كانت مازالت مستندة على ذلك الباب وهو أمامها يكاد يلتصق بها، بينما أنفاسه اللاهبة بنيران الغضب اصطدمت ببشرتها الناصعة التي تحولت للون الأحمر من الخوف. وما زال يضغط على يدها التي تقع خلف ظهرها بقوة وحدة، وكأنه يحاول أن يتماسك بقدر ما يستطيع، بينما عيونه كانت قصة أخريفقط، كانت تخرج منها نيران حارقة ملتهبة، وذلك الاحمرار الذي اكتساها وانفاسه أصبحت تخرج بعنف شديد، بينما نظره ارتكّز على ملامحها وعيونها خصوصًا بعد تلك الكلمات التي قالها.
صمت كان يحل على تلك الغرفة الباردة التي شعرت أن درجة الحرارة بها وصلت للصفر المئوي، لكنها جمعت قواتها الهاوية وهي تهمس بصوت متحشرج: بـــلال همس بجوار أذنها بهدوء شديد: اششش مش عايز أسمع صوت صمتت بتوتر لتجده يقرب أنفه من خصلاتها ويتنفسها بهدوء شديد وعمق أرعبها، وظل هكذا لوقت طويل وبدأت أنفاسه في الهدوء أكثر وأكثر. أغلقت عيونها بتوتر من قربه هذا وأفعاله الغريبة، وهمست مرة أخرى: بــــلال همس ردًا على همسها بنبرة مخيفة:
خليني أهدأ يافريدة لم تفهم كلماته تلك، ولم تهتم أن تفهمها، لكن رغم ذلك صمتت بتوتر وهي تراقب أنفاسه التي وصلت لرقبتها، ويده التي تركت فمها واتجهت لخصلاتها ووضعها بداخل خصلاتها يحركها برفق وهو يغمض عيونه، واضعًا أنفه بين طيات عنقها الذي أظهر توتر أنفاسها من تقربه منها إلى هذا الحد المهلك بالنسبة لها.
دقائق تمر وهو على حاله هذا، حتى تفاجأت أنه يضغط على خصلاتها التي بين يديه بقوة أوجعتها. ثوانٍ وترك يدها التي تقبع خلف ظهرها وابتعد قليلاً عنها، فقط مجرد خطوة، وقال ومازال يمسك بخصلاتها بين يديه: سمعت إنك بتعشقي شعرك دا، إيه رأيك أقصه دلوقتي قال آخر كلمة وهو يضغط عليه أكثر، لترفع يدها وتضعها على يده التي تمسك شعرها هاتفة ببكاء: لا أرجوك، أنا آسفة والله آسفة مش هتتكرر تاني بلال بحدة وعيون غاضبة حمراء:
إيه السبب اللي خلاكي تيجي هنا؟ صمتت ليتابع هو بصراخ: ردي أخيرًا نطقت بحزن: مكنتش عارفة أنام وأنا عارفة إني هصحى هدخل لجحيمك برضاي، ومادام أنا اتجوزتك عارفة إنك مستحيل تسيبني في حالي أبداً بعد كدا، كنت عايزة مكان أنسى فيه دا وملقتش غير هنا بلال ببسمة شيطانية: يعني انتي عارفة إنك داخلة على جحيم، بس اللي متعرفوش إنك زودتي نار الجحيم عليكي فريدة بقوة هاوية: على فكرة أنا مسمحش لأي حد يضربني أو يتطاول عليا بالكلام
بلال بقسوة: أنا ممدش إيدي على واحدة ست إلا إذا كانت عايزة تتربي، وكانت... مراتي فريدة ببكاء: ليه اخترتني أنا ليه؟ بلال: سؤال هيفضل في بالك العمر كله ومش هتلاقي رده أبداً فريدة بضعف: أنا عايزة أروح... أنا تعبانة بلال: هتروحي ياعروسة.. هتروحي... لكن افتكري إني لسه معاقبتكيش على غلطك دا، حفاظاً على شكلك بكرة، أصل حرام الناس تشوف عروسة مشوهة يوم فرحها. *** صباح يوم جديد
لم تعرف أنه إلى هذا الدرجة مخيف، إلا وهي ترى العمال يعملون بمنزلها بدون نفس، حتى لا يتحاورون معها، والادهى أنه لم يلمحها أحد مهما مرت من جواره، بل هم حتى لم يرفعوا نظرهم اتجاهها. كل شيء كان يسير على ما يرام، والعمال يعملون، وهي تقسم أن أطرافهم ترتعش بخوف أن يخطئ أحدهم وينال عقابه من الشيطان.
