الفصل 12 | من 44 فصل

رواية العسقلة الماكرة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ايمان كمال

المشاهدات
19
كلمة
4,429
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

المخرج أصدر تعليماته للممثلين وضبط وقوفهم، وقال كلمته الشهيرة: أكشن. انطفأت الأضواء، والسكون عم الاستديو، وتوجهت الكاميرات على شيراز والبطل اللي واقف قدامها، وأدت المشهد بقلب بيرجف من الخوف، بصوت مهزوز، أداء غير متوقع. خبط المنتج سامي إيده على رجله بأسف، والكل وقف لما المخرج زعق بكل صوته وقال: استوووووب! إيه القرف ده؟ زفت يا آنسة!

بصت شيراز بدموع عينيها اللي نزلت شلالات مش بتقف، واتحرجت جداً ومقدرتش تنطق من كسفتها قدام الكل. جريت بسرعة لغرفتها وجواها كسرة أول مرة تحس بيها، فضلت تبكي لوحدها. أخيراً وصلت شروق، وأول ما وصلت سمعت اللي حصل، وراحت بسرعة على المخرج زياد الزناتي، وقالت له: مساء يا أستاذ زياد. زياد بضيق رد السلام. حست بضيقه فردت: أنا سمعت اللي حصل، معلش ممكن بس حضرتك تديني ربع ساعة أراجع مع شيراز تاني المشهد ونبدأ؟

وأوعدك إنك هتتفاجأ وهتكون مبسوط من أدائها. زياد وهو بينفخ سيجارته بضيق: تمام يا شروق، ربع ساعة وهنبدأ. شكرته بشدة وراحت جري عليها، دخلت لاقتها مفطومة من العياط، أخدتها في حضنها كأنها أمها مش صاحبتها، وبعدين خرجتها من حضنها وقالت: بس كفاية دموع، العيون الحلوة دي اتخلقت عشان تتزوق مش للبكا، يالا امسحي عيونك وظبطي مكياجك بسرعة، وتعالي نراجع.

سكتت وقالت بتحدي: أنا عايزة أشوف إبداع شيراز وهي بتمثل، مش هتنازل عن ده، أنتي قدها، ومتقليش من ثقتك بنفسك، عايزة البلاتوه كله إيديهم توجعهم من كتر ما بيصفقوا ليكي. شيراز وهي بتمسح دموعها، وظبطت شكلها، وشربت شوية مية، مسكت تاني السيناريو وراجعته مع شروق اللي قامت بدور البطل، واقتنعت بأدائها وبعدين أدتها دفعة قوية وخرجوا عشان يأدوا المشهد.

وقفت قدام الكاميرا تاني لكن بشكل وثقة مختلفة عن اللي فاتت، هي كانت محتاجة لدعم وإحساس بأعز صديقة ليها، واتحولت لما شعرت بوجودها. بدأ زياد تصوير، والجميع مركزين، أدته شيراز بإبداع. ولما انتهى مع صياح المخرج باستووب، أضاءت الأنوار وصفقوا ليها جداً، تهلل وشها بالفرح والسعادة، وجريت عليها شروق بكل حب تهنيها على تمثيلها، واتقدمت من زياد اللي قالها: أيوه كده، هو ده التمثيل اللي كنت عايزه ومتوقعه منك يا شيراز.

ابتسمت برقة وقالت: ميرسي يا أستاذ زياد، ويارب أكون عند حسن ظنك دايماً. سامي المنتج قرب منها ومدح في أدائها وقبل الأيادي، وعزم الفريق كله على حفلة عشاء في فيلته بمناسبة بدء تصوير. وبعد كل التهاني، كملوا تصوير باقي المشاهد المتفق عليها. ***

بعد ما انتهوا من الفطار، قامت شادية عشان تاخد قهوتها تشربها في أوضتها، كانت لاخر لحظة بتهرب من مقابلة ياسر اللي شكله كان غني عن أي كلام. اللي يشوفه يقسم إنه زي الطير المدبوح وبيفرفر وبيتمتى الموت ومش طايله، لكن مع كل أسف محدش حاسس باللي جواه، وممكن الكل يقول إنه مبالغ في شعوره، بس في الحقيقة دي شخصيته وتركيبته؛ لما بيحب حد بيكون ليه بكل كيانه، وعيونه مش بتشوف حد غيره، وبيكتفي بيه عن العالم كله، وده اللي معذبه لأنه مش عايز أمه تفارقه ولا حد يشاركه في قلبها.

