فضلت تسمعها. وكل ما تغوص في وصف العذاب اللي عاشوه، دموع مرزوقة تنزل أكتر من غير ما تقدر تتحكم فيها. وأول ما انتهت، بصت ليها ولسه هتتكلم وترد بكل الوجع اللي حسته. اتصدموا لما الباب انفتح وياسر واقف قدامهم ووشه أحمر زي التنين بيطلع نار. بصوا الاثنين لبعض، وسكتوا منتظرين رد فعل ياسر هيكون إيه.
شادية وشها جاب ألوان، خافت يكون سمع كل كلامها اللي قالته. صوت دقات قلبها يكاد إنه واصل ليه. جمعت نفسها بسرعة، وكانت أسرع منه عشان تلم الموقف وقالت بضيق: "في حد يدخل زي القطر كده من غير تنبيه يا ياسر. انت ناسي إني مش لوحدي في الأوضة؟ بص لها ياسر بنظرات عتاب ولوم، معرفتش تحدد يقصد بيهم إيه. لكنه قرب منها وعينه جت في عينها وقال بوجع:
"يعني طول اليوم يا ماما مش موجودة، ولما رجعتي محكتيش كنتي فين، وكل ده وأنا منتظرك عشان ناكل سوا، ولا انتي كمان أكلتي من غيري؟ أخدت شادية أنفاسها بإرتياح هي ومرزوقة. اللي قامت بهدوء من على السرير، وقالت: "أنا نازلة أحضر الأكل مع هنية." ابتسمت شادية ليها ومسكت إيدين ياسر وقالت له:
"آسفة يا ياسو اتأخرت عليك النهاردة، ومرزوقة فضلت ترغي شوية والوقت سرقنا. أنا مقدرش آكل من غيرك بس كنت فعلاً تعبانة، لكن عشان خاطرك هناكل زي ما اتعودنا." ياسر مصطنع الهدوء بعكس النار اللي جواه، رد: "متنسيش علاجك تاخديه، وأنا هسبقك على تحت."
شاورت بعنيها بموافقة. وأول ما خرج، حطت إيديها على قلبها تهدي نبضاته السريعة. وافتكرت كلام سليم لما طلب منها إنهم يتغدوا مع بعض وهي ردت عليه واعتذرتله برقتها المعهودة، وبررت إنها عمرها ما أكلت من غير ياسر. سليم بزعل وضيق: "يعني حرام عليا مرة تاكلي وتقسميني فيها لقمة، طول العمر اللي فات هو بياكل ويشرب معاكي، أنا فين بقى من كل ده؟ شادية:
"من اللحظة دي لازم تكون كل حاجة بالعدل بينا، حتى لو في الأكل. هتتغدي معايا نص بطن، والنص التاني اتغدي معاه، ومش هقبل بأي أعذار." وافقت بقلة حيلة واختارت ياكلوا بيتزا حجم كبير واتقاسموا فيها مع بعض، وأكلت كام قطعة معاه عشان ميزعلش، وأكلته بأيديها الباقي بكل حب. فاقت والابتسامة على وشها لمجرد بس إنها افتكرت لحظات حلوة سرقتها من الزمن معاه. اتنهدت ودعت ربها إنه يلين قلب ياسر ويتقبل الفكرة، ونزلت عشان تاكل معاه.
أما ياسر، أول ما خرج من عندها دخل أوضته ورمي ثقل جسمه على أقرب كرسي وحط إيده فوق راسه وشبكها من ورا، وضامها لقدام في محاولة لتسكين الضجيج والطبل اللي في راسه. لما مهديش، فضل بقبضته إيده يخبط على جبهته وطلع آه مكتومة بكل وجع خرجت وصداها رد في صدره من تاني، عشان يحس بنفس الوجع. مش قادر يصدق اللي سمعه منها...
