الفصل 14 | من 44 فصل

رواية العسقلة الماكرة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ايمان كمال

المشاهدات
20
كلمة
5,350
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 32%
حجم الخط: 18

أخيرًا، خرج. تنهدت مرزوقة في نفسها: "الحمد لله". ثم دخلت على شادية التي سألتها: "معقول ما رحتيش؟ أنا افتكرت مشيتي مع ياسر؟ تعبتي نفسك برضه وهتباتي معايا؟ جلست مرزوقة مربعة رجليها أمامها وقالت بفضولها المميز: "مش هسيبك، انسَي. أنا قاعدة هنا على قلبك، لزقة بغرة. بس إيه كمية الحب اللي هتولع في المستشفى دي؟ كل ده كنتوا بتعملوا إيه؟ ها؟ بتعملوا إيه يا أشقيكم؟ قولَي قولَي، أنا برضو ستر وغطا عليكي؟

رفعت شادية حاجبها بتعجب من كمية فضولها التي كل يوم بتزيد وقالت: "يخربيت أم فضولك يا شيخة! انتي مش هتبطلي أبدًا الفضول ده؟ رفعت مرزوقة كتفها بفخر وقالت: "مستحيل طبعًا، ده جزء مني. يلا بقى احكي لي، بحب أسمع حكاياتك معاه أوي. بتخليني أعيش حالة الحب اللي عمري ما جربتها غير في روايات الأفلام وبس. قولَي يا شوشو بقى." قالت آخر جملة وارتسم على ملامحها الحزن، معرفتش تداريه ولا تهرب منه، يمكن لأنها فعلاً مجربتهوش قبل كده؟

وقلبها لحد دلوقتي بكر، عمره ما لمس معنى الحب ودقاته وعذاب لياليه. ضحكت شادية على كلمتها، وحالة الحب اللي عايشاها خلتها تغفل عن ملامح الحزن اللي في صوتها، وترجمتها بس إنه فضول قاتل منها. لأن محدش مهما يكون قريب منك يشعر ويحس باللي جواك إلا اللي عاش الوجع نفسه. وبدأت تحكي لها قد إيه سليم متمسك بيها وبيحبها، وهيفضل معاها لحد ما ربنا يجمعهم مع بعض. تحولت ملامح وش مرزوقة لغيظ من ياسر وقالت:

"ربنا يكون في عونه بصراحة. أنا اللي يطولني على رقبة ابن أخوكي ده، أخنقه بإيدي. بس لو تزعلي مني، أنا لو مكانك آخد قراري وأتجوز سليم ويخبط ياسر دماغه في أنشف حيطة. هو مش مكفيه كل اللي عملتيه عشانه؟ حرام يحرمك من السعادة اللي فاتحة أيديها ليكوا، بجد حرام عليه." قالت شادية بتوضيح وبتلتمس له العذر:

"غصب عنه يا مرزوقة. ياسر اتربى وحيد، ملهوش لا أخ ولا أخت، حتى أصحاب معندوش صديق بجد. اللي حواليه أصحاب شغل، بزنس مش أكتر. أنا كل محور حياته، صاحبته، أمه وأخته، وكل حاجة. شغله بعد ما يخلصه لازم أقرأه وأراجعه معاه تفصيلة تفصيلة، ونتناقش فيه لحد ما نرضى عن العمل. مكنتش ليه بس الأم، كنت وما زلت كل حاجة، حتى مديرة أعماله اللي بتدير كل شؤونه. صعب جدًا يتخلى عن كل ده في يوم وليلة يا مرزوقة، بل مستحيل."

قالت مرزوقة بعدم استيعاب ومش قادرة تتخيل إن لسه فيه حد لحد دلوقتي بيربي بالطريقة دي، بتعجب: "مش معقول يا شوشو! ربيتيه إنك تكوني كل ده في حياته؟ ليه ما خليتيهوش يستقل بحياته ويخرج من تحت عبايتك ووصايتك؟ قالت شادية بندم وحزن:

"كنت فاكرة إني لما أعمل كده هعوضه عن أخويا ومراته اللي ماتوا واتحرم منهم. كان نفسي أشوفه سعيد مش ناقصه أي حاجة. كنت بعمل كده بكل الحب اللي جوايا. كان هو بيعوضني عن حرماني من سليم ولو شوية. عشت معاه الأمومة اللي اتحرمت منها، وبقى هو كل دنيتي زي ما أنا كل عالمه." سكتت لحظات تاخد نفسها وكملت بوجع لذكريات أليمة عاشتها:

"تعرفي أنا برغم صغر سني وقت الحادثة، بس بفضل ربنا عرفت أكون أم ليه. وتعلقه بيا من هو صغير ومساعدتي لمرات أخويا، رحمه الله عليهم، خلاه قريب مني أوي وتقبل وجودي في حياته والقدر جمعنا ببعض. بعد ما أهل أمه رفضوا حد ياخده ويتحمل مسئوليته، وقالوا وقتها انتي عمته وأولى بيه. وأنا فرحت بهدية ربنا ليا. ومن اللحظة دي كل واحد فينا معتبر التاني هو دنيته اللي بتكمل بوجود التاني معاه. فهمتي بقى هو صعبان عليا ليه؟

