الفصل 31 | من 44 فصل

رواية العسقلة الماكرة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ايمان كمال

المشاهدات
19
كلمة
4,250
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

لسه هترد عليه لكن سمعت صوت خبط عالي. الكل بص للباب واتخض. تحرك ياسر عشان يفتح، ولما فتح اتصدم واتسمر مكانه لما شاف امه وسليم واقفين قدامه. اول ما شافت شادية صدمته ضحكت وحضنته بحنان وقالت: إيه يا ياسو هتفضل متنح كده كتير؟ اوعى تكونوا فطرتوا من غيري. ازعل.

ياسر استوعب انها حقيقة قدامه، حضنها وفضل يبوس فيها أوي كأنها كانت غايبة عنه بقالها سنين مش ساعات الليل بس. كانت وحشاة لدرجة رهيبة. دلوقتي بس حس ان روحه اتردت تاني بمجرد ما شافها. خرجها وقال وهو بيمسح دمعة فرت من عينه: هو أنا أقدر أفطر من غيرك يا ست الحبايب، والله ما تتبلع أبداً. شادية طبطبت على خده بحنانها المعتاد، واتحركت معاه.

سليم شايف مدى العلاقة بينهم وكل شوية استغرابه بيزيد من ياسر أوي. في كل تصرف وموقف مع شادية بيتعجب إزاي راجل كبير تقارب على الثلاثين من عمره، قدامها بيحس إنه طفل لا يتجاوز خمس سنين. أول ما شافتها مرزوقة أخدتها بالحضن وباركتلها وقالت: ينفع كده تسيبي بيتك يا عروسة وتيجي يوم صباحيتك، ده إحنا كنا شوية وهنيجي نباركلك. شادية مسكت إيدين سليم وقالت بفخر:

سليم قالي مش هنفطر غير معاكوا. أنا وعدت ياسر إنك تفطري معاه كل يوم، ومقدرش أخلف وعدي معاه. ابتسم له ياسر وشكره. وشادية قعدت في مكانها جنب ياسر، وجوزها جنبها، وابتدوا يفطروا في جو مليان سعادة. وياسر الفرحة رجعت تنور وشه، وأكل لأول مرة بنفس وشهية مفتوحة. وبعد ما خلصوا جابت هنية القهوة كالعادة وسألته شادية: برامجك إيه النهاردة يا ياسو؟ ياسر حط الفنجان في الصينية ورد عليها:

هشرب قهوتي وأروح لمجدي، النهاردة آخر يوم تصوير، وهيبدأ في عمل المونتاج عشان نحدد معاد لنزول الفيلم. في حاجة محتاجها؟ شادية بنفي ردت: مستغناش عنك يا حبيبي، عشان بس أستناك على الغدا. ياسر قام عشان يستعد إنه يخرج ورد: أنا مش عارف والله هخلص إمتى يا ماما، ممكن نخليها عشا لما أرجع. شادية بتفهم: تمام مفيش مشكلة. لما توصل، خد الشاور بتاعك وتعالى عندي نتعشى كلنا مع بعض، الأكل كتير أوي هناك. ياسر وهو بيبوس أديها قال:

حاضر يا حبيبتي، أشوفك على خير. سلم على سليم واتمشى معاه بعيد عنهم وهمس في ودنه وهو ماشي: متشكر على ذوقك، وإنك وفيت بوعدك. سليم ابتسامته نورت وشه وقال: متشكرش يا ياسر، اللي محتاج الشكر هو إنت. ولو فضلت أشكرك اللي باقي من عمري مش هوفيك أبداً. إنت بكلمة واحدة منك رديت روحي ورجعتها للحياة بعد ما كنت عايش ميت. اتأثر أوي ياسر بكلامه ودور على أي حروف تسعفه يرد بيها ملقاش، غير إنه قال: ربنا يسعدكم يا سليم.

