الفصل 30 | من 44 فصل

رواية العسقلة الماكرة الفصل الثلاثون 30 - بقلم ايمان كمال

المشاهدات
19
كلمة
5,033
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

نفذت هنية طلبات مرزوقة، وبعدين جهزت هي وشادية ونزلوا يشوفوا ترتيبات تزيين الجنينة.

لما شادية ومرزوقة نزلوا، لمحوا ياسر واقف وسط العمال ويبدي تعليماته واقتراحاته مع المنسق. وقفوا شاركوا معاه وأخذ رأيهم. مرزوقة كانت بتتفق في كل حاجة بيقولها من حيث شكل الكوشة اللي ملفوفة بالورود من الجانبين، وشكل تزيين البيسين، ومدخل البوابة. كانت بتتخيل شكل كل حاجة ونفسها تكون الصورة الكاملة دي ليها معاه. عيونها كانت بتتمنى كتير. وهو كان برغم ادعاءه للفرحة، لكن من جواه في حزن ساكن ومش قادر يمحيه. ضم شادية وباس جبينها وبارك ليها، وبعدين انسحب يدخل عشان يتابع العمل جوه ويعمل اتصالاته بأكبر الفنادق على تأكيد الأوردر وميعاد توصيل الأكل والشرب للمدعوين.

هنية نادت الكل عشان يفطروا. أكلوا بسرعة، وبعدين قعد ياسر في المكتب يحاول إنه يكون طبيعي، ويأهل نفسه ويتقبل الوضع الجديد. مرزوقة كانت طول الوقت محوطاه بنظرات الحب والاهتمام، ويمكن ده اللي كان مهون عليه كتير. واتمنى إن الوقت يمر بسرعة ويقربها أكتر منه.

بعت سليم متخصصي الميكب أب آرتست، واستقبلتهم مرزوقة، وطلعوا فوق في أوضتها، وابتدت تخضع تحت لمساتهم لتجهيزها. وكانت مرزوقة بتشاركها في كل لحظة وجواها سعادة تفوق سعادتها، لأن شادية بالنسبة ليها أم، أخت وأجمل صديقة. دعت ليها من قلبها بالسعادة والهناء. ***

سليم كان في أوضته بيجهز نفسه هو كمان. حب يعيش النهاردة كل اللي اتحرم منه زمان. حس فعلاً إنه رجع لعشرين سنة لورا من عمره. قلبه كان طاير من السعادة، وسعادته زادت لأنه كان طول السنوات دي حافظ على دقاته إنها تدق لأي ست غير حبيبة عمره. كتير من المقربين لاموه وعاتبوه. النهاردة بس عرف إنه صح. الفرحة اللي حاسس بيها دي اتخلقت بس إنها تتحس لشادية وبس. شادية اللي ملكت قلبه وكل حياته.

كان بيعد الدقايق والثواني عشان تقربه من حلمه. تخيل كل سيناريوهات العالم إزاي هيقضي أجمل ليلة في عمره. فضل يتخيل ويحلم وهو مسترخي تحت إيد العامل وهو بيعمل له مساج، ومستسلم لأحلامه وبس، وعلى وشه مرسوم أجمل ابتسامة مشرقة. ***

ياسر قاعد في الجنينة وعيونه بتتابع كل حاجة. بعد تفكير كتير، ووجع قلب، قرر إنه يخرس أي صوت جواه، ويتمنى السعادة لأكتر إنسانة حبها في دنيته كلها. أكتر واحدة كانت منبع الحب والحنان ليه طوال سنين عمره ومن وهو لسه طفل صغير. مكبرش غير على أيديها. عشان كده النهاردة هيقدم ليها ولو جزء بسيط من جمايلها عليه. هيدفن أي وجع جواه، المهم سعادتها.

