مرت الأيام وبدأ حمزة في تجهيز شقته هو وغزل، وهي ما زالت جالسة في بيت والدتها. لم يعرها اهتمامًا، أو هذا ما كانت تظنه، ولكنه كان يراقب الهواء الذي تتنفسه، وخوفه عليها يقتله من داخله، ولكنه رفض الخضوع لكبريائها. رفض حتى أن يذهب والده لها، وصمم أن يبعد ابنه عنها. كانت غزل جالسة مع أختها في بيت والدتها، تتحدثان. غزل: يعني إيه بس يا غمزة؟ إزاي بس هتروحي تقدمي ورق الجامعة بنفسك؟ طب أنا وحمزة هانروح سوا، تعالي معانا.
غمزة: لأ يا غزل، أنا مش هاروح معاكو في حتة. إنتِ وجوزك هتخرجوا لوحدكم، إزاي أنا بقى أجي عزول معاكم؟ غزل: طب هاخلي حمزة يقولي لعاصي ويجي يصالحك ويقدم لك هو أوراقك. غمزة: أوعي تعملي كده، أصلاً أنا مش عايزاه، حتى لو هو جه من نفسه برضه لأ. غزل: ليه بس؟ أصلاً هو لو عرف مش هايسمح لك تخرجي لوحدك وهايخاف عليكي. غمزة: هو أصلاً مالهوش إنه يتحكم فيا، بعد ما مد إيده عليا ونزلني من بيته بالليل وجابني هنا.
غزل: يا حبيبتي، ما هو إنتي اللي استفزتيه بكلامك، مع إنك عارفة هو قد إيه عصبي. ده حتى حمزة بعد ما كان مش موافق هو كمان على جواز مامي من عمو عبد الرحمن، ابتدى يوافق. غمزة: خلاص يا غزل، اللي حصل حصل. ثم رن هاتف غزل وأضاء باسم زوجها، فهتفت متلهفة: غزل: طب أنا هانزل دلوقتي عشان حمزة بيستعجلني عشان هانروح نشتري شوية حاجات. ثم خرجت مسرعة من غرفتها، متلهفة للقاء زوجها، تحت نظراتها.
أما هو، فقد شغل نفسه جيدًا في أعماله، كان تقريبًا يقضي طول اليوم في عمله، ولا يرجع إلا آخر النهار. يشغل نفسه في عمل الوكالة، كانت تجلس كل يوم وحدها فوق سطح منزلها تبكي فراقه، وتختلس له النظرات. ها هو قد جاء من عمله بسيارته، يحمل بعض الأوراق الكبيرة الملفوفة بعناية، ويجري بين أحضانه زين، هذا الطفل الذي أحبته كثيرًا، ولكنها حرمت منه أيضًا. حمله بين يديه ودلف إلى الوكالة. عاصي: سلامو عليكو.
فضالي: وعليكم السلام يا حبيبي. عاصي: مالك قاعد لوحدك ليه؟ أومال فين حمزة؟ فضالي: راح يجيب حاجات لشهقته مع مراته. عاصي: ماشي، يلا. أهي هانت وقرب يخلص عفشه وحاجته. صحيح، أنا بكرة الصبح هاسافر البحيرة عشان أجيب نقلة الرز من عند التاجر زي ما متفقين عليها. فضالي: ماشي يا حبيبي. واتفقت مع عربية نقل ولا هاتجيب من هناك؟
عاصي: لأ، اتفقت، وهامشي بيها على الساعة ٥ الصبح كده عشان أحمله بدري وأجي بيه بدري. بس ابقى خلي حمزة يجيب العمال لما يجي ويرتب أشولة الدقيق بعيد في جنب عشان توسع. فضالي: ماشي، اطلع ارتاح شوية على ما ييجي وتبقوا تعدلوها سوا على ما العمال ييجوا. ترك والده وصعد إلى شقته، اتجه سريعًا إلى شباك غرفته متلهفًا لرؤيتها من خلفه، ولكن أين هي؟
ليست بغرفتها. رفع نظره إلى الأعلى حتى يراها إن كانت جالسة فوق السطح أم لا، ليرى عينيها أخيرًا تنظر بكل الحب إلى زين وهو يلعب في الشارع، ونظرتها كلها اشتياق إليه. آه يا حبيبة القلب، ما زلتِ رغم حزنك متمرّدة. ثم تركها، وشلح قميصه، وتسطح على الفراش، وذهب في نوم عميق. ***
حضر حمزة وغزل بعد فترة يحملون بعض الأشياء الخاصة بفرش شقتهم، وصعدوا إلى الأعلى تحت نظراتها المتمنية لهم بالسعادة، وفي نفس الوقت حزينة على حالها وما وصلت إليه هي وزوجها. وبعد وقت ليس بقصير، نزل حمزة إلى الوكالة، وتلاه عاصي بعدها، ثم دلفا سويًا إلى المخزن ليعدلا أماكن الأشولة. بدأ الحديث بينهم. عاصي: خلاص يعني كده خلصتوا وفرشتوا؟
حمزة: أيوه، أنا ظبطت ليهم العفش وقفلت كل حاجة، وهي ومامتها وجدتها حتى لوزة وحسنة كانوا بيساعدوهم. عاصي: إيه؟ وهي ما طلعتش معاهم؟ حمزة: يعني بتفكيرك كده هاتطلع إزاي وإنتوا متخانقين؟ أكيد مش هترضى. عاصي: طب اتصل بمراتك خليها تبعت حد منهم ليها، وما يسبوهاش لوحدها. حمزة: طب لما إنت خايف عليها كده، سايبها دا كله ليه؟ ما تروح تصالحها يا عاصي.