مش قادر يستوعب فكرة إنها بتعشق حد غيره، وإن الشخص ده ملك قلبها وهيشاركها في جزء كبير مناصفة. عاتب روحه إنه مقدرش يعاتبها أو يكلمها وردد بهمس: "ليه متكلمتش؟ إيه اللي خلاني ساكت، أنا كنت خلاص هنفجر وأقول كل اللي جوايا، ليه لساني اتلجم ووقفت زي التلميذ الخايب اللي معملش واجبه؟ وهربت وموجهتهاش؟ وياترى هقدر أستحمل لحد إمتى السكوت ده؟ فضل على حالته دي يجلد في روحه لحد ما فاق على صوت شادية بتقوله من ورا باب أوضته:
"ياسو انت مش قلت هتسبقني على تحت، بتعمل إيه عندك؟ الأكل جاهز يا حبيبي." مسح وشه بيده وقام وقف، وهو بيمثل الهدوء بإبداع، فتح الباب وقال: "ولا حاجة كنت بس بعمل مكالمة، يلا بينا." نزلوا والكل قعد ياكل في صمت. كل العيون بتبص لبعض من غير أي كلام، في منها اللي بتحاول تستكشف وتفهم، وفي اللي بيرسل لوم وعتاب، ووجع، وفي اللي بتبعت نظرات ترجي ورأفة لسنين حرمان كتير، وكل واحد منهم بيغني على ليلاه... قطعت الصمت ده شادية لما
وجهت كلامها لياسر بتقوله: "إزاي مجدي يعمل كده مع مرزوقة؟ هو فاكر نفسه فين، مش قادر يحترم حرمة البيت اللي هو فيه؟ أقسم بالله أنا لو كنت موجودة كان هيبقى ليا تصرف معاه مش هيعجبه أبداً، كان في علمك مرزوقة تهمني يا ياسر واللي هيزعلها كأنه زعلني أنا شخصياً، وأنا مش هسمح لحد يزعلني، وهعرف آخد حقها كويس." خلصت كلامها وياسر مستغرب على كمية هجومها على مجدي، ودفاعها لمرزوقة بالشكل ده؟ ورد قال:
"والله يا ماما ما مستاهلة تزعلي نفسك، مرزوقة ماشاء الله أخدت حقها تالت ومتلت، دي حتى مستني أرد أنا، وقلمها علم عليه." شادية بسعادة: "وده أقل واجب يستحقه."
كانت مرزوقة بتسمع حوارهم وجواها سعادة لا توصف. حست إن شادية مش بس زي أختها اللي اتمنتها، لا دي أكتر من كده، أم وسند ليها. حبها واحترامها جواها زاد أضعاف، ومحبتها كل يوم بيمر بيزيد عن اليوم اللي قبله. كانت باصة في طبقها ومعلقتش، وفضلت سكتها بتاكل بمنتهى الهدوء. فيكفي إنها مسنودة على ظهر قوي، وجبهة فولاذية لا يستهان بيها. اكتفت مرزوقة بنظرات الشكر والامتنان اللي بعتتهالها وهي فهمتها وردت عليها بابتسامة، وتأكيد إنها في ضهرها وهي قوتها وسندها.
لاحظت شادية إن ياسر سرحان ومش بياكل سألته: "مش بتاكل ليه يا ياسو؟ مش كنت بتقول جعان؟ رد وهو بيمسح بقه بفوطة السفرة: "شبعت يا حبيبتي، الحمد لله. هقوم أرتاح فوق اليوم النهارده كان متعب أوي." شادية وهي بتقوم: "بالف هنا وشفا، ارتاح وبكرة لينا قعدة طويلة مع بعض." ابتسم نص ابتسامة وهز جفونه واتحرك لفوق يهرب مع نفسه كعادته، وأول ما اختفى عن نظرهم مرزوقة قالت:
"شكله ميطمنش، ابن أخوكي ده بحور غويطة ومتعرفيش بيفكر في إيه أبداً؟ شادية بتنهيدة: "قلبي حاسس إنه سمع كل حاجة." مرزوقة خبطت على صدرها من الصدمة، وبرقت عينيها وقالت: "معقول؟! شادية بتأكيد: "آه معقول وشكله أكبر دليل." مرزوقة بهمس: "طب لو كان سمع ليه متكلمش؟ شادية بوجع: "مقدرش يواجهني، كتم جواه وحب إنها تيجي مني أنا، ميěرفش إنه لو كان اتكلم كان هيوفر عليا حاجات كتير أوي أنا في غنى عنها." مرزوقة بشفقة طبطبت
على إيديها وقالت بحب: "معلش مواجهة ولابد منها، ووجع ساعة ولا كل ساعة. تعالي نطلع فوق ونكمل كلامنا." نادت شادية على هنية تشيل الأكل، وساعدتها مرزوقة، ولمت الدنيا هنية ورتبت المطبخ كل ده من سكات وبدون ما تطلع صوت، طبعها هادي جداً وده كان مريح شادية أوي، إنها بتشتغل من غير كلام.