كتم اللي جواه ودخل مكتبه وقال لمرزوقة تسبقه بالقهوة هناك. دخل ومسك روايته، وحاول يدخل في أحداثها ويفصل عن كل حاجة ويركز في شغله، وابتدى يتكلم مع مرزوقة، ويعلمها إزاي الشخصية هتتطور من كونها فلاحة بسيطة لسيدة مجتمع وصاحبة شركات ليها اسمها. كانت بتسمعه بتَمعن وتركيز شديد، باصة لعيونه العميقة الحزينة، قلبها حس بيه وبوجعه، لكنها مقدرتش تعمل حاجة تخفف عنه حزنه، فقررت تركز عشان متغلطش والحكاية مش ناقصة.

خلص حكاية البطلة كلها، واتناقشت معاه في كل تفصيلة، خلته مستغرب جداً من تفكيرها، وإزاي واحدة زيها هتفكر وتتكلم كده؟ مهما كانت التدريبات اللي بتاخدها، ومجهود أمه معاها؟ لكنه مفكرش كتير وجاوبها على كل أسئلتها.

وبعدين قال: كده يا مرزوقة، أنا شرحتلك كل حاجة، دلوقتي هتقراي المشهد ده، وأنا هرد عليكي كأني البطل قدامك، ومتنسيش لازم ردك يكون قوي، وبحدة. متنسيش أبداً إن الراجل ده اتخلى عنك زمان، وسخر من مشاعرك، ودلوقتي لما بقيتي غنية رجع يقدم فروض الولاء، فهماني؟ مرزوقة بثقة: فهماك جداً يا أستاذ ياسر، يالا نبدأ وربنا يستر.

أخدت مرزوقة نفس عميق وخرجته بكل هدوء، وسمت الله ومسكت السيناريو وغمضت عيونها عشان تركز، وبدأت تقرأه بكل تركيز، وياسر يرد عليها، وهي ترد وهكذا... حتى انتهى المشهد اللي اتفوقت على نفسها، وخلت ياسر الابتسامة منورة وشه ومسكها من كتفها وقال: مدهشة يا مرزوقة، برافو عليكي، أنتي ممتازة، فوقتي كل توقعي بصراحة. مرزوقة وعيونها بتلمع من السعادة لرأيه قالت بفرحة: البركة فيك أنت.

ياسر بتأكيد: لا البركة في موهبتك الفطرية، وأنا مهما اشتغل وانتي مش موهوبة عمر ما هيجيب نتيجة أبداً. دلوقتي مطلوب منك هنعيده بس بعد ما تحفظيه، مستعدة يا بطلة؟ مرزوقة وهي بتعدل في ياقة الشيميز اللي لابسه بكل فخر وردت: جاهزة يا أستاذ، اديني بس هبابة أحفظه. غمض ياسر عيونه وكشر، وأدعى العياط وقال: هبابة يا مرزوقة، أنتي كل ما بتحسسيني إنك بتتقدمي، ترجعيني تاني ألف خطوة، ارحمي أمي التعبانة يا مرزوقة والنبي. مرزوقة

بتهز في راسها بفخر قالت: دي جزء من شخصيتي يا أستاذ ياسر، وبتفرض نفسها عليا، بس لا تقلق أنا هبهرك بفضل الله. قالت آخر كلامها وهي مضيقة في عيونها، وأديها بطبطب على كتفه بتأكيد، خلته ابتسم على شكلها ولسه هيرد، لمح دخول شادية وهي لابسة ومستعدة عشان تخرج وقالت: ياسر أنا رايحة المستشفى آخد الحقنة. ياسر بانتباه قال بحده واعتراض: لا مش هتروحي لوحدك المرة دي، أنا هوصلك.