أول ما ابتدى ياسر يبعد عنها حست إن الهوا اللي حواليها بيخلص شوية بشوية ومش عارفة تاخد نفسها. نادت مرزوقة على ياسر وقالتله بعيون بتترجاه ومش قادرة على البعاد من غيره: هو ممكن أجي معاه يا ياسر؟ فرح قلب ياسر ورقص لطلبها وهز راسه بالموافقة. فجريت بسرعة تجيب شنطة أديها، وسلمت بسرعة على شادية وجريت بفرحة مراهقة هتخرج مع حبيبها للمرة الأولى. قامت شادية وقعدت على مسند الكرسي ولفت دراعها حوالين كتفه. وقربت من وشه وقالت:

تحب نروح عشان تنام شوية يا قلبي؟ خطف سليم قبلة من شفايفها وقالها بمنتهى الهيام والعشق: نوم إيه بس اللي هضيع عمري فيه؟ أنا نمت كتير وشبعت نوم. ودلوقتي مش عايز أضيع دقيقة واحدة عيني متشبعش منك يا شوشو. ده وقت إنجاز الأعمال المتأخرة من سنين مش تقولي نوم. يلا بينا على عشّنا السعيد. ضمها تحت جناحه واتحركوا لفيلتهم والحب مرفرف حواليهم. فاخيراً بعد العذاب داقوا طعم الراحة والحب والهناء.

وصل ياسر الاستديو وكان مجدي جنبه. شيراز بتتفرج على تصوير المشهد اللي تم تصويره. وأول ما لمحتها مرزوقة ملامحها اتغيرت وقالت لياسر في ضيق: هي إيه اللي جابها دي هنا؟ أنا مش قادرة أفهم إيه اللي مخليها تلزق كده لأستاذ مجدي وتحشر نفسها في الفيلم، حاجة تغيظ فعلاً. ياسر بص لها وحاول يهديها من ضيقتها وقال بهدوء: متشغليش بالك بيها، ومتحتكيش بيها خالص. مهما تحاول تستفزك ابتسمي ببرود ومترديش.

جزت على أسنانها بغيظ ولسه هتعترض. بصلها بحدة إنها تنفذ دون اعتراض. سكت. وقربوا منهم وسلم ياسر عليهم وقعدوا جنب بعض يتابعوا التصوير. وأول ما شافتها شيراز نفخت بضيق وقامت من جنب مجدي وقالتله: أنا همشي يا ميجو الجو قلب مرة واحدة بقى حر وخنيق. نبقى نكمل كلامنا بليل يا بيبي. سلام. سلمت عليه وباسته من خده، تحت أنظار مرزوقة المتعجبة من علاقتهم اللي محدش فاهمها، بس التزمت السكوت ولا كأنها بتتكلم. وأول ما

مشيت ميل ياسر عليه وسأله: إيه حكاية شيراز يا نمس؟ ضحك مجدي وغمز له وقال: عصفور جديد وقع في الشبكة. أسيبه يعني يطير. بادله ياسر الضحك ورد: ودي معقول برضو، متبقاش ميجو لو سبته يا نمس. استعد مجدي للتصوير آخر مشاهد الفيلم. وعم السكوت في المكان. قطعت شروق إجازة الجواز وقررت تنزل شغلها، لأنه هو الحاجة الوحيدة اللي هتخرجها من حالة الحزن المسيطرة عليها. قررت تطوي الصفحة دي وتنساها للابد.

الظروف الصعبة اللي مرت بيها علمتها حقيقة عمرها ما كانت هتتعلمها إلا إذا كانت مرت بيها. مين في وقت الشدة اللي وقف جنبها وساندها. ومين اتخلى عنها. ياما ناس كنا فاكرين إنهم أقرب ما لينا، ولما وقعنا ملقناش حد منهم بيطبطب ويواسي. وده بالظبط اللي حست بيه شروق. كانت طول عمرها سند لشيراز ونعم الأخت قبل الصديقة، ولما احتاجتها في فرحها وحزنها ملقتهاش، ولا كأنها كانت في حياتها. فاقت على حقيقة مُرة، لكن برغم حزنها إنما مزعلتش وحمدت ربنا إنها ظهرت على حقيقتها وانكشف قناع الحب المزيف، أحسن ما تفضل مخدوعة ومتوهمه حبها المزعوم طول الوقت.

وصلت شغلها والكل استغرب إنها قطعت إجازة الجواز. مقدرتش تحكي لحد على أي حاجة، وبررت إن جوزها نزل شغله وهي كمان نزلت. العيون مصدقتش والهمسات كترت، لكنها مسمعتش لأي حد وكملت عملها في صمت.