عاصي: لأ، مش هاصالحها. لازم هي اللي تيجي وتعتذر كمان وتعرف إن الكلام اللي قالته ده ما كانش المفروض تقوله ليا أنا بالذات. حمزة: على فكرة بقى هي عنيدة وإنت أعند منها. دي عايزة تروح بكرة الكلية بتاعتها عشان تحول ورقها بنفسها ومش رضيت إنها تروح معانا. عاصي: إيه؟ إنت بتقول إيه؟
أوعي تخليها تروح لوحدها. أقولك، بلاش تروحوا بكرة، خلي غزل تقولها إني بكرة مسافر طول النهار، وخليها تطلع تتفرج على الشقة، وابقى احبسهم، أو حتى ما تفتحش ليهم باب البيت لحد أما أجي بكرة. حمزة: طيب، ماشي. بس اهدى إنت. مر الوقت عليهم، وأغلقوا وكالتهم، ثم أغلقوا بيتهم وصعدوا إلى بيتهم. *** وعند حمزة وغزل. حمزة: بقولك إيه يا غزل؟ بلاش بكرة نروح الكلية، وخلي غمزة تيجي تتفرج على الشقة هنا وتقضي معاكي النهار.
غزل: ما إنت عارف إنها مش هترضى عشان عاصي وكده. حمزة: يا ستي، عاصي مسافر البحيرة بكرة ومش هايجي إلا آخر النهار. غزل: حاضر، هأحاول. ادخل إنت بقى غير هدومك وخد شاور، وأنا هاكلمها وأحضر العشا. حمزة: اوكي يا حبيبتي، بس بسرعة بقى عشان جعان. أمسكت بهاتفها لتتحدث مع أختها بعد أن تركها زوجها ودلف إلى المرحاض. غزل: الو يا غموزة، عاملة إيه؟ غمزة: يعني هاعمل إيه؟
زي ما أنا يا ستي قاعدة في أوضتي بحضر لبسي اللي هاروح الكلية بيه بكرة. غزل: طب إيه رأيك بلاش نروح بكرة، وتيجي تشوفي الشقة بعد ما اتفرشت؟ غمزة: يوووه يا غزل، ما أنا قولتك مش هينفع أدخل البيت ده تاني. غزل: اخص عليكي، يعني حتى شقة أختك مش ها تيجي تشوفيها؟ غمزة: يا غزل يا حبيبتي، ما إنتِ عارفة أنا مش عايزة أجي ليه؟ يعني يرضيكي أقابله هناك ويقولي كلمة تضيقني مثلاً؟ غزل: لأ، اطمني، هو بكرة مسافر ومش هايجي إلا آخر النهار.
غمزة: إيه؟ مسافر؟ مسافر فين وليه؟ وها ييجي إمتى؟ غزل: حيلك يا بنتي، براحة عليا شوية. إيه كل الأسئلة دي؟ على العموم، يا ستي هو مسافر البحيرة وها ييجي آخر النهار، وعشان ها يجيب بضاعة للوكالة، ها تيجي بقى؟ غمزة: لأ طبعًا، وحتى لو مسافر، ما هو أبوه موجود هو وأخوه، مش هينفع. يلا بقى سلام. أغلقت معها الهاتف، ثم اتجهت لزوجها لتعلمه بما حدث، فتحدث هو مع أخيه. حمزة: ما ردتش يا عاصي.
عاصي: كنت عارف إنها مش هترضى. خلاص يا حمزة، انزل أنت بس. نسخة مفاتيح البيت اللي معاك. حمزة: مش هينفع يا عاصي، هتحبسهم كلهم عشانها. عاصي: أيوه، طالما هي عنيدة كده ومش راضية، يبقى هاحبسهم كلهم لحد ما أرجع. حمزة: طب بص، أنا ها أخر مشوار غزل بكرة، وها أروح معاها، بس عشان خاطري بلاش تعمل كده. عاصي: مش هترضى، أنا لو عارف إنها هترضى كنت قلت لك على الحل ده من الأول. حمزة: طب سيبهم معايا، وأنا ها أقولها إنك أخدتهم معاك.
