لم تقدر على النطق لأنها أصلاً لم تتقبل سمير نفسه ولم تكن مستريحة لكلامه. حركت الكرسي وهي ترجع للخلف ولم تنتبه للسلم الذي تقترب منه. وفجأة شعرت بالكرسي ينقلب للخلف تلقائياً، صرخت باسم رائد. إيلدا لفت لخلفها بسرعة عندما سمعت صوت عليا. أما سمير فثبت مكانه في الأرض. إيلدا جريت عليها لتلحقها، لكن القدر كان له رأي آخر. وكأن رائد كان يحس بها. ترك يد فهد وصعد الدرجتين المتبقيتين في لمح البصر ومسك الكرسي قبل أن يقع.
عيونهما تعلقتا ببعض لثوانٍ قبل أن تقول إيلدا: هل أنتِ بخير حبيبتي؟ رائد عدل وضعية الكرسي ونظر لها باهتمام مستنياً إجابتها. لكن عليا كانت في زمن آخر تفكر في كلام سمير الذي اقترب منها وسألها نفس سؤال إيلدا. هزت رأسها بالرفض: لا، لست بخير. طالما أنت هنا لن أكون بخير. امشِ من هنا لو سمحت. رائد استغرب وجود سمير: أنت هنا ليه يا سمير؟
سمير نظر لرائد وهو مستغرب أيضاً سبب وجوده ومعرفته بعليا، التي رغم أن رائد لم يكن موجوداً إلا أنها استنجدت به. نقل نظره لعليا وقال بجدية: جايب حد هنا المشفى وبالصدفة قابلت زوجتي التي أدور عليها منذ أكثر من ستة شهور. رائد أشار إلى عليا التي حركت رأسها بالرفض وقال بشك: بتتكلم عن عليا؟ مراتك؟ سمير هز رأسه تأكيداً لكلام رائد. أما رائد فنقل نظره بين عليا التي تبكي وإيلدا التي لا تفهم شيئاً.
وفجأة انفجر في الضحك وهو يضرب كل على كف. سمير نظر له بضيق: في إيه يا رائد بيه؟ هو أنت بتسخر من كلامي ولا إيه! رائد توقف عن الضحك: بصراحة، أه. سمير اتغاظ منه، لكن لم يكن لابد أن يتعصب عليه بسبب شغل عتمان الذي هو مطلوب منه. بهدوء، سمير فتح هاتفه ومد يده لرائد. كان ظاهر على الشاشة صورة عليا وسمير معاً من فرحهم. رائد أول ما شاف الصورة، بدون مقدمات، ضرب الهاتف في الأرض فكسره.
ونظر لسمير وعيونه تطلق شراراً: هعتبر نفسي لا شفت حاجة ولا سمعت منك حاجة ولا قابلتك النهاردة أساساً. عليا، أنت مالكش علاقة بيها نهائياً. لو شفتها مرة في طريق، تلف وتروح من طريق تاني. سمير بعصبية: وأنت مالك؟ بتدخل ليه؟ دي مراتي وأنا مش هبعد عنها. رائد مسكه من تلابيب قميصه بعصبية والغيرة عمّت عينيه: يعني إيه بتدخل ليه! دي مراتي مدام عليا رائد الشيمي. حاول تقرب منها وأنا مش هرحمك. عليا اتصدمت
من كلام رائد فقالت بخفوت: مراتك! رائد ساب سمير بعد أن أدرك الكلام الذي قاله. وقرب من عليا ونزل على ركبتيه ومسك يدها بحنان وقال: عليا، أنا فعلاً جوزك مش هو. بس أنا محبتش أقول لك عشان خفت يكون غلط على دماغك. دقائق مرت عليهم وعيونهما فقط هي التي تتحدث. عليا، عقلها وقلبها كانا يصدقان رائد. قبل ما حد منهم يتكلم، تدخلت إيلدا بضيق وقالت بلهجة إنجليزية: هلا أخبرني أحد ماذا يحدث؟
سمير بضيق: هذه عليا زوجتي، وهذا رائد يقول أنها زوجته، وهي لا تصدقني. إيلدا نقلت نظرها بين عليا ورائد: السيد رائد هو حقاً زوجها. سمير تنهد بضيق، وقبل أن يرد، جاءته رسالة على هاتفه فانسحب من بينهم بهدوء. وعليا رجعت تاني الأوضة مع إيلدا ورائد وفهد. وإيريك أول ما شاف رائد هب من مكانه كمن لدغته حية، خصوصاً أن عليا كان باين عليها البكاء. قرب من عليا اطمأن عليها وهمس لرائد بصوت واطئ: تعالى برا عايزك.
إيريك خرج ومن وراه رائد الذي يضع يده في جيوب بنطاله. وقف أمامه وهو يعرف إيريك سيقول إيه. إيريك بدأ الكلام بتكشيرة: ممكن أعرف حضرتك هنا ليه؟ هو أنا مش حذرتك تبعد عنها؟ رائد بتكشيرة: جاي أشوف مراتي، أعتقد من حقي. إيريك بعصبية مكتومة: لأ مش من حقك بعد اللي عملته فيها. وأنا بحذرك لو ما أخذت ابنك ومشيت من هنا ونسيت عليا، أنا هوديك في ستين داهية وهبلغ الشرطة. رائد تنهد بضيق: عليا أنا مش هبعد عنها لأنها مراتي.
