الفصل 32 | من 44 فصل

رواية العسقلة الماكرة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ايمان كمال

المشاهدات
19
كلمة
4,591
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

حاول ياسر يجمع أعصابه، ويكون شجاع بصرف النظر عن كل النزيف اللي جواه في اللحظة دي، لكن وقف قدامها صالب طوله بكل كبرياء، زي الجبل اللي ما يهزه أي ريح أو عاصفة. قالها بعيون مليانة حزن ولوم وعتاب وهو بيصفق بقوة: "لا برافو عليكي يا أستاذة جهاد، عرفتي فعلاً تخدعيني كويس، وتثبتي إنك ممثلة شاطرة وبتتقني دورك كويس." اتغيرت نبرة صوته غصب عنه واتخنقت لما قرب منها وقال بصوت مبحوح: "ليه خدعتيني؟

بقى طول الشهور اللي فاتت دي بتمثلي عليا؟ كنتي بتلعبي بيا وبمشاعري؟ وصلت بيكي إنك تستخدمي أسمى المشاعر النبيلة عشان توصلي لهدفك وتحققي حلمك؟ سكت، مقدرش يكمل، صوته اتخنق. هنا المصورين موقفوش تصوير للحظة الحاسمة، لقطات الفلاشات كانت بترصد نظرات ولوم ياسر، ودموع جهاد اللي نازلة بغزارة في ليلة شتاء ممطرة. قربت منه وحاولت تلمس إيده، زقها بعنف، فقالت من بين شهقاتها: "ياسر حاول تسمعني.. اديني فرصة أشرحلك، بلاش تظلمني أرجوك؟

رفع ياسر إيده وشاور ليها إنها تسكت وقال: "خلاص كل حاجة وضحت وظهرت، مش محتاج حاجة تتشرح يا أستاذة جهاد. مبروك ليكي نجاح فيلمك وتحقيق هدفك وحلمك، اللي كان على حساب خداعي بمكرك. ودلوقتي خلصت الحكاية ونزلت كلمة النهاية، والجمهور صفق للبطلة. ياريت بكل هدوء ترجعي مكان ما جيتي، ارجعي جهاد تاني، لأن من اللحظة دي مرزوقة ماتت واندفنت دلوقتي، وملهاش وجود هنا أو في أي مكان تاني."

جهاد مصدومة مش قادرة تصدق رد فعله، هي آه غلطت، بس إزاي يحكم عليها بالإعدام من غير ما يسمع دفاعها؟ فضلت تحرك راسها برفض لكلامه وقالت: "لا مستحيل تنهي كل حاجة كده من غير ما أكمل كلامي، حرام عليك يا ياسر متبقاش قاسي كده؟

ياسر وهو متمالك أعصابه شاور ليها بطول دراعه على الباب عشان تخرج. بصت له وهي مش مصدقة تصرفه، حست إنها بعد ما كانت معاه في سابع سما، نزلت لسابع أرض في لحظة تسرع وغباء. جريت بقه رة بتجر أذيال الندم وراها. الكل بعد ما خرجت، عيون مبهورة بكلامها ومعجبة بيها، زي المنتج ومجدي، وباقي المخرجين، وعيون شيراز كلها شماتة وفرحة وهي شايفاها اتطردت وبتعيط على حبها اللي راح.

بصت شادية لياسر بعتاب على تصرفه قدام كل الموجودين، وجريت وراها ونادت عليها. فرمت مرزوقة نفسها في حضنها وفضلت تبكي بحرقة. طبطبت عليها ودخلتها الفيلا عندها، ودخلتها في أوضة تنام فيها، وفضلت تهديها، لكنها فضلت تبكي بحرقة على حبها اللي ضاع في لحظة تسرع وغباء. بصت لها وقالت بانهيار: "مش معقول خلاص كده؛ حب عمري اللي اتمنيته يروح مني بالسهولة دي يا شادية؟!