شادية في محاولة للهروب: خليك مش هتتأخر وأنت كمل شغلك مع مرزوقة. ياسر باعتراض: تستنى الدنيا مطارتش، ثواني هطلع أغير هدومي وأنزل على طول. سابها وطلع من غير ما يستنى ردها، وأول ما اختفى قعدت على الكرسي بغيظ وفضلت تنفخ. قربت منها مرزوقة وقالت لها: معلش غيران عليكي، اتصلي بيه وبلغيه إنه هيجي معاكي بسرعة قبل ما ينزل. شادية مسكت فونها ورنت عليه بسرعة، رد من أول رنة وقال: روح قلبي وحشتيني أوي، اتأخرتي عليا ليه؟ شادية وعنيها

بتبص على السلم لحسن ينزل: معلش يا سليم كنت جاية بس ياسر صمم يوصلني، قولت أقولك عشان متتفاجئش، مش هقدر نقعد مع بعض، تتعوض مرة تانية. سليم وهو بينفخ: اوف يعني معرفتيش تهربي منه خالص؟ شادية بضيق: خالص، ده أنا لسه لحد دلوقتي لسه محكتش معاه ولا صارحته. سليم بوجع: ولحد إمتى يا شادية؟ شادية لسه هترد لمحت نزول ياسر، فاعتذرت له وقفلت بسرعة.

نزل ياسر واخدها وراح للمستشفى، وطول الطريق ساكتين، كل اللي بينهم نظرات وأسئلة ملهاش أي ردود. وصلت ودخلت فوراً بعد الحالة اللي خرجت، وهو دخل معاها، وكانت عينه زي المكرسكوب اللي مركز في كل نظرة وحركة بينهم. شاور سليم ليهم يقعدوا، جاهد نفسه إنه يهرب من عيونها اللي بتقدم له ألف اعتذار. أمر المساعدة تجهز الحقنة وأخدها ورا الكنافان يدهلها. همست له قالت بحب: سامحني، غصب عني والله.

رفع عيونه بألم ورد: خلاص يا شادية، مفيش داعي للاعتذار، أنا اتعودت منك إني دايماً أكون رقم اتنين في حياتك. خلص كلامه وخرج سابها موجوعة بينه وبين ابنها، كل واحد بيشد فيها من ناحية ومحدش حاسس بيها. قامت وقفت وخرجت بعد ما شكرته، وياسر مسكها وضمها من كتفها بتملك، كأنه بيوصل لها رسالة مع نظرة تحدي قوية بتقول له إنها ملكي أنا ومش مسمح لك أبداً تقرب من ممتلكاتي. وخرج ركب العربية،

وسألها: الحقن دي مريحاكي يا ماما، ولا نشوف دكتور غيره، أو نسافر حتى بره مصر لو لزم الأمر؟! شادية بنظرة رضا قالت: لا يا حبيبي مش مستاهلة، الحمدلله حاسة بتحسن كتير، وكمان ماشية على العلاج وإن شاء الله يجيب نتيجة حلوة. ياسر بحب: يارب. ***

خلصت شيراز كل تصوير مشاهدها النهارده، وغيرت هدومها واخدت شروق روحوا بيتها عشان تستعد لحفلة العشاء. رفضت شروق إنها تروح معاها، لكن تحت ضغط منها وافقت واتصلت على والدتها وبلغتها. واختارت شيراز لبس مناسب تحضر بيه. ولاحظت برغم إنها أدتها دفعة وثقة، لكن وشها مطفي وحزين. مسكتها وقعدتها قدامها وضغطت عليها وصممت إنها تتكلم وتحكي ومتخبيش عنها حاجة.

