وقفت السيارة أمام بوابة منزلها. قصر حسان أبو عوف، بمعني أدق. لتجد كالعادة آلاف الحراس متخصصون لحماية كل شخص هنا. إلا هي، فقد أقسمت أن لا يحرسها أحد وإلا لن يحدث خير. وبالفعل، ومنذ صغرها لا يستطيع أحد أن يحميها أو يتهجم عليها حتى، فشراستها مخيفة.
ظلت تنظر لهم بسخرية وهي تسير بالسيارة للداخل ناحية الجراج. أولئك فقط يظلوا بالأيام والشهور هكذا، وهي تعلم أن لن يحدث اختيال لوالدها أو أي شيء من هذا القبيل، فهو لا يعمل بشيء خاطئ. وربما يكون هذا السبب الذي سيؤدي إلى وفاته. وصلت الجراج لتصف السيارة بمكانها وتخرج منها. ثم نظرت لأحد الأشخاص الموجودين: "عمو عبده، ابقي خلي حد ينضفها معلش." أومأ بنعم مبتسمًا قائلاً: "حاضر يا ست البنات." ابتسمت لكلماته مجيبة:
"بحب أوووي الكلمة دي منك." وأرسلت له قبلة في الهواء. ذلك الرجل الذي تعتبره كأب ثانٍ، حتى والدها يستشيره أحيانًا في بعض الأمور من كثرة تقاربهم وطيبته.
ثم ذهبت نحو الباب وهي تتجهز لتتلقى وابلًا من النصائح والشتائم. وما إن دخلت للقصر واتجهت نحو غرفة المعيشة، ولمحتها والدتها السيدة فيروز. إحدى سيدات المجتمع الراقي، ورغم هذا تعتبر ست بيت درجة أولى. وحقًا فريدة مستغربة من أن والدتها استطاعت أن تبقي الاثنين معًا، فهي لا تترك حفلة ولا تترك أي شيء أو أي جديد في حياة أبنائها يفوتها. هتفت فيروز وهي تراقب دخولها: "فري حبيبة مامي، أخيرًا جيتي." فريدة بتوجس:
"مامي، أنا مش مطمنالك." فيروز ضاحكة: "ليه يعني؟ في إيه؟ وبعدين ما دام خايفة يبقي عاملة مصيبة أو كارثة كمان." فريدة بلامبالاة وهي تشير بيدها بلا: "لا والله معملتش حاجة خاالص." جاء صوت والدها الغاضب من الخلف، وهو يدخل أيضًا للغرفة، ويبدو أنه أتى في تلك اللحظة: "والله أومال مين دي اللي كسفتني قدام كل الناس اللي هناك دي." فيروز بتعجب: "عملت إيه بإحسان." حسان بغيظ: "الهانم هي وماشية بتقولهم هتوحشوني والله." فريدة:
"الله يابابي، دي مشاعر فياضة مني وحبيت أعبر عنها." حسان وهو يحرك يده على وجهه محاولًا التحكم في عصبيته من ردودها: "وراحة تعبري عن حبك في وجود الشيطان يافريدة." "الشيطان؟ مرة واحدة." خرجت شهقة مرتفعة من فيروز، وهي تضع يدها على فمها. بينما قالت فريدة بتعجب أشد: "شيطان... شيطان. كل ما أكلم حد النهاردة مورهوش سيرة غيره. أيوا مين يعني الشيطان ده؟ وبعدين حد يلقب نفسه بالاسم المخيف والمقرف ده." حسان موضحًا:
"يابنتي افهمي، بلال بيه مش أي حد." فريدة باستهزاء: "فهميني إزاي مش أي حد." حسان:
"يعني لو البلد كلها اقتصادها عبارة عن عشرين مليارد، هو هيكون ملكه النص أو التلت. هو مالك معظم المشاريع اللي بتعملها الدولة. انتي مش فاهمة إنه بنظرة أو بإشارة يقدر ينسف أي حد أو حتى يدمر اقتصاد بلد. اسم بلال بيترعب منه الأجانب قبلنا. سكوته ده أكبر عذاب للشخص اللي قدامه. انتي فعلاً مش فاهمة يعني إيه شيطان يافريدة، لأن اللقب ده قليل أوي عليه... لما يغضب من حد." فريدة بدهشة: "وكلمتي دي هتؤثر قوي عليه." حسان:
"طبعًا تؤثر. كفاية إنك اتكلمتي وهو بيتكلم. وكمان حاجة، إزاي أصلاً مخلتيش السكرتيرة هي اللي تيجي تبلغني بوجودك." فريدة بضحكة غباء: "أصلي مشفتهاش." حسان: "خلاص، ده مش موضوعنا مادام عدى على خير الحمد لله. المهم، مقررتيش تنزلي تشتغلي." فريدة بتأفف: "لا يادادي، مش ليا مزاجه." تفت فيروز متعجبة من حديث ابنتها:
"فريدة، أنا قربت أتجنن منك. إنتي ولا دلوعة بطريقة أوفر زي الوسط بتاعنا، ولا بتشتغلي وعايزة تبني كيان زي معظم ما الناس بتفكر، ولا ليكي مخططات ماشية عليها. وبتقولي عندك طموح هتحققيها. حقيقي أنا مش فاهماكي يادادي." فريدة بلمعة غموض خفيفة: "أنا بحب إني أكون كدا يامامي، محدش يفهمني خالص." حسان هاتفا فجأة: "إيه رأيك تشتغلي مع الشيطان، أو بمعنى أصح عنده." فريدة: "هي هتكون تجربة شيقة، لكن سوري داد، أنا مش عايزة أشتغل ناو."