ساعة سحبت ساعات وراها وجه الليل والأنوار مضيئة في كل مكان، وجهزت الجنينة في أبهى صورة، كأنها لوحة فنية مرسومة بريشة فنان أبدع تصورها. والبوفيه أشرف عليه بنفسه وكل شيء جاهز في استقبال المعازيم اللي هلوا وكان في استقبالهم ياسر، اللي عزم المقربين منه. وسليم كان عازم أقرب الدكاترة في المستشفى. شادية كانت تحط اللمسات الأخيرة على وشها، وصوت زغاريد مرزوقة ملعلعة في الأوضة.

سليم جه محمل بالأشواق. أول ما لمحه ياسر، ضمه سليم بحب. بادله ياسر وهمس له قايله: مش هوصيك عليها، حطها في عينك. صدقني لو زعلتها في يوم مش هخليك تشوف ضفرها. خرج سليم من حضنه، وبدون أي انفعال رد وقال: شادية ساكنة في قلبي، وبتجري في دمي، مش عيني بس يا ياسر، اطمن. ياسر قلبه هدي، لأنه شاف الصدق والحب في لمعة عيونه. طبطب على كتافه وقال: ربنا يسعدكوا. هطلع أشوفها.

مشي معاه وانتظره قدام باب الشقة، وهو طلع. وأول ما خبطت، جريت مرزوقة وفتحت الباب والابتسامة مرسومة على وشها. وأول ما فتحت، بص عيونه لتحت وقال: لو سمحت العروسة خلصت. استغربت مرزوقة رده وقالت: في إيه يا ياسر، انت مش عارفني؟ ركز ياسر للصوت وبصلها من أول تسريحة شعرها، لمكياجها، للفستان النبيتي اللي مفصل تفاصيلها. تنح ومقدرش يقاوم سحرها ورد عليها بتوهان: إيه الجمال ده، يخربيت حلاوتك؟

اتكسفت مرزوقة أوي، ووشها احمر أكتر. كان نفسها تقوله مش أكتر من روعة جمالك، ووسامتك الطاغية، يا فارسي وسيد فؤادي. كان نفسها تقوله كلام كتير أوي جواها، لكن محشور جوه بقها ومش عارفة تنطق بحرف واحد. لكن عيونها بتبوح باللي مش قادرة تقوله. نجدتها شادية لما قالت: ادخل يا حبيبي أنا خلصت. فاق ياسر من صدمته، وقرب من أمه اللي أول ما شافها انبهر إن دي أمه. شكلها اتغير خالص، ولون شعرها زادها جمال. قرب منها

وضمها لحضنه أوي وقالها: ماشاء الله قمر يا ماما، إيه الحلاوة دي، الفستان فعلاً بهرني، ألف مبروك حبيبتي، يلا ننزل لحسن سليم تحت واقف على نار. شادية بتردد سألته: بجد شكلي حلو؟ مرزوقة وياسر في نفس واحد ردوا عليها: قمر يا شوشو. بصوا لبعض وتاه ياسر في سحرها من تاني، وقال في سره: ناوية تعملي فيا إيه أكتر من كده يا مرزوقة؟

جمالك فاق كل الوصف، واحتار في وصفه كل الكتاب والشعراء. آآه من سحرك اللي سحرني ودخلني مدن العشاق، يا ترى هتوديني على فين يا بنت الناس؟ اتحرك ونزل وايد شادية حطاها جوه إيده، ومرزوقة ماسكة فستانها من ورا وبتتحرك براحة عشان متقعش.

عيون سليم متشعلقة على درجات السلم، وأول ما هل عليه القمر وظهر، اتحرك بسرعة على أول درجة. عيونه انبهرت بجمالها. استلم إيديها من ياسر. عيونهم اتعلقوا ببعض. مقدرش سليم يمسك دموع فرحته، ضمها لحضنه كأنه مش مصدق، وصوت شهقاته واصل ليها. خرجت من حضنه وحطت إيديها على خده ومسحت دموعه اللي نازلة بغزارة، ورجعت ضمته لحضنها من تاني. بكل الحب والشوق اللي جواهم. الكل اتأثر للمشهد. غصب عن ياسر عينه دمعت. مكنش متخيل إن سليم بيحبها للدرجة دي. كان فاكر إنه هو بس اللي بيحبها ومش مسموح لحد تاني غيره يحبها. لكن هو جه وغير فكرته، اعترف إن حب سليم حاجة تانية.