لا قولي إن اللي حصل ده كان كابوس، ولا مشهد بتمثلة وملوش دعوة بالحقيقة اللي بحلم بيها." شادية بأسف ردت: "للأسف يا جهاد، انتي اخترتي أسوأ توقيت وأعلنتي فيه حقيقتك، ليه النهاردة بالذات يا جهاد ليه؟ مرزوقة بندم قالت: "مكنتش أقصد ولا مخططاه، هي شيراز الزفت اللي استفزتني، وحبيت أرد عليها، ربنا ينتقم منها، معرفش ليه بتكرهني كده؟

كل ما كانت بتشوفني تهني وتقل مني، وأنا ببلع وأنسى ومابردش، معرفش النهاردة إيه اللي حصلي، قررت إني أرد وبعنف، وهي النتيجة كانت إني ضيعته من إيدي." عيطت أوي وبعدين قالت بترجي: "أرجوكي يا شادية روحي له، عرفيه إني كنت خايفة أقوله، وأصارحه...

قوليله إني بحبه أوي ومقدرش أبعد عنه. قوليله إن زي ما هو كان محافظ على قلبه، أنا كمان كنت برغم المكان اللي عشت فيه والحرية المطلقة هناك؛ إلا إني عمري ما حبيت ولا قلبي دق غير ليه هو وبس، زي ما يكون كان شايل كل الحب عشانه. لو ليا خاطر عندك قوليله يسامحني." شادية صعبت عليها أوي، طبطبت بحنان وقالت لها:

"اهدي يا جهاد، كل مشكلة وليها حل، مش هقولك إني يا ما حذرتك وقولتلك إن ياسر زعله وحش، ومش بيحب الكذب. لأن الكلام ده فات أوانه خلاص، لكن هقولك اديله وقته في زعله، واتقبلي رفضه الفترة دي، وتوقعي أسوأ تصرفات منه." جهاد مسحت دموعها وقالت برضا: "أنا موافقة على أي وقت وتصرف ياخده مني، إلا إنه يبعدني عنه ويحرمني منه." شادية وهي بتقوم من مكانها قالت:

"عندك هدوم في الدولاب ده، غيري ونامي دلوقتي، وربك يحلها، قادر يبدل الحال لحال أفضل." جهاد وهي بتمسك إيديها بتترجاها: "حنني قلبه عليا وخليه يسامحني." ***

حاول ياسر يكمل الحفلة وهو راسم على وشه الابتسامة، لكن لأنه ممثل فاشل مقدرش يخبي حزنه. قرب منه مجدي وحاول يتكلم معاه، لكنه صده بعنف، والكل ابتدى ينسحب لحد ما مشيوا، وفضل ياسر قاعد وحيد يرجع شريط ذكرياته معاها من أول ما شافها، وإزاي عدت عليه كل المواقف دي من غير ما يحللها. تقدمها السريع في التمارين! حفظها وطريقة أدائها! تمثيلها للمشاهد اللي كاتبها وهو كان بيعجب بيها!

وافتكر مكالمتها بالإنجليزية ومقتنعش بتبريرها وحس إنها بتكذب ومخبية عليه حاجة. كل ده هاجمه وطارده زي الوحوش بتنهش وتعذب فيه، وألف ليه اترددوا جواه وملقاش إجابة ليهم. حس إن قلبه زي الطير المذبوح... مطعون بخنجر مسموم، والطعنة جت من أكتر واحدة حبها بعد أمه.

حس بإيد بتطبطب عليه، رفع وشه لقاها أمه، في ثانية رمى نفسه في حضنها وفضل يبكي زي الطفل الصغير. مقدرتش تستحمل شادية، شاركته في حزنه وبكاءه، لحد ما فرغ كل اللي جواه، وبصلها بعيون حمرا وقال بتأثر وحزن وهو بيخرج علبة الخاتم من جيبه وبيدهولها: "شوفي ده الخاتم اللي اشتريته ليها، كنت هطلبها للجواز بكل حب وعشق، هقدملها قلبي اللي محدش ملكه غيرها. ليه تخدعني يا ماما؟ ليه مثلت عليا الحب والاهتمام؟

ليه عيشتني الحب اللي عمري ما جربته ولا حسيته، ولا حتى آمنت بيه؟ ليه خانني قلبي وحبتها وهي طلعت إنسانة أنانية كل همها الشهرة والتمثيل وبس. ده أنا غيرت مبدئي اللي طول عمري مؤمن بيه عشانها. دي كلها كانت لحظات وهعلن قدام الكل وأقدملها الخاتم وأطلبها للجواز! ليه تهد كل حاجة في ثانية؟ ياريتني ما حبتها ولا شفتها؟