كانت الساعات تطير تكاد تتسابق حتى تنتهي ويأتي الليل، وهي تجلس مكانها رافضة أن تقف إلا لتأكل فقط، ربما فهي حينما تشعر بالتوتر تأكل، بينما منعت أن يأتي صديقاتها لأنها لا تريد أن تكون مثل أي عروس، لأنها ببساطة ليست عروساً أبداً. تنفست بضيق وهي تسمع طرقًا على الباب، لتسمح للطارق بالدخول. مرت ثوانٍ عديدة قبل أن يدخل فارس هاتفا ببعض المرح: أهلاً أهلاً لعروسة الليلة هتفت بحدة قليلاً: فارس لو سمحت اسكت
اتجه نحوها وهو يضحك هاتفا: في عروسة تبقى زعلانة يوم فرحها كدا؟ فريدة بضيق: أيوا فيه.. لو هتتجوز بلال عز الدين فارس: دا انتي مفروض تكوني طايرة من الفرح، انتي بالنسبة للناس دلوقتي خدتي حتة من السما يابنتي فريدة بغيظ: مش للدرجة فارس: لا للدرجة، خصوصاً إن الكل ملاحظ تغيره الجزري، يمكن من ساعة ما كتبتوا الكتاب والكل بيقول إنك السبب في كدا وغمز لها بمرح. فريدة: سبب إيه ياعم، ما هو زي ما هو أهو عصبي وبارد وغلس
فارس بضحكة عالية: أها لو سمعك مش بعيد يقتلك.... حبيبتي بلال لو كان زي زمان زي ما بتقولي، كان في أقل غلطة ليكي ضربك بالنار وارتاحت توترت ملامحها وهي تتذكر ملامحه بالأمس الغريبة، ورغم ذلك فقط مرت دقائق وبدأ بالهدوء. هل فعلاً هي تؤثر به أم هذا ما يعتقده الناس وهو فقط من يؤثر بها؟ فاقت من أفكارها على صوت فارس الذي هتف: المهم مش هتاكلي؟ فريدة: لا مليش نفس... أقصد لسة واكلة من شوية فارس وهو يضربها على كتفها
بمرح عدة ضربات متتالية: لا لا لازم وتغذي، دا انتي رايحة للشيطان يعني لازم تكوني قوية كدا نظرت له بغضب وهي تقول: فارس... اطلع بره ضحك وهو يقف ليتجه للخارج بعد أن غمز لها بمرح وشكل يده على شكل قلب. لتهمس بعد خروجه: يقصد إيه بالقلب دا، مستحيل يكون يقصدنا أنا وبلال تفتت تلك الكلمات ثم تأففت بضيق وهي تقول بغضب: بلال، بلال، بلال يارب يولع مكان ما هو قاعد. ***
جاءت لذلك المكان عندما هاتفها على الفور، هي تعلم أنه الآن سيكون متدمراً أو ربما يستعد للموت، تعلم أنه الآن يمر فقط بالجحيم... بجحيم الحب. تنهدت بضيق وهي تنظر حولها بحثاً عنه. وهي تستعد لأي كلمات ستخرج من فمه عن عشقه لصديقتها وجنونه بها، سيتحدث اليوم بالطبع عن كل شيء، لعله يخرج ما في قلبه، ورغم هذا هي تعطف عليه، فهو حتى لن يستطيع أن يهرب من ذلك الزفاف، فهو يعمل لدى الشيطان ويجب أن يكون ملازماً له في يوم كهذا.