العمل مستمر في انتهاء كل ما يخص فيلم مرزوقة. مجدي وياسر تقريباً مش بيناموا غير لما يطمنوا إنهم بينجزوا كل يوم شوط كويس. كانوا بيسابقوا الدقايق عشان الفيلم يتعرض في المعاد المحدد ويدخل سباق الموسم. ومن الصدف كان فيلم شيراز هيدخل في نفس توقيت عرض فيلم مرزوقة، لكنها كانت مش سعيدة وخايفة جداً، خصوصاً لما المنتج خفض في تكاليف ميزانية الفيلم جداً. وده أثر على جودته وخروجه في أحسن شكل. ملامحها كانت حزينة، والحقد بيزيد كل ما بتشوف شغل مجدي والندم بيحرقها وبيزيد نيرانها مهما حاول مجدي يهديها.

وجه يوم العرض الخاص في كل دور السينما والنجاح اللي حصل كان فوق توقعات كل من المخرج والمؤلف. نال إعجاب الجمهور والكل خرج يتحاكى بأداء الوجه الجديد جهاد لطفي. وتقريباً كل الفيلم وشخصية مرزوقة معلقة في الأذهان، وحقق إيرادات عالية جداً في أول أسبوع. وكان العكس تماماً فيلم شيراز، اللي حضره عدد قليل مقارنة بمرزوقة، فترفع ومكملش السباق. وده خلى شيراز تحبس نفسها في أوضتها ومتخرجش منها ولا حتى تقابل مجدي وتتواجد معاه في أي مناسبة.

كل اللي سيطر عليها إن النجاح ده كله كان من حقها هي وبس، ونسيت إنها هي اللي رفضته. فتحت التليفزيون تتفرج على أي حاجة تخرجها من حزنها. لاقت كل البرامج التيك توك بتتكلم عن سباق الأفلام المعروضة وبترتب المراكز. وأول ما سمعت اسم فيلمها أخد المركز الأول. زاد غضبها. حولت على قناة فضائية تانية لقتها مستضيفنها هي والمخرج والمؤلف بيتكلموا عن الفيلم. قفلت القناة ورمت الريموت وقامت زي الثور الهايج في الأوضة تكسر أي حاجة شايفاها قدامها. بصت لنفسها في المرايا

وقالت بانهيار ودموع: ليه بيحصل معايا كده؟ أنا تعبت في الفيلم وبذلت كل مجهودي عشان ينجح. إزاي حتة الفلاحة الخدامة تحقق كل النجاح ده؟ وأنا الفيلم بتاعي يخرج من تاني أسبوع؟ أنا النجمة شيراز اللي كل المنتجين والمخرجين بيطلبوها بالاسم، تيجي حتة بت مفعوصة تنتصر عليا؟

وقعت على الأرض وفضلت تبكي بانهيار، ومفيش حد يطبطب عليها ولا يواسيها ويسمح دمعتها. افتكرت شروق، اللي ياما كانت أديها بتسبقها عشان تجفف دموعها. حست بفقدانها جداً. بس للأسف مقدرتش تمسك الفون وتتصل بيها. مكنش عندها الجرأة إنها تعتذر وتكلمها بعد اللي حصل. لأن في حاجة اتكسرت في علاقتهم ومستحيل ترجع زي زمان.

مرزوقة السعادة مكنتش سعياها، عاشت الحلم وصدقته، وبفضل مجهودها وموهبتها الفطرية حققته بمساعدة كل اللي حواليها. الكل كان فرحان ليها بالأخص ياسر وشادية، اللي قرروا يجهزوا حفلة كبيرة جداً يعزموا فيها كل كاست الفيلم والصحافة والمخرجين، احتفالاً بنجاح الفيلم. جهزوا كل حاجة في صمت وطلب ياسر من أمه متحسس مرزوقة بأي حاجة، لأنه هيحضر ليها مفاجأة وهيعلنها قدام كل المدعوين. فرحت شادية من قلبها إنه أخيراً غير مبدأه وهيعلن ارتباطه بيها، والسعادة دي خلتها تعمل كل حاجة بمنتهى الحب ليه وليها.

