منزل مريم: تلتمع عيون فاطمة حين ترى عاصم أمامها، ولا تشعر بنفسها إلا وهي في أحضانه تنهار باكية. لا تعلم لماذا تبكي، أتبكي من شدة اشتياقها له، أم تبكي لأنها كانت في حاجة إليه، أم تبكي لتلقي في أحضانه كل أوجاعها وهمومها. يملس عاصم على شعرها في حنان قائلاً: كفاية يا حبيبتي، كفاية يا فاطمة عياط، أنا خلاص رجعت يا حبيبتي ومعاكي. فاطمة ومازالت تبكي في حضنه قائلة: ليه سيبتني يا بابا، ليه مخلتنيش أفضل معاك؟ عاصم:
غصب عني يا حبيبتي، هنا بالنسبة لك آمن وأحسن. فاطمة: بس أنت كنت واحشني أوي يا بابا، متسبنيش تاني يا بابا. يخرجها عاصم من حضنه قائلاً: خلاص بقى يا بطة، أنا رجعت ومعاكي، بطلي عياط بقى، كبرتي على الكلام ده. يقطع حديثهم صوت مريم تنادي على فاطمة. مريم: بتكلمي مين يا فاط...
ولكنها تقف مصدومة حين ترى عاصم. تقابلت أعينهم بعد كل هذه السنين، وكأن الوقت عاد للخلف سنين، وتوقف عند لحظة واحدة، آخر لحظة جمعت أعينهم سويا. لحظة رؤية عاصم لمريم في زفافها، لحظة فراقهم، اللحظة التي ولدت بداخلهم جروح وأوجاع لا يقدر على مدواتها أي طبيب. وكأن الجروح قد فتحت من جديد، وكأن بركان الحب الخامد قد أعلن بدء اشتعاله في قلوبهم بعد كل هذه السنين. انسحبت الكلمات من على ألسنتهم، لتترك العنان للغة العيون حتى تبوح بما أخفته القلوب. فكانت لحظة لقاء أقوى من أي مشهد رومانسي يعرض على شاشة التلفزيون، فكان الصمت بينهما أقوى من أي كلام.
أما فاطمة فظلت تتابع لحظة لقائهم، وقد شعرت بدقات قلبها تتسارع. لا تعلم هل هي متأثرة بما تراه لأول مرة من عشق حقيقي تحكيه العيون، أم تحزن لأن والدها كان قلبه ملك لامرأة أخرى غير والدتها، أم إنها سعيدة لأنها حقا أحبت تلك السيدة، فمن ملكت قلب والدها قديمًا، قد احتلت قلبها أيضًا مؤخرًا. ولكن عذرًا، فلابد من أن أقطع هذه اللحظة. فتنحنحت فاطمة قائلة: أحم أحم، دا بابا يا ماما مريم، رجع من السفر أخيرًا.