طلعوا فوق قعدوا على السرير، وحطت شادية كمية الجوابات قدامها، بتبص عليهم ومش قادرة تصدق إن جواب واحد بس من دول كان قادر يغير مصير حياتها كلها، كان زمانها متجوزة من حبيبها من سنين ومكونة أسرة زي باقي الناس، لكن مع كل أسف الجوابات دي جت في الوقت الغلط بعد ما ضاع أكتر من نص عمرها في الانتظار. انتبهت لصوت مرزوقة بتقولها: "هتفضلي تبصي ليهم كده كتير؟ هتقرأي كل دول إمتى؟ شادية وهي بتحضنهم ردت:
"دول عمري يا مرزوقة، كل كلمة فيهم أنا عشت قصادها عذاب كتير من حرمان، شوق، ولهفة سنين. هيوصفوا كل حالي، لأن اللي عيشناه واحد، لكن كل واحد فينا متخيل إن شيلته أكتر من التاني. هقرأهم عشان حب سليم في قلبي يضاعف أضعاف ماهو موجود.. عشان يديني القوة أقف وأتمسك باللي فاضل من عمري وأعيشه معاه... عشان أكون شجاعة وأقف قدام ياسر بكرة وأحكيله حكايتي معاه وأنا عندي قوة في الاختيار. عرفتي أقراهم وأقلب المواجع ليه؟
مرزوقة بنبرة هادية: "بشفق عليكي من اللي هتقرأيه، طب انتي عارفة إنك هتتوجعي ومع ذلك هتقرأيه برضو؟ شادية بتوضيح: "زي بالظبط ما بتشربي الدواء المر، وإنتي عارفة إنه مر عقلك ومع ذلك بتشربيه عشان تخفي، ده بالظبط اللي أنا هعمله، عارفة إن الجوابات دي هتوجعني وتألمني، بس هتخففني وتخليني أتمسك بحلمي وبعمري الباقي." مرزوقة بحماس: "جو أون، اتمسكي وأقوي لأن شكله يستاهل، وربنا يعينك على البيبي اللي مش عايز يكبر ويتفطم منك ده."
شادية بآسي: "عندك حق، للأسف ياسر لحد دلوقتي مش عارف يتفطم مني، تعلقه بيا مرضي يا مرزوقة، رافض إن أي ست تدخل حياته، السبب وهمي في خياله وبس، حاولت كتير معاه بس هو رافض." مرزوقة اتغيرت نبرتها وقالت بحنان: "مع إن ألف بنت تتمناه، ليه قافل قلبه كده؟
شادية شافت لمعة في عينيها واتمنت إنها تكون واخدة حظ من اسمها الجديد وتجاهد مع ياسر وتخلي قلبه العاصي يرق ويحب، والأهم إنه يعترف بحقه في الحب والحياة. اتنهدت وحكت حكاية رفضه الغير مقنعة، وحست قد إيه إن فيه حاجات كتير مشتركة بينهم، أهمها إحساس الحرمان. اتكلموا مع بعض كتير، لحد ما تعبوا، وقررت مرزوقة إنها زي ما شادية واقفة جنبها هي كمان هتكون سند ليها. خلصت شادية كلام وقالت لها:
"خلاص كفاية كده أنا تعبت، نامي بقى وسبيني أقرأ شوية." ضحكت مرزوقة ومسكت جواب منهم وهزته وقالت: "بس هتحكيلي مكتوب إيه فيهم؟ شادية بتاخده من إيديها وقالت: "بعينك دي أسرار عليا، وممنوع منعاً باتاً تعرفي محتواهم يا عسل." مرزوقة بتمثل الزعل: "اخس عليكي يا شوشو، ويهون عليكي فضولي يموت مقهور كده؟ ضحكت شادية وقالت: "آه يهون ويهون أوي كمان، يلا نامي لحسن أطردك شر طردة وأخليكي تنامي مع هنية."