أخيراً لمحته وهو يترك سيارته عند أحد الجوانب ويقترب منها بخطوات مهتزة، لم يكن كعادته أمير بقمته الطويلة أو وسامته التي تسحرها بتلك العيون الكاحلة التي تسحرها، عيون مشابهة تماماً لعيون شقيقته التوأم، التي كانت تهيم بها أحياناً وهم جالسون، لأنها تراه هو مكانها. اقترب منها حتى وقف أمامها وظل صامتاً للحظات كأنه يسارع الاضطرابات التي توجد بداخله، يسارعها وكأنه في سباق سينهي حياته ويوقف قلبه الذي أدمى من الحزن.
لم تعرف ماذا تفعل وهي تراه هكذا، وهو لم يعرف ماذا يفعل لكي يرتاح. إلا أنه تحدث بعد ثوانٍ عديدة: ينفع أتكلم؟ تفتت بصوت هادئ مبتسم: أنا سمعاك جلس على الأرضية، وكان قدمه لم تستطع أن تحمله، ووضع يديه على رأسه وصمت، وكأنه يحاول أن يوقف الذكريات تلك التي تهاجمه. حتى تحدث أخيرًا:
أول يوم في الحضانة معتقدش حد فاكره، لكن أنا فاكره كله، لما كنا واقفين أنا وأميرة وانتي، وفجأة شفتها كانت جاية مع مامتها ولبسة فستان قصير لونه أبيض، وسايبة شعرها، وكانت عاملة قصة توصل لبداية عينيها، كانت داخلة وهي مش طايقة نفسها وعمالة تتأفف بضيق شديد، وفجأة جه طفل صغير من وراها، ومسك شعرها كفضول علشان كان لونه حلو.. حلو أوي، وفجأة لقيتها بصتله بصة مفهمتهاش، ودقيقة ولقيتها نايمة فوقيه وشغالة ضرب فيه، ومحدش عارف يحوشها
من عليه. دي كانت أول مشكلة بس مكنتش الأخيرة للأسف. بقيت صحبتنا، كنت ببقى فرحان وأنا شايفها قاعدة معانا، وبتاكل ومش بتكلم أي أولاد غيري أنا.. أنا وبس. صدقيني مكنتش قادر أشوفك أو أشوف غيرك ياريما، علشان أنا اتسحرت بيها من أول مرة كنت في حضانة واتسحرت بشعرها، بقوتها، بجمالها، بتعاملها، اتسحرت بكل حاجة. وصلنا لثانوي، ولو كنتي تلاحظي كنت دايماً أتخانق علشانكم، لكن يوم ما اتخانق علشانها هي كنت لازم أوصل للمستشفى، لأني كنت
ببقى بضربهم بعدم وعي. أنا حبيتها، وعشقتها، وكل ما تمر ثانية حبي بيزيد ليها. أنا حاربت علشانها، مين قالك محاربتش؟
ظهرت قدامها بكل الطرق، وهي لو تفتكري كانت بتقول "شكل أخويا بيحب يا بنات"، كانت شايفاني أخ وبس، كانت شايفاني صديق تسند عليه، لكن عمرها ما شافتني زوج أو حبيبة. تفاجأت، لا أقصد انصدمت لما عرفت إن النهاردة كتب كتابها، وقتها صدقيني قلبي كان هيقف من الوجع إنها تكون لغيري، ده شيء متوقعتهوش، ده أنا كنت بفكر أظهر لها بطريقة تانية، أعترف على طول بحبي، أخطفها، كنت بفكر في كل حاجة، لكن هنا ممكن نقول إن الغباء كان مسيطر عليا.. أو اتأخرت علشان أندم على اللحظة دي طول عمري.
