نيهال بذهول: وانت تعرفني منين عاد؟ عاصم بابتسامة واسعة: انت نسيتني؟ أنا عاصم ابن عمك. نيهال تبتعد عنه قائلة بنبرة حزن: عاصم. عاصم بابتسامة: آه عاصم. ثم تتعالى ضحكته الساخرة قائلاً: إيه يابنتي اللي عملاه في نفسك ده؟ نيهال بغضب: وماله شكلي؟ عاصم محاولاً تماسك نفسه: أبداً. ناقصك شنب وتبقي شبهي. نيهال وبكل غضب تجز على أسنانها وتغادر المكان على الفور متجهة نحو المصعد قبل أن يتملكها الغضب والعصبية.
عاصم: هي شكلها زعلت ولا إيه؟ تدخل نيهال غرفتها وتغلق الباب خلفها بكل قسوة. تجلس على الفراش بحزن شديد وتلقي بالكاب أرضاً من شدة الغضب. تنزل عبراتها على وجنتيها بحزن شديد متذكرة ماضيها المؤلم. *** كانت نيهال بعمرها الثامن عشر. كانت جميلة، نقية، بريئة. في ظلام الليل وسكونه، نيهال تجلس على المصعد الخارجي للقصر وكأنها تنتظر شخصاً ما. فجأة يعود عاصم من الخارج لينصدم بـ نيهال تجلس وحيدة بالمصعد. عاصم بذهول: نيهال!
إيه مقعدك لحد دلوقتي؟ تنهض نيهال قائلة بتعلثم: أبداً أنا... أنا... عاصم: في حاجة؟ تستدير نيهال قائلة بدهشة: لا، أنا هدخل أنام. عاصم: استني. تنظر إليه نيهال بتعلثم وخوف. وفجأة يقاطع حوارهما رنين الهاتف. عاصم بابتسامة: ألووو حبيبتي. عاملة إيه ياقلبي؟ وفجأة تتغير ملامح نيهال لألم شديد وحزن. عاصم: وحشتيني أوي. (لم تسمع التليفون لسه، هنام) ماشي ياقلبي، تصبحي على خير.
بعد انتهائه من المكالمة ينظر إلى نيهال قائلاً: إيه مالك يابنتي؟ نيهال: مين اللي بتكلمك دي؟ عاصم بابتسامة: هو ده الموضوع اللي كنت عايز أكلمك فيه. إنت عارفة إنك زي أختي بالظبط ومليش غيرك ممكن يفهمني. هنا دي جنا زميلتي في الكلية، بنحب بعض وكنت عايز أخطبها بس بابا ممكن يرفض لأنها من القاهرة وكده. كنت عايزك انتي تقنعيه. وأنا معاكي. وفجأة تقع عينا عاصم على عيني نيهال، يجدها دامعة بغزارة. الدموع تنزل على وجنتيها بقوة.
عاصم: نيهال بتعيطي ليه؟ أنا قولت حاجة زعلتك؟ ولكن تتركه نيهال متجهة داخل القصر بخطوات مسرعة. عاصم بدهشة: هي مالها؟ في إيه بالظبط؟ *** تعود نيهال من ذكرياتها المؤلمة الدفينة. تجد جدها الحبيب يقف ينظر إليها بدقة. تنهض نيهال بفزع: جدي! اتفضل ادخل. إيه موقفك كده؟ يدخل الجد ويجلس على الفراش ماسحاً عبراتها المؤلمة قائلاً: جيت عشانك يابتي. نيهال تحاول إخفاء دموعها قائلة: عشاني أنا؟
الجد: إنتي فاكرني راجل كبير بالسن مش عارف حاجة واصل؟ لا، أنا فاهم كل حاجة يابت ولدي الغالي، وعارف دموعك دي سببها إيه. تنهض نيهال بخوف. ينهض الجد قائلاً: إنتي يابتي تستاهلي كل خير، وألف واحد يتمناك. نيهال بخجل: أنت تقصد إيه ياجدي بحديثك ده؟ الجد بابتسامة صريحة: إني عارف من زمان قوي إنك بتحبي عاصم ولد عمك. نيهال بنفي شديد: لا لا ياجدي الكلام ده مش صح.
