وفجأة وبدون أي مقدمات تصدر صرخة مدوية ترن في أرجاء القصر. صمت الجميع ونظروا إلى أعلى الدرج. كانت صرخة نيهال: "آآآآه جدي... فقد رحل القلب الطيب... رحل الجد الحنون... فكيف تتحمل نيهال تلك الصدمة العنيفة؟ الجد بالنسبة لـ نيهال كان أبًا حنونًا وأمًا أيضًا، كان لها كل شيء: الظهر والسند، الحب والأمل. فقد رحل ورحل معه كل شيء جميل.
تمر الساعات والأيام، بعد مرور أربعين يومًا، ما زالت نيهال جالسة بفراشها حزينة، ترتدي جلبابًا أسود، وعيناها ذابلتان من شدة البكاء. فجأة يطرق الباب: "طق طق". نيهال بحزن: "ادخل". تدخل عفاف حاملة طاولة طعام صغيرة، وتجلس بجوار نيهال قائلة: "مش كفاية يا بنتي عاد، تاكلي أكله هتموتي، حرام صحتك". نيهال ببكاء: "ماليش نفس يا مرات عمي". عفاف ببكاء: "يا بنتي كلنا زعلنا على عمي، مش انتي بس".
نيهال ببكاء: "محدش حبه قدي، ومحدش هيحس بفراقه قدي. حاسة إن قلبي بيموت بالبطيء. حاسة إني عريانة. حاسة إني هتبهدل من غيره". عفاف تضمها قائلة: "أنا ضهرك وسندك، متخافيش يا بنتي". وفجأة يدخل صابر بوجه غاضب: "عفاف اخرجي". تنهض عفاف قائلة: "حاضر يا خوي". نيهال تمسك يد عفاف بخوف شديد، وكأنها تريد أن تقول: لا تذهبي، فأنا خائفة. عفاف بابتسامة حنونة: "متخافيش، دعمك". تترك نيهال يدها، تخرج عفاف من الغرفة.
سرعان ما يغلق الباب صابر. تنهض نيهال من فراشها بخوف شديد. ينظر إليها العم بغضب قائلاً: "خايفة؟ نيهال بخوف: "عايز إيه يا عمي؟ العم بغضب: "من يوم ما جيتي القصر ده وأنا كارهك، ولا كان مسكنّي عنيكي حب أبويا ليكي الشديد. بس خلاص هو مات. وعدى أربعين يوم من وفاته، وأكده كفاية جوي. وإنتي يا بت رشاد مالكيش قعاد وسطنا". نيهال بخوف: "وأنا عارفة إنك بتكرهني، بس معرفش ليه كل الكره ده. دانا بت أخوك، كيف بتك".
صابر بغضب: "مالوش لازمة الحديت ده. إنتي لازم تهملي القصر ده". نيهال بحزن: "وتسيب لحمي يا عمي؟ إني مش عايزة أرض ولا ورث ولا حاجة واصل، أنا بس عايزة أعيش وسطكم، أدفي بيكم، إنتو أهلي وماليش غيركم". العم بغضب: "بلاش تمثلي، أنا جولت اللي عندي". نيهال بغضب: "وأنا مش هسيب قصر جدي وأبوي ولا أرضي". فجأة تتحول عينا صابر لشعلتان من النار. وفجأة يقترب خطوة خطوة من نيهال. نيهال ترجع للخلف بخوف شديد. العم بغضب: "هتقولي لي لأ؟
فجأة يصفعها بمنتهى القسوة على وجنتيها. تقع نيهال دامعة، تنزف شفتاها دمًا. صارخًا: "آآآآه". ثم يمسك شعرها بمنتهى القسوة. نيهال: "آآآآه". يصفعها العم للمرة الثانية قائلاً: "أنا هربيكي زين يا بت رشاد". وفجأة يخرج، يأتي بالكرباك ووجهه ملئ بالغضب والحقد، مقرراً ضربها. نيهال ترجع زاحفة للخلف، وقلبها ملئ بالخوف والرعب من عمها القاسي. صابر يرفع يده ليضربها، ولكن يقف أمامه عاصم بغضب: "بابا بتعمل إيه؟
صابر بغضب: "عاصم هملني واطلع بره". عاصم بغضب: "مستحيل. إزاي تمد إيدك على نيهال؟ إنت نسيت إن جدي وصاني عليها وبنت عمي؟ الأب بغضب: "بقولك اطلع يا عاصم". عاصم يمسك الكرباك من يد والده قائلاً بعصبية: "إنت اللي هتخرج بره يا بابا. نيهال في حمايتي". صابر بعيون مليئة بالشر قائلاً: "ماشي يا عاصم، بس إنت كده بتتحداني". مستديرًا مغادرًا الغرفة. عاصم يلقي الكرباك أرضًا. ثم ينظر إلى نيهال، يجدها فاقدة الوعي تمامًا.