لاحظت مرزوقة تأثره فقالت له: أعتقد يا ياسر بعد كل الحب والفرحة اللي شايفها قدامك دي، يخليك تهدى وتقتنع إن سعادة شوشو معاه؟ هز ياسر راسه بتأكيد وابتسم، ومقدرش يرد. بينما كانت الميكب آرتست ومساعدينها بيخلدوا اللحظات دي عشان ينزلوها على الصفحة الخاصة بيهم، شو ودعاية ليها، زي أي عروسة بتخرج من تحت إيديها. عرفت شادية تهديه، وخرجوا كلهم للمعازيم وبدأ الحفل والأغاني، وتهنئة المعازيم وأخذ الصور للعروسين.

وصل مجدي ومعاه شيراز وهي حاضنة إيده. عينها كانت بتدور في كل مكان زي الرادار عايزة ترصد هدفها مرزوقة وتشوف شكلها إيه؟

وأخيراً لما جه ياسر ولمح مجدي، كانت معاه. وأول ما شيراز لمحتها من بعيد، زاد غلها من جمال شكلها واختيار فستانها اللي كان غاية في الجمال. برغم احتشامه، لكن كان ذوقه جميل. بصت على فستانها اللي كان مكشوف من الصدر وفتحة الرجل كبيرة. اضايقت وحست إنها هتكون دايماً في منافسة معاها، وكل ما تقول هتنتصر عليها بيحصل العكس.

سلموا عليهم واختار ياسر تربيزة وقعدوا عليها بعد ما بارك للعروسين. عيون شيراز كانت كل شوية بتبص على مرزوقة بغيظ واضح للكل، لكن مرزوقة مش مهتمة بيها خالص. قامت عشان تروح لشادية، فقال مجدي ليها: لو سمحت يا جهاد خلي أي حد يجيب طفاية من فضلك. ابتسمت مرزوقة وردت: حاضر يا أستاذ مجدي ثواني وهتكون عندك. اتحركت مرزوقة ودخلت الفيلا وجابت طفيتين وحطتهم على الترابيزة. استغرب مجدي وقال: يا خبر انتي جايباهم بنفسك يا فنانة؟

بصتله شيراز بضيق وردت نيابة عنها وقالت بسخرية: وفيها إيه مستغرب ليه كده يا مجدي، هي مش كانت خدامة ومتعودة على كده، مش دي كانت شغلتها القديمة برضو، ولا أنا غلطانة؟ لسه كانت هترد مرزوقة لولا ياسر سبقها ورد: شيراز احترمي نفسك، واتكلمي معاها بأسلوب كويس. مرزوقة دلوقتي فنانة وممثلة زيها زيك، فلما تتكلمي معاها يكون بطريقة كويسة، أو متتكلميش أصلاً.

ردت مرزوقة وقالت بكل ثقة: أنا مش بستعر من شغلي يا شيراز، وكلنا خدامين أكل عيشنا، ويا بخت من كان في خدمة العبد، والرسول صلى الله عليه وسلم قال "كان الله في عون العبد؛ ما دام العبد في عون أخيه" وأنا هفضل طول عمري خدامة لعباد ربنا. قالت كلامها ده وحست شيراز إنها قذفت جبهتها، واتحرق دمها. كان نفسها تغيظها، لكن هي اللي غظتها.