عاصي: ما هي ممكن تنرفزك بكلمة تروح فاتح الباب وتسيبها، لكن كده، حتى لو قالت إيه مش هتخرج. أخذ من أخيه مفاتيح بيتها، ونام الكل في هدوء. استيقظ هو عندما سمع أذان الفجر، صلى فرضه، ولبس ملابسه، وقبل طفله ودثره بالغطاء جيدًا، ثم اتجه إلى خارج منزله. ألقى نظرة أخيرة على شباكها، ثم ركب العربة النقل بجانب السائق، وذهب إلى مقصده.
استيقظ الجميع من نومه، وبدأت الحركة تزيد في الشارع. في تمام الساعة التاسعة، خرجت هي من غرفتها، وفطرت مع والدتها وجدتها، ثم وقفت خلف باب الشقة تسمع صوت الكلب بالخارج. غمزة: الله، دا صوت الكلب لسه بره، هما لسه ما صحيوش ولا إيه؟ روقية: ما صحيوش إيه؟ دا حمزة بيفتح الوكالة هو وباباه تحت أهم. غمزة: طب اندهي عليه يا مامي، خليه ييجي ياخده عشان أنا عايزة أنزل.
توحة: إنتي أصلاً المفروض ما تخرجيش من غير إذن جوزك، وأدامي هو مش هنا، يبقى تستني لما يرجع ويعرف. غمزة: إيه الكلام ده يا نانا؟ هو أنا قاعدة في بيته عشان أستنى منه الإذن؟ أنا هاتصل بحمزة ييجي يفتح الباب ده. أمسكت بهاتفها لتتصل على حمزة، ودار بينهم الحديث كالتالي: غمزة: صباح الخير يا حمزة، ممكن تيجي تفتح باب البيت وتاخد الكلب عشان أنا عايزة أنزل.
حمزة: صباح النور، معلش يا غمزة، مش هينفع والله. عاصي أخد نسخة المفاتيح اللي معايا بالليل وهو سافر الصبح بدري، بس هايجي على العصر كده. غمزة: نعم، يعني حضرته حابسني أنا وكل اللي في البيت عشان ما أخرجش وأقدم ورقي بنفسي، مش كده؟ حمزة: بصي، أنا معرفش حاجة. اهدي، ولما ييجي ابقي اسأليه. غمزة: كده؟ طب اقفل يا حمزة، سلام. حمزة: ماشي، سلام. أغلقت معه الخط وهي في قمة غيظها. روقية: إيه اللي حصل؟ مالك في إيه؟
غمزة: حضرته حابسنا في البيت لحد ما يرجع من السفر. شوفتي البيه عامله إيه؟ أخد نسخة المفاتيح اللي مع أخوه عشان يجبرني إني ما أخرجش. روقية: يا بنتي، خايف عليكي. وبعدين، مش ضروري يا ستي النهاردة تروحي، استني لما ييجي وابقي روحي. غمزة: يعني هو فاكر إني هاتزلل ليه؟ لازم ما أتحركش إلا بإذنه. طيب، أنا ها أوريه. أمسكت بهاتفها وبعثت له رسالة عبر الواتس آب: ( حضرتك بتحبسني فاكرني الكلب بتاعك بتقفل عليا)
كان جالسًا أمام التاجر يتحاسبون لحين انتهاء العمال من تحميل السيارة بالكامل. أتته الرسالة ونظر إلى هاتفه ورأى أنها منها، ولكنه لم يفتحها. ثم توجه مرة أخرى بالحديث مع الرجل. استشاطت من الغيظ عندما لم يرد عليها، وبعثت له برسالة أخرى: ( بلاش استفزاز، وخلي أخوك يفتح لي الباب، أنا عايزة أخرج) أمسك بهاتفه وأغلقه عندما رأى الرسالة الثانية، وجلس براحة لحين الانتهاء من تحميل الأرز.
انتهوا العمال بعد الظهيرة من عملهم، وتوجه هو والسائق لطريق العودة، ولكنه نسي أن يفتح هاتفه. كان الطريق الزراعي في هذا الوقت زحمة جدًا، وتقريبًا السيارات شبه واقفة. أخذ وقتًا طويلاً في العودة عكس الذهاب. *** أما عند فضالي، بدأ القلق يأكله على والده الكبير. هاتفه أكثر من عشر مرات هو وأخيه، ولكن دون فائدة. فضالي: برضو تليفونه مقفول يا حمزة. حمزة: يا بابا، يمكن الطريق واقف ولا حاجة. زمانه جاي وتلاقي تليفونه فصل شحن منه.
