع دي مش هتخدعني. أنا هشوف حكاية الواد ده إيه وإيه نظام علاقتكم بالضبط. لو طلع يا دعاء بتكدبي عليا، وديني لأخليكي تحصلي نيرمين."
ثم دفعها لتسقط أرضًا باكية. وذهب غاضبًا.
ضمت دعاء نفسها وهي تنفجر بكاءً. كل شيء يتسرب من يديها بقسوة. سعادتها الواهية تحطمت تمامًا!
خرج رائد وهو يشعر كأنه يغلي على مراجل من الجحيم. الغضب لأنه رغم ما رأه، جزء في أعماق روحه يصدق أنها بريئة. حاول طرد تلك الفكرة تمامًا، فهي لا تختلف عن نيرمين. ينتظر فقط الدليل لكي يزهق روحها.
أتى المساء وحاولت الخروج إلا أن الحارس على باب الفيلا منعها. هو يخبرها بأدب أن تلك رغبة رائد باشا ألا تخرج من المنزل تحت أي ظرف من الظروف. استشاطت غضبًا من معاملته تلك وذهبت غاضبة إليه لكي تواجهه. يكفي أن تبقى بهذا الضعف. يجب أن يثق بها قليلًا وإلا يتركها وشأنها.
ولجت للمنزل بغضب وجدته يتناول عشاؤه بهدوء. التي حضرته ضحى، إحدى الخادمات التي أتت منذ أسبوع. وقفت بجواره وهي تصرخ بنبرة تغلي غضبًا:
"يعني إيه أنت حبستني هنا يا رائد؟ أنت فاكرني حيوانة؟!"
لم يرد عليها بل أكمل طعامه ببرود. لتغتاظ هي وتزيح الطبق حتى سقط على الأرض وانكسر وتناثرت محتوياته وصرخت به:
"طلعني من هنا فورًا أنا رايحة بيتنا وورقة طلاقي توصلني. أنا مستحيل أعيش مع واحد زيك!"
نهض بغضب وامسك فكها ثم دفعها للحائط. تأوهت بينما يدفعها بعنف للحائط. حاوط رقبتها وقال بغل:
"اسمعي يا روح أمك، طلوع من هنا مفيش لحد ما أعرف إيه علاقتك بالكلب اللي اسمه علي. وديني يا دعاء لو أثبت أنك بتخونيني هقتلك وأخليكي تحصلي المرحومة. اللي يخون رائد غنيم يموت."
انسابت الدموع من عينيها وقالت باختناق:
"أنت مريض... منال كان عندها حق، كان لازم أرفضك."
اشتاط غضبًا ليبتعد قليلًا عنها ثم يصفعها بقوة لدرجة انسياب الدم من فمها. وقعت على الأرض بضعف ليجلس بجوارها وامسك شعرها وقال:
"أنا هوريكي المرض اللي على حق يا دعاء."
ثم شرع في صفعها حتى انهارت على الأرض تبكي. لهث وهو يلهث وقال:
"طلاقك مني مستحيل... حتى لو عرفت أنك خاينة يا حبيبتي، مستحيل أطلقك. أنا بس هقتلك زيها."
ثم تركها وذهب. تركها محطمة وقد أيقنت أن عالمها الوردي تحطم على يد حبيبها!
مرت الأيام وهو يتجاهلها تمامًا نهارًا، ولكن في الليل يتصرف كأي ذكر مستبد ينتزع حقوقه منها ثم يتركها على الفراش منتهكة الروح والجسد وينام بغرفة أخرى. لقد أشعرها حقًا أنها رخيصة للغاية، لا تمثل شيئًا له سوى جسدًا يتمتع به في إطار شرعي. لقد كسرها كما لم يكسرها أحد من قبل. حتى تخلي والدها عنها لم يسبب كل ذلك الألم.
في يوم استطاعت أن تأخذ هاتف الخادمة.
"ضربني يا منال... ضربني وحبسني في البيت."
قالتها دعاء من خلال الهاتف التي أخذته من الخادمة دون أن يعرف رائد.
"الحيوان الحقير... مش قولتلك يا دعاء ابعدي، ده إنسان مريض نفسيًا والله."
"يا ريتني سمعت كلامك. أنا بعاني هنا والله يا منال، مبهدلني. فاكر إني خاينة."
"أتاريه الواطي طلب من أبويا أن بسام يقعد فترة معاكم. ده إنسان مختل. بس أنا لازم أتصرف."
مسحت دعاء دموعها وقالت:
"هتعملي إيه؟"
"هبلغ البوليس وأجي."
"لا لا يا منال، إياكي تعملي كده. مش عايزين نوصل الموضوع للدرجادي. ومتنسيش أن الزفت علي بعتلي الرسالة المشبوهة دي. بس أنا اللي غلطانة إني مغيرتش رقمي وماقولتش لرائد عن الحقيقة."
"اومال عايزاني أعمل إيه يا دعاء؟ أشوفك بتعاني معاه وأسكت؟ أسمع أنه ضربك وحبسك وأسكت؟ ليه ملكيش أهل؟"
اخفضت دعاء عينيها بحزن وقالت:
"أنا لسه بحبه، مش عايزة الموضوع يوصل لكده، يمكن لما أكلم..."
"نعم ياختي؟ بعد ده كله؟ أنتِ هبلة ولا إيه؟ مفروض ترميه بعد اللي عمله."
"اهدي يا منال بس."
"أنتِ مش شايفة كلامك يا دعاء؟ يا بت هو عامل فيكي إيه؟ ده مبهدلك واهانك وضربك. عايزة إيه تاني عشان تبعدي عنه؟ انطقي. مستنية لما يقتلك زي مراته يا دعاء؟"
تنهدت دعاء وقالت:
"هكلمه النهاردة ولو فضل على الوضع ده ههرب."
ولكن فجأة شهقت عندما تناول رائد الهاتف من يدها ثم ألقاه على الأرض محطمًا إياه. اتسعت عيني دعاء برعب ليمسك هو ذراعها ويصرخ بها:
"وكمان عايزة تهربي مني؟"
"لا يا رائد والله..."
ولكنها قاطعها وهو يشدها من شعرها. كان شياطين الجحيم تتراقص من حوله. لم يكن يعي ما يفعل، هو فقط يريد أن يؤلمها بالقدر الذي تألم به. لم يسمع صراخها أو توسلاتها، لا شيء على الإطلاق.
أخذت هي تبكي بعنف وتصرخ متوسلة بينما يلقيها على الفراش. كان يحل أزرار قميصه بينما تنظر هي إليه برعب وتبكي.
"إيه؟ خايفة؟"
قالها ساخرًا لتصرخ هي متوسلة:
"لا يا رائد، أبوس إيديك."
ضحك وقال:
"مش عايزة حد يلمسك إلا حبيبك صح يا رخيصة؟!"
"رائد..."
قالتها بصدمة وهي تشعر بقلبها يتفتت من الألم ليبتعد هو عنها مشمئزًا ويقول:
"بس خلاص، أنا حتى بقيت أقرف ما أقرب منك حتى."
ثم ذهب وتركها. ولكن تلك المرة لم تبكي أو تنهار. بل اتخذت القرار المناسب. هي لن تكمل حياتها مع شخص مثله أبدًا.
في اليوم التالي. كانت جالسة على الأريكة تضم ركبتيها إليها بينما غارقة في التفكير. عندما انتشلها صوت ما من أفكارها.
"تحبي أهربك من هنا؟!"
رواية العابثة الصغيرة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سوليية نصار
نظرت دعاء إلى الخادمة بذهول وقالت:
- عيدي كلامك؟
ابتسمت الخادمة بعطف وقالت:
- لو حابة ممكن أساعدك تهربي... حرام إنك تتحبسي بالشكل ده. إنتي إنسانة برضه... اهربي وروحي لأهلك... قرايبك أي حد يقدر يقف في وشه ومتترجعيش تاني.
نهضت دعاء وقالت بارتباك:
- بس إزاي ههرب... هو معين عليا حراسة كبيرة أوي... أنا خايفة عشان لو اتمسكت مش هيرحمني.
جلست دعاء مرة أخرى على الأريكة وهي تضع كفها على قلبها وتقول:
- أنا بقول أديله فرصة كام يوم عشان يهدى وبعدين نتكلم وهو هيسمعني... صح يا رضوي؟ أكيد هيسمعني... هو بيحبني وهيثق فيا... رائد هيثق فيا صح؟
نظرت إليها الخادمة بحزن وقالت:
- لو كان عاوزك تشرحي ما كان حبسك ولا عملك بالشكل ده... إنتي مش مضطرة تستحملي المعاملة دي أبداً يا بنتي.
انسابت دموع دعاء وقالت وهي تشهق بألم:
- أنا بحبه يا رضوي.
- بس هو لا.
نظرت دعاء إلى رضوي بصدمة لتقول رضوي بإحكام:
- اللي بيحب ما بيأذيش بالطريقة دي... اللي بيحب بيثق... بيسمع ويتفهم... اللي بيحب بيحافظ على كرامة الشخص اللي بيحبه... يا بنتي أنا قلبي واجعني عليكي عشان كده عاوزاكي تهربي من هنا وتمشي... روحي عند أهلك... أي حد يقف في وشه.
انسابت دموعها وهي تقول باختناق:
- عندك حق بس أنا مليش حد يا رضوي... أمي ماتت وأبويا اتجوز وسابني... عم منعم الله يكرمه هو اللي ساعدني وأنا مش عاوزة أضره أكتر من كده... كفاية اللي خسره بسببي.
جلست رضوي بجوارها وقالت:
- يعني مش عاوزة تهربي؟
- أنا خايفة.
- متخافيش أنا هساعدك... يمكن لما تروحي لهم منعم يتكلم معاه ويقنعه... يمكن يهدى شوية.