انسحبت وراحت لشادية بس وشها كان متغير من كلام شيراز. وحاولت تلاقي مبرر لكرها المبالغ فيه ليها ملقتش، لأنها متعاملتش معاها قبل كده، وهي من يوم ما شافتها والكره جواها من ناحيتها بيزيد. بلعت ليها كتير، بس قررت المرة الجاية مش هتبلع وهترد بقوة. وقفت جنبها، هزت شادية إيديها وسألتها: الجميل وشه متعكر ليه؟ ابتسمت مرزوقة بحب وقالت: متشغليش بالك يا حبيبتي، افرحي واتهني. لمحت شادية ياسر جاي،

فهمست ليها وقالت: يارب أفرح بيكوا قريب. بمجرد ذكر سيرته قدامها، وشها نور وابتسمت. وقف ياسر جنبها وقال بصوت حنون: مش عايزك تزعلي منها، هي بس بتغير منك مش أكتر. مرزوقة باستفسار: وتغير مني ليه أصلاً؟ دي فنانة وليها اسمها وعملت أدوار كتير، وأنا لسه بقول يا هادي، مفيش مقارنة يا ياسر عشان تغير مني. ياسر بتوضيح: لا طبعاً فيه. الدور اللي هي رفضته في الأول، اتجننت عليه واللي وصلني إنها ندمانة جداً إنها رفضته وبتتحسر عليه.

مرزوقة بضيق: طب وأنا ذنبي إيه؟ ما كان قدامها. ياسر حب يغير الموضوع وسألها بعيون بتلمع: سيبك منها، تحبي ترقصي معايا؟ حركت عيونها بالموافقة، ومسك إيديها، وشاور لسليم ياخد شادية ويفتتح الرقص للجميع على أغنية "أجمل إحساس في الكون". أول ما سليم أخذ إيدين شادية وافتتح الرقص، دخل ياسر مع مرزوقة وبدأ وصلة الرقص. أول ما شافتهم شيراز، النار قادت فيها وقامت وقفت ومسكت مجدي ورقصت هي كمان، وكل كابلز قام ورقصوا.

شيراز كانت بتتعمد تزق وتضايق مرزوقة بأي طريقة عشان تخرجها عن شعورها، لكن مرزوقة كانت فاهمة تصرفاتها دي، وكانت بتبعد عنها قدر المستطاع. سليم وشادية كانوا تايهين مع كلمات الأغنية، ومشاعرهم هي اللي بتعزف مش اللحن ولا الكلمات. الحب الكبير اللي جواهم كان واضح لكل الموجودين. لدرجة إن سليم كان حلم للبنات المراهقات الموجودة، وشادية أتمناها كل الرجال، لما شافوا كمية الحب اللي واضحة وظاهرة زي ظهور الشمس في عز النهار.

خلصت الرقصة وجه وقت افتتاح البوفيه، وأعلن ياسر الجميع يتقدم، وقطع العروسين تورتة الفرح، ثم افتتحوا البوفيه. الفرحة خلتهم مش قادرين ياكلوا أي حاجة، برغم إنهم طول النهار مفيش حاجة يعتبر أكلوها، لكن الفرحة فعلاً بتشبع. طلبت مرزوقة من العامل يجهز ليهم ترابيزة جوه الفيلا عشان يكونوا على راحتهم، وبالفعل أكتر من شيف نفذ طلبها وهي باشرت عليهم بنفسها، وبعدين طلبت منهم يدخلوا يتعشوا جوه، وتحت إصرارها دخلوا، وكان أجمل عشا يضمهم.