فيروز: "طيب اطلعي خدي شور بسرعة، وانت كمان ياحسان، قبل ما يوصل فارس عشان ناكل." فريدة: "أوكي، تشاو مؤقتًا." وتركتهم وذهبت. هتف حسان بقلق: "أنا مبقتش فاهم فريدة خالص يافيروز. الأول كانت شفافة، لكن دلوقتي لا... حالة غموض سيطرت عليها جامد." فيروز بهدوء: "مفيش داعي للخوف دا ياحسان. أنا عارفة كويس حبك لفريدة وتعلقك بيها وخوفك عليها. لكن متخافش، بنتك قوية ومفيش جديد ظهر عليها. فريدة زي ما هي." حسان: "إنتي شايفة كدا."
"مفيش غير كدا أصلًا." لكنها همست بداخلها: (في سر إنتِ شايلآه جواكي يافريدة، ومخبياه عننا، وأنا لازم أعرفه. كفاية اختفائك طول الليل، وانشغالك عننا)
بالطابق العلوي، بنفس ذات الوقت كانت تقف هي في شرفتها تنظر لحديقة القصر بشرود، ولمحة تحدي غريبة وإصرار يظهر في عيونها، وهدوء يسيطر على المكان حولها، كأنها لا تسمع لأي شيء خلفها أو أمامها. والبرود يغلف ملامح وجهها، برود صقيعي، كأنها تعترف أن حياتها بلا فائدة إن ضاعت وسط تلك الكوارث التي تفعلها، أو تجهز لها دون معرفة أحد من أهلها. تنهدت بعمق وهي تقول:
"قرب يحصل اللي أنا عايزاه، ووقتها هيعرفوا إني بعمل وبشتغل في حاجة أقوى من إني أشتغل مع الشيطان ده... على الأقل دي مفيدة ليا أنا، مفيدة بدرجة مخليني دايما حاسة إني في أمان." قالت آخر كلماتها وهي تنظر للحديقة النظرة الأخيرة، قبل أن تتجه نحو غرفة ملابسها لتخرج ثيابًا لها، ثم تتجه للباب المجاور لتأخذ حمامًا باردًا، لعله يهدي من أفكارها الثائرة دومًا.
وصلت السيارة أمام قصره الذي يقبع في مكان نائي بعيد عن البشر قليلًا. يشبه قصر الرئيس، ولكنه أفخم، ولا أحد يستطيع أن يقول غير ذلك. تصميمه الذي صممه أشهر مهندسي الديكور، والألوان المتناسقة، وكل شيء به يخطف الأنظار. فكل جزء به تم الاهتمام به، وكأنه الجزء الوحيد الذي سيمكث به.
وبسبب ذلك الاهتمام والتفاني في العمل، خرج قصر شاهق مرعب من شكله كصاحبه. فشكله الخارجي يدعوك للدخول به بكل سرور، ولكن هناك تجد عكس ذلك تمامًا. بالداخل تجد هدوءًا مخيفًا وبرودًا يسيطر عليه، تشعر وكأن لا حياة فيه. هناك لا تستطيع حتى أن تهمس بأي كلمة سوى بأمره. فاحذر، هو يكره الثرثرة والحديث دون فائدة.
دخل للقصر سريعًا بعد أن فتحت أبواب القصر الداخلية إلكترونيًا، وصعد درجات السلم الكثيرة وهو يتحدث بهاتفه بكلمات مقتضبة يلقي بها أوامر على أحد الأشخاص. ثم أشار بيده للخلف ليتقدم حارس هاتفا بخنوع: "تأمر بحاجة يا بيه." يهتف وهو يصعد: "خليهم يجهزوا طيارة خاصة، هنسافر إسبانيا كمان ساعة." صمت ثواني ثم أكمل: "ونرجع بالكتير بكرة. جهز لي الموضوع بسرعة علشان مفيش وقت." الحارس: "خلال ساعة كل حاجة هتكون جاهزة يابيه."
أشار برأسه بـ "أوك" عدة مرات بلامبالاة وصعد للأعلى. في جناحه، كان عبارة عن غرفة نوم ذات مساحة كبيرة. يتميز أثاثها باللون الرمادي الغامق ممزوج بالأزرق. وكان عبارة عن فراش دائري الشكل، ويوجد أمام الفراش مقعد مسطح. بينما على أحد الجوانب يوجد مقعدين متقابلين، أحدهم بالأزرق والآخر بالرمادي وطاولة تفصل بينهما. وعلي جانب آخر يوجد مقعد أسود به بعض النقوش الذهبية من الذهب الحقيقي.