حست شروق إنها أخدت كارت مرور عشان تعدي منه كل أوجاعها وتخرجه من صدرها اللي كاتم على روحها، كانت مضغوطة أوي، مش قادرة تتحمل خذلانها من حبيب قلبها، وإنه هان عليها بالشكل ده. فضلت تحكي وصوت شهقاتها بيعلى لدرجة خلت شيراز تشاركها آهاتها. بعد ما خلصت ضمتها في حضنها

وطبطبت عليها وقالت بحزن: والله العظيم ما يستاهل دمعة واحدة من عيونك، احمدي ربنا إنه ظهرت طباعه قبل ما تتجوزي وتعيشي معاه في عذاب، وتتحولي مع الوقت بلا شخصية ولا كيان. عشان خاطري أنا وحياتي عندك ما تبكي، مقدرش أشوفك كده أبداً، شروق أنتي متعرفيش أنتي بالنسبالي إيه؟ وربنا أنا واثقة إنه شيلك نصيبك اللي هيعوضك بيه وهيديكي الأحسن، وبكرة تقولي شيري قالت، ابتسمي بقى شكلك وحش وإنتي عيوطة كده.

ابتسمت شروق وقالت بوجع: أنتي معاكي حق في كل كلمة، بس اللي وجعني بجد إنه حتى مفكرش يصلح اللي قاله، كأنه ما صدق إن اللي بينا ينتهي بسرعة كده، ولا حتى يوصل لنقطة تلاقي بينا تشبث برأيه وأنانية وأخدته عنجهيته. مش قادرة أصدق يا شيراز إن ده عماد اللي فضلت أحبه سنين، إزاي اتغير واتشقلب حاله بالشكل ده، واتحول كده؟ شيراز بهدوء وهي

ماسكة منديل وبتلمح دموعها: للأسف أنتي بس اللي شايفاه اتغير واتحول، لكن في الحقيقة هو كان كده طول عمره، وياما قولتلك هو بيحب يسيطر عليكي بشكل كبير، وبيحب كلمته هي اللي تمشي، وكل ما تتحركي في حتة لازم تاخدي إذنه وتعرفيه، وليلتك تبقى سودا لو عرف إنك خرجتي من غير ما يعرف!! فاكرة دايما ردك كنتي بتقولي إيه؟ "وفيها إيه لما أسمع كلامه وأستأذنه، هو بيخاف عليا وبيغير، وده من كتر حبه فيا." فاكرة ولا نسيتي؟

شروق منزلة عيونها في الأرض بخجل من تفكيرها زمان،

هزت راسها وقالت: فاكرة، كنت صغيرة وهبلة وبصدق أي كلمة يقولها، وتأثيره عليا كان سهل، ومكنتش بحب أزعله مني، واتجنب أي مشكلة تحصل. لكن دلوقتي خلاص تعبت من تدخله في كل كبيرة وصغيرة، وإني أطيعه طاعة عمياء من غير ما أعترض ولا أبدي أي رأي ياخده. مقدرتش أتحمل فكرة إنه يلغي وجودي. خوفت لو اتجوزنا وخلفنا أفقد السيطرة على ولادي، ولما يشوفوا تعامله معايا يبقى ماليش كلمة عليهم، واحترامهم يقل مع الوقت ليا، وأتحول في بيتي لمجرد شغالة بلقمتها الصبح، وزوجة لحضرته بليل. الفكرة في حد ذاتها كانت بتقتلني؛ عشان كده أخدت أصعب قرار في حياتي معاه، وهو إني أحترم نفسي وكياني.

شيراز كانت بتسمعها برغم وجعها عليها؛ إلا إنها كانت فخورة بصديقتها إنها قوية وشجاعة وقدرت تبص للموضوع من منظور تاني خالص، وتشوفي مستقبلها معاه شكله هيتحول إزاي مع الوقت، عشان كده هي أخدت القرار السليم. وقفت

ومسكتها من إيديها وقالت: أنتي صح يا شروق، هتتوجعي دلوقتي شوية وتخفي، أفضل ألف مرة من إنك تتوجعي ويستمر الوجع سنين قدام. الحب وحده مش كفاية إنه يسعدك، في حاجات كتير أوي لازم تتوافر معاه، أهمها الاحترام والتقدير بينكوا، وأنتم بس اللي كنتوا بتقدروا وتحترموا. اعتبريها صفحة من حياتك وقطعتيها، وارميها ومتفكريش فيها تاني، وبإذن الله ربنا هيبعتلك اللي يستاهلك ويستاهل قلبك الطيب، وممكن بقى متكلميش في الموضوع ده تاني، وتعالي معايا عشان أظبطلك وشك اللي بهدلتيه بعياطك ده، عايزين نلبس ونجهز.