صمت ودموعه تتساقط من عينيه. ثم نظر لها وشعور الذنب يجتاحه بشدة، ذنب ممزوج بالخيانة: آسف، حاولت أفكر فيكي، مقدرتش، كنت ببصلك وأشوفك هي، مقدرش أقول كنت، لأني حتى الآن بشوفك هي، بشوف كل البنات هي، بشوف أي حاجة حلوة هي. زعلان علشان وجعك، لكن مش عارف أعمل إيه، أنا تعبت، تعبت أوووي ياريما. قال كلماته وصمت وهي يبكي. لتهبط لمستواه وتحتضنه وهي تبكي على حاله، ليقول هو: مش عايز أروح... مش هقدر أشوفها... مش عايز أشوفهم مع بعض...
مش هستحمل. ساد الصمت للحظات على المكان، قبل أن تقول هي بكلمات أرادت أن تقولها دوماً، لعلها ترتاح: ليه مقدرتش تشوفني أنا، ليه مقدرتش تتسحر بشعري الأسود، ليه مقدرتش تشوف عيني البني، ليه مشفتش بشرتي اللي بنفس لون بشرتها، ليه معرفتش إن لوني المفضل هو هو لونها المفضل، ليه مقدرتش تعرف أكلتي المفضلة، ليه مقدرتش تعرف إني بدأت أتغير منها.. من صحبة عمري اللي كانت بتعمل مشاكل الدنيا عشاننا... ليه ها ليه؟ أمير بصراخ باكي:
علشان أنا مش قادر أشوف غيرها، مش قادر أحس غير بيها، مش قادر أشوفك ياريما، مش قادر أشوفك بشكل غير شكلها. الحب ينقسم لنوعان يا أعزائي. نوع يدمي القلب ولا يشعر فيه الحبيب بالسعادة يوماً. وحب يسعد لأنه وقع بين اثنين لم يكن للحزن طريق في حياتهم. بينما العشق لا يكون عشقاً سوى بالألم. فكيف ستنتهي رحلة عذاب ريما وأمير بسبب ذلك العشق؟ وكيف ستكون نهاية فريدة وبلال الذي لم يزرهم العشق بل زارهم ما هو أقوى وأعنف وأقسى؟ ***
وقفت أمام المرآة وهي ترتدي فستانها. فستان الزفاف الذي تحلم به كل فتاة. ربما لم تكن يوماً تريد الزواج، لكن الآن هي أصبحت متزوجة دون سابق إنذار، أو اعتراض حتى. نظرت لانعكاسها في المرآة لتشاهد فستان هادئ وبسيط للغاية في تصميمه. فقط يوجد ذراع له من الدانتيل يصل لقبل نهاية ذراعها بشيء بسيط، وبعض النقوش البسيطة على الجزء العلوي منه، ثم ينظر باتساع بسيط.. بسيط للغاية للأسف. وارتدت تاج باللون الأبيض أعلى رأسها، بعد أن صففت خصلاتها على هيئة قصة شعر بسيطة للغاية أيضاً، وارتدت حذاء بكعب عالي غصباً أيضاً، فقد أمسك رجليها ريما وأميرة حتى يدخل غصباً عنها في قدميها، كما وضعت أيضاً بعض مستحضرات التجميل الخفيفة على وجهها.
كانت تنظر لانعكاسها بشرود في حياتها القديمة. هل ستستطيع أن تكمل أعمالها وهي في قصره؟ هل ستستطيع أن تخرج مثلما تريد؟ هل ستستطيع أن تقابل أصدقائها؟ هل وهل وهل؟ لكن الإجابة مجهولة. تنهدت وهي تلتف ناحية الباب الذي انفتح ودخلت منه والدتها التي كانت ترتدي فستان سوارية بسيط للغاية يتناسب مع سنوات عمرها.