تم تجهيز كل شيء في سرية تامة. لف ياسر كتير على كل محلات بيوت الأزياء عشان يشتري فستان سورايه للجنية اللي خطفت قلبه وسكنته من غير ما يشعر. شاف كتير بس مفيش حاجة عجبته. وبعد ما تعب لمح فستان غاية في الجمال والرقة على مليكان. أول عينه ما وقعت عليه؛ شاف فيه جنيته كأنها هي اللي لبساه قدامه وبتضحكله. قرب ومشى بإيديه على كل تفاصيله وتخيلها هي، وعاش اللحظة. لاحظت العاملة فاقربت منه وسألته بطريقة عملية:

تحت أمرك يا فندم. أي خدمة؟ عليها وعيونه على الفستان: عايز الفستان ده لو سمحت. العاملة وهي بتبتسم في وشه، قربت من المليكان وفتحت السوستة وأخدته من عليه وقالتله: حظ حضرتك حلو، دي آخر قطعة موجودة، اتخطف أول ما وصل، لأن ذوقه جميل جداً. ابتسم ياسر وراح يحاسب وهو جواه بيقول: ده من حسن حظها هي اللي جميل زيها.

أخده ياسر وطلع على الفيلا وأول ما راح لمحها في الجنينة قاعدة على المرجيحة وسرحانة بتسمع أغاني على الفون، وحاطة الهاند فري في ودنها ومنعزلة عن العالم. جه من وراها وزق المرجيحة بقوة. اتخضت وفتحت عيونها وقالت: اخس عليك يا ياسر كده تخضني، إنت شكلك عايز تقطع خلفي. افتكر ياسر مشهدها لما خضها أول ما جت من البلد، وفتح في الضحك، لدرجة استغربتها أوي، وفضلت متنحة ليه، لحد ما خلص ضحك وسألته: ممكن أعرف إيه وصلة الضحك دي كلها؟

ياسر بوجه بشوش قالها: أصل افتكرت يوم ما اتخضيتي وقعدتي في الأرض تولولي وتقولي إنت قطعتلي الخلف وتصوتي، وفجأة قومتي تشوفي شغلك ولا كأنك قولتي حاجة. مرزوقة ضيقت عيونها بضيق منه وردت: مش فاكرة. ياسر وهو بيقعد جنبها على المرجيحة، بص في عيونها بتركيز وسرح في سحرهم وقال: أفكرك. ردت مرزوقة بهمس وهيام وبتسبله بعيونها: آه وحياتي فكرني بس بشويش عليا، متستعجلنيش، أصل أنا ذاكرتي ضعيفة أوي وبعاني من بوادر الزهايمر.

قالت كلامها بطريقة كلها دلع وإغراء أول مرة تتكلم بيها، خلت ياسر ريقه نشف مرة واحدة، وقلبه فضل يدق بسرعة، وتاه في طريقة كلامها وهمس رقتها، ونسي هو كان بيضحك ليه أصلاً. وفضل باصص ليها بعشق. أنقذه من حالته دي خروج شادية وأول ما شافته نادت عليه وسألته: اتأخرت ليه كده؟ ارتبك ياسر وقام وقف، وعدل بدلته ورد: معلش يا ماما كنت بجيب الهدية دي لمرزوقة.

قدم ليها علبة كبيرة جواها الفستان. وأول ما أخدته وفتحتها صرخت من جماله وروعة. فرحت بيه جداً، وحطته على جسمها وقالت: حلو عليا؟ شادية قربت منها وقالت بحب: هو حلو بس ده كأنه اتفصل عشانك. مبروك عليكي يا جوجو. ياسر منبهر بيها وطاير من جمال روحها اللي خطفته، وحلم باللحظة اللي هيلبسها فيه الخاتم ويطوق صبعها وتبقى معاه ومتسيبش حضنه ثانية. فاقت من جمال اللحظة وسألته مرزوقة بتعجب: ممكن أعرف سبب الهدية دي، وإيه مناسبتها؟

ياسر وهو مبتسم أوي قالها: سببه هتعرفيه بعد كام ساعة بليل، لما تلبسيه وتتشيكي وتكوني على سنجة عشرة. أما المناسبة فعشان نجاح فيلمك اللي كسر الدنيا. مرزوقة بسعادة قالت: الله! يعني كل ما أعمل فيلم وينجح هتجيبلي فستان حلو كده؟ ياسر بص ليها أوي ورد عليها بهيام: أنا عيوني ليكي. تؤ تؤ أنا كلي ليكي. شادية اتنحنت وقالت: مش يلا يا جوجو اطلعي فوق وخدى شاور كده عشان تجهزي مش فاضل كتير، وخايفة الوقت يسرقنا. مرزوقة بحيرة قالت:

أنا بس نفسي أعرف إيه اللي بيحصل من الصبح؟ في حركة مش طبيعية، وحالة استعداد وطردتيني بره الفيلا وقاعدة هنا زي الأطرش في الزفة ومش فاهمة حاجة. شادية وهي بتزقها عشان تدخل جوه، وتطلع معاها عشان تجهزها قالت: يا خبر بفلوس، كمان شوية هيبقى ببلاش. إنتي مستعجلة ليه، هتفهمي كل حاجة بليل. يلا ادخلي عشان نجهز.