خرجت وسابتهم مع بعض، وراحت بنفسها تعمل طبق لياسر وليها، وأخذتهم وحطتهم على ترابيزة خاصة بيهم هما وبس، وشاورت ليه، وقعد جنبها وقال: صدقيني مليش نفس خالص يا مرزوقة. مرزوقة حطت الشوكة وغرزتها بقطعة لحم من الديك الرومي، وقربتها من بقه وقالت بدلال: عشان خاطري كل، أنا جعانة ومش عايزة آكل لوحدي، شاركني في الأكل، يرضيك أقوم جعانة، وانت عارفني لما بجوع، أتهور وأبوظ فرح شوشو؟ ضحك ياسر عليها

وقعد وأكل من إيديها وقال: لا طبعاً ميرضنيش، كلي يا تعبة قلبي معاكي. مرزوقة بتمثل إنها غلبانة وقالت: والله أنت ظالمني، هو في حد غلبان ومسكين زي، ده أنا نسمة. ياسر قهقه من الضحك ورد: ما بلاش نسمة زي، ظلمتيها والله، قولي إعصار، زوابع ماشي لكن نسمة أشك. مرزوقة مسكت السكينة ووجهت سنها ليه وقالت بغيظ: مين دي اللي زوابع وإعصار يا ياسر، أنت تقصدني أنا؟ ياسر بيدعي الخوف، وبيرجع لورا، وبيشاور باستسلام

ليها في دعابة منه وقال: لا وعلى إيه، السلاح يطول يا بنت الناس، والفرح يتقلب مأتم، ده انتي أحلى نسمة في الكون كله. مرزوقة حطت السكينة وابتسمت وقالت: أيوه كده، ناس مبتجيش إلا بالعين الحمرا، يلا كله أكل متخلينيش. ادعى ياسر الأكل، لكن عيونه هي اللي بتاكلها، بل بتفترس كل حاجة فيها، ونفسه يشبع منها. أي وقت بيكون معاها بيحس بطعم السعادة، وإن الدنيا بيكون ليها طعم تاني بيحسه بس وهي معاه. على ترابيزة مجدي وشيراز،

قالها بضيق: على فكرة عيب أوي تصرفاتك مع مرزوقة يا شيراز، ياريت تخلي بالك من تصرفاتك دي، واحتفظي بكرهك ليها ده جواكي، مش لازم الكل ياخد باله. ردت شيراز بحده وضيق: وأنا هكره الخدامة دي ليه؟ لا هي من مستوايا، ولا في جمالي وفي نجوميتي. اضايق مجدي من أسلوبها وطريقتها لأول مرة، خصوصاً لما اتكلمت عنها وقللت منها. يمكن إنه حاسس إنه أول من اكتشفها وهو اللي صنعها نجمة،

فرد بحده أشد منها: لا جهاد أثبتت للكل إنها موهوبة، وبكرة الفيلم هينزل ويكسر الدنيا وهفكرك. وعرفت بمجهودها من إنسانة بسيطة لسيدة مجتمع تشرف أي راجل يقف معاها ويقرب منها، واتعلمت وتعبت، وفاقت كل تصورنا، عشان كده أنا بحترمها. شيراز زاد غلها منها بعد كلامه، فردت بغيره زايدة: والله ما دام عاجبك كده اتفضل روح اتجوزها يا مجدي، مستني إيه؟ مجدي بيحاول يكون هادي عشان محدش ياخد باله،

رد بهدوء: اهدي يا مجنونة، اتجوز مين بس، هو في حد يعجبني ويملى عيني غيرك يا روحي، أنا بس الفكرة عجباني التحفة اللي شكلتها وصنعتها مش أكتر، واقفلي بقى على السيرة دي، ويالا عشان تسلمي عليهم ونروح نحتفل في عشانا، اشمعنى سليم يكون عريس وأنا لأ. ضحكت بميوعة وقالت: آآه منك يا ميجو تموت في الانحراف. مجدي وهو بيطبع بوسة على إيديها

رد وقالها مع غمزة بعينه: وهو في أحلى من الانحراف يا عمري، يلا انجزي لحسن أنا الفولت عندي عالي أوي، والعرسان فتحوا نفسي وزودوه على الآخر. رنت شيراز ضحكة خليعة وقامت واخدت شنطتها وراحوا يسلموا على ياسر، ويستأذنوا بالرحيل. وهما ماشيين لمحوا العرسان خارجة من الفيلا، استنوا لحد ما قعدوا في الكوشة وسلموا عليهم ومشوا. شاور سليم لشادية تقرب منه فهمس ليها قال: مش كفاية يا قلبي بقى ونروح عشانا.