مرزوقة بتمثل النوم، غمضت عينيها وطلعت صوت من مناخيرها، يدل إنها مستغرقة في النوم، وفضلت تشخر وشادية تضحك عليها، لحد ما سكتت وانتظم صوت أنفاسها، وهنا عرفت إنها نامت واتعجبت إزاي نامت بسهولة كده، ومش معنى إنها مش بتعرف تنام كل يوم من سنين غير بعذاب. فتحت أول جواب عشوائي مسكته إيديها وقرأت أول كلماته... حبيبتي...
وليس لي حبيبة سواها، اليوم الذكرى الأولى على فراقنا.. هل يعقل أن عيناي لم تلمح طيفك حبيبتي مدة عام كامل لم أراكِ إلا في أحلامي ومخيلتي؟! نعم الشهور مرت وستمر بعدها شهور أخرى وأنا في منفاي، أحسب الساعات وأترجاها أن تمر ليقترب موعد اللقاء، وأعود لأراكِ عن بعد، فقد حرمت منكِ للأبد، ولا أعرف متى سيحن عليّ قدري؟ كنت أستمع لمطربك المفضل الذي أحببته من أجلك أنتِ، وصادفت أغنية حين قال تلك الكلمات التي وصفت حالتي بكل براعة..
قولي لي كيف سأنقذ نفسي من أشواقي وأحزاني؟! قولي لي ماذا أفعل فيكِ؟! أنا في حالة إدمانِ قولي ما الحل؟! فأشواقي وصلت لحدود الهذيان قولي لي حبيبتي وسيدة فؤادي ماذا أفعل في روحي التي تهواكِ، وقلبي الذي يتمزق ألماً من طول فراقك؟! قولي لي كيف أستطيع أن أتنفس أنفاساً غير أنفاسك حبيبتي؟ قولي لي كيف تغفو جفوني؛ وأنتِ ليست بجانبي ترقدين؟ قولي لي كيف قلبي يهدأ من ثورانه؛ وأنتِ ليست بين ذراعي تنعمين؟
قولي لي كيف استطعتِ أن تعيشين حياتك؛ وأنا ليس بداخلها؟ قولي لي كيف هربتي بذكرياتك ورحلتي؛ وكأن لم أكن يوماً في وتينك؟ لقد تعب القلب من كثرة البعاد. وسئمت الروح من طول الانتظار. أما حان الأوان للقاء الأحباب؟ كم أنت مشتاق يا قلبي لرؤية الحبيب؟ كم مضى من العمر، وأنا مازلت متلهفًا لكِ يا ضي قمري الذي أحلم أن ينور ليلي وأنتِ بجانبي..
أعلم أن القدر كتب علينا بالفراق، لكن ماذا أفعل يا معذبتي في قلبي الذي يعشقك ومازال بداخله أمل أن يلقاكِ في يوم، ولا ييأس من هذا الأمل، فـ إيماني بالله أقوى من أي بشر. غمضت عينيها بتعب، ولم تشعر بكم الجوابات اللي قرأتها بدون ملل، بل بحر دموعها المتساقط هو اللي خلاها تنتبه. سمعت صوت مرزوقة اللي قلقلت من نومها واتفاجأت إنها لسه صاحية وقالت:
"إنتي لسه بتقرأي من ساعتها، الفجر على وشك يأذن يا حبيبتي حاولي تريحي عينك شوية، والأيام قدامك هتخلصيهم، لميهم ربنا يهديكي، وتعالي نتوضأ عشان نصلي الفجر، وادعي ربنا يصلحلك الحال."