الجد يربت على كتف نيهال قائلاً: لا صح يابت ولدي. ولو داريتي على الناس كلها، أنا لا. ده أنا جدك، الأمر بيكي بين يدي... وعارف كل اللي بتدور في دماغك كله. والحب مش عيب يابنيتي. تلقي نيهال بنفسها بين أحضان جدها ببكاء شديد. الجد بحنان: متعيطيش يابنيتي، دموعك غالية عليا قوي. وعاصم ده ولد أكابر ومتربي صح، بس مينفعكيش يابتي. تنظر نيهال
إلى جدها قائلة بجدية: عندك حق ياجدي. بس أنا خلاص بقيت كل تفكيري وعقلي في الشغل والأرض، ومبقاش قلبي خالي للحواديت دي واصل. إني اتعلمت ودخلت كلية ذراعة مخصوص عشان أكمل أبويا الله يرحمه سابه وهمله. ومش معنى إنه مجابش الولد إني هخيب ظنه. لا، أنا هعمل المستحيل عشان أرضك ياجدي تكون أحسن أرض في الصعيد كله. الجد بابتسامة واسعة: ربنا يرضى عنيكي يابتي. يلا عاد، الكل مستني على العشا. تعال اجعد جنبي.
نيهال تهز رأسها بالموافقة مغادرين الغرفة. *** يجلس الجميع على السفرة. الجانب الأيمن صابر وبجواره ابناه الاثنان، ريان ومجدي. يجلس الجد على رأس السفرة وبجانبه نيهال. ينظر إليهما صابر بغضب شديد وحقد. الجد: فين عاصم ياصابر؟ مش هييجي ياكل ويانا ولا إيه عاد؟ وبالفعل يأتي عاصم بضحكته الطفولية قائلاً: أنا جيت ياجدي العزيز. الجد بابتسامة: نورت بيتك ياولدي. تعال اجعد ويانا. عاصم بابتسامته: أنا هقعد جنب بنت عمي.
تنظر إليه نيهال بذهول. ينظر إليها عاصم قائلاً: إيه عندك مانع؟ الجد بضحكة صاخبة: لا ياولدي، نيهال بنت عمك بتعزكم كلكم قوي. عاصم: وأنا متأكد طبعاً. صابر برد حازم: كان زمان ياأبوي. دلوقتي محدش بيعز حد واصل. كله بيجول يالا نفسي. الجد بغضب: إلا نيهال بنت أخوك ياصابر. ممكن أنت صح، بس هي لأ. عاصم: في إيه ياجماعة؟ صلوا على النبي كده. تنهض نيهال والحزن يملئ عينيها قائلة: عن إذنك ياجدي. الجد: رايحة فين يابتي؟ مش هتكملي وكلك؟
نيهال: لا، أنا تعبانة. هروح أنام. تقبل يد جدها وجبينه قائلة: تصبح على خير. وعيناها معلقة على عاصم الذي لا يعطي لها أي اهتمام. تستدير مغادرة السفرة على الفور. ينظر الجد إلى صابر قائلاً: عاجبك كده؟ مش هتبطل كلامك الأذى ده ياصابر؟ كل يوم تسد نفس بنت أخوك عن الأكل. أنا مش عارف إنت بتكرهها ليه. صابر: أنا لا بكرهها ولا بحبها. عاصم: متزعلش نفسك ياجدي. بابا ميقصدش. صابر بغضب: لا أقصد.
ينهض الجد متكئاً على العصا قائلاً: أنا مهملك السفرة كلها وماشي. ينهض عاصم محاولاً مسك يد جده ولكن الجد يغادر بغضب. عاصم: في إيه بس يابابا؟ صابر: إنت مش فاهم حاجة واصل ياولدي. أنا عايزك يا عاصم تكون في ضهري، عايزك تكون سندي. محتاجلك قوي. إخواتك دول مش فاهمين حاجة واصل. عاصم: أنا تحت أمرك يابابا طبعاً. بس أبوس إيدك روح لجدي وبوس إيده. صابر: حاضر ياولدي. ***
تجلس نيهال بفراشها حزينة، صامتة. فهي تظهر قوتها أمام الجد العجوز، ولكنها أضعف شخص وأضعف قلب. فجأة يطرق الباب. طق طق. تحاول نيهال تتصنع القوة قائلة: ادخل ياجدي. ولكن يحدث ما لم تتوقعه. فجأة يدخل عاصم بابتسامته الواسعة ومرحه قائلاً: ومش مسموح غير جدي بس اللي يدخل. تنهض نيهال بذهول وخجل قائلة: عاصم. يدخل عاصم قائلاً: آه ياستي، عاصم. ها، مالك بقى زعلانة؟ تستدير نيهال قائلة: زعلانة من إيه؟
عاصم يقف أمامها قائلاً: لزعلانة وشكله كمان من بابا. متزعليش منه، هو جائز عشان مصلحتك بس. تنظر نيهال إلى عينيه الضاحكة بقوة، تسرح قليلاً في ملامحه الجميلة. وفجأة تفيق على الماضي المؤلم. تختفي تلك الابتسامة، متصنعة القوة قائلة: أنا مش زعلانة من حد. حتى لو زعلانة، إنت مالكش دخل. أنا ما طلبتش رأيك في أموري، وأنا أعرف كويس أصلح أي حاجة تعباني. عاصم: إنتي بتتكلمي كده ليه؟ أنا جيت بس... تقاطعه نيهال قائلة: مفيش داعي.