ينظر عاصم لفاطمة في دهشة قائلاً: ماما! تقترب فاطمة من مريم محيطة إياها بذراعيها قائلة: طبعًا ماما، ماما مريم عوضتني عن حنان ماما الله يرحمها، كانت حنينة وطيبة أوي معايا. ينظر عاصم لمريم قائلاً: مريم طول عمرها حنينة وطيبة، إزيك يا مريم. مريم في تردد: إزيك أنت يا عاصم. عاصم: أنا متشكر أوي يا مريم على كل اللي عملتيه إنتي وابنك مع بنتي. مريم:
متشكرنيش يا عاصم، فاطمة جت نورت حياتنا، وملت البيت فرحة وشقاوة، ويعلم ربنا أنا بعتبرها زي علا بنتي الله يرحمها. يقطع حديثهم صوت خالد قائلاً: مساء الخير. يجيبه الجميع: مساء النور. ينظر خالد في استفهام لعاصم: مين حضرتك؟ مريم: دا عمك عاصم يا خالد، والد فاطمة، وخال عادل وغادة. خالد في نفسه: والد فاطمة!!! خالد: أهلا بحضرتك يا عمي. عاصم:
أهلا يا ابني، أنت بقى خالد، سمعت عنك كتير، وعن كل اللي عملته مع فاطمة، وليا قاعدة طويلة معاك. خالد: أنا معملتش حاجة، اتفضل حضرتك نقعد ونتكلم. في فيلا الصفدي: تجلس غادة في غرفتها حزينة بسبب شجارها مع خالد، فتدخل عليها غالية متسائلة: غادة بقولك، متعرفيش الواد عادل أخوكي هيرجع امتى من السفر. غادة: هو قال هيقعد أسبوعين يا ماما. غالية: أنا مش عارفة شرم إيه اللي قرر يسافرها مع الصيع صحابه دول. غادة:
بيقول عايز يغير جو بعد ما خلص كلية. غالية: قال يعني فالح أوي، ما علينا. وقبل أن تخرج غالية تلاحظ حزن غادة فتعود إليها مجددًا. غالية: مالك يا غادة، شكلك حزينة ليه يا حبيبتي؟ تنظر لها غادة في حيرة وحزن، لا تعلم أتخبرها بما يدور بينها وبين خالد، أم تخفي الأمر حتى لا يعتبرها خالد تفشي ما بينهما مرة أخرى، وربما لا يسامحها هذه المرة. غالية: إيه يا حبيبتي، مبترديش ليه؟ غادة في تردد: مفيش يا ماما، مفيش. غالية:
زعلانة مع خالد؟ غادة: خالد؟! لا خالد ملوش دعوة بزعلي. تقترب منها غالية في حنان مصطنع قائلة: هتخبي على مامى، قوليلى إيه اللي مزعلك، وأوعدك يا ستي مش هقول لأي حد، وخالد نفسه مش هيعرف إنك قولتيلي حاجة. غادة: بجد يا ماما؟ غالية: طبعًا يا حبيبتي. غادة: وأنا هحكيلك يا ماما. في منزل مريم: تقف مريم في المطبخ تعد فنجانًا من القهوة لعاصم، فيدخل عليها خالد قائلاً: أنا عايز أعرف هو جه عشان يشوفها ولا ناوي ياخدها. مريم:
معرفش يا خالد، بس حتى لو قال هياخدها، منقدرش نقوله حاجة. خالد: إزاي يا ماما، انتي عايزة فاطمة تمشي وتسيبنا، مينفعش يا ماما، مينفعش فاطمة تبعد عننا، مين هيذاكرها، مين هياخد باله منها. مريم: يعني يا ابني هنمنعه، دي بنته يا خالد. خالد: أيوا بنته، بس إحنا ممكن نكلم خالي يحيي يخليه يسيبها معانا، ويبقى يجي يزورها، إيه رأيك يا ماما؟ مريم: معرفش يا ابني، خلينا نشوف هو هيقول إيه، وبعدين ربنا يحلها من عنده. في غرفة فاطمة:
تضع فاطمة ملابسها وكتبها في شنطة السفر، فوجدت الفستان الذي اشتراه خالد لها في يوم عيد ميلاده. ظلت تتأمله وتساقطت دموعها رغما عنها، فهي لا تتخيل أن تفارق هذا البيت الذي أحست فيه بالأمان والحب. لا تتخيل أن تفارق الإنسان الذي أصبح أمانها مرتبطًا بوجوده معها. فهي رغم وجود والدها الآن ما زالت تشعر بأن أمانها بوجودها بجانب خالد. يدق الباب ويستأذن عاصم في الدخول. تمسح فاطمة دموعها قائلة: بابا اتفضل. عاصم:
بتعملي إيه يا فاطمة؟ فاطمة: بحضر شنطتي يا بابا، مش حضرتك جاي عشان تاخدني معاك. عاصم: طب اقعدي يا فاطمة، عايز أتكلم معاكي. تستجيب فاطمة لطلبه، وتجلس بجانبه على السرير. عاصم:
اسمعي يا فاطمة، أنا لما عرفت من عمك يحيي إنه جابك هنا، كنت مطمئن عليكي، لأني كنت عارف إن مريم هتكون أحن عليكي من أي حد، واطمئنيت أكتر لما عرفت إن ابنها بياخد باله منك وبيعاملك زي أخته. وعرفت إن سايب في ضهري راجل يحميكي، حتى من غير ما أشوفه، لأن واثق كويس في تربية مريم. فاطمة: آه يا بابا، ماما مريم وأبيه خالد كانوا حنينين معايا أوي، متتصورش بيحبوني إزاي، وأنا كمان بحبهم أوي. عاصم:
بس أنا دلوقتي رجعت يا فاطمة، والطبيعي إنك تيجي تعيشي معايا، ولا إيه؟ تنظر فاطمة في حزن قائلة: اللي تشوفه يا بابا. عاصم: إنتي مش عايزة تمشي من هنا يا فاطمة؟ توميء فاطمة رأسها بالرفض في خجل. عاصم: طب ممكن هما يا بنتي كانوا مضايقين من وجودك، أو شايفين إنك مينفعش تقعدي هنا طالما أنا رجعت؟ فاطمة: هما مضايقين مني يا بابا؟ عاصم: أنا بقول ممكن. فاطمة: يبقى خلاص يا بابا، همشي مع حضرتك. عاصم:
طب قومي يلا حضري الشنطة، على ما أتكلم مع خالد ومريم شوية. في شرم الشيخ: يجلس عادل شارداً على شاطئ البحر، ويحدث نفسه. هو: وبعدين يا عادل، هتعمل إيه، هتسيب فاطمة كده بعد كل اللي قريته في عينها. نفسه: هي يعني ممكن يكون متعلقة بيه زي أخوها مش أكتر. هو: أنت هتضحك على نفسك، إحساسها كان باين أوي في عينها. نفسه: أنت مكبر الموضوع ليه، دي عيلة ومراهقة، يعني مشاعرها مشاعر مؤقتة مش أكتر، وهتروح مع الوقت. هو:
ولما هي مجرد مراهقة، شاغل بنفسك بيها ليه، ليه خايف عليها تنجرح. نفسه: عشان زي ما حسيت بيها وقريت الحب في عينيها، عارف خالد كمان، وبفهمه أكتر من نفسي، وعارف إن حبها مش هيجيب لها غير وجع القلب والجرح. هو: وأنت بقى شجيع السيما اللي هتعرف تفوقها، ما أنت لسه بنفسك قايل إنها مشاعر مراهقة. نفسه: مش عارف، كل اللي عارفه إني خايف عليها من اللي جاي. في منزل مريم: يجلس عاصم مع خالد قائلاً:
أنا متشكر يا ابني على الفترة اللي استضفتوا فاطمة فيها، ومتشكر كمان على حمايتك ليها، فاطمة كمان مش هتنسى الأيام اللي قضتها معاكم. خالد: مش هتنسى؟! هي فاطمة رايحة فين؟ ينظر له عاصم بتفحص قائلاً: رايحة معايا يا خالد، خلاص أنا رجعت والطبيعي إنها تبقى معايا، وكفاية الفترة اللي تعبتكم فيها. خالد في ضيق يلاحظه عاصم: أيوا يا عمي، بس إحنا مقولناش إننا مضايقين من فاطمة، وعمرنا ما اعتبرنا إنها ضيفة، هي كانت دايما واحدة منا.