شادية مش قادرة تملك نفسها من الدموع عشانه، سابتها هناك منهارة عشان تيجي تطمن عليه وتحنن قلبه عليها، لقيته أكتر منها عذاب، لامت نفسها كتير إنها طاوعتها وسكتت ومصارحتوش. حاولت تتكلم لقت صوتها مبحوح مش طالع، فضلت تبكي عليه وعليها. قام يقف حس إنه زي الطير اللي بيفرفر، بص على أوضة المكتب اللي شهدت ساعات كتير معاها في التدريب والمراجعة وقال وهو بيرمي كل حاجة بغضب من على المكتب:

"طب كانت صارحتني من الأول، بدل ما تستخدم الطريقة الملتوية دي في الخداع، كنت هساعدها وأقف جنبها، بس ليه تعمل فيا كده؟ أخيراً ردت شادية واتكلمت: "يا ابني حرام عليك، متعملش في نفسك كده أرجوك، عشان خاطري يا ياسر، وغلاوة أمك عندك، صدقني جهاد والله بتحبك، ومش من دلوقتي، لا من زمان أوي." ابتسم بسخرية على طيبة قلب أمه وقالها: "هي عرفت تمثل عليكي إنتي كمان يا ماما؟ شادية بتأكيد:

"عيب يا ياسر تقول كده، أنا مش صغيرة، وأعرف إذا كانت فعلاً بتمثل ولا صادقة في مشاعرها. هي آه ممكن تكون دخلت البيت في البداية إنها تقنعك إنها ممثلة شاطرة، لكن اللي مكنتش عاملة حسابه إنها تقرب منك وتحبك." ياسر برفض وغضب شديد صاح بأعلى طبقات صوته وقال: "دي إنسانة كدابة، ومخادعة عمري ما هصدقها أبداً، ولا هسمح ليها تقرب مني تاني، خلاص يا ماما مرزوقة انتهت من حياتي وماتت زي ما قلت لها."

سكت ياخد نفسه ومازال عقله بيعيد كل مشاهدة معاها، وفجأة استوقف عند لحظة ما كانوا بيفكروا يختاروا اسم الشهرة ليها، واتردد اسم جهاد لطفي في ودنه، وافتكر إن ده كان اختيار أمه. وهنا قام ومسك كتفها بقوة وعيونه بتطلع نار زي التنين وصرخ في وشها لأول مرة في حياته وقال: "إنتي كنتي عارفة الحقيقة؟ كنتي عارفة وسبتيها تلعب عليها وتخدعني يا ماما؟

شادية اتصدمت من شكله، واتلجلجت ومعرفتش تقول حاجة. اتأكد من شكلها إنها شاركتها في جريمتها عليه. قعد على الكرسي وحاسس إن فوق راسه جبل من الأحزان والهموم، واتغيرت نبرة صوته واتخنقت من الوجع وهو بيلومها: "إزاي هان عليكي تخدعيني بالشكل ده؟ تشاركي في نحر قلبي بالقسوة دي؟ شادية دموعها زي الشلالات نازلة بدون توقف، ركعت على ركبتها، ورفعت وشه عشان يبصلها، لف راسه ومقدرش يشوفها. صرخت بوجع عليه وقالت:

"بصلي يا ياسر ومداريش وشك عني. بصلي وشوف قهرتي وحزني عليك، إزاي تتخيل إني ممكن أضرك في يوم؟ ده إنت ابني اللي مخلفتهوش، هو في أم تجرح قلب ابنها؟ ياسر ودموعه نازلة في حالة ضعف عمره ما عاشها قبل كده، رد وقالها: "أمال اللي عملتيه، وسكاتك على كدبها ده تسميه إيه؟ وإنتي أكتر واحدة عارفة إني مش بكره في حياتي غير الكذب والخداع؟ شادية بلعت ريقها لقيته ناشف حجر، بللت شفايفها وقالت بكل صدق جواها:

"سكت عشان كنت حاسة ببوادر مشاعر بتتولد جواكم. سكت عشان كان نفسي أفرح بيك وأشوفك مكون بيت وأسرة. سكت وأنا بتتقطع من جوايا، لكن كل ما بتقربوا من بعض وأشوف الحب بينكم بيكبر، أقول ممكن حبه يخليه يسامح ويغفر. سكت عشان ملقتش حد مناسب أكتر من جهاد تليق عليك وتشاركك حياتك. إنت عمرك ما هتتخيل هي بتحبك قد إيه، وبرغم الحب ده كانت شايلة هم اعترافها، ورد فعلك، كانت نفسها تسمع منك كلمة حلوة تبرد قلبها، والله يا ابني كل تصرفاتها معاك كانت من قلبها صدقني أنا، صدق قلب أمك."

خلصت شادية كلامها وانهارت من البكاء. ياسر كان بيسمعها ومش قادر يصدق ولا كلمة منها، كل اللي مسيطر عليه إنها غشته وجرحته. مسك أمه وقومها من على الأرض وقالها:

"بلغيها إن الحب اللي كان بيكبر في قلوبنا، هي دفنته النهارده بإيديها. قوللها إني كنت هقدملها خاتم الجواز النهارده، كنت هطلبها للجواز وأنا عارف إنها البنت البسيطة اللي مكملتش تعليمها، الفلاحة، رضيت بيها وهي حتى مش مكملة تعليمها، وكنت راضي وبحبها، واتشرف بيها قدام الناس كلها. لكن مرزوقة طلعت كذبة ملهاش وجود. أنا دلوقتي ميشرفنيش إني أعرف جهاد الكدابة المخادعة. خلاص يا ماما الكلام انتهى، ومرزوقة انتهت من حياتي من قبل حتى ما تبتدي. لو سمحت سبيني لوحدي، مش قادر أتكلم، روحي إنتي، أنا هطلع أنام."

حاولت شادية تبرر له موقفها، لكنه سابها وطلع لاوضته، فضلت قاعدة بتبكي، فاقت على صوت هنية: "ستي شادية دكتور سليم بره بيسأل عليكي." شاورت ليها بعنيها وقامت معاها، وأول ما لمحها سليم بالشكل ده جري حضنها وضمها لقلبه، وهي أول ما دخلت جوه وطنها انهارت في العياط لدرجة وجعت قلبه. قالتله من بين شهقاتها: "كنت فين، واتأخرت عني ليه يا سليم؟ أنا كنت محتاجالك أوي؟

سليم هيتجنن من حالتها، فضل ساكت بيطبطب ويهدي فيها كأنها بنته مش مراته. ولما فرغت كل دموعها جواه، خرجها من حضنها ومسح آخر دمعة لسه بتتولد من بين جفونها ومستعدة تنزل بسرعة، واسألها بخوف: "مالك يا ضي العين وروح القلب، فيكي إيه مخليكي بتعيطي بالشكل ده؟ "غصب عني والله يا حبيبتي، الحالات كانت كتير النهاردة، وأول ما خلصت جيت فوراً، لاقيت الحفلة خلصت." شادية قالت بحزن: "كل حاجة خلصت خلاص وانتهت." سليم بعدم فهم، ردت وكملت:

"هحكيلك كل حاجة في بيتنا، بس على فكرة جهاد نايمة عندنا." سليم ضم بين حاجبيه بتعجب، وأخدها وروح على الفيلا. *** وصل الوجع لمنتهاه، حس ياسر إنه داخل كابوس فظيع نفسه يخرج منه ومش عارف، أتمنى إن حد يصحيه ويفوقه على الواقع اللي بيتمناه ويعيش معاها أجمل قصة حب. في لحظة اللي حن قلبه ليها قام زي المجنون يزعق ويعاتب قلبه ولام عليه: "إزاي بعد كل الخداع ده لسه بتحن وبتتمنى؟!