وأنت وعمر محدش فيكم يقدر يبعدها عني. ولعلمك، عليا عرفت إنها مراتي. أعلى ما في خيلك اركبه. رائد خلص كلامه ولم يترك فرصة لإيريك لكي يرد. ودخل عند عليا وسابه يغيظ برا من غضبه. إيلدا أخذت فهد وخرجت لكي تترك مجالاً لرائد وعليا ليتكلما لوحدهما، وهذا كان طلباً من عليا. نفذ كلامها وقعد جنبها على طرف السرير وهي بدأت الحوار وقالت: لما سمير قال إني مراته مصدقتش كلامه، بس لما أنت قلت كدا أنا كنت مقتنعة رغم إني مش فاكرة حاجة.
وكمان إيلدا أكدت موضوع جوازنا. أنا مش عايزة تزعل إني مش فاكراك، أنا والله غصب عني. رائد نظر لها بحزن وابتسم بحب وقال: أنا مش زعلان يا عليا. أهم حاجة إنك تقومي بالسلامة وترجعي البيت، ومع الوقت كل حاجة هتتحل بإذن الله. ثبتت نظرها على عيونه وقالت بحزن: طب لما أنت مش زعلان، إيه سبب الحزن اللي أنا شايفاه ده؟ بالرغم من إنها مش فاكراه وحالتها الصحية مش تمام، إلا أن كل اللي شاغلها هو إنه ما يكونش زعلان منها.
تنهد وقال: أنا بس زعلان عشان حالتك الصحية مش أحسن حاجة. عليا طبطبت على إيده وقالت: أنا الحمد لله بخير، وهخرج من هنا قريب، فمفيش داعي إنك تشيل همي. سكتت شوية وهي تبتسم له، وبعدين نظرت تجاه الباب وقالت: يعني فهد يبقى ابننا؟ حرك رأسه بتأييد، فهي سألت: طب هو ليه على طول زعلان ومش بيتكلم؟ فهد حالته النفسية ساءت لما أنتِ بعدتي عننا. عارفة، أنا من أول مرة شفته وأنا حسيت إن فيه رابط بينا إحنا الاتنين.
أنا لازم أعوضه عن الفترة اللي غبت فيها عنكم وعايزاك تساعدني عشان العلاقة بينا إحنا التلاتة ترجع زي الأول. لأن أنا خايفة فقدان الذاكرة دا يأثر على علاقتي معاكم. رائد باس دماغها بحنان وقال: من النهاردة أنا بوعدك يا عليا، مفيش أي حاجة هتأثر على علاقتنا ولا هتبعدنا عن بعض. أنتي مش مطالبة غير إنك بس تخلي بالك من صحتك، وسيبى الباقي كله عنده. يعني هتستحمل تعيشي معايا وأنا مش فاكرة؟
رائد بحزن: أنا خايف أنتِ اللي متستحمليش تعيشي معايا. أنا آه صح مش فاكرة، بس أنا متأكدة إني عمري ما هتخلى عنك. أنا قلبي وعقلي مستريحين جداً لفكرة إننا زوجين، ومتأكدة إنك شخص كويس يستاهل إني أكمل حياتي معاه. رائد تخلى عن المسافة اللي بينهم لما قرب منها وحضنها وهو بيحاول يطمن نفسه إنها حالياً معاه. مكنش متأكد هي لما تفتكر اللي حصل هيفضل رأيها نفسه ولا هتخاف تكمل حياتها مع واحد حاول يقتلها بأبشع الطرق.
ورغم ذلك، قرر أنه لحد ما يجي الوقت وتفتكر، هيعاملها كويس ويحاول يعوضها عن الوحش اللي شافته في حياتها. أما عليا، لما هو حضنها كان قلبها بيدق جامد وكانت محرجة جداً، لكنها بدلته الحضن لما لفت دراعتها حواليه. في فيلا الشيمي، كانت ريتان نازلة على السلم وهي تدندن في نفس وقت رجوع رائد من تمارين الجري. قابلها عند درجة السلم الأخيرة، فطلب منها تصحى فهد وتجهزه عشان ياخده معاه عند عليا. وبالفعل عملت زي ما قالها.
وفطروا كلهم سوا وانضمت ليهم صفاء. كانت واقفة في المطبخ بتقطع البصل وهي بتعيط وصفاء جنبها بتضحك على منظرها. ريتان سابت السكين وخلعت المريلة وقالت: خلاص يا طنط صفاء افرميه في الكبة أحسن. صفاء شالت باقي البصل السليم وهي تقول: ما أنا قولتلك يا بنتي من الأول بلاش تقطعيه، وأنتي صممتي. ريتان مسحت دموعها وقالت: ما أنا حابة أتعلم أساسيات الطبخ من الأول، بس يلا مش لازم البصل.
صفاء والمساعدين اللي في المطبخ ضحكوا على استسلامها بعد ما كانت مصممة إنها تقطعه كله لوحدها. وقبل ما حد يتكلم، وصل لسمعهم رنين هاتف ريتان بيعلن عن رسالة من رائد بيقول فيها إن خالد هيعدي عليهم في الفيلا عشان ياخد ملف رائد نساه. فكان بيطلب من ريتان تتأكد هو موجود في البيت ولا لأ عشان خالد ما يروحش ويرجع ع الفاضي. دورت على الملف في المكتب بس ما كانش موجود، ف دادة صفاء قالت لها تشوفه في أوضة رائد.
اتجهت للأوضة اللي لأول مرة هتدخلها من لما جت الفيلا. فتحت الباب ودخلت، كانت أوضة كبيرة بطابع غامض عكس الطابع الأنثوي للأوضة القديمة اللي كان رائد عايش فيها وغير نظامها لما رجع من ألمانيا مفكراً أنه انتقم من ملك. ريتان وقفت في نص الأوضة بتدور على الملف بعينيها، فلمحت صورة لشخصية هي عارفاها كويس. اتحركت لعند الصورة ومسكتها ودققت النظر فيها ورددت بدهشة: ماما أمينة؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!