نظرت إليها دعاء وقالت:
- أيوه بس ههرب إزاي؟
- أنا هقولك.
قالتها رضوي وهي تطمئنها... بينما شعرت دعاء بالخوف لا تعرف هل قرارها صحيح أم لا... ولكن لن تتحمل تلك المعاملة من رائد... صحيح تحبه ولكنها لن تتنازل أكثر.
بعد قليل...
- طيب لما يسألك إنتي هتقوليله إيه وهتبرري هروبي إزاي؟
قالتها دعاء بتوتر بالغ وهي تقف أمام الباب الخلفي للمطبخ... كان كل شيء جاهز... الحراس نائمون بسبب العصير الذي أعدته رضوي ثم وضعت فيه منوم قوي وأعطتهم إياه... الخطة كالاتي... ستخرج من البوابة الكبيرة ثم تذهب إلى الشارع العمومي وتستقل سيارة أجرة لتأخذها إلى منزلها... الأمر بسيط للغاية... إذن لماذا هي خائفة؟!! لماذا قلبها ينبض بهذا الخوف... والحزن!! رغم كل شيء ما زالت تعشقه... ولم ترغب أن ينتهي زواجها بتلك الطريقة... ولكن حقاً لن تتحمل شكوكه وهوسه... رائد كالنمر المجروح أقل احتكاك به سيجعله أكثر خطورة... لدرجة أنه قد يقتلها في أحد نوبات جنونه... وهي أصبحت تخاف منه كثيراً... كان يجب أن يسمعها بدل ما أن يتهمها في شرفها... ربما عم منعم سيساعدها... ربما يتكلم معه وينتهي الموضوع...
أغمضت عينيها بخوف وهي تقرر أن تخطو خطوة نحو حريتها... ربما تنفصل عنه للأبد تلك المرة وتلك الفكرة توجهت قلبها فكادت أن تتراجع ولكنها حكمت عقلها وخرجت مسرعة بعد أن ودعت رضوي.
بعد أن خرجت متسللة من الفيلا أخذت تركض ودموعها تتسابق على وجنتيها... لقد تركت قلبها وذهبت من أجل سلامة روحها... ولكنها أيقنت أن الهروب مؤلم... ولكن البقاء أيضاً جحيم وما بين الاثنين هي ضائعة تماماً... أشارت لسيارة أجرة ثم استقلتها وهي تمليه العنوان بصوت مرتعش.
بعد ساعات كان صوت رائد يهدر في المنزل وهو يبحث عن دعاء ورضوي.
- الهانم هربت يا لؤي... هربت وراحت لعشيقها وديني لاقتلها.
قالها رائد وهو يسحب سلاحه ليقف أمامه لؤي ويقول:
- اهدي بس يا رائد.
- أهدي إزاي قولي... بقولك هربت... بتخوني... أنا اتخنت للمرة التانية يا لؤي... أنا حبيت للمرة التانية واتخنت كمان... كلهم طلعوا زي بعض... خاينين.
جلس رائد على الأرض ودفن وجهه بين كفيه ثم بدأ بالبكاء!!!
توسعت عيون صديقه بدهشة... أنها المرة الأولى التي يراه يبكي فيها... لم ير رائد فاقد للسيطرة هكذا حتى عندما خانته نيرمين وشقيقه... كان رائد دائماً شخص بارد نادراً ما يشعر بالحزن أمام أحد... كان يكتم داخل قلبه... كان غاضباً دوماً... يخفي ألمه تحت قناع الجليد الذي يرتديه ولكن القناع سقط وضعفه ظهر.
ابتلع لؤي ريقه بحزن ثم نزل واقترب من صديقه وقال:
- رائد سيطر على نفسك واهدي وفكر... ممكن تكون مظلومة.
- مظلومة؟!!!
هدر رائد بسخرية ثم هز رأسه وضحك بجنون وقال:
- بقولك شوفتهم بعيني كان ماسك ايديها وبالليل بعتلها رسالة يحب فيها... بيغفلوني الاتنين.
- مفكرتش أن دي ممكن تكون مؤامرة منه؟ أقصد إنت بتقول كان خطيبها أكيد لما سابته حس بالإهانة وقرر يبوظ حياتكم... فكر في الاحتمال ده يا رائد.
هز رائد رأسه وهو لا يريد تصديق الأمر وقال:
- طيب وهربت ليه؟ هروبها ده يدل...
قاطعه لؤي وقال:
- دليل على خوفها وعلى معاملتك السيئة معاها... رائد إنت حبستها دي صاحبتها جات. كانت هتهد الدنيا على راسي وكانت عاوزة تبلغ البوليس بس وعدتها إني هحل المشكلة.
تنفس رائد بعصبية وقال:
- مش قادر أصدق إنك إنت اللي بتدافع عنها.
- أنا حاسس فعلاً إنها بريئة... روح يا رائد ومتبوظش الدنيا عشان خرافات في دماغك... اسمعها وتتكلم معاها فكر في كل الاحتمالات ماشي.
تنهد رائد بألم... كلام لؤي غير بعض من وجهة نظره... قد تكون فعلاً بريئة... وقد تكون قسوته الزائدة هي من جعلتها تفر منه... لذلك عزم على أن يذهب إليها ويتكلم بهدوء.
في منزل عم منعم البسيط... كانت دعاء تنهار بالبكاء في أحضان منال بينما منال تقول بغيظ:
- متبكيش يا بت وديني لأطلقك منه الإمعة ده هو فاكر بنات الناس لعبة ولا إيه... ربنا يحرق قلبه زي ما حرق قلبك.
شهقت دعاء بألم بينما قال منعم:
- مش وقته الكلام ده يا بنتي.
- أومال إيه يا بابا... مش شايف عمل فيها إيه... ده واحد مجنون ومهووس... ده حبسها وضربها.
تنهد عم منعم ونظر لدعاء وقال:
- يا بنتي رائد بيه ليه ظروفه وأي واحد في مكانه ممكن...
- رائد بيه بيتتهمني في شرفي يا عم منعم... تخيل أنا يقولي يا خاينة... بعد كل غلطاته اللي غفرتهاله... بعد ما تحملت شكه وغلطه فيا... يحبسني ويتتهمني في شرفي ويضربني كمان!!!
صرخت دعاء بوجع... ليسكت عم منعم ثم يقوم ويأخذها على كتفها ويقول:
- ارتاحي إنتِ دلوقتي ونتكلم بعدين... خديها يا منال على الأوضة.
أطاعته منال وأخذتها للغرفة... وقبل أن تنام دعاء أمسكت كفها وهي تقول:
- معلش يا منال بلاش أخويا يعرف باللي حصل هو صغير ومش عاوزة أخليه يزعل.
- أكيد يا روحي ارتاحي إنتِ أنا وبابا رايحين نزور قبر ماما وبسام حالياً في الدرس... ارتاحي إنتِ.
هزت دعاء رأسها ثم وضعت لتنام.
بعد نصف ساعة تقريباً رنين الجرس انتشلها من نومها لتنهض وهي تشعر بالدوران لتفتح الباب ظناً أنه بسام لتصرخ فجأة عندما وجدته علي.
دفعها علي للداخل وقال:
- وقعتي في إيدي يا دودو.
- اطلع برة وإلا وديني هلم عليك الناس يا حيوان مش كفاية حياتي اللي دمرتها.
- مش هطلع إلا لما آخد اللي أنا عاوزه.
ثم ضمها بقسوة وهي يحاول تقبيلها بالقوة صرخت وهي تبعده عنها إلا أنه التصق بها أكثر.
- واضح إني قطعت حاجة مهمة.
صوت رائد جمدهما تماماً.
رواية العابثة الصغيرة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سوليية نصار
كان ينظر إليها ببرود وكأن غضبه منها تطاير. ولكن خلف ذلك البرود كان محطمًا للغاية. لقد ذاق مرارة الخيانة للمرة الثانية! حطم قلبه للمرة الثانية، ولكن الذنب ذنبه. هو من وثق بها. أعطى لامرأة الأمان وهو هو يجني ثمار غبائه. شعر في تلك اللحظة كأن الجليد احتل قلبه. فبدل أن يقتلها هي وعشيقها كما فعل مع زوجته، نظر إليها بقرف وكأنها رخيصة لا تساوي شيئًا.
كانت تنظر إليه بصدمة. ابتعد عنها علي لتراقب الوضع الذي هي فيه. شعرها مشعث، ملابسها كذلك، وكحلها يسيل على عينيها. تلك الصورة جعلتها ترغب في التقيؤ. لقد شعر بالإشمئزاز منها.
هزت دعاء رأسها وهي تتوسله بعينيها ألا يظلمها مرة أخرى، لكنه ابتسم ساخرًا واستدار وكاد أن يذهب. إلا أنها ركضت وهي تتمسك بكفه وتصرخ:
- لا يا رائد أبوس إيديك متظلمنيش. اسمعني بس.
ولكنه دفعها بعيدًا بقرف وقال:
- كفاية اللي شوفته يا محترمة. طيب كنتوا تقفلوا الباب عشان محدش يقاطع اللحظات الجميلة دي.
قالها ببرود رغم روحه التي تغلي. ود أن يقتلها سويًا الآن، لعله يرتاح. ولكن لا، لا تستحق أن يلوث يديه بدماءها. كان علي متجمدًا وهو ينظر إليه برعب، ولكن بدا أن رائد لا يراه حتى. دفعها عنه وقال:
- متقلقيش يا دعاء مش هقولك ولا حاجة. أنتِ أرخص من كده بكتير. أنا يدوب أطلقك وأرميكي عشان ترجعي لأصلك الواطي زيك. أنتِ رخيصة وهتفضلي رخيصة دايما. والرخيص مش بنتعب نفسنا معاه. لا بنرميه تحت رجلينا.