اتكسفت شادية وقالت: زي ما تحب يا روحي.

ابتسم بسعادة وشاور بإيده لياسر، اللي أول ما شافه، اقرب منه وبلغه إنهم هيمشوا. بص ياسر لأمه وجواه مش عايز يسيبها لكن مكنش في إيده حل. حضنها بقوة وباسها من جبينها واتحرك معاهم يوصلها للفيلا. اتحركت مرزوقة جوه الفيلا عشان تتأكد من هنية إنها ودت الأكل ورصته في المطبخ مع الحلويات، وقالتلها إن كل شيء مظبوط. راحت بسرعة تسلم عليها، وأول ما وصلت ووقفت قصاد باب الفيلا، فتح سليم الباب، ولسه هتدخل برجليها

شادية رفض وقالها بحب: أوعي تدخلي، أنا حالف تدخليها متشالة على كفوف الراحة. اندهش ياسر من كلامه، بينما مرزوقة كانت مش مصدقة إن سليم طلع بالرومانسية دي. بصت بصه لياسر كأنها عايزة تقوله اتعلم منه وخليك رومانسي زيه، لكن مرزوقة أخذته وسابتهم عشان يروحوا للحفلة والناس اللي هناك. اتحرك معاها بالعافية وهو في حالة لا يعلمها إلا ربه.

لسه هتعترض شادية، لكنه غافلها وشالها بخفة صقر وطار بسرعة بيها للدور اللي فوق وفتح باب الأوضة وحطها على السرير بمنتهى الحنان والرقة. فضل واقف سليم بيبص عليها، عايش جمال اللحظة، وتايه في سحر عيونها. لما طال الصمت بينهم؛ وقفت شادية وحطت كفها على كتفه وقالت: مش عايزك تزعل مني عشان مرضتش نسافر في أي مكان، أنت عارف كان هيبقى صعب عليا أسيب ياسر مرة واحدة وأبعد عنه. حط سليم صباعه على شفايفها عشان متكملش، ورد عليها

في احتواء منه وتفهم قايل: تأكدي إني عمري ما أزعل منك أبداً، ومش مهم أي المكان يا شادية، المهم إنك تكوني فيه معايا، حتى لو المكان ده عشانا أنا راضي ما دام هتكوني في حضني، ومتشليش هم ياسر أنا متفهم جداً العلاقة وإحساسه، ومع الوقت هيتعود أكيد على وجودي. ثم إحنا هنقضي الليلة كلها نتكلم عن ياسر ولا إيه؟ في مواضيع تانية أهم من الكلام عنه، أنتي ناسية إن في ثأر لازم أخلصه منك. استغربت شادية وسألته؟ ثأر إيه ده؟

سليم بيقرب من شفايفها ويطبع بوسة رقيقة وقال بهيام عاشق حد النخاع: ثأر قلبي اللي اتعذب سنين في بعدك.. ثأر حرمان كل ليلة وأنتِ بعيدة عن حضني، وكنت بتمنى يجي اليوم اللي أضمك لحضني... ثأر كل دمعة نزلت حزن وأنا حاسس إنك خدعتيني، ومع كل ده كنت بحبك ومعرفتش يوم أبطل أحبك. عرفتي ثأر إيه يا شادية؛ ثأر شوقي ليكي، وعذاب سنين كتير في بعد وحرمان..