حضنوا بعض بحب، فكل واحدة كانت نعم السند والعون للتانية. علاقتهم كانت جميلة برغم الفارق المادي بينهم، لكن حبهم لبعض عمره ما كان عائق أبداً في علاقتهم اللي استمرت سنين دراسة وكمان بعدها. مر الوقت وجهزوا وراحوا الحفلة اللي كانت مليانة مشاهير كتير من كل الوسط الفني، بالإضافة للصحفيين اللي كتبوا عن الحفلة ودعاية للفيلم. شاركت شروق صديقتها في كل الصور، متشبثة بأيديها عشان متفارقهاش، لأنها عارفة إنها مش بتحب الجو ده، لكنها حبت تخرجها من اللي هي فيه وتخليها تغير جو. كانت شيراز زي النجمة بتضوي في كل مكان تروحه وتخطف الأنظار من جمالها، وسحر رونقها ولباقتها، فكانت محط كل أنظار الجميع، وهي بتوزع ابتسامتها عليهم.

*** مر ساعات كتير من ساعة ما رجع ياسر الفيلا وهو شغال مع مرزوقة بيحفظها الدور وبيمثل معاها، لدرجة إنها في كل مرة بيزداد إعجابه بيها أوي. شادية كانت في أوقات كتير قاعدة معاهم بتتفرج على أدائها وبتشجعها، لحد ما مرة واحدة مرزوقة وقفت وحست إنها هنجت وقالت بصوتها العالي اللي اتحولت فيه: خلاص بكفاية كده مش قادرة، عصافير بطني وجعتني من كتر ما بتصرخ يا عالم، هموووت من الجوع يا كفرة ارحموني هبطت. قامت شادية وقربت منها وحطت

إيديها على بقها وقالت: اسكتي فضحتنا الله يخرب مطنك، اتسدي هنأكلك يا مفجوعة. ياسر وهو بيضرب كف على كف قال: سيبك منها يا ماما، هي كده يعني مش عارفاها بتتحول أول ما الكلاب المسعورة ما بتهو في بطنها. اطلبي من هنية الأكل بعد إذنك، وأنتي يا ست المفجوعة راجعي المشهد ده واحفظيه عقبال ما الأكل يجهز. مرزوقة حطت الرواية على المكتب بعنف، وبصتله وقالت بصوت عالي

متقمصة شخصية مرزوقة وقالت: لأ مش بعرف أركز ولا أحفظ حاجة وأنا عوجانة، بفقد كل حواسي وأنا جعانة، وأنتوا عارفين أكده، أكولوني واملى التانك بتاعي وبعدين نتكلم، غير كده معرفش. ياسر بتنهيدة: أنتي مفيش فايدة فيكي، قومي ادخلي المطبخ يا فضاحنا اتسلي بأي لقمه لحد ما تغرف هنية الأكل. مرزوقة بفرحة طفلة جريت وقالت: أيوه هو ده الكلام، مش تقولي أحفظ على معدة فاضية، طب تيجي إزاي دي يا هندسة.