انسابت دموعها وهي تشهق بألم وتقول:
- والله مظلومة، هو اللي هجم.
- أنتِ طالق يا دعاء. مش عاوز أشوف وشك تاني.
لطمت دعاء ليطالعها بقرف ثم ذهب. وقعت دعاء على الأرض وهي تبكي وتلطم على وجهها حتى كادت أن تمزقه. تولول بكلمات لا تصل حتى لأذنها. ظلت تبكي وتبكي حتى فقدت الوعي تمامًا.
لهث علي بعنف وهو يراقب ما حدث ثم خرج مسرعًا خلف رائد وهو يشكر ربه أنه لم يقتله.
- دعاء... دعاء فوقي.
صوت منال المرتعب انتشلها من كوابيسها. نهضت دعاء وهي ترتعش. رأت نفسها على الفراش وعم منعم ومنال وأخاها بجانبها. تساقطت دموعها وهي تقول بجنون:
- منال... منال ده كان حلم صح؟ أنا كنت نايمة هنا متحركتش من مكاني.
كانت تتكلم بسرعة وبهذيان. جعلت منال تخاف عليها. أمسكت منال كفها وقالت:
- لا يا دعاء أنتِ كنتي واقعة في الصالة. إيه اللي حصل؟
شهقت ووضعت كفها على فاها وهي تدرك أن ما حدث حقيقة وليس كابوسًا بشعًا، بل هي الحقيقة الأبشع على الإطلاق. لقد طلقها رائد. انسابت دموعها على وجنتيها وهي تلطم ثم انفجرت في البكاء بشكل أخاف منال ووالدها وبسام أخاها. أخذت منال تهزها بعنف وتقول:
- يا بت انطقي مالك؟
- رائد.
- ماله سي زفت؟
- طلقني.
- إيه؟
قالها عم منعم ومنال في وقت واحد. لتهز هي رأسها ثم بدأت تقص عليهما ما حدث بالضبط. بعد أن انتهت كانت تشهق وتبكي في حضن منال، بينما تجمد منعم ولم يعرف ماذا سيقول.
- رائد اهدي ابوس إيديك.
صرخ لؤي به وهو يراه يدمر ما تلتقطه يداه. كان في حالة هياج لم يراها من قبل. بينما رائد كان لا يسمعه ولا يراه. كل ما كان يراه هو خيانة امرأتين أحبهما كثيرًا. ظن أن دعاء مختلفة تمامًا، ولكنها مثلها. رخيصة وخائنة مثلها. أوقفه لؤي بعنف عما يفعل وصرخ به:
- اهدي... اهدي ابوس إيديك.
- شوفتها في حضنه يا لؤي. مقدرتش تستني. الهانم اللي أنت قولتيلي إنها ممكن أكون ظالمها كانت في حضن عشيقها. أنا اتخانت للمرة التانية. اتكسرت للمرة التانية، بس ده غلطي. غلطي إني وثقت في واحدة ست. كلهم صنف واحد، صنف رخيص. ودعاء أرخصهم.
جلس على الأرض وهو يدفن وجهه بين كفيه بتعب. نظر إليه لؤي بإشفاق وجلس بجواره وهو يربت على كتفه. رفع رائد رأسه وقد ارتدى قناعه الجليدي وقال:
- مفيش ست تستاهل إني أبكي عشانها يا لؤي.
أمسك كفه وقال:
- لؤي خدني المكان إياه عايزة انبسط وأنسى.
- رائد...
- لا لا يا لؤي مترفضش. أبوس إيديك ساعدني.
هز لؤي رأسه بإستسلام وقال:
- تمام. كمان ساعتين أجهز وأنا هسهرك سهرة حلوة.
ثم نهض لؤي وذهب.
- أنا انتهيت يا منال. لو تشوفي نظرات رائد ليا حسيت إني رخيصة أوي في نظره. من غير تردد طلقني كأني مستاهلش فرصة أتكلم أو أدافع.
ربتت منال على كفها وقالت بحزن:
- كل ده بسبب علي. منه لله. هو عايز إيه منك الزفت ده؟
أخذت دعاء تبكي وتقول:
- منه لله دمر حياتي. بعد ما قولت خلاص الدنيا ضحكتلي واتجوزت اللي حبيته هو دمر سعادتي.
مسحت دعاء دموعها وهي تقول بغد:
- بس وديني لأقتله.
ثم نهضت بجنون وهي تخرج بمنامة البيت.
- يا دعاء استني.
صرخت منال وهي تركض خلفها.
- بسم الله الرحمن الرحيم. طيب جاية.
قالتها والدة علي وهي تشعر بأن باب منزلها سوف يكسر. فتحت الباب لتجد دعاء أمامها فقالت:
- خير. عايزة إيه؟
دفعتها دعاء بعنف وهي تصرخ:
- فين هباب البرك بتاعك؟ علي فين؟
خرج علي من غرفته لتهجم دعاء عليه وهي تصرخ:
- دمرت حياتي. منك لله جوزي طلقني بسببك يا حقير يا حيوان.
ابتسم علي ابتسامة كريهة وقال:
- أنا عملت إيه؟ أنا لبيت دعوتك وجيت. إيه شكلي مقدرتش أبسطك.
جن جنونها. أخذت تضربه وتخربشه. صرخت والدة علي وهي تزيحها عنه، بينما أنت منال مسرعة هي تبعد دعاء عن علي.
- سيبوني وديني لأقتله.
امسكتها والدة علي ثم صفعتها بقوة ودفعتها خارجاً. هي تصرخ وتمسك شعرها:
- يعني إنتِ اللي رخيصة وجاية تلومي ابني.
ثم صرخت:
- تعالوا شوفوا يا ناس بنت الناس المحترمين اللي جاية تتهجم على ابني.
التم بعض سكان البناية وهم ينظرون بفضول لتلك المعركة الطاحنة. دفعتها دعاء وكادت أن تضربها، لكن منال امسكتها وهي تقول بتوسل:
- أبوس إيديكي يا دعاء كفاية. كفاية فضايح.
- وكمان هتمدي إيديك عليا. جاية تلومينا دلوقتي عشان جوزك طلقك. ما هو لو مكنتيش رخيصة مكانش طلقك. أنتِ فاكراني مش عارفة رسايلك لابني وكلامكم طول الليل. ما أنتِ لو محترمة مكانش جوزك طلقك.
بهتت دعاء وهي تنظر إليها ثم فجأة هجمت على والدة علي وهي تصرخ:
- حسبي الله ونعم الوكيل فيكم يا ظلمة. أشوف فيكم يوم.
بعد قليل، كانت دعاء تجلس في المنزل مع منال وهي تبكي. شعرها مبعثر وأنها ينزف. كلمات والدة علي أحرق روحه. لقد اتهمتها أنها هي من أغرت ابنها. ولقد صدقها الجيران. لقد أصبحت الآن بالنسبة للجميع امرأة رخيصة لم تستطع الحفاظ على زوجها لأنها خانته.
- أنا اتفضحت يا منال. خلاص انتهيت.
نظرت إليها منال بشفقة وحاولت أن تتكلم لتهدئها، ولكن دعاء أصبحت في حالة هيستيرية وهي تبكي وتصرخ.
بعد ساعات، ابتسم علي وهو يتقدم منها ويقول بانتصار:
- رائد خلاص طلق دعاء. حياتهم اتدمرت نهائي يا هانم. ها دلوقتي أقدر آخد فلوسي.
أطفأت سيجارتها في منفضة السجائر وابتسمت سميرة وهي ترجع رأسها للخلف وتقول:
- برافو عليك يا علي.
رواية العابثة الصغيرة الفصل السادس عشر 16 - بقلم سوليية نصار
-خلاص كده حياة دعاء مع رائد انتهت.... مستحيل يبص في وشها تاني
قالها علي وهو مبتسم وداخله يرقص انتصارا لقد نجح في مهمته وقريبا سوف يعيدها إليه.... سوف يطيب قلبها المجروح وينسيها رائد وعائلته كلها.... فدعاء ليس فتاة من المناسب افلاتها من يده... ارتسمت ابتسامة. سخيفة حالمة علي شفتيه لتصرخ هي به وتقول:
-مش كفاية أنا كنت عايزاه يقتلها.... عايزاه يقتلها زي ما قتل أختي
نظر إليها بصدمة وقال:
-يقتل مين يا ست... متنسيش إني بحبها مش هعرض حياتها للخطر... احنا كده كسرنا رائد شوفي انتي خطتك التانية ايه أنا برة الموضوع خالص...
نظرت إليه بغضب وقالت:
-بعد الفلوس اللي ادتهالك!!!
-يا ستي جميلك علي راسي بس لا مش عايز دعاء تتأذي ...رائد هو اللي قتل اختك مش دعاء ...طلعيها برة خطتك خالص وعاقبي رائد ..بعدين شكله اصلا محبهاش ولا حاجة ...ده ما صدق اتخلي عنها كأنها ملهاش قيمة ...
تنهدت سميرة بغضب وهي تخرج عبوة سجائرها ثم تشعلها بتوتر وعقلها يحاول اعداد خطط مناسبة للنيل من رائد ...فهي هي قد سددت له ضربة مميتة للغاية ...ينقص فقط أن تنقض عليه لتنهي حياته تماما ....يجب أن يعاني كما عانت هي ...فجأة تكونت ابتسامة شريرة علي شفتيها حسنا ما زال لديها ورقة رابحة لم تستخدمها بعد هي ليست بحاجة لقتل دعاء ....ما تريده هو رأس رائد فقط !!!! نظرت لعلي وقالت مبتسمة :
-عندك حق
ثم ألقت عليه ظرف وقالت:
-خد دوول ومش عاوزة اشوف وشك تاني ...
امسك علي الظرف وابتسم وقال:
-امرك يا هانم ...