تدخل فاطمة ومعها حقيبتها وبجوارها مريم تودعها باكية. ينظر خالد للحقيبة في حزن وصدمة، وكأنه لا يصدق أنها سوف تغادر وتتركهم. فاطمة: مع السلامة يا أبيه. خالد: إنتي ماشية يا فاطمة، زهقتي مننا، مبقتيش عايزة تقعدي مع أبيه خالد، وماما مريم. فاطمة: لا يا أبيه متقولش كده، حضرتك عارف أنا بحبكم إزاي. ينظر لها خالد بعيون دامعة تراها لأول مرة، ويلاحظها عاصم. تحتضن مريم فاطمة قائلة:
هتوحشيني يا بنت قلبي، فراقك صعب عليا أوي يا بنتي. فاطمة وهي تبكي قائلة: وإنتي كمان يا ماما، هتوحشيني أوي، وهيوحشني كلمة ماما. تخرج فاطمة مع عاصم، وقبل أن تصل إلى الباب يوقفها عاصم قائلاً: استني يا فاطمة. ينظر الجميع إلى عاصم، فينظر عاصم لخالد ومريم قائلاً:
خالد يا ابني، أنا لما جيت كنت خايف تكونوا مضايقين من وجود فاطمة معاكم، بس بعد الحب اللي شفتوه منكم لبنتي، مش هبقى مطمئن عليها لو بعدت عنكم. أنا داخل على حرب كبيرة أوي مع غالية ومش بس غالية، يوسف عمران خال فاطمة، ومش عارف نتيجة الحرب دي إيه، ووجود فاطمة معايا مش هيبقى في صالحها، عشان كده أنا بطلب منكم تخلي فاطمة معاكم، ممكن؟ خالد في فرحة تحتل ملامح وجهه:
ممكن إيه بس، دا أنا اللي بترجاك تخليها معانا، دي طمطم بقت نور البيت ده، وحضرتك كنت هتاخد النور وتسيبنا في الضلمة. فاطمة في سعادة: بجد يا بابا، هتخليني مع ماما مريم، وأبيه خالد. عاصم: طبعًا يا حبيبتي، أنا ميهمنيش غير سعادتك، وإن أبقى مطمئن عليكي. تحتضن فاطمة عاصم في سعادة، ثم تحتضن مريم قائلة: خلاص يا ماما مش هسيبكم. مريم: الحمد لله يا بنتي، مكنتش متخيلة البيت هيبقى إزاي من غيرك. تنظر فاطمة لخالد في حب قائلة:
خلاص يا أبيه مش همشي. خالد: مينفعش تمشي يا فاطمة، إنتي ربنا بعتك هنا، عشان نصيبك يبقى هنا... معانا. بينما ينظر عاصم لمريم في حب قائلاً: مريم... أنا... مريم: متخافش على بنتك يا عاصم، بنتك هتبقى في قلبي قبل عيني. عاصم: أنا واثق من ده يا مريم، وكنت بستأذنكم أجي أشوفها. خالد: طبعًا، حضرتك تقدر تيجي تشوفها في أي وقت. في فيلا الصفدي: تقص غادة على غالية ما حدث بينها وبين خالد، فتنظر غالية إلى الفراغ في شر، ثم تعاود النظر
لغادة في حنان مصطنع قائلة: بس كده، هو ده اللي مزعلك؟ غادة: أيوا يا ماما، أنا حاسة إن خالد مبقاش عايزني. غالية: إنتي اللي عبيطة، خالد زيه زي أي راجل، ضمنك في جيبه، وطالما ضمنك يستعجل ليه على الجواز، لكن اللي يحرره ويخليه يجيلك زاحف ويتحايل عليكي كمان عشان تتجوزيه، إنه يحس إنك هتضيعي منه. غادة: طب ما أنا هددته هنهي علاقتنا لو فضل مصر على اللي في دماغه. غالية: أديكي قولتي، هددتيه، يعني مجرد كلام. غادة:
أمال حضرتك عايزاني أعمل إيه؟ غالية: تخطبي لواحد غيره. غادة: إيه، حضرتك بتقولى إيه، أتخطب لحد غير خالد. غالية: اسمعي كلامي، مجرد خطوبة، وفي إيدينا نفسخها في أي وقت، وهو لما يشوف إنك ممكن تضيعي من إيده وتروحي لغيره، هيتجنن، ويجيلك يترجاكي تتجوزيه. تنظر لها غادة في حيرة وخوف، لتكمل حديثها قائلة: اسمعي كلامي وإنتي تكسبى. تنظر غادة إلى الفراغ وتفكر في حديث والدتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!