يشرف منه على الفراش، والمكان عمومًا. وكان هذا مكانه المفضل. بينما بجوار المقعدين يوجد حامل للكتب دائري الشكل عبارة عن أرفف وجدت عليه كل أنواع الكتب. وكان يوجد باب لغرفة الملابس، وآخر خاص للحمام. بينما يوجد غرفة أخرى بالجناح يوجد بها مكتب وأريكة للراحة وجهاز لصنع القهوة وثلاجة صغيرة، تشبه الثلاجة التي توجد بالغرفة المجاورة، والتي ما كانت إلا غرفة مطبخ صغير فقط، يوجد به بعض الأطعمة الجاهزة والمقرمشات وعصائر.
ويتوسط كل تلك الغرف صالة وجد بها انتريه صغير كان باللونين الرمادي والأزرق أيضًا، فكان كأنه منزل منعزل عن القصر.
كان هو قد خرج بعد أن أخذ حمامًا سريعًا وتوجه لغرفة الملابس ليرتدي بعد دقائق قليلة بنطال أسود اللون وقميص بنفس اللون وساعة. ويضع من عطره الفخم، ويرتدي حذاء باللون الأسود به لون زيتي غامق، يشبه الجاكت الذي أمسكه بطرف إصبعه وأسنده على كتفه من الخلف. ثم أمسك هاتفه وهبط للأسفل لينهي بعض الأعمال سريعًا والأوراق، قبل أن يذهب باتجاه المطار والذي منه سيغادر أرض مصر متجهًا لإسبانيا. في منزل حسان أبو عوف
تجمعت أفراد الأسرة حول طاولة الطعام، حيث جلس الأب على المقعد الذي يرأس الطاولة، وبجواره من جهة اليمين زوجته، مجاورًا لها فريدة، وعلى يساره جلس فارس الذي يبلغ من العمر ستة عشر عامًا. هتف حسان وهو ينظر لفارس: "أخبار الدراسة معاك إيه يافارس." أجابه بهدوء وهو يترك الطعام الذي بيده: "كويسة يابابا، بس الحقيقة أنا عايز حضرتك في موضوع بخصوص المدرسة." حسان بانتباه: "خير، في حد بيضايقك فيها." فارس بنفي: "لا مش كدا." فيروز:
"اومال في إيه ياحبيبي." فارس: "أنا عايز أسيبها." هتف حسان بتعجب: "تسيبها؟ أوك يعني تقصد في مدرسة غيرها عايز تروحها." فارس: "آها." فيروز: "مدرسة إيه دي ياحبيبي؟ وخاصة ولا لغات؟ ولا أي حال ومستواها التعليمي حلو؟ يعني هتستفاد ولا." فارس بصوت قاطع: "أنا عايز أروح مدرسة حكومية." حسان: "إيه!! أنت عارف أنت بتقول إيه؟ إنت مش هتعرف تتأقلم على الوضع." فارس: "بابا معلش، احترم رغبتي، وانقل لي الورق هنا." تفت حسان لفيروز
بحيرة قاطعتها هي قائلة: "بص ياحبيبي، إحنا مش معترضين نهائي على المدرسة. أنا وبابا اتخرجنا من المدارس دي، وأي حد من الوسط ده هتلاقي أهله كدا. لكن إحنا نقصد عشان إنت متعود على أصدقائك، ونظام معين، وهدوء وكده، ده مش هتلاقيه هناك أعتقد." فارس: "ماما، أنا عارف دا كله، ومصر إني أروح هناك." هتف حسان بهدوء: "طيب تكمل السنة دي في مدرستك وبعدين نحولك." فارس برفض شديد:
"لا طبعًا. إحنا لسة في بداية السنة يابابا، حرام أكمل دا كله في المدرسة. دا غير إن المنهج لسة في أوله، ومحدش امتحن أي امتحانات نهائي." حسان: "خلاص هشوف الموضوع ده وهرد عليك بكرة. بس إنت في مدرسة معينة عايز تروحها ولا أقدم لك في أي واحدة." فارس: "لا، أنا معنديش فكرة... قدم لي حضرتك في أي مدرسة." قالت فريدة أخيرًا متدخلة في ذلك الحوار:
"والله ياواد يافارس إنت دماغ. كنت هموت وأعمل زيك كدا، لكن علشان مأسيبش أميرة وسالي وريما قعدت." فارس بابتسامة مرحة: "معندكيش شخصية." رمقته بقرف ولم ترد. بينما هو كان سعيدًا بشدة، فأخيرًا سيذهب للطبقة المتوسطة والفقيرة. فهو يريد أن يتعامل معهم، يريد أن يرى معاناتهم تلك، فربما يستطيع يومًا ما أن يساعدهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!