ثم ذهب مسرعا ....
خرجت الخادمة من المطبخ وهي تمسك كوب عصير برتقال لسميرة وقالت:
-اتفضلي يا هانم ...
أمسكت سميرة العصير وقالت:
-ميرسي يا رضوي ...فكريني اديلك بقية حسابك علي اللي عملتيه لولاكي مكناش وصلنا لكده ...
ابتسمت رضوي وهي تقول:
-ربنا يخليكي لينا يا هانم
..........
في اليوم التالي
كانت تقف بخوف أمام باب الفيلا قلبها يخفق بقوة تري هل سيستقبلها ...هل سيسمعها ...اقتربت من البوابة ليقف الحارس ويقول بجمود :
-اسف رائد بيه مانع دخولك
اجتمعت الدموع بعينيها وقالت:
-لو سمحت بلغه اني عايزاه ضروري..لو رفض همشي علطول
نظر إليها الحارس مطولا ثم هو رأسه وطلب من صديقه الآخر أن يبلغ السيد رائد ....
وقفت دعاء بتوتر وهي تنتظر ....انتظرت خمس دقائق كاملة ليأتي اخيرا الحارس ويسمح لها بالدخول...
دخلت دعاء وهي تشعر بأن ساقيها أصبحت كالهلام ...كيف سيستقبلها يا تري ...وكيف وافق بتلك السهولة ...اسئلة كثيرة كانت تدور في عقلها لدرجة المتها كثيرا ...دخلت المنزل وقلبها يخفق بعنف ..كادت أن تتراجع وتهرب ولكن أصرت أن تتحدث معه أن تجعله يفهم أنها ليست خائنة ....ستتنازل عن كرامتها تلك المرة من أجله ...من أجل ألا تخسره لأنها تحبه بطريقة مؤلمة وقد عرفت أن الحياة دونه جحيم ....دعت داخلها أن يصدقها وان تعود إليه ...ولكنها تجمدت وهي تري المظهر الماثل أمامها ...مظهر تمنت أن تموت قبل أن تراه ...رائد ...الرجل الذي أحبته جالس وبين ذراعيه امرأة اخري ....كان ينظر إليها مبتسما متجاهلا وجودها تماما ...اغرورقت عينيها بالدموع...ودت لو تصرخ فيه تبكي ...تحطم المكان علي رأسيهما ولكن كل ما فعلته أنها ظلت متجمدة مكانها وهي تبكي بألم ...نظر إليها رائد بطرف عينيه وهو يبتسم بخبث وهو يري انهيارها الواضح ...
-رائد
قالت بصوت مختنق ليبتعد هو عن الفتاة وينهض وهو يوجه تركيزه لدعاء ...
-سالي امشي دلوقتي هكلمك بالليل
قالها دون ان ينظر الي الفتاة لتهز هي رأسها وتذهب مسرعة
بعد ان ذهبت نظرت دعاء اليه بلوم ونظراتها تحكي مدي جرحها وقالت:
-مين دي ؟!
-واحدة كنت بقضي معاها ليلة يعني عادي ...
اقتربت منه وهي تقول بصدمة:
-هو الزنا عندك عادي يا رائد ...
ابتسم ساخرا وقال:
-طيب ما الخيانة كانت بالنسبالك عادي ولا نسيتي اني شوفتك في حضن عشيقك ؟!
هزت راسها وهي تبكي وقالت:
-والله في اليوم ده.....
-اخرسي متتكلميش
صرخ بها وهو يقترب منها ممسكا ذراعها بعنف ...النيران تشتعل في عينيه وذكري خيانتها يحرقه
-مش عايز أي كلام كفاية اللي شوفته في اليوم ده ...كتاب مبسوطة وانت مع عشيقك يا دعاء
بكت وهي تقول بإنهيار:
-والله ما خونتك
ولكن بدا انه لم يسمعها وهو يلصقها به ويقول بجنون:
-قوليلي كنت حاسة بإيه معاه ....بسطك اكتر مني
-انت مجنون
صفعها حتي سقطت علي الأريكة اشرف عليها وهو ينظر إليها نظارات اخافتها ...
-ابعد يا رائد بتعمل ايه ؟!
ابتسم بشر وهو يقول :
-وابعد ليه فيها ايه لما نتبسط شوية مدام الحرام هو اللي بيعجبك ...
اخذت تدفعه وهي تبكي وتقول :
-رائد هتندم علي اللي بتقوله ده ...ابعد عني ...
أخيرا استطاعت دفعه ثم ابتعدت عنه وهي تبكي وتقول :
-والله هتندم علي اللي عملته يا رائد لما تعرف اني عمري ما خونتك ...عكسك لما جيبت ستات هنا ...
مسحت دموعها وهي ترفع رأسها وتنظر إليه وقالت:
-هتعرف اني مظلومة بس في اليوم اللي هتعرف فيه وتيجي تعتذر عمري ما هسامحك...
ثم ذهبت وتركته وهو يلهث من فرط غضبه ...الكاذبة لقد راها بعينيه ولكن ما زالت تدعي الفضيلة ...هي خانته وهو لم يستطع خيانتها حتي ...تلك الفتاة التي جلبها لم يستطع ان يلمسها حتي !!! ...لقد كذب عليها لعلها تشعر بتلك النيران التي شعر بها....
...
في المساء
كانت تسير بيأس قاصدة منزل عم منعم ... ...لقد ذهبت رائد حرفيا ....دمر كل شئ جميل داخلها ...عاملها بسوء لذلك قررت ستبحث عن عمل ....اي عمل حتي لو كان خادمة. ..يجب أن تعتمد علي نفسها بعد أن طردها ببرود من حياته ...لقد مكثت في منزل عم منعم فترة أكثر من اللازم وهذا يكفي أن تثقل عليه أكثر من هذا ...الحل الوحيد أن تأخذ شقيقها وترحل عن ذلك الحي....تبدأ حياة جديدة ...نظرات الناس هنا تخنقها ...جميعهم يتكلمون عن العروس التي تطلقت ولم تكمل حتي شهر في منزل زوجها ...وكذبة علاقتها مع علي اندلعت كالنار في الهشيم...وهي لن تتحمل تلك الاتهامات الباطلة...وقفت قليلا وهي تري المعلم سلامة يقف مع بعض سكان الحي ...ما ان رأها بصق علي الأرض بقرف وقال:
-اهي شرفت الشريفة بتاعة الحي ...
نظرت إليه بصدمة وقالت:
-فيه ايه
نظر إليها المعلم سلامة بقرف وقال:
-فيه ان ده يا حبيبتي حي محترم وانت ملكيش مكان وسطنا
-يعني ايه ؟!
-يعني تاخدي بعضك وتمشي من هنا !!!!
.........
كانت جالسة علي مقعدها... أفكار كثيرة تدور برأسها... أفكار شريرة... مخططات كارثية في عقلها ولكن فكرة معينة خطرت في بالها ونوت حقا ان تنفذها ....الآن هي عرفت نقاط ضعف عدوها وستستخدمها جيدا !!
........
في اليوم التالي
-كان يقود سيارته بسرعة غريبة ....ضجيج عقله لا يرحمه ...دموعها ....نبرتها وتوسلاتها ...وأخيرا الوعد الذي القته في وجهه انها لن تعود إليه مهما حدث لو اكتشف براءتها ...هز راسه ....لا هو لن يصدقها ....لن يكون ساذج لتلك الدرجة ...فجأة اخرجه من شروده صدمة قوية لسيارته وقبل ان يعرف ماذا يحدث انحرفت سيارته قليلا حتي اصطدم بالحائط وارتد للخلف فاقد للوعي !
رواية العابثة الصغيرة الفصل السابع عشر 17 - بقلم سوليية نصار
تأوه رائد وهو يشعر بصوت ناعم يخترق أذنيه.
نظرت سميرة إلى رائد الفاقد للوعي ببرود. كانت ترغب بتركه يموت، ولكن لا، لن تجعله يموت بتلك السهولة. رائد غنيم سيتألم مليون مرة قبل الموت. وسميرة هي موته، هي من ستأخذ حق شقيقتها بيديها.
ما إن شعرت أنه بدأ يعود للوعي، أسندته حتى أدخلته سيارتها ثم انطلقت به إلى المشفى.
كانت تقف بجوار الطبيب بينما ينظف جروح رائد، محتفظة بابتسامة ناعمة على شفتيها، بينما الحريق يلتهم روحها. قاتل شقيقتها ما هو أمامها. حمدًا لله أنه لم يراها من قبل، وهذا سوف يجعل مهمتها أسهل. لن تطلب من أحد أن يقتله، بل هي من ستأخذ حق شقيقتها بيدها.
"تمام، خلصنا، الحمدلله. الجرح سطحي بس هنعمل أشعة على المخ زيادة اطمئنان مش أكتر." قالها الطبيب بعملية.
هز رائد رأسه، بينما تدخلت سميرة تقول بنعومة مزيفة: "يعني يا دكتور هو كده كويس، مفهوش أي حاجة؟"
نظر رائد إلى تلك المرأة رائعة الجمال قليلاً. كانت ملامحها مألوفة للغاية. حاول أن يتذكرها ولكن عقله لم يسعفه. ولكن دون سبب وجد قلبه ينبض بطريقة غريبة.
نظر الطبيب إليها وقال بلطف: "متقلقيش يا آنسة، هو كويس، ده بس إجراء روتيني."
ثم وجه كلامه لرائد وقال: "مش يالا بقا يا بطل عشان نعمل الأشعة."
هز رائد رأسه ونهض مع الطبيب.
بعد ساعتين، كان قد انتهى كل شيء من إجراءات الشرطة والأشعة. اطمأن الطبيب على رائد وكتب له خروج.