قالت كلامها وضحكت ضحكتها الهبلة واختفت عن عيونه، وفضل مبتسم عليها، واستغرب إن في إنسانة قدرت بكل بساطتها تخطف منه ابتسامة، وتنسيه همومه في وجودها. اتعجب من تفكيره بالشكل ده!! هو من إمتى ممكن يتأثر بحد خصوصاً من جنس بنات حواء؟

لأ مستحيل هو بس معجب باللعبة اللي بيشكلها ويلونها زي ما هو عايز مش أكتر. آه هو كده بالظبط ومفيش حاجة أكتر من كده، ده اللي توصل إليه ياسر بعد صراع مع عقله وقلبه، إن مرزوقة بالنسباله حالة أو لعبة، وتحدي ولازم ينجح فيه مش أكتر. فاق على صوتها بتناديه وهي قاعدة على ترابيزة السفرة وبتقول: يا أستاذ ياسر تعالى ياللي تلحق الأكل يا مش هتلحق، أنا مش مسؤولة أنا بقولك أهو. سمع صوتها العالي

راح لعندها وبحده قال: مليون مرة قولتلك مش بحب الصوت العالي، لازم تتعودي تتكلمي برقة وصوت واطي، هفضل أقول كده لحد إمتى بس؟ مش معقول يا مرزوقة اعملي كنترول على صوتك شوية. مرزوقة سابت ورك الفرخة اللي بتاكله وحطته قدامها وقالت: الحق عليا عايزة أك تيجي تاكل، هتفضل تزعق كده ولا هتقعد تاكل؟

ولا عايز تسد نفسي وأقوم من على الترابيزة وأسيب الفرخة الحلوة دي، لأ معلش أنت لو عملت إيه أنا قتيلة الفراخ المشوية دي، فياريت توفر الكلام وتسيبني أفصصها بلذاذة، والنهاردة بحق التعب اللي شفته طول النهار، سيبوني آكل براحتي من غير ما حد يقولي اتيكيت ولا كتاكيت.

شادية مقدرتش تمسك نفسها من أول حوارها وفسطت على روحها من الضحك، وده خلى ياسر يضحك معاها برغم اللي شايفه منها وهي بتلتهم الفرخة بوحشية كأن بينهم طار بايت، وقال في نفسه فعلاً الجوع كافر، وقعد وبدأ ياكل معاهم وعينه كل شوية تحفر ذكرى حلوة مع مرزوقة في ذاكرته، وفضلت تاكل من غير ما تتكلم لأنها فعلاً كانت جعانة أوي.

ومرة واحدة زورت واللقمة وقفت في زورها بسبب عضمة من الفراخ، ناولتها شادية بسرعة كوباية مية تشرب، لكن معملتش حاجة ومش قادرة تاخد نفسها، وشها ابيض، وفضلت تشاور ليهم بأنها مش قادرة تاخد نفسها. قام ياسر مخضوض عليها وقلبه ارتجف خوف وفضل يضرب على ظهرها مرة ورا مرة عشان تعرف تتنفس ونزلت العضمة الصغيرة اللي كانت واقفة، وفين بعد كام محاولة عرفت وقالت: يانهاري كنت هموت فطيس، أكيد الفرخة دي حد داعي عليها إنها تقع تحت إيدي.

ياسر بعد ما خد نفس قال: لا وأنصت الصادقة ده من طفاستك كنتي هتروحي في توكل، في حد ياكل بالسرعة دي، وميمضغش الأكل كويس، أنتي يابنتي بتزلطيه من غير مضغ ومش عايزة تزوري. مرزوقة ضيقت عينيها وقالت: أنا عرفت دلوقتي مين اللي مركز معايا وباصصلي في اللقمة، سديت نفسي، اديني قايمة. ياسر بيضحك: لا والله تعالي كوليني يا مرزوقة، ده أنتي خلصتي الأطباق ومسحتيهم. شادية باعتراض ولوم قالتله: بالف هنا يا ياسر في إيه، البنت جعانة وأكلت.