مسحت شادية دموعها ولمت الجوابات، وقامت عشان تتوضأ، ولبست أسدالها وأول ما خلص المؤذن صلوا وكل واحدة لجأت لرب العالمين ودعت باللي جواها. ومرزوقة وهي بتدعي إن ربنا يقف معاها وتحقق حلم حياتها، جه في بالها ياسر، وافتكرت نظرة الحزن اللي شافتها. لقت نفسها بتدعي له من قلبها ربنا يهديه وينور بصيرته، ويحنن قلبه على شادية، صاحبة القلب الطيب، ونطق لسانها إنه يرزقه ببنت الحلال اللي تسعده. حست برعشة في قلبها وهزة غريبة معرفتش
سببها. خلصت صلاتها وقعدت شوية على السجادة تكمل دعاء وينجح الفيلم وتعبها ميروحش على الأرض، وبعدين قامت مع شادية وناموا، وكل واحدة حاولت تغمض عينيها لكن عقلها رفض أبداً يستسلم، وفضل يشتغل ويفكر كأن كل الأحداث بتتعاد من تاني، واللي مسيطر على عقلها شخصية وتركيبة ياسر المعقدة، الحنونة، الغيورة أوي على أمه، وفضلت تتخيل رد فعله بكرة هيكون إيه، وتصورت أكتر من سيناريو، لكن بما إنه هو الكاتب المبدع محدش بيعرف يتوقع رد فعله
هيكون إيه؟
ودايماً بيخلف كل التوقعات، فقررت تسلم أمرها وماتفكرش، وتتفرج بكرة هيحصل إيه؟ وكان حال شادية لا يقل عنها في حاجة بل بيزيد إنها متوقعة ردّه، وشوية وهدأت الأنفاس واستقرت وغاصوا الاثنين في النوم.
قامت من نومها سعاد في معادها، ولاحظت إن شروق مراحتش شغلها النهاردة. دخلت تصحيها وعرفت إنها مش هتنزل، واخدت إجازة. خرجت وسبتها تكمل نوم ورتبت بيتها وحضرت الفطار ليها، وفكرها مشغول ببنتها اللي اتأخرت أوي ومش متعودة تنام لحد دلوقتي. حست إنها في مشكلة وكتر النوم ده هروب مش أكتر، فدخلت تاني ونادت عليها: "شروق، فوقي يا قلب ماما، إنتي هتقضي اليوم كله في النوم ولا إيه؟ قومي اقعدي معايا."
فتحت شروق عينيها الوارمة من كتر البكا طول الليل وقالت بصوت نعسان: "معلش يا ماما سبيني أنام شوية كمان، مش قادرة أقوم، عايزة أنام." سعاد وهي بتضرب كف على كف قالت: "براحتك يا بنتي، ولما تحبي تتكلمي تعالي هتلاقيني كلي أذان صاغية، بس النوم مش حل نحل بيه مشاكلنا."
قالت آخر كلماتها وطبطبت عليها وخرجت، غمضت شروق عينيها بوجع، وحطت المخدة فوق راسها وحاولت ترجع لعالم الهروب اللي بترمي فيه كل همومها وأحزانها جواه، في محاولة إنها تنسى أحزانها، وترسم عالم تاني وخيال بعيد عن واقعها المر. دقايق وكانت أبْحرت بداخل خيالها وعاشت الحب بكل تفاصيله زي ما بتتمناه، ومش زي ما هو يتمناه.
خرجت سعاد وفكرت تتصل بعماد تسأله، لكن اتراجعت في آخر لحظة، محبتش تصغر بنتها، ولا تتدخل بدون ما تديها خبر، عشان لو في مشكلة متكبرش، لأنها واثقة إن كتر الكلام والقيل والقال، ماهو إلا توسيع في الموضوع وبيعقده مش بيحله. قررت إنها تستنى وتشغل نفسها في تحضير الغداء عقبال ما هي تصحى وتحكلها كل حاجة.
راحت شيراز الاستديو لبدء أول يوم تصوير في الفيلم الجديد. أول ما دخلت الكل بيقدم التهنئة وبيتسابقوا عشان يلتقطوا معاها الصور، وهي سعيدة وفرحانة بنظرات الإعجاب الشديدة بيها. خلصت كل التهاني، وراحت لغرفة الملابس بتاعتها عشان تجهز لأول مشهد، كانت متوترة جداً خصوصاً إنها بتتصل من امبارح بشروق صاحبتها وفونها مقفول، لأول مرة متكنش معاها وتشاركها فرحة أول يوم تصوير، وده كان معكنن عليها فرحتها. اتصلت بوالدتها، وردت عليها وبلغتها تصحيها فوراً، فدخلت صحتها وأول ما ردت عليها
زعقت فيها شيراز وقالت: "تصدقي إنك معندكيش ريحة الدم؟ شروق بنعاس: "إيه يا بنتي، ما براحة أنا مش قادرة أفتح عيني وإنتي بتزعقي كده؟ شيراز بغيظ: "فوقي بسرعة عقبال ما السواق يجيلك يا هانم ويجيبك الاستديو." شروق بإنتباه قامت قعدت وركزت: "استديو إيه؟ إنتي هتصوري النهارده؟ شيراز بحدة وضيق: "آه ياختي، ما البعيدة بتتصل بيها من إمبارح عشان تكون معايا من بدري فونك مقفول ليه؟ شروق بوجع:
"معلش فيه حاجات كتير حصلت عشان كده قفلته ومكنتش قادرة أكلم أي حد، أنا قمت أهو عقبال ما ييجي هيلاقيني جاهزة، راجعي المشهد عقبال ما أجيلك." شيراز بطمأنينة لحد ما: "أوك يروحي متتأخريش عليا، إنتي عارفة أنا مش بتشجع وبكون واثقة في نفسي غير لما بلاقيكي قدامي وأشوف نظرات الإعجاب في عينيكي وتشجيعهم ليا." شروق بحب: "متقلقيش نفسك وتوتريها، أنا معاكي يا شيري ومش هتأخر عليكي، سلام بقى عشان ألحق أجهز."