عاصم بغضب: واضح إنك اتغيرتي فعلاً وبقيتي شخص أناني وعصبي. أنا كنت فاكر إنك إنتي نيهال اللي سبتها تضحك وتهزر وبتعتبرني أخوها. بس شكلي كنت غلطان، ودي آخر مرة ههدي لك فيها. ثم يغادر الغرفة على الفور والغضب يملأ وجهه. تجلس نيهال على فراشها وتبدأ دموعها تأخذ مكاناً وتنزل على وجنتيها بغزارة. *** صباح يوم جديد. تملأ الشمس بنورها المكان، ويبدأ المنبه يرن حتى يوقظ جميع من بالقصر. الأرض...
نيهال تمارس عملها بالأرض والإشراف على العمال. ترتدي قميصها الأحمر، بنطال جينز أزرق، كوتشي، كاب أحمر. نيهال لأحد العمال: أيوا كده تماماً. هموا بقى يا جماعة. الشمس لحست دماغي. فجأة يأتي عاصم وهو ينظر إلى الأرض بدقة. نيهال بذهول: إيه جابه ده هنا؟ أحد العمال: عاصم بيه، حمد الله على السلامة. نورت الأرض والبلد كلها. عاصم بابتسامة: منورة بيك ياراجل ياطيب. إيه الأخبار الشغل؟ العامل: عال العال يابيه. أجيب لحضرتك كرسي تقعد؟
عاصم: ماشي. يغادر العامل مسرعاً قائلاً: هوا. ثم ينظر إلى نيهال التي تحدق به بشدة، قم تتهرب عيناها من نظراته. عاصم بتجاهل شديد: لها. يرن هاتفه المحمول. عاصم بابتسامة واسعة: ألوو حبيبتي، عاملة إيه؟ تنظر إليه نيهال بغضب شديد، محاولة إخفاء تلك الغيرة القاتلة. عاصم: لسه مفتحتش بابا؟ معلش، هفاتها خلاص. ماشي ياقلبي. من جهة أخرى، نيهال تحاول تظهر عدم اهتمامها. ولكن هل تستطيع؟ وفجأة يأتي شاب على خيل أبيض، وهو ربيع ابن العمدة.
ربيع على خيله الأبيض ينظر إلى نيهال بحدة قائلاً: صباح الأنوار. نيهال بغضب: يا صباح الزفت فوق دماغك. إنت واقف في أرضي بتعمل إيه عاد؟ ربيع: وليه الغلط ده عاد؟ أنا بتكلم زين أهو. نيهال بصراخ وغضب: ولسه الغلط جاي. واقف وراي وبكل قلة أدب بتصبح. ينزل ربيع من على الخيل قائلاً: الله ما طولك ياروح. وفجأة يسمع تلك الشجار عاصم قائلاً: حبيبتي، طب باي دلوقتي، هكلمك تاني.
وبعد انتهاء من محادثته يتجه مسرعاً إلى نيهال قائلاً: إيه في إيه؟ ربيع بابتسامة واسعة: عاصم جيت ميتة. حمد الله على سلامة. عاصم يعانقه بابتسامته الواسعة قائلاً: ربيع! ياخربيتك وحشني. يالا. تنظر إليهما نيهال والغضب يمزق حشاءها. ربيع: ماتشوف يا عم بت عمك، دوب بجولها صباح الخير بهدلتني. نيهال بغضب: وممكن أخليك أهنه كفته لحد الأرض. محدش يدخل أهنه. سمعت يابن العمده؟ عاصم بغضب: نيهال!
الزمي حدودك واحترمي إني واقف وربيع صاحبي. نيهال بغضب: صاحبك بره مش هنا. عاصم بغضب: بقي كده؟ إحنا غلطانين أساساً إن سيبناكي تخرجي براحتك. ومن دلوقتي ورايح مفيش خروج من القصر. والأرض أنا هلاحظها. نيهال بغضب: ومن بقى هينفذ الكلام ده؟ وإنت كمان إيه دخلك في الأرض يابتاع بلاد بره؟ عاصم يجذب يدها بالقوة قائلاً بغضب: امشي قدامي عالبيت. وأنا هعرفك بتاع بلاد بره ده هيعمل إيه. نيهال بغضب: سيب إيدي. مش رايحة مكان.
ربيع محاولاً فك الاشتباك قائلاً: عاصم، اهدى. عاصم بغضب: ربيع، اخرج انت من الموضوع. ثم يجذب ذراعها بالقوة، مغادراً الأرض. ربيع بذهول: هو إيه الحكاية عاد؟ نيهال بصراخ: بجولك سيب إيدي. عاصم: امشي قدامي. يالا. ياترى إيه هيحصل بين عاصم و نيهال؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!