دخلت مرزوقة الحمام تاخد شاور، وشادية طلعت علبة المكياج عشان تختار الألوان اللي هتليق على الفستان الفضي اللي جابه ياسر، وتحضر الاكسسوارات المناسبة معاه.

ومر الوقت سريعاً وقعدت مرزوقة تحت إيدين شادية اللي زوقتها وخلتها زي القمر. وبعدين جهزت هي وأخدتها ونزلت. وكانت الحفلة ابتدت والمدعوين والصحفيين بيجوا. وكان ياسر واقف منتظرها على أول درجات السلم. أول ما لمحها نازلة بتتمختر بكل دلال، مسك أديها وباسهم برقة وأبدى إعجابه بيها وبجمال الفستان عليها. كانت فعلاً أميرة زي اللي بتطلع في القصص والحكايات في عينه، لا دي كانت أجمل وأحلى من الخيال بكتير. كانت أحلى واقع عايشاه ولامساه.

أخدها وسلموا على كل الحضور وهمست له بعيون مليانة سعادة وقالتله: معقول الحفلة دي عشاني؟ ياسر بسعادة أكتر منها: دي أقل حاجة تستحقيها على تعبك يا مرزوقة كل الشهور اللي فاتت معايا. إنتي سبب نجاح الفيلم. بصت له بعرفان وامتنان وقالت: الفضل بعد ربنا ليك إنت يا ياسر، ولتعبك معايا. أنا اللي بشكرك على إتاحة الفرصة ليا ولثقتك فيا. ياسر اشتد على أيديها وقال: وإنتي مخيبتيش ثقتي دي ولا خذلتيني يا مرزوقة. مرزوقة بضحكة:

مش قولتلك هبهرك. ياسر بضحكة أعلى قال: تاني. مرزوقة بتأكيد: طبعاً عندك شك؟ لسه أنا عندي كتير من الانبهارات. قربت منهم شادية وقالت: إيه يا حبايبي هتفضلوا واقفين هنا لوحدكم وناسين باقي المعازيم؟ ياسر بابتسامة رد: لا هروح ليهم حالاً يا ماما. هو فين سليم مش شايفه؟ شادية بضيق: اتأخر مش عارفة ليه، وفونه مقفول. ياسر بيطبطب على كتفها بحنان وقال:

طب أهدّي تلاقي الفون فصل شحن وزمانه جاي، أو مشغول في حالات بيكشف عليها، بلاش توتر لو سمحت. ابتسمي النهاردة أجمل يوم في حياتي. ابتسمت شادية بحب، وأخدت مرزوقة ترحب بالمدعوين. جه مجدي ومعاه شيراز اللي كانت في قمة أناقتها، ومعاهم منتج الفيلم. رحب بيهم ياسر، وسأله المنتج على مرزوقة، فشاور عليها فقربت منهم وصاح بصوت عالي قايل بسعادة:

يا أهلاً بنجمتنا المبدعة اللي نورت الشاشة الكبيرة وعالت إيراداتنا للسما. يا مليون مبروك يا أستاذة جهاد. ابتسمت له جهاد بسعادة. وكانت لسه هترد لولا إن سبقتها شيراز وردت بنبرة مرتفعة مليانة بحقد وغِل مكنون جواها ونجحت في لفت انتباه الكل لما قالت: أنا مش شايفة بصراحة يعني إنها عملت حاجة جامدة، هي أدت دورها الطبيعي اللي كانت بتأديه في حياتها وهي خدامة، إيه الجديد اللي عملته؟

هنا مقدرتش مرزوقة تمسك نفسها ومتردش بعد كل السخافات اللي بلعتها منها، وكان آخرهم حفلة جواز شادية ومن بعدها قررت إنها هترد وبقوة. فابتسمت مرزوقة ليها ببرود شديد عكس النار اللي جواها، مما زاد من استفزاز شيراز. العيون كانت مترقبة الموقف. محستش مرزوقة بنفسها كأنها كانت مغيبة عن عقلها فردت بقوة: ممكن لو سمحت كل الحضور والسادة الصحفيين والمصورين يركزوا معايا ثواني.