خرجت سميرة بجوار رائد وهي تقول بإمتنان: "شكرًا ليك أنك اتنازلت ومرضتش تحبسني على اللي عملته، بس والله من غير قصد، تقدر تقول مبعرفش أسوق أوووي."
ضحك رائد وهو يرى خجلها الواضح وقال: "آه، ده اللي بناخده من سواقة الستات."
ضحكت وقالت: "عندك حق."
رد بدهشة مصطنعة وقال: "إيه، مش هتقوليلي محاضرة عن إن الستات زي الرجالة ومليش حق أتريق؟"
"لا، أنا مش فيمسنت للدرجة."
"أحسن ناس والله." قالها ضاحكًا.
فابتسمت هي وقالت: "بالمناسبة، اسمي سميرة."
صافحها رائد وقال: "وأنا رائد غنيم، اتشرفت بيكي."
ظلت كفها لفترة أطول من اللازم بيده، بينما يبتسم لها ابتسامة خفق لها قلبها.
انعقد جبينها بانزعاج طفيف وسحبت كفها وهي تبتسم بلطف وقالت: "تحب أوصلك أي مكان؟"
"لو مش هتعبك يعني."
...
بعد ساعتين، ولجت سميرة منزلها ثم غرفتها وجلست على فراشها بتعب. لا تصدق أن بداية خطتها قد سارت بكل تلك السلاسة، ولكن قلبها مقبوض من شيء ما. لا تعرف ما هو. هل ستستطيع أن تكمل خطة انتقامها أم ستكون الكلمة الأخيرة لرائد؟ لا، بالطبع لا. من حسن الحظ أنه لا يعرفها حتى، ولم يتعرف عليها أو يشك. ستحاول أن تقترب منه حتى تقتله وتأخذ بثأر شقيقتها. والآن الطريق ميسر. الخطأ الثاني، وتلك هي الخطة التي تعتمد عليها للقضاء عليه.
رن هاتفها لتخرجه من حقيبتها. تأففت وهي ترى أن من يتصل به هو علي. أقفلت الخط بوجهه ثم ألقت هاتفها ودخلت الحمام.
...
في منزل رائد غنيم.
اقترب لؤي من صديقه ثم ضمه بقوة وقال: "رعبتني عليك والله، حرام عليك."
ابتسم رائد وقال: "متخافش يا لؤي، أنا كويس. الحادثة كانت بسيطة. المهم دلوقتي، عايزين ندرس الصفقة اللي هنمضيها الأسبوع اللي جاي، متنساش إنها أهم صفقة للشركة. شركة الراوي دي شركة مهمة، مش عاوزين نخسرها."
أومأ لؤي رأسه وقال: "عندك حق، وأنا درست الصفقة كويس، وجاي أناقشك فيها نقطة بنقطة."
"تمام، يالا."
...
بعد أسبوع.
كانت تقف أمام المرأة وهي تضع اللمسات الأخيرة. بعدها ابتعدت قليلاً وهي تنظر بفخر لنفسها. ملابسها كانت تلائمها تمامًا. قميص كريمي وجيب سوداء تصل لما بعد ركبتها. شعرها البني الطويل تركته منسدلاً. واحمر شفاه هو كل ما يزين وجهها.
أمسكت حقيبتها ثم خرجت مسرعة كي لا تتأخر. فاليوم هو يومها السعيد.
...
في منزل ما.
كانت تقف أمام الحوض الملئ بالصحون المتسخة تغسلها بهمة. منذ أن تم طردها من الحي لم تجد إلا عمتها تلجأ إليها، لأن الأموال التي معها لم تكفِ إيجار غرفة صغيرة حتى لها هي وشقيقها الصغير. حاول منعم ومنال مساعدتها، ولكنها رفضت وقررت أن تبتعد. أن تبني حياتها بعيدًا عن ذلك الحي، بعيدًا عن أي شيء يذكرها برائد. ولم تجد إلا عمتها التي قابلتها ببرود غريب وهي تستمع لطلبها أن تمكث لديها مؤقتًا حتى تجد لها منزلًا. ومنذ ذلك الوقت أصبحت هي خادمة لعمتها وزوجها وأبنائها. ممنوع أن تتكلم أو تعترض حتى. تستيقظ الفجر لكي تغسل وتنظف المنزل وتطهي الطعام، حتى شقيقها الصغير أخرجته من مدرسته لكي يعمل مع زوجها. كل يوم تبكي على ما وصلت إليه، ولكن ليس هناك أي حل آخر. ماذا تفعل؟ بالتأكيد لن تترك المنزل وتعود لذلك الحي الذي أهينت فيه، بالطبع لا. يجب أن تتحمل حتى تجد عملًا مناسبًا وتستقل.
فجأة شهقت عندما شعرت بيدين قويتين تحيطان خصرها ورائحة عرق كريهة تجتاح أنفها. شهقت بعنف وهي تبتعد وتستدير. اتسعت عيناها وهي ترى ابن عمتها اللزج وهو ينظر إليها بابتسامة كريهة.
"إنت إيه اللي جابك دلوقتي؟!"
اقترب منها أكثر لتتراجع هي برعب وتقول: "ابعد أحسن لك، وإلا..."
اقترب من أذنها وهمس بصوت كريه: "وإلا إيه؟ هتعملي إيه يا حلوة؟ خلاص كلنا عارفين رخصك وعارفين إن جوزك قفشك مع عشيقك، فواجب كمان تبسطي ابن عمتك، مش الأقربون أولى بالمعروف برضه."
أمسكت المقلاة بسرعة ثم ضربته وركضت تخرج قاصدة باب المنزل، ولكن بسرعة هو أمسكها من شعرها.
صرخت دعاء بينما صفعها عماد وقال: "عاملة دلوقتي فيها شريفة يا روح أمك، أنا هوريكي."
ثم حملها بينما هي تصرخ وتبكي. ضحك عماد وقال: "متقلقيش يا عمري، مش هنطول."
حاولت دعاء ضربه ولكنه كتفها جيدًا، كان أقوى منها. كان يريدها وينوي أن ينالها مهما حدث، لم يراعي ضعفها ولا صلة القرابة.
ألقاها على الفراش ثم اعتلاها. أخذت تضربه وهي تصرخ وتقول: "حرام عليك يا عماد، إن بنت خالتك يعني من دمك، حرام كده."
أمسك ذراعيها وثبتهما وهو يقول بنبرة ثقيلة: "حرام أنتِ تحرميني من جمالك ده يا حبيبتي."
ثم بدأ يقترب بنية تقبيلها لتبصق هي على وجهه.
أغمض عينيه بغضب ثم رفع كفه وصفعها بعنف على وجهها. ظل يصفعها مرة تلو الأخرى حتى خارت قوتها وغشي السواد عينيها وفقدت الوعي تمامًا!!
ابتسم عماد بشر ثم خلع ملابسه كاملة وبدأ بنزع ثيابها هي لينتهك شرف من هي من دمه!!!
...
في شركة رائد.
كان يراجع أوراق الصفقة للمرة الأخيرة قبل عرضها على مروة الراوي، صاحبة شركة الراوي التي سيتعامل معها. عدل بعض البنود ويأمل أن توافق. فجأة شعر بانقباضة غريبة في قلبه ووجد نفسه فجأة يفكر بها. لقد منع نفسه بصعوبة أن يفكر بها بعد أن أرسل ورقة الطلاق. فلا يعلم لماذا الآن يفكر بها؟ لماذا يخاف عليها؟ هناك شيء يخبره أنها واقعة في مشكلة. قلبه يتأكل بسببها. هز رأسه بعنف وهو يوبخ نفسه بعنف. لقد خانته وهو ما زال يهتم.
قاطعه دخول لؤي الذي قال: "يالا يا رائد، أستاذة مروة والسكرتيرة بتاعتها وصلوا."
"طيب يا لؤي، دخلهم أوضة الاجتماعات، هاجيب الأوراق وأجي."
هز لؤي رأسه وخرج.
بينما هو، رائد رأسه ليصفي ذهنه ثم أمسك الأوراق وخرج متجهاً لغرفة الاجتماعات.
دخل غرفة الاجتماعات ليتجمد فجأة وهو يقول بذهول: "إنتِ"
رواية العابثة الصغيرة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سوليية نصار
تصل عينيه وهو يراها أمامه بملابسها العملية ونظاراتها السوداء وشعر بتلك الخفقات الغريبة تعود إليه ولكنه تجاهلها وأعطاها ابتسامة لطيفة وقال بلطف:
- سميرة إزيك.
نظر إليه لؤي بصدمة واقترب منه وهو يهمس بذهول:
- دي سميرة اللي خبطتك.
- سميرة تبقى سكرتيرة مروة.
ابتسم رائد بهدوء بينما قالت مروة بحيرة:
- انتوا تعرفوا بعض.
أومأت سميرة وقالت بغموض:
- أيوه رائد يبقى.. يبقى صديق قديم.
ابتسم لها رائد غير منتبه لنظرات الكره التي تظلل عينيها.
بينما شعر لؤي بالتوتر.
نظرات تلك المرأة غريبة للغاية.
هناك شيء بها غامض لا يرتاح إليه.
أشار رائد وقال:
- اتفضلوا عشان نناقش الصفقة سوا.
تعلقت نظراته بسميرة قليلا وهو يبتسم ويكمل:
- واضح إن هيكون بينا تعامل.
- وده اللي اتمناه يا رائد بيه.
قالتها مروة بعملية ثم جلسوا للنقاش.
***
ولجت عمة دعاء للمنزل وقد أتت مبكرًا على غير العادة.
تجمدت مكانها وهي تسمع صوتًا من غرفة عماد.
بسرعة تقدمت من الغرفة وهناك كاد فكها أن يسقط لقدمها من بشاعة ما رأته.
فقد رأت ابنها يقبل ابنة أخيها ويحاول الاعتداء عليها بينما هي غائبة عن الوعي.