كان بيقول كلامه ومع كل مقطع يغمرها بعدة قبلات على شفايفها، كانت بتسمعه وقلبها مش عارفة تتحكم في دقاته من كثر سعادتها بكلامه. ردها الوحيد هو إنها أخذته في حضنها وضمته بكل الشوق اللي جواها وحرمانها منه طول السنين اللي فاتت، وسمعته أحلى كلام مغلف بكلمات العشق. بادلها الحضن، وغاصوا في نعيم عشقهم وبدأوا كتابة أول حروف في كتاب عشقهم. ***

ومر الوقت والجميع انسحب من حوله، وهذا هو الحال، انتهى الفرح ودخل ياسر جوه ومعاه مرزوقة اللي أول ما لمحت الكنبة ارتمت عليها وخلعت جزمتها بتعب وغمضت عيونها في حالة سكون.

كان ياسر في عالمه الخاص متقوقع جواه ومش قادر يخرج منه. حس بفراغ مميت أول ما رجله دخلت من بابه. إحساس الفقد عشّش جوه صدره، لما مشافش أمه قاعدة مستنياه، مكنش سامع صوت مرزوقة وهي بتوصفله قد إيه تعبانة ومرهقة، كأنها بتكلم نفسها، أو في دنيا تانية هو مش فيها. فاق على صوتها العالي: ياسر مالك؟ أنا بكلمك من بدري وأنت مش معايا خالص، بتفكر في إيه؟ ياسر رد بتوهان: أنتِ بتكلميني؟

مرزوقة بغيظ: لا بكلم خيالي، أصلُه كان قاعد في ركن بعيد لوحده صعب عليا؛ قلت أونسه شوية وأخفف عنه وحدته، هو في حد غيرنا هنا يا ياسر، طبعاً بكلمك أنت؟ ياسر قام من مكانه وبصلها باعتذار وقال وهو بيحاول يداري لحظات ضعفه: معلش يا مرزوقة سامحيني مش مركز، هطلع فوق أستريح.

قامت مرزوقة وقربت منه، ومسكت إيديه وبصت جوه عيونه، ولمحت قد إيه هو حزين وحاسس بالفقدان. اتمنت في اللحظة دي إنها تاخده جوه في حضنها وتحتويه بين دراعتها، لكن ياريت أي حاجة نفسنا فيها نقدر نعملها؟ ياريت في لحظة نكسر كل القيود بين الناس اللي بنحبها؟ كل اللي قدرت عليه إنها ابتسمت بحب وقالتله بترجي: عشان خاطري بلاش تطلع وخليك معايا نسهر، نشغل فيلم ونأكل حاجة حلوة.

ابتسمت أكتر وقالت بمزاح: أصل أنا ممرتش على الحلو في الفرح يرضيك كده؟

ياسر كان لسه هيعترض لكن هي اتحايلت عليه بطريقة طفولية، ابتسم ووافق، طلعوا سوا يغيروا هدومهم، وبعد دقايق نزلت مرزوقة وجهزت طبقين حلويات، ومعاهم كاسات مشروبات غازية، وشغلت فيلم واستنته ينزل، وأول ما نزل قامت وأقعدته جنبها على الكنبة، وقدمت له التورته وأكلته أول قطمة من إيديها بكل حب. حسسته باهتمام كان فاقده في اللحظة دي، إن حد يحس بمشاعره ويحتويه من غير ما يدخل في تفاصيل مش عايز يتكلم فيها، وده الدور اللي عملته مرزوقة. قضوا وقت جميل سوا لحد ما من التعب نامت مرزوقة من غير ما تحس. اتأملها أوي

ياسر وقال بصوت هامس لنفسه: "بأي أرض جاءت بكِ حبيبتي... وكيف دلفتِ بداخل أعماقي وسبحتي..؟! بل حطمتِ كل حصون قلاعي وسكنتي..؟! وارتديتِ تاج المُلك وتربعتِ بداخل فؤادي وأنرتي... فسكني يا أميرتي بداخلي واهدأي !! فقلبي لكِ بمثابة الوطن الآمن فطمئني ..