الكل ركز أكتر وانتبه لمرزوقة اللي اتكلمت بطريقة تعجب لها الجميع، لصعوبة نطقها للكلام باللغة العربية متكسر. وقفت بقوة وقالت: أنا حبيت أرد على كلام الفنانة شيراز لما قالتلي إني معملتش أي إبداع في دور الفلاحة الخدامة وإني أديته عادي لأني بالفعل خدامة، ونفذت دوري كأني كنت فعلاً خدامة، وأنا أحب أشكرها قدامكم.

طبعاً حضراتكم مستغربين طريقتي في الكلام، بس قبل ما أقول السبب، أحب أقولكم إني من صغري وأنا بعشق حاجة اسمها تمثيل. كنت بتنفسه زي الهوا. أنا سعيت كتير أوي طول عمري عشان أحقق حلمي إني أمثل الدور اللي بتقول إن إني معملتش فيه أي إتقان. أحب أقولها لا يا فنانة...

أنا اترفضت من كل المخرجين والسبب إن كنت بتكلم بنفس طريقتي دي. محدش اتوقع إني هقدر أتعلم وأتكلم بلهجة البنت الفلاحة وأديه، بس أنا عمري ما يأست وأخدت نصيب من اسمي وجاهدت بكل قوتي عشان أوصل لهدفي. تعالت الأصوات وكثرت الهمسات واللمزات بعدم التصديق، وعلامات الصدمة على كل الوجوه، وأولهم كانت شادية اللي حطت أيديها على شفايفها من صدمتها إنها اعترفت بحقيقتها في التوقيت ده بالذات. وياسر اللي مش قادر يقف من صدمته.

بصت ليهم واتنحت مرزوقة وكملت بنفس القوة:

بلاش يا سادة نظرات التعجب والاستفهام اللي على وشوشكم دي، أنا هوضح كل حاجة. اعرفكم أولاً عليا، أنا جهاد لطفي البنت خريجة أكبر جامعات كاليفورنيا، اللي عاشت سنين دراستها كلها هناك. بس عمرها ما نسيت أصلها وجذورها وجذور أجدادها الفلاحين. ومن كتر حبي لبلدي وأهلي كنت بحلم إني أمثل بالذات دور فلاحة حبًا لأصلي. ولما خلصت دراستي نزلت لبلدي عشان أحقق حلم عمري التمثيل، تحت رفض أسرتي إني أدخل مجال التمثيل، لكني صممت وعزمت أمري

ونزلت. وعرفت من السوشيال ميديا إن المؤلف ياسر بيدور على بنت وجه جديد تمثل دور خدامة وتكون فلاحة. جاهدت بعد ما اترفضت من كل المخرجين إني أمثل. نزلت أرض الواقع وروحت بلدي أهلي وناسي، وعشت مع الفلاحين واختلطت بيهم وعاشرتهم واتعلمت طريقة كلامهم وحركاتهم. ولما أتقنتها قررت أخوض التجربة وأروح أخدم عند الكاتب الكبير ياسر، واتعامل معاه وأنفذ كل اللي كاتبه على الورق عشان أقنعه بيا وأخليه هو اللي يعرض عليا أمثل. وتقمصت دور

مرزوقة بكل حرفية وحب، واللي ساعدني في ده، من خلال قرايتي للورق من غير ما حد يشوفني.

سكتت لحظات وتحولت نظراتها لندم، والدموع سكنت محرابها وكانت واقفة على باب أهدابها مستعدة للهطول لما شافت عيون ياسر المصدومة، واللي مليانة عتاب ولوم. وفي اللحظة دي فاقت من حالة تسرعها واعترافها بالطريقة دي، وقربت منه وقالت بصوت مخنوق: أنا آسفة أوي يا أستاذ ياسر إني خدعتك ومقولتش الحقيقة، بس ده كان حلم ونفسي أحققه.

حاول ياسر يجمع أعصابه، ويكون شجاع بصرف النظر عن كل النزيف اللي جواه في اللحظة دي، لكن وقف قدامها صالب طوله بكل كبرياء، زي الجبل اللي ما يهزه أي ريح أو عاصفة وقالها بعيون مليانة حزن ولوم وعتاب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...