امتدت يداه لتنتزع ثيابها كي يكمل انتهاكها إلا أنها أسرعت وأبعدته بقوة حتى سقط على الأرض بقوة.
- أمي!
قالها مصدومًا لتلقي عليه ملاءة السرير وتقول:
- أيوه أمك استر نفسك وامشي من هنا عقبال ما أتصرف.
- أمي أنا!
صرخت وهي تقترب منه وتصفعه بقوة:
- عايز تودي نفسك في داهية يا عماد.
- افرض قررت ترفع عليك قضية وتحبسك.
- أنا كنت عارفة إن وجود البنت دي في البيت معاك مش مضبوط.
- بقولك البس هدومك وغور وأنا هتصرف قبل ما تصحى وتبهدل الدنيا علينا.
نكس رأسه ثم سحب ملابسه وارتداها بسرعة أمام نظرات والدته المستاءة.
- اخرج يالا.
وقبل أن يخرج أمسكت ذراعه وهي تقول:
- انطق الأول البت سليمة عملت فيها حاجة.
- لا.
- طب كويس يالا غور.
ثم ذهب من أمامها مسرعًا.
بينما وقفت رباب وهي تطالع تلك النائمة على الفراش دون رضا.
تلك الفتاة سوف تدمر مستقبل ابنها.
وجودها هنا خطر ما كان يجب أن تستقبلها بمنزلها.
ولكنها ستحل ذلك الخطأ الآن بهدوء.
ذهبت لغرفتها ثم بدأت في تجميع ملابسها وملابس شقيقها في نية طردها من منزلها للأبد.
***
- كده نمضي العقود.
قالها رائد براحة لتبتسم مروة وهي تقول:
- أكيد يا رائد بيه وشكرًا إنك اديتنا فرصة نتعامل مع شركة كبيرة زيكم.
توتر لؤي بينما ابتسم رائد وقال وهو ينظر لسميرة:
- الشرف ليا أنا.
ثم وجه نظره لمروة وقال:
- يوم السبت بإذن الله هخلي المحامي بتاعي يجهز العقود ونمضيها فورًا.
هزت رأسها وقالت:
- تمام اتفقنا.
ثم نهضت وصافحته لكي تغادر.
هز رائد رأسه وقال:
- يارب تكون فاتحة خير علينا.
- يارب.
ثم مد كفه لسميرة وقال:
- انبسطت لما شوفتك.
هزت رأسها وهي تبتسم له.
كم ودت أن تقتله في تلك اللحظة.
الحقير.
***
شهقت دعاء بقوة وهي تشعر بأحدهم قد رش عليها مياه.
نهضت وهي تلهث وعقلها مشوش.
نظرت بدون فهم إلى عمتها التي تنظر إليها بغيظ.
ولكن سرعان ما تذكرت الذي حدث.
وضعت كفها على فاها وهي تصرخ بقوة.
نهضت وهي تضم ملابسها إليه ثم بدأت تلطم.
- يالهووي يالهوي.
تخصرت عمتها وهي تقول:
- اسكتي يا بت يا عديمة التربية.
- بقا اقعدك في بيتي وألمك من الشوارع وأنتِ تحاولي تلفي على الواد ابني.
نظرت إليها دعاء بصدمة وهي تقترب منها وتصرخ:
- ده ابنك هو!
ولكن صفعة قوية قاطعتها وهي تقول:
- اخرسي قطع لسانك قليلة الحيا بصحيح.
- أبوكِ رماكي وعيارك فلت.
- أنا ابني محترم أنتِ اللي تربية شوارع أكيد قدرتي تلفي عليه عشان يتبلى بيكي بعد ما اتطلقتي.
- ولا فاكرة مغامراتك القذرة محدش يعرفها.
هزت دعاء رأسها وهي تبكي وتقول:
- حرام عليكي ده ابنك هو اللي.
- خلاص اخرسي والحمدلله إني جيت قبل ما يتورط مع واحدة زيك.
- يعني محصلش حاجة صح.
قالتها دعاء بلهفة وهي تبكي لتقول عمتها:
- أيوه يا عينيا الحمدلله.
جلست دعاء على الأرض بانهيار وقالت وهي تبكي:
- الحمدلله.
- الحمدلله على كرمك ولطفك يارب.
- الحمدلله.
أمسكت عمتها ذراعها وهي تقول:
- الحمدلله يختي خلصنا يالا بقا أنا لميت هدومك وهدوم أخوكي.
- يالا غوري من هنا.
- عمتي أنتِ بتقولي إيه هروح فين أنا.
- وأنا مالي يا حبيبتي اتصرفي.
- أخوكي هيجي دلوقتي وتغوري من هنا أنتِ فاهمة يا بت وإلا وديني أفضحك أنتِ فهمتي كلامي كويس.
***
- عينيك النهاردة منزلتش من عليها.
قالها لؤي صديقه الجالس على مكتبه.
نظر إليه رائد بحيرة وقال:
- قصدك مين.
- سميرة الست اللي خبطتك بالعربية.
لمعت عيني رائد بشدة ليجلس لؤي ويقول:
- بس فيه حاجة فيها مش مريحاني.
- قلبي مقبوض.
هز رائد كتفيه وقال:
- وقلبك مقبوض ليه.
- دي مجرد سكرتيرة شريكتي ومفيش حاجة.
- اعترف إن جمالها طاغي وخلاني أرتكب شوية واتصدمت من الصدفة مش أكتر.
- يا راجل.
- أيوه.
قالها رائد ببرود ثم أكمل وقال:
- مالك انت بقا شغال تلقح كلام عليا.
- مفيش يا حبيبي بس خلي بالك انت لسه طالع من تجربة.
- اهدي شوية.
ثم تركه وذهب تاركًا إياه غارقًا في أفكاره.
***
كانت دعاء تمسك كف شقيقها وتسير في الشوارع دون هدى.
دموعها تتسابق على وجنتيها والألم كبير ينهش في قلبها.
لما هي بالذات يحدث معها هذا يا ترى.
- قبلة دعاء إحنا رايحين فين.
- معرفش يا حبيبي معرفش.
ثم أخذتها وجلست منهارة على الرصيف وهي تبكي بعنف.
لقد خسرت كل شيء وأضحت بالشارع.
لما يحدث معها هذا لما.
لما حظها هكذا.
عندما شعرت إن الدنيا فتحت لها أبواب السعادة اكتشفت أنه الجحيم بعينه.
فجأة رفعت رأسها ولمعت عينيها.
أخرجت من حقيبتها رقم ما.
رضوى تلك الخادمة الطيبة التي جعلتها تهرب من زوجها.
***
بعد ساعة.
كانت دعاء جالسة في أحد المقاهي الشعبية وهي تتكلم مع رضوى بتوتر.
- شكرا لأنك جيتي.
- أنا معرفتش أكلم مين.
- أنا دلوقتي مليش إلا ربنا ولقيت رقمك عندي.
أمسكت رضوى كف دعاء وقد شعرت بالسوء قليلاً لأجلها وبتأنيب الضمير قليلاً وقالت:
- أساعدك إزاي.
- شوفيلي شغلانة أي شغلانة ومكان ليا أنا وأخويا.
- إحنا هنبات في الشارع لو ملقيتش أي مكان يأويني.
- لو سمحتي ساعديني.
هزت رضوى رأسها ثم نهضت وهي تمسك هاتفها وقالت:
- هعمل اتصال وربنا يسهل.
هزت دعاء رأسها بامتنان.
بينما ابتعدت رضوى واتصلت بسميرة.
ما أن ردت حتي أبلغتها بكل شيء وتلقت الأوامر اللازمة.
***
أغلقت سميرة الهاتف مع رضوى ثم ابتسامة شريرة زينت ثغرها.
نظرت إلى مروة وقالت:
- معلش يا مروة ممكن أروح بدري النهاردة.
- ماما تعبت شوية وكده كده إحنا أنجزنا تقريبًا كل الشغل.
- ماشي يا سميرة روحي.
- بس ما تتأخريش بكرة عايزين نجهز نفسنا مش عايزين نخسر شريك زي رائد.
- متقلقيش.
ثم أمسكت حقيبتها وذهبت مسرعة.
***
بعد قليل كانت قد وصلت للمنزل.
بدلت ملابسها سريعا واطمأنت على والدتها ثم خرجت للصالة عندما علمت بقدوم رضوى ودعاء.
بنظرات سوداء يشوبها الحقد تأملت سميرة تلك المرأة التي احتلت محل شقيقتها.
تلك المرأة التي رغم أن رائد شهد خيانتها لم يقتلها مثلما قتل نيرمين.
لماذا يا ترى.
توترت دعاء من نظرات تلك المرأة خارقة الجمال وامسكت كف شقيقها.
ابتسمت سميرة بغموض وقالت:
- رضوى قالتلي عليكي.
- وحكتلي ظروفك عشان كده أنتِ هتشتغلي عندي.
- خدامة!
رواية العابثة الصغيرة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سوليية نصار
ابتلعت دعاء ريقها بصعوبة، ولكن هزت رأسها بالموافقة.
ماذا ظنت بالضبط؟ بالطبع ستكون مجرد خادمة.
ابتسمت سميرة وهي ترى انكسارها. صحيح أن تلك الفتاة لم تؤذيها، ولكن علاقتها برائد جعلتها فريسة لها، فقط عندما تنتقم من رائد ستطلق سراحها.
"جميل... أنتِ هتشتغلي مع رضوي هنا. وكمان عشان ظروفك اللي حكتلي عليها رضوي تقدري تعيشي هنا، تأكلي وتشربي وتسكنِ، بس طبعًا هيتخصم من مرتبك."
هزت دعاء رأسها وهي تنظر للأرض وقالت:
"كتر خيرك يا هانم."