"انسى يا قلبي كل دقة دقتها لإنسانة ما أخدتش منها غير المكر والكذب، آسف إني وجعتك وإنت طول عمرك بكر محافظ على دقاتك وقافل بابك، ياريتك فضلت قافل يا قلبي ومتفتحتوش للغشاشة اللي خدعتك، ياريت؟! رمى نفسه على سريره يهرب من كل الضجيج اللي جواه بالنوم، لكن حتى النوم رفض إنه يرحمه من عذابه ووجع قلبه اللي بيصرخ ومحدش حاسس بألامه. *** سليم كان الفضول وصل معاه لدرجة مش قادر يصبر وأول ما دخلوا أوضتهم واتقفل عليهم الباب، قعد

سليم على الكرسي وسألها: "ممكن بقى تحكيلي كل حاجة؟ اتنهدت شادية بحزن وألم وقالت: "هقولك على الحكاية كلها من البداية." فضلت تحكي حكاية جهاد من أول ما جت بيتها وتقمصت شخصية مرزوقة، لحد ما كشفت نفسها وحقيقتها قدام الكل. وهنا سليم بفضول أكتر سأل: "طب إنتي عرفتي إزاي من البداية إنها جهاد؟ رجعت شادية بذاكرتها لشهور كتير فاتت وقالت:

"لما كانت مرزوقة بتتكلم مع صاحبتها باللغة الإنجليزية، وفتحت عليها الباب، وسمعت تبريرها، حسيت إنها بتكذب وتبريرها مش مقبول. سألتها بحدة: إنتي مين؟ وإيه حكايتك بالظبط؟ وهنا حسّت مرزوقة إن باب جهنم اتفتح عليها، الصدمة كانت واضحة أوي على وشها طبيعية بدون تمثيل، كأن حد دلق عليها جردل مية ساقعة في عز شهر يناير. كانت عيون شادية وهي بتبصلها بترميها بنظرات عتاب... ولوم...

حسّت إنها بتدبحها مش بتبص ليها. كررت سؤالها وحاولت تتماسك وتتصرف بحكمة، قعدت على السرير وسألتها: "متخبيش عينك وبصيلي، إنتي مين؟ وإيه حكايتك بالظبط؟ ونصيحة بلاش تنكري أو تكذبي تاني؟ عشان كذبك اتكشف خلاص وأي كذب مش هصدقه، فقولي الحقيقة من غير أي تجميل."

غمضت مرزوقة عينيها بأسى؛ لأنها حسّت إن كل حاجة اتهدت فوق راسها، وحلمها كله هيروح في اللحظة دي. عشان كده أول حاجة عملتها قفلت الباب عشان محدش يسمع ولا كلمة من اللي هتقولها، وقعدت جنبها وحكت لها كل حاجة من أول طقطق لحد اللحظة دي بكل أمانة وصدق. شادية كانت بتسمعها ومش قادرة تصدق كل كلامها ولا حتى استوعبت نصه. قامت وقفت مرة واحدة وبصت لها بشرار وقالت بصوت عالي: "بقى إنتي يا مرزوقة يطلع منك كل ده؟

أنا مش قادرة أصدق إنك قدرتي تخدعينا كل المدة دي بالمهارة دي؟ ولا أقول يا جهاد أحسن؟ قربت منها مرزوقة ومسكت إيديها بترجي وعيون بتتوسل قالت بهمس: "أرجوكي يا مدام شادية وطّي صوتك واستري عليا ومتقوليش لأستاذ ياسر حاجة من اللي سمعتيها، مضيعيش تعب وحلم شهور في لحظة غضب، أنا عارفة إني غلطت، بس صدقيني مكنش قدامي طريقة غير كده! شادية بعصبية: "بالمكر والخداع يا مرزوقة؟! مرزوقة بإصرار:

"بأي طريقة ممكنة، في الحرب كل الأسلحة مباحة، وأنا كنت في حرب للوصول يا مدام شادية." شادية بأسف: "المنطق ده عجيب، ومش بعترف بيه، مفيش أحسن من النزاهة، حتى لو خسرتني؛ فيكفي أنك خاضتي معركتك بشرف ونزاهة يحترمك بها خصمك." مرزوقة بسخرية: "وهيفيدني بأيه وقتها احترامه وأنا خسرانة قدامه." شادية بتنهيدة وضيق ردت: "يا بنتي كفاية إنك هتكوني بتحترمي نفسك وقتها، وشايفة نفسك اديتي اللي عليكي بمنتهى الأمانة، ده لوحده كفاية."