عاصم بخوف شديد: "نيهال". ثم يحملها بين أحضانه، يضعها على الفراش بهدوء. ينظر إلى وجهها الحزين، عيناها الذابلتان، دموعها الغزيرة، الدماء التي تملأ شفتاها. يشعر بالحزن الشديد على حالها. عاصم يخرج منديلًا يمسح شفتاها، محاولًا إفاقتها: "نيهال، نيهال". ولكن دون استجابة منها. بعد مرور 30 دقيقة، نيهال نائمة على الفراش فاقدة الوعي. يتفحصها الطبيب. يقف عاصم بقلق شديد وبجواره والدته.
الطبيب: "الظاهر إنها مأكلتش ليها مدة. أنا هكتبلها على شوية فيتامينات". عاصم: "حاضر يا دكتور". الطبيب يغادر الغرفة قائلاً: "بعد إذنكم". عاصم: "أنا هروح أبعت حد يجيب العلاج". عفاف: "هو إيه اللي حصلها يا ولدي؟ عاصم بغضب: "أبويا مد إيده عليها وكمان كان عايز يضربها بالكرباك". عفاف بدهشة تضرب بيدها على صدرها قائلة: "يا نصيبي! اتجنن ده ولا إيه! تجلس عفاف بجوار نيهال، تربت على
شعرها بحنان قائلة بشفقة: "يا ضناي يا بنتي. صح الواحد من غير أمه ما يسواش. بقى كده يا صابر هتموت البنت؟ أخس عليك". ينظر عاصم إلى والدته وحنانها الشديد على نيهال، وكيف تحبها بهذا الشكل. يستدير عاصم مغادرًا الغرفة. مجرد خروجه يجد أمجد شقيقه الأصغر يقف يبكي بغزارة على نيهال. ولما صار لها، عاصم بحزن: "أمجد مالك؟ أمجد ببكاء: "زعلان على نيهال أوي، هي طيبة أوي، هما الطيبين بيحصلهم كده يا عاصم؟
عاصم بذهول وحزن معًا: "إنت لدرجة دي بتحب نيهال؟ أمجد يهز رأسه بالموافقة، ماسحًا دموعه. عاصم متصنع الابتسامة: "إن شاء الله هتبقى كويسة". بعد مرور أيام عديدة. قصر شوكت القناوي. الصالون. كانت العائلة الكريمة تجلس بالصالون: صابر، عاصم وبجواره جنا، ريان، أمجد. وعلى رأسهم محامي العائلة. الكل ينتظر فتح الوصية.
المحامي: "يفتح الوصية قائلاً: بسم الله الرحمن الرحيم، أتوكلنا على الله. السيد شوكت القناوي الله يرحمه كتب وصية بكل ممتلكاته وأطيانه. بس قبل ما أفتح الوصية لازم وجود آنسة نيهال". ينهض العم قائلاً بغضب: "وإيه دخل زفت الطين بيناتنا؟ المحامي: "هي طرف أساسي في الوصية. كمان هي حفيدة المرحوم وابن المرحوم رشاد الله يرحمه". العم بغضب: "خلاص خلاص. قوم يا أمجد ناديها". أمجد بابتسامة واسعة: "طوالي يا بوي".
بعد دقائق يعود أمجد وخلفه نيهال بحزن شديد. كانت ترتدي تي شيرت أسود وجيبة سوداء، ذات وجه ذابل حزين ياس. تجلس نيهال على أقرب مقعد. تنظر إليها جنا بابتسامة ساخرة حاقدة. المحامي: "كده أقدر أفتح الوصية. أقر أنا شوكت القناوي، كبير البلد، أنا أكتب كل ما لدي من أطيان وأموال وعقارات لأحفادي: عشر فدادين الأرض القبلية لولدي صابر. عشرون فدان في أرض الإسكندرية من حق حفيدتي نيهال. القصر باسم حفيدي عاصم وحفيدتي نيهال".