تقدمت منها والدموع تلتمع بعينيها، حتى وقفت أمامها لتظل دقائق تتأملها بفرحة وسعادة، قبل أن تحتضنها بقوة لتبادلها فريدة الحضن. ظلوا هكذا لثوانٍ قبل أن تبتعد والدتها وتمسكها من يدها وتتجه للفراش ليجلسا عليه. جلست الأم وثم فريدة، لتقول فيروز:
"ديدا أنا عارفة إني دلعتك كتير، لأن واحدة زيك مكنش حد يعرف يزعلها أصلاً، أو يضربها. انتي كنتي صغننة أوي وجميلة من أول ما اتولدتي وكنتي رقيقة كدا.. جدك أول ما شافك قال هسميها فريدة علشان هي هتكون فريدة من نوعها في كل حاجة. كنتي طول عمرك بتعملي مشاكل، لكن عمر ما باباكي عاقبك، لأنه عارف إنك صح، وإنك لما بتعملي حاجة، أو بتتعصبي، دا بيبقى لأن اللي قدامك غلط. فضلنا بعدك فترة كبيرة مبنخلفش، اكتفينا بيكي وبس، ودلعنا زاد
ليكي. أنا خايفة يكون الدلع دا أثر عليكي بالسلب يافريدة، أو لسه هيأثر. أنا عارفة إنك قوية ومدركة لكل حاجة بتحصل، وعارفة إنك رقيقة زي التلج، عارفة إنك هتقدري تقفي في وش الشيطان، لكن خايفة إنه بقوته يضعفك، علشان كدا أنا بقولك إياكي تسمحي لحاجة تضعفك، ولا تسمحي لحد يقلل منك، أو عي يافريدة تخلي حبك لأي حد يخليه يملكك، وكأنك لعبة بين إيديه. انتي فريدة يعني مختلفة عن الجميع. والدك لما اتعصب عليكي كان زعلان إنك خبيتي عليه،
لكن هو متأكد إنك مبتعمليش حاجة غلط، واتمنى يكون دا صح...
لو بلال آذاكي قولي لنا ووالدك هيعمل المستحيل علشان يبعدك عنه، حتى لو كان آخر شيء يعمله. انتي غالية يافريدة غالية أوووي فحافظي على إنك دايماً تفضلي كدا." ابتسمت وهي تحتضن والدتها، فبتلك الكلمات أعادت لها قوتها التي كانت ستتدهور الآن. ربما هي تعلم كل تلك الكلمات، لكن عندما رددتها والدتها مرة أخرى استرجعت قوتها بأضعاف مضاعفة، والآن استعد يابلال عز الدين فلنرى من سيدخل في جحيم من ومن سيفوز بتلك الحرب. ***
ممر واسع طويل مزين بورود حمراء على جانبيه، والأضواء توجد بداخل الزهور بشكل رائع، وفي نهاية الممر ثلاثة أفرع، أحدهم على اليمين وآخر على اليسار وآخر في المنتصف. كان الذي يقبع في المنتصف يؤدي إلى المكان الخاص للعروسين، بينما الآخرين يوصلا للطاولات الخاصة بالمعزومين فقط. بينما كان هناك طاولة كبيرة كان يوجد عليها الطعام بأنواع شتى. كان التصميم على أعلى مستوى وكل شيء جاهز وممتاز، ينقصه فقط العريس والعروس.
بينما بالأعلى،،،،، طرقات خفيفة على الباب، ثم دخول والدها الذي حاول رسم الجمود على ملامحه بقدر استطاعته، وهو يرى صغيرته عروس اليوم، بجمالها الخلاب الرائع. تقدم نحوها ليمسك بيدها، ولم يبدي أي رد فعل، لتترك هي يده، وتتقدم حتى وقفت أمامه، لترفع أصابع قدميها قليلاً، رغم أنها ترتدي كعب عالي، حتى أصبحت في طوله ربما، لتقبل جبينه بحب وحزن وهي تقول بصوت باكي: برضوا مش هتسامحني؟
أبعد رأسه عنها ولم يتحدث، لتتنهد بضيق، وهي ترجع بمكانها جواره، قبل أن يمد يده، ويسحبها لاحتضانه، ويحتضنها بقوة هامساً: مبروك يافريدة قلبي. أدبته الحضن بأخر قوي وهي تبتسم بسعادة وتهمس بجوار أذنها: وعد هقولك أنا كنت بختفي فين، بس لما يجي الوقت المناسب. ***
كلما اقتربت السيارة، كلما زاد حزنه، بينما ملامح بلال كانت غير مفهومة أبداً. كان أمير فقط من تظهر عليه علامات القهر، فهو يسلم عريس محبوبته بيده لها، يكفي أنه يوصله إلى مكانها. فكر لثوانٍ لو أنه قام بحادث الآن، نعم فهو من تولى قيادة السيارة. لثوانٍ وجد أنه سينفذ تلك الفكرة المجنونة، فليمت وهو مطمئن أنها لن تكون لغيره، لن يراها أحد مثلما شاء وكيفما يريد.