مرزوقة بخوف ودموع نازلة من عينها بتستعطفها عشان تحن عليها، ردت: "يعني هتوقفي معايا، ولا هتتخلي عني وتقوليله، وينتهي حلم حياتي؟ شادية بصت لدموعها صعبت عليها، فضلت تلف في الأوضة حيرانة مش عارفة تتخذ قرار، ومع كل حركة بتمشيها قلب مرزوقة بيدق ضربات عالية مش قادرة تتحكم فيه، زي ما تكون نتيجة امتحانها خلاص هتطلع ويبان نتيجة شقا شهور تعب ومذاكرة. فكرت شادية وقالت:

"أنا هقف جنبك وهساعدك، بس مش عشان هدفك يا مرزوقة؛ لأ عشان حاجة في راسي نفسي ربنا يحققها، وربنا يستر من اللي جاي، بس لو ياسر عرف في يوم هتخسريه وهيبقى صعب أوي يسامحك يا مرزوقة، لأن مفيش حاجة بيكرها أكتر من الكذب والخداع." حطت مرزوقة إيديها على قلبها واندهت واخدت نفس بهدوء وقالت: "هعمل المستحيل عشان يفهمني ويقدر موقفي، والأيام هتثبت له حقيقة صدقي، وصدق مشاعري وإن نيتي كانت صافية." شادية باستسلام قالت:

"هقولك إيه غير ربنا يعينك في اللي جاي." مرزوقة بفرحة قربت منها وحضنتها بحب، بدلتها شادية إياه، ثم قبلتها في خدها وقعدوا على السرير يتكلموا في الخطوة الجاية إيه اللي مفروض تحصل؟ وإيه اللي هيتم فيها؟ فاقت شادية من ذكرياتها، وقالت:

"هي دي كل الحكاية، واختارت اليوم ده بالذات عشان تهد كل حاجة وتعترف للكل بالحقيقة، في اليوم اللي كان مفروض يبقى أسعد يوم في حياتها، كان ياسر هيطلب إيديها للجواز، وفي لحظة غباء كل حاجة اتهدت وسابهم هما الاتنين ربنا أعلم بحالتهم." سليم مكنش مصدق ودانه لكل اللي بيسمعه منها، لكنه فضل يسمع ويحتويها بحنانه لحد ما خلصت وقال لها بهدوء: "ممكن بقى تهدي وتفكري بعقل وهدوء." ردت شادية بحزن:

"اهدأ إزاي بس وأنا شايفة حالة ابني منهار، ولا جهاد جوه هتموت روحها من العياط، كل ده وتقولي أفكر بعقل وهدوء؛ طب أجيب منين عقل؟ سليم مسك إيديها وقالها: "دلوقتي ممكن يكون عقلك واقف من الصدمة، لكن لما الموضوع يهدى شوية هنعرف نتحكم في مشاعرنا ونقيم الموضوع صح، قومي خدي حمام دافي، وصلي ركعتين لله، وادعي له يعدي الأزمة دي خير، وكل نار تصبح رماد، مهما طالت نيرانها."

قامت بخطى بطيئة راحت تطمن على جهاد، لقتها بتمثل إنها نايمة لكن دموعها مغرقة مخدتها، معرفتش تقولها إيه، ما هي يا ما حذرتها وهي مسمعتش الكلام. قفلت الباب وسابتها تفرغ كل أحزانها. رجعت لاوضتها، ونفذت كلام سليم، وبعدين مدت جسمها تحاول تنام، حسّت بإيدين سليم ملفوفه حوالين وسطها، قربت منه وحاولت تستكين وتهدى بين أحضانه، برغم إنها غمضت عيونها، لكن عقلها رفض يسكت عن التفكير. ***

شيراز السعادة على وشها والشماتة لا توصف، مشغلة كاسيت العربية على أغاني مهرجانات وبترقص بأيديها ولا كأن حصل حاجة. بصلها مجدي بقرف وقال: "تصدقي يا شيراز إن دي أول مرة أشوفك على حقيقتك كده؟ وأشوف كم الغل والحقد اللي جواكي لجهاد؟ شيراز بطلت غنى وردت بعنف: "حقيقتي أنا ولا حقيقة اللي استغفلتكم كلكم، ولبستكم العمة؟! مجدي بحدة وبصوت عالي: "شيراز احترمي نفسك، وبلاش قلة أدب." شيراز بغضب أشد:

"والله أنا محترمة نفسي أوي، روح اتشطر عليها هي." مجدي باستحقار: "ارتحتي دلوقتي لما كل حاجة ظهرت، وهي الخدامة اللي كل شوية بتقوليها طلعت بنت ناس وخريجة أحسن الجامعات؟ ياريت تشيليها من راسك." شيراز بعدم اهتمام: "آه ارتحت، وارتحت جداً لما شفتها منهارة وهي بتهد بنفسها علاقتها بياسر، وضيعته من إيديها." مجدي مش مستوعب كل الكره ده والغيرة منها، لكن بينه وبين نفسه مقدرش ينكر إن إعجابه بجهاد زاد أضعاف لما عرف حقيقتها،

فبصلها بإهمال وقال: "الكلام معاكي بقى مالهوش فايدة، بس أحب أقولك إن الكره ده عامل زي النار، وأول ما بتحرق، بتحرق صاحبها." ضحكت بسخرية وبصت من شباكها وكملت غنى وهي بتفتكر طردتها ودموعها اللي كانت مغرقة وشها. ***

كانت انهار قاعدة على الكنبة مستنية عماد، وكل شوية تبص في فونها تشوف الساعة كام، الفجر قرب يأذن وهو لسه مجاش. حزنت على حاله اللي اتشقلب، وإهماله لصحته ولشغله من يوم ما ساب شروق وهو بقى كل يوم يسهر للصبح ويجي مش قادر يصلب طوله. حزنت على حاله، اتصلت عليه برضو قافل تليفونه.

في الأثناء دي كان عماد في نايت وقاعد على كرسي قدامه بار مليان من كل أنواع الخمر، كل شوية يشاور للجرسون اللي واقف على البار يصب له كاس، يشربه على مرة واحدة ويشاور له يصب تاني، كان تايه.. ضعيف.. مستسلم...

حاسس إنه ضايع ومش عارف يرسى على شط أمان. كل الطرق اتقفلت قدامه، حس بالفراغ المميت، ملقاش قدامه غير إنه يحاول ينسى حتى لو للحظات، مكنش في حل غير إن رجله ودته لطريق الشيطان والخمرة اللي سلبت عقله، وبقى من يومها بيشرب طول الليل عشان ينسى، لحد ما يفقد عقله، يروح ينام ميفكرش في أي حاجة، لكن لما بيصحى من نومه الصداع بيموته، يقوم يشرب قهوة وسجاير لحد ما يجي الليل، ينزل ويكرر يومه من تاني.

حاسب وراح بيته، وأول ما فتح الباب، وشافت حالته وهو مخمور وبيطوح يمين وشمال، ومش قادر يقف على رجله قالتله بزعيق: "فوق يا عماد من الطريق اللي إنت ماشي فيه ده يا ابني، آخره وحشة ودمار." عماد وهو بيشوح ليها بإيده: "هشش بطلي بقى النغمة دي وسبيني في حالي."

سابها وهو ماشي بيميل وبيسند على الحيطة عشان يوصل لأوضته، وأول ما دخل، رمى نفسه على السرير ونام بهدومه ومن غير حتى ما يقلع جزمته، دخلت أمه وراه، وقلعته الجزمة وغطته وخرجت وهي بتدعي له ربنا يهديه ويبعد عنه شيطان نفسه، ويرجع لها تاني عماد ابنها المطيع، الحنين، اللي صوته مش بيعلى عليها ومش بيقولها غير كلمة حاضر وبس. فضلت كتير تدعي له بصلاح الحال. ***

وانتهى أخيراً اليوم بكل أحداثه الصعبة على الجميع، ونور الشمس أعلن ضياءه، لكن مع الإشراقة دي كان هناك مفاجأة غير متوقعة قلبت كل حاجة وساءت الأحوال سوء وصعدت الأمور بينها وبين ياسر. ياترى إيه اللي حصل وصعب الأمور بينهم؟ وياترى ياسر هيقدر يسامح ويغفر؟ وياترى الأيام مخبية إيه لشيراز؟ وللأحداث لها بقية هنحكيها بكرة للإجابة على كل أسئلتي، انتظروني في أحداث مليئة بالإثارة والتشويق من روايتي المتواضعة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...