المحامي: "وده العقود". ينهض صابر بغضب قائلاً: "إيه ده اللي إنت بتقوله ده؟ إنت مجنون؟ بقى أبويا كان معاه أرض مالك في الإسكندرية وكتبها باسم بت رشاد؟ تنهض نيهال ببكاء شديد قائلة: "أنا مش عارفة جدي عمل كده ليه. إني مش عايزة حاجة". العم بغضب: "إنتي تلاقي نفسك فضلت تظني عليه لحد ما كتبلك الأوراق دي. أو جدامك". جنا بحقد: "آه وليه لا، دي مياه من تحت تبن".
ينهض المحامي قائلاً: "اصبروا يا جماعة. الوصية لسه مخلصتش. لازم شرط مهم يتنفذ، ولو الشرط ده متنفذش يبقى ده تنازل رسمي عن الورث". عاصم بدهشة: "شرط؟ صابر بذهول: "شرط إيه؟ المحامي: "لازم عاصم يتجوز الآنسة جنا لمدة سنة". عاصم بذهول تام: "أتجوز نيهال؟ نيهال بصراخ: "مستحيل! ليه يا جدي عملت كده؟ عفاف بابتسامة: "والله براوه عليك يا عمي. أحسن حاجة عملتها. الله يرحمك ويبشبش الطوبة اللي تحت راسك". صابر بغضب: "أبويا كأنه اتجنن".
المحامي: "المرحوم كان في كامل قواه العقلية، ودي الوصية. شوفوا حضراتكم هتتقبلوا إيه. وده كارتي، عن إذنكم". ويغادر القصر على الفور. صابر يقترب من نيهال قائلاً بغضب: "إنتي سبب ده كله". جنا بغضب: "أنا مش هسمحلك تتجوزي عاصم. على جثتي". نيهال ببكاء: "أنا ماليش ذنب. افهموا بقى". تحتضنها عفاف قائلة: "متبكيش يا بنتي". عاصم بغضب: "الكلام ده مستحيل يحصل. أنا بحب خطيبتي وهتجوزها". ثم يجذب يدها مغادرًا الغرفة على الفور.
نيهال وقد شعرت بخنجر حاد اخترق صدرها. ثم تغادر الغرفة أيضًا، وخلفها أمجد. ريان يجز على أسنانه بقسوة، يضرب بيده على الحائط. غرفة نيهال. تدخل نيهال الغرفة ببكاء. تجلس على الفراش بحزن شديد. يدخل أمجد ويغلق الباب خلفها. يجلس بالقرب منها قائلاً: "هتبكي ليه دلوقتي؟ نيهال ببكاء: "عايزني أعمل إيه؟ أضحك؟ أمجد بابتسامة: "تضحكي وترقصي كمان. ده حلم حياتك". نيهال بعدم فهم: "قصدك إيه؟
أمجد: "قصدي إن إنتي من زمان بتحبي عاصم. وجات الفرصة اللي خلاص هتتجوزيه". نيهال بحزن: "بس بعدم رضاه. هو بيحب خطيبته، وأنا مهما كان حبي ليه، بس مفرقش بينه وبين خطيبته". أمجد: "بس سيبك منها. أنا بدعي ربنا ليل نهار يخليها. دعمه زي عصاية المقشة". فجأة تضحك نيهال. أمجد: "أيوه كده اضحكي. محدش واخد منها حاجة. كمان إنتي لو رفضتي تتجوزي عاصم، أملاكك هتضيع". نيهال: "هعمل إيه طيب؟ أمجد: "إنتي متعمليش. همليهم هما يعملوا".
غرفة عاصم. يجلس عاصم على المقعد الهزاز، يرجع للخلف وإلى الأمام بعصبية شديدة. فجأة يطرق الباب: "طق طق". عاصم: "ادخل". تدخل جنا. عاصم بغضب: "جنا، قولتلك يا بنتي عاداتنا هنا صعبة، وبلاش تجيني الأوضة". جنا: "محدش شافني، متخافش". وفجأة تجلس على قدميه وهو جالس على المقعد، قائلاً: "ها، قررت تعمل إيه؟ عاصم: "ودي محتاجة كلام؟ هرفض طبعًا". جنا تحتضنه قائلة بتردد: "لو رفضت الورث هيضيع". عاصم بدهشة: "مش فاهم".
جنا: "قصدي فيها إيه لو اتجوزتها سنة واحدة، وخدنا الأراضي والفلوس، وابقى طلقها. اعتبر نفسك في سفر طويل. ها، قولت إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!