طال حديثه مع نفسه، وحاول إنه يصحيها عشان تطلع لأوضتها، لكن فشلت كل محاولاته. قومها وسندها فرمت براسها على كتفه، اهتزت كل مشاعره، مشي بيها وطلعها على درجات السلم لحد ما وصل لأوضة أمه ونيمها على السرير، وغطاها بكل رقة، وخرج بسرعة وهو بيحارب في مشاعره اللي مش عارف يسيطر عليها كل ما بيشوفها قدامه.

دخل أوضته وأول ما حط راسه على المخدة، دماغه مبطلتش تتخيل وترسم سيناريوهات، مش قادر يتحملها. نار الغيرة اشتعل توهجها بقت بتحرق فيه بقوة. حط المخدة على راسه يسكت الضجيج اللي مش راضي يسكت، لكنه زاد. قعد على السرير وحط إيده على عيونه عشان ميشوفش تصوراته اللي عقله بيصورها. فجأة قام ودخل البلكونة وقعد على الكرسي يشرب سيجارة يمكن تطفي النار اللي مشعللة جواه، وتسكت الدوشة اللي بتدور جوه منه، وسيجارة ورا سيجارة لحد ما خلصت العلبة والصبح أعلن شروقه ليوم جديد. قام وحاول ينام، ومن تعب راسه نام بسرعة.

*** صحيت مرزوقة من نومها استغربت هي جت إزاي هنا. آخر حاجة كانت فاكراها إنها كانت قاعدة مع ياسر ونامت مش فاكرة حاجة تانية. أكيد هو اللي جابها هنا، لتاني مرة يحصل نفس الموقف. اتكسفت من نفسها، وقامت خدت شور وغيرت هدوم الخروج ونزلت تحضر الفطار مع هنية. ساعدتها وحطت كل حاجة على السفرة، وطلعت هنية تنادي ياسر اللي اتأخر في نومه. *** فتحت شادية عيونها على أجمل ملامح بتعشقها. كان سليم عيونه بتشبع منها طول الليل.

ابتسمت له برقة وقالت: صباح الحب على عيون حبيبي. قرب سليم وضمها لحضنه وقال: صباحية مباركة على أجمل عروسة شافتها عيوني. شادية رفعت عيونها وباسته من خده وسألته: حبيبي إيه اللي مصحيه بدري كده؟ سليم وبيلاعب خصلات شعرها وهو غرقان في عيونها وقال: حبيبك أصلاً منمتش لحظة من امبارح يا روح قلبي. شادية اتعجبت جداً، وهو أكد ليها

وقال بكل العشق اللي جواه: إزاي عايزاني أقدر أنام في أكتر ليلة حلمت بيها طول عمري، إنك تنامي في حضني وأفضل أمتع عيني طول الليل بيها. هتصدقيني لو قولتلك إني خوفت أغمد لحظة واحدة؛ أصحى ألاقيكي حلم وأفوق على كابوس ووحدة من تاني. اتأثرت شادية لكلامه، لمست خده بحنان وقالت: أنا هنا معاك وفي حضنك يا عمري، ومش هغيب عنك لحظة واحدة، ممكن بقى تحاول تنام شوية؟ سليم وهو بيزيح المفرش منه عليهم وبيقوم

يشد إيديها قال بحماس: أنام إيه بس، قومي يا عروسة عشان نفطر، أنا جعان جداً. *** وبعد مده نزل ياسر، وعيونه مرهقة من قلة النوم. بص على مكان الكرسي الفاضي ومقدرش يقعد، وقال: معلش افطري أنتِ يا مرزوقة، مليش نفس. مرزوقة وهي بتشده عشان يقعد مكانه قالت: يعني أهون عليك أصحى بدري وأقوم عشان أحضّرك الفطار بنفسي عشان تفطر تقول لي مليش نفس. ياسر بحزن: دي أول مرة أقعد على السفرة وماما مش جنبي، إزاي عايزاني أبلع اللقمة؟

لسه هترد عليه لكن سمعت صوت خبط عالي، الكل بص للباب واتخض. اتحرك ياسر عشان يفتح، ولما فتح اتصدم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...