فضالي: كان المفروض يوصل من بدري. ده آخر مرة كلمني قبل الظهر وقالي إنه خلاص هايتحرك. وإنت سمعتني لما كلمت التاجر وقالي إنه متحرك من هناك من بدري، والمغرب أذن ولسه لحد دلوقتي ما جاش. حالة قلق تعم الشارع، وبدأ أصدقاؤه يتوجدون بدون سبب. حمص، صبي القهوة، أتى إليهم جري: حمص: سي حمزة، سمعت اللي حصل؟ حمزة: في إيه يا حمص؟ أتى سامح القادم من بيته بسرعة بملابسه المنزلية: سامح: حمزة، إنت كلمت عاصي إمتى؟ فضالي: في إيه يا ولاد؟
إيه اللي حصل؟ ازدادت شكوكه عندما وجد خالد آتي أمام الوكالة بسيارته وتوقف أمامهم. خالد: إيه يا سامح، عرفت توصل لحاجة؟ جلس فضالي على الرصيف وبدأ يصرخ فيهم: فضالي: حد فيكم يفهمني، في إيه؟ شوف أخوك جراله إيه يا حمزة. لم يرد عليه أحد، وتوجه سامح إلى حمزة بهاتفه، وفتح له النت على صفحة الأخبار التي كان يترأسها العنوان التالي:
(اصطدام شاحنتين وانقلابهما بعد أن انحرفا عن الطريق، مما أدى إلى موت كل من السائق ومن معه في الشاحنة الأولى، وموت السائق في الشاحنة الثانية، وإغلاق الطريق الزراعي إثر الحادث المروع) صرخ حمزة وأمسك في سامح: حمزة: لأااااااااااء، أخويا عاصي، لأ! الكلام ده مش صح، مش صح يا سامح. اعمل حاجة يا خالد، عاصي ما ماتش، لأ، مش ممكن ده يحصل.
سمعت هي صراخ حمزة، وجرى الجميع إلى الشرفة ليظهروا أمامها. بدأت في البكاء بصوت مرتفع، بل كانت تصرخ باسمه وتنده عليه. غمزة: هو فين؟ حمزة، عاصي فين؟ يا حمزة، إنت بتعمل كده ليه؟ عاصي، عاصي! بدأت تصرخ في أحضان والدتها الباكية أيضًا. بل بدأ الشارع في البكاء عليه. فضالي: اعمل حاجة يا خالد، اتأكد يا بني، يعني هو راح كده مني في غمضة عين. خالد: اهدي بس يا عم الحج، أنا لسه ما اتأكدتش، لسه بعرف أسماء اللي في الحادثة.
نزل الطفل في يد حسنة إلى الشارع وهو يصرخ ويريد أباه بشدة. ارتتمي في أحضان عمه وصرخ: زين: أنا عايزززززززز بابي يا حمسه، هات لي بابي يا حمزه. أصبحت الساعة السابعة مساءً، ولم يصل خالد إلى شيء حتى الآن، نظرًا لحريق السيارات وعدم الاستدلال على هوية الجثث، وبدأ الكل في تأكيد الخبر.
أصبحت الساعة الثامنة مساءً، وامتلأ الشارع بالشباب، وما زالت هي تقف في الشرفة غير قادرة على النزول للأسفل، فزوجها ما زال يحميها من أي خطر، وهي تصرخ بشدة من أجله. بدأ الشباب والنساء في البكاء من أجل هذا الشاب الذي يحبه الجميع. وقفت غزل أيضًا في شرفة والد زوجها تبكي من أجله، غير قادرة أن تدخل إلى والدته، فالو علمت سوف تموت هي الأخرى ولن تستحمل تلك الفاجعة.
أصبح الخبر يتأكد لديهم كلما مر الوقت، وأغلق الشباب الوكالة، بينما ما زال يجلس فضالي يبكي قرة عينه وسنده، وهتف: فضالي: حد فيكم يوديني ليه؟ شوف أخوك فين يا حمزة عشان نجيبه. حمزة: نجيبه إيه؟ أخويا عايش، ما تقولش كده. خالد: اهدي بس يا عم الحج، إحنا لسه مش متأكدين. فضالي: طب هو فين أخوك؟ فين يا حمزة؟ سامح: تعالي بس، اطلع استريح فوق، ولو عرفنا أي حاجة هانيجي نقولك على طول. فضالي: ارتاح إيه؟
ماهو كان سبب راحتي في الدنيا. يا ريتني كنت أنا يا بني، يا ريتني كنت أنا يا عاصي...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!