قفلت معاها وبعتت السواق ليها، وهي قامت تاخد شور بسرعة، وطلعت تلبس، وحاولت تداري تورم عيونها بالميكب وأول ما خرجت حاولت أمها تتكلم معاها، هربت من أي كلام لأنها مكنش عندها استعداد تفتح في جروح قلبها دلوقتي، أخدت كوباية نسكافيه بسرعة ونزلت لتحت لما رن عليها السواق اللي بعتته ليها شروق.
شيراز انتهت من عمل الميكب آرت للشخصية، وقعدت تقرأ في أول مشهد هتمثله، دخل رجل الأعمال المشهور سامي جابر اللي اتجه للإنتاج الأفلام المقاولات، نظراً للمكاسب السريعة اللي بتحققها وعلى وشه مبتسم. قرب من شيراز وقبل إيديها وقال: "نجمتنا القمر اللي منورة سماء الاستديو بتاعنا جاهزة؟ ابتسمت شيراز وحاولت تخبي توتر أول يوم تصوير، وردت: "آه جاهزة، بس ممكن بس نستنى في حد مهم منتظراه؟ سامي:
"يا ست الكل كل دقيقة بتمر أنا بدفع قصادها آلاف، الوقت مهم جداً، والمخرج بره شايط في الكل، يلا اطلعي خلي اليوم يعدي على خير." بصت في ساعتها وبعدين اتصلت بشروق اللي ردت وقالت: "والله في الطريق بلاش توترك ده مش حلو، بس الطريق زحمة جدا، شيري دي مش أول مرة هتقفي فيها قدام الكاميرا، فين ثقتك بنفسك يا بنتي، سمي الله كده وربنا هيكرمك، وأنا مسافة الطريق وهكون عندك." شيراز بخوف:
"مش عارفة أسيطر على نفسي خالص يا شروق، وجودك جنبي بيديني دفعة وطمأنينة، إنتي الوحيدة اللي بهتم برأيها لأني متأكدة إنك مرايتي ومش هتجامليني أبداً، حاسة إن فيه حاجة ناقصاني، وإنتي الحاجة دي يا أجمل صديقة، بصي كل شوية بيستعجلوني أنا هطلع دلوقتي وربنا يستر." شروق: "موفقة يا روحي بإذن الله." فقلت وخرجت وأول ما المخرج شافها قال: "إيه يا آنسة بنادي على حضرتك بقالنا ساعة، لسه مجهزتيش؟ شيراز بتوتر:
"لأ أبداً يا أستاذ أنا جاهزة يلا نبدأ." المخرج أصدر تعليماته للممثلين وظبط وقوفهم، وقال كلمته الشهيرة: "أكشن." انطفئت الأضواء، والسكون عم الاستديو، وتوجهت الكاميرات على شيراز والبطل اللي واقف قدامها، وأدت المشهد بقلب بيرتجف من الخوف، صوت مهزوز، زي ما تكون أول مرة تقف قصاد كاميرا تصوير، وأداءها غير متوقع. خبط المنتج سامي إيده على رجله بآسف، والكل وقف لما المخرج زعق بكل صوته وقال:
"استوووووب، إيه القرف ده، زفت يا آنسة..!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!