نظرت إليها سميرة بغموض وقالت:
"دلوقتي هتروحي مع رضوي تقولك على أوضتك أنتِ وأخوكي فين، وهتديكي الهدوم اللي هتلبسيها."
هزت دعاء رأسها بطاعة وذهبت خلف رضوي.
***
مر يومان وقد تم امضاء العقد، لذلك قررت مروة الراوي أن تقيم حفلة بسيطة بتلك المناسبة. دعت فيها رائد هو ولؤي.
في الحفل، تجمد فجأة وانسحب الأكسجين من رئتيه وهو يراها أمامه. يقسم أنها كانت كأميرة خرجت للتو من القصص الخيالية. لم تستمع عينيه لأوامر عقله وينظر بعيدًا، بل لمعت عينيه بإعجاب وهو ينظر إليها. جمالها خرافي، لم يرى أحد بهذا الجمال من قبل. فستانها الكريمي المحتشم يلتف حول جسدها الممشوق، شعرها البني تركته منسدلا، وابتسامتها الرائعة. كل هذا كان كفيلًا له بأن يفقد عقله.
فجأة نظرت إليه فأرتبك قليلاً، ولكن عندما أعطته ابتسامة رائعة هدأ قليلًا وابتسم لها بلطف ثم توجه إليها.
نظر إليه لؤي بصدمة وهو يهز رأسه. لا يفهم بالضبط ما يفعله صديقه.
اقترب رائد من سميرة وهو يصافحها ويقول:
"طالعة حلوة النهاردة."
احمرار طفيف زين وجهها وابتسمت بسعادة وقالت:
"ميرسي."
ثم أتت مروة وصافحته وهي تحدثه قليلًا عن الصفقة. استغلت سميرة الفرصة وذهبت بعيدًا. ظلت عيني رائد متعلقة بها وهو يتحدث مع مروة. تنهدت وهي تضم جسدها إليها، ترتجف قليلًا وهي تفكر ماذا يحدث لها. يجب أن تكرهه، إذن لماذا ذلك الانجذاب الغريب من ناحيته؟ هل ستقع في فخه قبل أن يقع في فخها؟ لا، لا هي لا يجب أن تستسلم بتلك الطريقة.
"تسمحيلي بالرقصة دي؟"
صوته الرجولي اقتحم أفكارها بقوة، لتنظر إليه بشحوب وهي ترى كفه التي امتدت لها. حاولت السيطرة على نفسها وكافحت لرسم ابتسامة لطيفة على شفتيها، وكادت أن ترفض إلا أنه أمسك كفها. هو يجرها بلطف ويرقص معها.
ارتعش جسدها بينما يراقصها بلطف وازدادت ضربات قلبها، ولكن بإرادة سيطرت على نفسها. بتذكير نفسها أن ذلك هو رائد، رائد الذي قتل شقيقتها بدم بارد، الذي دمر حياتها وحياة والدتها. رائد يستحق كراهيتها فقط ولا شيء آخر.
بتلك الطريقة أقنعت نفسها وهي تجاريه بالرقص. لقد فعلت المستحيل لتصل لتلك المرحلة ولن تستسلم أبدًا.
ومن بعيد كان يراقبهما لؤي وهو يهز رأسه بيأس.
***
في اليوم التالي، وقف لؤي بجوار رائد وقال:
"أنا عايز أفهم أنت دماغك فيها إيه."
ترك رائد ما يفعله ونظر إليه بحيرة وقال:
"مش فاهم تقصد إيه."
نظر إليه لؤي مطولًا وقال:
"كلامك وتقربك من سكرتيرة مروة الراوي... أنت في دماغك فيه إيه يعني."
"تقدر تقول دخلت دماغي، ها؟ إيه تاني."
"بالسهولة دي."
"أيوه."
هز لؤي رأسه وقال:
"اعقل شوية يا رائد، أنت لسه خارج من تجربة سيئة."
نهض رائد وابتسم وقال:
"متقلقش عليا يا لؤي."
ثم تركه وذهب. هز لؤي رأسه بيأس. للمرة الأولى يعجز عن فهم صديقه. لماذا يفعل هذا؟ لماذا يتقرب من تلك المرأة بتلك الطريقة؟ هل حقًا نسي دعاء بتلك السهولة؟ غريب.
***
"أنا قلقانة على دعاء يا بابا. بقالها أكتر من تلات أيام مكلمتنيش، قلبي واكلني عليها أوي."
قالتها منال بخوف. ليربت والدها على كتفها ويقول:
"طيب حاولي تكلميها."
"حاولت كتير، تليفونها مقفول. ياريتنا ما كنا سيبناها تمشي من هنا. أهي البنت راحت لعمتها ومش عارفة أي أحوالها."
"يا بنتي دي عمتها، أكيد هتكون كويسة هناك."
هزت منال رأسها وقالت:
"برضه قلبي بيقول أن فيه حاجة حصلت. هي أدتني عنوان عمتها، ممكن تسمحلي أروح يا بابا."
"هنروح أنا وأنتِ بكرة بإذن الله ونسأل عليها. تمام كده يا منال."
هزت منال رأسها وهي تحاول طرد تلك الأفكار السيئة التي تهاجم مخيلتها. تتمنى من قلبها أن تكون صديقتها بخير.
***
لم تأتِ هنا منذ زمن وقد اشتاقت لزيارة شقيقتها. تناثرت الدموع من عيني سميرة وهي تلمس قبر شقيقتها التي أحبتها كثيرًا. كانتا لا تفترقان أبدًا، إلى أن أتى اليوم وسافرت سميرة لتكمل دراستها في الخارج. حينها عملت نيرمين مع رائد. كانت نيرمين تخبرها كل شيء بشأن مديرها الغني والوسيم. أخبرتها أنها ستفعل المستحيل للإيقاع به لكي يحبها ويتزوجها. ضحكت سميرة عليها وظنت أنها تمزح، ولكن الصدمة كانت قوية عندما علمت أن نيرمين سوف تتزوجه بالفعل. شعرت بالضيق منها، ولكنها دعت أن تكون حقًا نيرمين تحب هذا الرجل ولا تكذب عليه أو تخدعه. ولظروف دراستها بلندن، تستطع أن تحضر الزفاف، ولكن ظلت مكالمات نيرمين وسميرة مستمرة حتى أتى اليوم الذي صدمتها شقيقتها بالمصيبة الكبرى. أخبرتها أنها واقعة في حب رجل غير زوجها، وهو كريم أخاه. حينها صرخت بها سميرة ووبختها. ولكن نيرمين أخبرتها أن الأمر ليس بيدها. ما زالت تتذكر تلك المكالمة السوداء.
وكانت تلك آخر مرة تحادث شقيقتها.
"أنتِ اتجننتي يا نيرمين، بتقولي إيه؟ أنتِ متجوزة، سامعة كلامك."
"مش بإيدي."
"اللي هو مش بإيدك."
انفجرت دموع نيرمين وصرخت قائلة:
"قولتلك مش بإيدي يا سميرة... بحبه.. مقدرتش أحب رائد.. أنا اتجوزت رائد عشان فلوسه بس لكن حبيت أخوه ودي حاجة خارج إرادتي."
"أنتِ مستوعبة بتقولي إيه... أنتِ بتخوني جوزك بالشكل ده. نيرمين حبيبتي اسمعيني، ابعدي عن كريم ده وخليكي مع جوزك. حاولي تحبيه وتتقبليه... أمك لو عرفت اللي أنتِ عملتيه هتروح فيها. اقطعي علاقتك بيه خالص، سامعة."
تنهدت نيرمين وهي تقول بصوت مختنق:
"حاضر يا سميرة."
عادت سميرة من شرودها وهي تمسح دموعها. رغم أنها حذرتها، ولكن نيرمين للأسف لم تطيعها، ليكون الثمن هو حياتها. نعم، تعترف أن أختها أخطأت، ولكن لا يحق له أن يقتلها بذلك البرود.
مسحت دموعها واحتلت القسوة عينيها وهي تنظر لقبر شقيقتها وتنطق بوعيد:
"أوعدك يا نيرمين أني هاخد حقك منه... هقتله زي ما قتلك وحرمني منك... هعذبه، هخليه يتمنى الموت... مش هرتاح إلا لما أخد حقك، أوعدك."
ثم نهضت وهي تنفض ثيابها وترحل.
***
في اليوم التالي، تخصرت منال وقالت لعمة دعاء:
"إيه اللي أنتِ بتقوليه ده يا ست أنتِ؟ مشيت؟ يعني إيه؟"
دفعتها وقالت:
"يعني طفشت يا عمري من هنا. أنا كنت عارفة أن البنت دي هتجبلنا مصيبة، عشان كده غورتها من هنا. ويالا أنتِ كمان من غير مطرود أنتِ وأبوكي بدل ما ألم عليكم أمة لا إله إلا الله."
ثم بقوة أغلقت الباب في وجهيهما. نظرت منال برعب إلى والدها وقالت:
"هنعمل إيه دلوقتي يا بابا."
صمت منعم وهو لا يعرف بماذا يجيب ابنته، فهو نفسه لا يعرف.
***
مرت الأسابيع ورائد اقترب من سميرة بشكل كبير. ارتاح إليها وأصبحت مقربة لقلبه. صمم على اختراق حصونها ببساطة. أصبح لها الصديق الذي يسمعها ويشاركها، وما قربهما أكثر هو العمل. وفي يوم، كانا يجلسان بسيارته في هدوء عندما نظر إليها وقال فجأة:
"سميرة، تتجوزيني؟"
رواية العابثة الصغيرة الفصل العشرون 20 - بقلم سوليية نصار
هتتجوزيه يا سميرة؟
نسيتي انتقامك يا سميرة.
نسيتي دم أختك نيرمين.
نسيتي إنه قتلها.