يشعر بالقهر وهو يرى أنها زوجة بلال، هذا يعني أنه ينسى فكرة الاقتراب منها. فهو لن يتركها أبداً، رئيسه ويعلمه جيداً، ولو انفصلوا لن يجعل رجلاً آخر يقترب منها. الجميع يعلم ذلك. والجميع أصبح لا يستطيع أن ينظر بوجهها. ويقسم أنها لن ترى الشارع أبداً بعد الآن. يقسم بذلك ويجزم أيضاً. وسيكون شاهد على حبسها الأبدي في قصر الشيطان.
فاق من شروده وأفكاره وكل ذلك، وهو ينظر للقصر الذي أصبح أمامه تماماً. فقط خطوات تبعده عنه. لينظر من المرآة للمقعد الخلفي ليجد أنظار بلال تتجه نحو الداخل وهو يركز نظره للأعلى بتركيز عجيب مخيف جعله يتوتر هو شخصياً. ثم فجأة وجده هبط وتوجه للخارج، ليترجل هو أيضاً من السيارة ويتبعه حتى صعدا درجات السلم الخارجية، ومن بعدها الداخلية، حتى وقفوا أمام غرفتها وهي فقط كانت تستعد لتهبط مع والدها.
تقدم بلال نحوها وامسكها من والدها ووقف أمامها ليظل ينظر لها بشرود تام وهو يتأمل ملامحها بملامح غير مفهومة، بينما أمير كان ينظر لهم بحزن عميق، فقد كان حلم حياته أن يكون هو أمامها الآن يقف هكذا مثل وقفة بلال. حرك رأسه بعيداً عنهم ودمعة ساخنة هبطت من عينيه، لتتقابل عيونه مع ريما التي طالعته بحزن وهي متفهمة لحالته تلك، بينما هو وجه نظره بعيداً عنها كأنه لا يتحمل رؤيتها أو رؤية غيرها. ***
كانت تقف أمامه وهي تشعر بالضياع، لتسمعه وهو يطلب أحد الغرف حتى يحدثها، لثوانٍ ووالدها يشير لغرفتها التي تقبع خلفها، ثم أمرهم بتهذيب قليلاً أن يهبط الجميع لأسفل.
لهبط الجميع لأسفل، ليلتفت هو لها، وخلال لحظات امسكها من يدها وادخلها لغرفتها واغلق الباب، ثم اقترب منها بشدة، ودقائق وكانت شفتيه تحتضن شفتيها بقوة وعنف غير مفهوم. ظلوا هكذا لدقائق وهي تحاول أبعاده قدر استطاعتها وهو غير مبالٍ بحركاتها تلك. وبعد دقائق ابتعد أخيراً، لتتنفس هي بعمق وتقطع بعض الشيء. بينما بلال التف برأسه للجهة الأخرى. ظلوا هكذا قبل أن تقول هي بصراخ: انت مجنون ازاي تقربلي بالطريقة دي ياحيوان!
التف لها بعنف وامسك ذراعيها وضغط عليها بقسوة هاتفا بنبرة أرعبتها: صوتك ميعلاش، وقلة أدب مش عايز، علشان مربكيش هنا... فاهمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!