مرزوقة بحب: تسلميلي حبيبتي، قوليله والنبي لحسن هيعد عليا الأكل، هروح بقى أدور على حاجة حلوة في المطبخ، لحسن حاسة إني هفتانة ونفسي في حاجة مسكرة، أنتوا عندكوا حاجة مسكرة ولا أطلب دليفري؟ ياسر بص لشادية بذهول وقال: يخربيت سنينك هو لسه عندك مكان لحاجة مسكرة، ارحمني يارب. مرزوقة وهي حاطة إيديها على بطنها وبتخبط عليها قالت: لا تقلق البير غويط وعاملة حسابي للحلو وللمشروبات، كمل أكلك عقبال ما أروح أحلي أنا. بص ياسر للأطباق

اللي اتمسحت وقال بهمس: هو أنتي سبتلنا حاجة ناكلها يا بنت المفجوعة، وكمان دخلتي تخلصي على الحلو، والمصيبة مش باين عليها كل اللي بتاكله ده. شادية: وده أحسن حاجة فيها، بتاكل ومش بيبان عليها، هقوم أجيب لك أكل من جوه عشان تكمل. ياسر بيقعدها عشان متقومش: لا خليكي أنا أصلاً شبعت بس حبيت أنكشها. سكت عشان يجمع كلامه وبعدين قال: مش هتحكيلي مخبية عني إيه، وكنتي فين لما غيبتي؟

شادية بتبلع ريقها وقالت: هحكيلك خلاص مفيش داعي للهروب أكتر من كده، لأنك مسيرك هتعرف، تعالى ندخل جوة عقبال هنية ما تجيب القهوة، وتلم السفرة. نادت على هنية، وشالت السفره وراحت تحضر القهوة، وجبتها بعد ما خلصتها في المكتب، كانوا قاعدين، ومسكت فنجانها وابتدت تشرب منه،

وبعدين قالت له: ياريت يا ياسر مهما تسمع اللي هقوله متزعلش ولا تتأثر، وحاول تفهم وتستوعب، إن مهما يحصل مستحيل حاجة ممكن تأثر على علاقتنا ببعض أبداً، أنتي هتفضل طول عمرك ابني البكري اللي مشلتهوش بطني. ياسر ضم بين حاجبيه مستغرب مقدمتها للكلام، فسألها: وضحي كلامك يا ماما، مستحيل حاجة تأثر علينا، أنا مليش في الدنيا دي كلها غيرك أنتِ، ارجوكي اتكلمي من غير مقدمات.

شادية رفعت كوباية مية تشربها، تبلل بها شفتها وحلقها اللي نشف، وابتدت تحكي قصتها مع سليم من أيام كانت لسه بنت صغيرة بضفاير على ظهرها ومتعرفش حاجة في الدنيا غير حب سليم، وعشانه كانت ممكن تبيع كل العالم وتختاره عشان تعيش معاه، وإزاي القدر لعب لعبته وخلاها تضحي عشان يعيش سعيد، والصدفة اللي جمعتهم ببعض، وكل الحقايق اللي انكشفت والمؤامرة اللي حصلت. كانت بتتكلم والوجع واضح في نبرة صوتها، وعيونها اللي ماسكاهم بالعافية عشان مينزلوش وتضعف قدامه، بس كان باين له كمية الحب اللي حاسس بيها، والألم اللي شايفه وسامعه في كلامها، صعبت عليه منكرش، لكن نفسه صعبت عليه أكتر...

حس مرة واحدة إن المكان فضي من حواليه وهو واقف وحيد، بردان، اتعرى مرة واحدة من بعد ما كان دايماً دفيان بحبها، فجأة بقى خالي وفارغ من غيرها، مصدر أمانه اختفى.. أو عايز يبعد ويمشي. بصلها بقهر ودموع بتلمع واقفة على باب جفونه وبتهدده إنها هتنزل مهما يحاول يسجها داخل محرابه، مهتمش بكل اللي حاكته، غير بس إنها عايزة تعيش حياتها بعيد عنه، وإن في راجل استوطن قلبها وأعلنتها صريحة قدامه، يمكن زمان كان حب خفي ما يعرفش بيه ولا حس بوجوده، لكن دلوقتي بقى حقيقة واضحة وظاهرة وضوح الشمس. قرب منها واتقابلت عيونهم في مواجهة صعبة عمرها ما اتخيلت في يوم تقف في الموقف ده، وقالها بكل القهر اللي جواه....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...