صرخت بها والدتها وهي تهزها بقسوة، لتتجمد سميرة بين يدي والدتها.
لا، لن تدع أي شيء يؤثر على قرارها. هي ستتزوجه لتنتقم منه.
ستجعله يعاني قبل أن تقتله. هي لن تريحه بتلك البساطة.
تصاعدت الدموع لعينيها وهي ترى والدتها تصرخ وتبكي.
ولكنها كادت أن تتكلم.
تبرر تاريخ قلب أم مكلومة بموت ابنتها.
ولكن لمح بطرف عينيها دعاء وهي تنظر إليها بصدمة.
ما تلك الكارثة؟
هي تعمل لدى شقيقة نيرمين.
زوجة رائد الأولى.
هل هذا صدفة أم شيء مدبر؟
هي حقاً لا تصدق.
اقتربت أكثر وهي تريد أن تستمع لتفاصيل أكثر.
ابتسامة شريرة تكونت على شفتي سميرة.
هي امرأة لا تعرف أبداً الاستسلام.
ستنتقم شر انتقام من رائد ومن يحبها.
نظرت لوالدتها وهي تقول بنبرة جليدية:
بنتك هي اللي خانته يا ماما، عايزاه يعمل إيه؟
بعدين هو بيحبني دلوقتي ووعدني إنه هيعوضني ويعوضك.
تراجعت والدتها للخلف وهي تنظر إليها بصدمة.
لا تصدق أن تلك هي ابنتها.
ابنتها التي كانت منذ أيام تتوق الانتقام.
كيف أصبحت هكذا؟
اقتربت منها وأخذت تهزها وتقول:
سامعة نفسك بتقولي إيه يا سميرة؟ إيه حصلك؟ ابن غنيم لعب في عقلك. أنتِ اتجننتي.
ابتعدت سميرة وهي تنظر لوالدتها وقالت بهدوء:
بالعكس، عقلت يا ماما. هو ده الصح. رائد بيحبني وأنا مش هدمر كل حاجة بسبب واحدة خاينة. هو فرش لها الدنيا ورد وهي غدرت بيه. عايزاه يعمل إيه يعني؟ بنتك حقي.
ولم تكمل الكلمة حتى نالت صفعة قوية من والدتها.
انسابت دموع والدتها وهي تصرخ بها:
اخرسي. قطع لسانك. أنتِ مش بنتي. أنتِ خاينة. نسيتي دم أختك عشان مصلحتك. أختك اللي بسببها إحنا عايشين في المستوى ده.
قصدك بسبب رائد اللي بنتك لفت عليه.
اقتربت والدتها منها وأخذت تهزها وتقول:
خلاص اخرسي بقى. هي كانت... ماتت خلاص. يا حسرتي عليكم انتوا الاتنين. هي اتقتلت على إيده وأنتِ كمان هتموتي على إيده.
مسحت والدتها دموعها.
قالت:
أنا مش عايزة أشوفك هنا تاني. اطلعي برة. برة بيتي وبرة حياتي. أنا موت بالنسبة لك يا سميرة وأنتِ ميتة بالنسبة لي.
ماما.
قالتها سميرة وهي تبكي.
إلا أن والدتها دفعتها وهي تصرخ بها قائلة:
قلت لك برة. برة. مش بتفهمي!
انسابت دموع سميرة بينما والدتها تدفعها للخارج بقوة.
كان قلبها يؤلمها على ما تفعله بوالدتها المسكينة.
ولكنه الحل الوحيد للانتقام من رائد.
هي ستعذب رائد قبل موته وتقتله، وبعدها ستقتل نفسها.
رغم كل شيء، هي بغباء أحبته.
ولكنها لن تنسى دماء أختها.
تراجعت دعاء ثم ركضت جهة غرفتها الصغيرة.
فتحت الباب ثم جلست على الفراش البساط ودموعها تتسابق على وجنتيها.
رباه، ماذا يحدث؟
رائد سوف يتزوج ومن من؟
شقيقة زوجته السابقة.
كيف وقع تلك الوقعة؟
وضعت كفها على قلبها وهي تبكي.
ببساطة سيتزوج شقيقة من خانته.
ببساطة القاها خارج حياته كأنها حثالة.
هو لم يحبها.
لقد تيقنت الآن أن قلبه لم ينبض لها كما نبض قلبها له.
تسطحت على الفراش وهي تغمض عينيها بتعب.
لا تريد أن تفكر في أي شيء.
لا الجرح ولا الخذلان.
ستتجاوز هذا.
يجب أن تنساه.
هو القاها خارج حياته وهي تقسم أنها ستلقيه نهائياً خارج حياتها.
أفكارها وقلبها.
مهما طال الأمر.
لن تخضع لقلبها مرة أخرى.
نهضت أيضاً وهي تقرر شيئاً.
سوف تترك هذا المنزل وتخرج.
سوف تهرب بعيداً.
في غرفة سميرة.
كانت تبكي وهي تجهز ملابسها.
لقد جرحت والدتها كثيراً.
ولكن الله فقط يعلم أن ما ستقوم به سيقضي عليها تماماً ووالدتها لن تتحمل.
هي وعدت وستفي.
حق نيرمين سوف يعود والثمن حياة رائد.
وحياتها!
حملت حقيبتها وهي تمسح دموعها وترتدي قناعها الجليدي.
لن تنهزم الآن.
ستر كز على هدفها.
ثم بخطوات واثقة خرجت من غرفتها لخارج الفيلا الصغيرة وهي تطلب سيارة أجرة وتغادر.
راقبتها والدتها والدموع تفر من عينيها.
ضمت صورة نيرمين لصدرها وقالت:
شفتي أختك يا نيرمين. شوفتي باعتك وراحت. راحت الجحيم برجليها. يا حرقة قلبي على بناتي. واحدة غلطت ودفعت الثمن والتانية الحب عماها. أعمل إيه؟ أحمي سميرة إزاي؟
ابتعدت عن النافذة وجلست على فراشها تبكي.
لقد ضاع كل شيء.
بعد ساعة كانت سميرة بغرفة الفندق الذي نزلت به.
بدلت ملابسها وأفرغت حقيبتها وهي تمنع عقلها من التفكير بأي شيء.
جلست على الفراش وأمسكت صورة شقيقتها نيرمين.
قالت:
منستش حقك يا نيرمين وهجيبه. أنا بحبك.
رن هاتفها لتنتفض مكانها.
امسكت الهاتف وابتسامة غامضة تزين شفتيها.
أيوه أنا جاية دلوقتي.
في بيت ما مهجور.
فتحت دعاء عينيها بصعوبة.
كانت تشعر بثقل في أطرافها.
حاولت النهوض إلا أنها وجدت نفسها مكبلة في كرسي.
توترت وهي تحاول أن تنهض ولكن دون جدوى.
هزت رأسها بخوف وهي تتذكر ما حدث.
كانت في منزل سميرة تستعد للذهاب وتبحث عن أخيها عندما شعرت بأحد خلفها يضع على أنفها محرمة ومن حينها لا تتذكر أي شيء!
كادت أن تصرخ إلا أن صوت أنثوي ناعم جمدها.
اهدي يا دعاء.
اتسعت عينا دعاء وهي تجد سميرة أمامها.
ممسكة بسلاح ناري تهيئه.
أنتِ. أنتِ هتعملي إيه؟
قالتها دعاء برعب وهي ترى سميرة تتقدم منها.
هقتلك.
قالتها سميرة ببساطة.
لتفزع دعاء بينما تكمل سميرة:
شوفي صحيح أنتِ ملكيش ذنب في ده كله. بس عشان أختي ترتاح لازم آخد حقها كامل يا دعاء. لازم أحرق قلب رائد عليكي قبل ما أقتله.
بكت دعاء وهي تحاول أن تتحرر وصرخت بها:
أنتِ مجنونة صح؟
اقتربت سميرة منها ثم رفعت كفها وضربتها بالسلاح الناري حتى نزفت من رأسها.
تأوهت دعاء وهي تبكي لتمسك سميرة رأسها وتقول:
إيه رأيك تحترمي نفسك عشان أموتك بسهولة. متقلقيش مش هتكوني لوحدك قريب هبعت لك رائد كمان.
سيبيني أبوس إيديك.
قالتها دعاء وهي تبكي بهيستيرية.
كانت تشعر بالرعب من تلك المجنونة.
ولكن سميرة لم تهتم.
كان في عقلها مخطط تريد تنفيذه.
ستقتلها ثم تقتل رائد ليلة زفافهما وتقتل نفسها.
تلك هي الطريقة الوحيدة لتصحيح الأمر.
مسحت الدموع التي تكونت على جانبي عينيها بقسوة ثم وجهت السلاح لجبهة دعاء وقالت:
متقلقيش على أخوكي يا دعاء هبعته لصاحبتك منال تراعيه. يالا دلوقتي سلام.
أغمضت دعاء عينيها برعب وكادت سميرة أن تطلق النيران إلا أن صوت اقتحام الشرطة أوقفها.
سلمي نفسك يا سميرة.
ارتعبت سميرة وتراجعت ثم سقط منها السلاح وهي ترى رجال الشرطة يحاصرون المكان.
اتسعت عينا دعاء وتنهدت براحة ثم فقدت الوعي من شدة الضغط.
ولج رائد هو ولؤي إلى المكان.
نظر رائد إلى سميرة بشماتة وقال:
خلاص يا سميرة لعبتك انتهت.
ومن خلف رائد تجمدت سميرة وهي ترى رضوي.
تلك الخائنة.
خنتيني. بعد اللي عملته لك.
أطرقت رضوي وقالت:
أنا عملت أخيراً حاجة صح. أنا قلت لرائد بيه على كل حاجة وأنا اللي حطيت لك جهاز يسجل صوتك. حبيت أعمل أخيراً حاجة صح وعملتها ومش ندمانة.