أوْعِي تفتكري إنه أناني؛ لأ خالص، هو محب بدرجة جنون، وأنا عارفة ده لأنه نفس شعوري. وطول عمري خايفة يجي اليوم اللي يبعدني عنه ويتعذب. وياما حاولت أخليه يحب ويتجوز، بس عمره ما وافقني، ولا قلبه دق لأي بنت." قالت مرزوقة بحزن: "والله انتوا حكايتكم غريبة ومحدش يصدقها. ربنا يهديك يا ياسر يا ابن يسري ويفك عقدتك يا رب. بس غريبة إزاي أهل أمه محدش طالب ياخده وهما أولى بيه؟

بسؤالها ده فتحت سيرة الموضوع ده قلب على شادية مواجع وخلاها تنبش في قلبها وتشيل تراب الذكريات اللي ياما حاولت تنساه وتداري على ياسر وتخبي عليه أي حاجة. بلعت ريقها وبصت لعيونها لبعيد بتحاول تسترجع أول خيوط من ذاكرتها لحظة ما أهل مرات أخوها ما كان شرطهم الوحيد إنهم ياخدوا ياسر إنها تتنازل عن ورثه ويكونوا هما اللي ليهم الحق في الوصاية عليه. والكلام ده كان كلام أخوها بعد أبوها وأمها ما ماتوا ورا بعض حزن على بنتهم. ولأن

ياسر كان عايش معايا أنا طول الوقت، فكان مش بيرضى يروح عن جده. حسيت وقتها يا مرزوقة إن الفكرة كلها طمع في ورث ياسر. هنا وقفت بكل قوتي ومعرفش إزاي القوة دي ربنا حطها جوايا ورفضت بشدة إني أتنازل عنه، وقولتله أنا اللي هربيه وملكش دعوة بيه وهحافظ على ماله وهطلعه راجل وهسلمه فلوس أبوه وهو له مطلق الحرية فيهم. رد عليا باستخفاف وبص إن لسه صغيرة في السن وإني مش هعرف أربيه وقالي "لما نشوف هتعرفي إزاي تتحملي مسئوليته لوحدك،

وبكرة تيجي تبوسي إيدي عشان أخده أربيه، ووقتها هرفض."

كانت شادية شايفة ملامح الذهول على وش مرزوقة، فهزت راسها تأكد كل حرف قالته، وبعدها طبطبت على إيديها وقالت بترجي: "أوعي يا مرزوقة الكلام ده ياسر يعرفه. أنا معرفش إزاي قولته لك عليه. طول عمره كان مدفون في قلبي ومخبيه عليه عشان مصدمهوش في خاله، وكنت بحمد ربنا إنهم نسوه أصلًا والحياة أخدتهم بعيد عننا، وهو كمان نسيهم."

نظرت لها مرزوقة نظرة شفقة على كل اللي عاشته ومدى تضحيتها لياسر، دعت من قلبها إن ربنا يهديه ويحنن قلبه لأنها تستحق تعوض كل اللي عاشته. حبت تغير الموضوع بعد ما أكدت لها إن كلامها عمر ما حد هيعرف بيه، وقالت وهي عينيها على شنطة: "آه على فكرة أنا جهزت شنطة صغيرة فيها هدوم ليكي، من غير ما يعرف قولت لو حصل وبيتي تلاقي معاكي هدوم، وجبت لك كمان علاجك، منستهوش. تعالي أغير لك عشان ترتاحي وتنامي شوية." قالت شادية بامتنان:

"متشكرة أوي يا مرزوقة، أنا مش عارفة أشكرك إزاي. والله وجودك معايا فرق كتير أوي، وجميلك فوق راسي." قطعت مرزوقة كلامها وقالت: "متقوليش كده تاني، ومتشكرنيش عشان اللي محتاج شكر هو انتي، وأنا اللي مديونة ليكي، ولا نسيتي؟ يلا بقى بلاش دلع يا حبيبتي أغير لك." بدأت شادية تغير هدومها وتشوف جابت لها إيه معاها في الشنطة، وفتحت عينيها ومصدقتش نفسها لما شافت جابت معاها أغلى حاجة لقلبها، جوابات وذكريات سليم ليها. ضمتهم

بحب ولمعة في عينيها وقالت: "انتي بجد مش ممكن. دي أحلى حاجة جبتيها يا مرزوقة، شكراً جدا حبيبتي." قالت مرزوقة بابتسامة: "مفيش شكر بينا يا شوشو، أنا قولت إن دول هيبقوا أفضل مسكن ليكي. هسيبك تقرأي شوية، ولو احتجتي حاجة نادى عليا." ابتسمت بحنان وهزت راسها بموافقة، وفتحت أول جواب وعاشت مع حروفه وغاصت بكل مشاعرها متناسية كل اللي هي فيه من قهر ووجع. "حببتي الوحيدة التي سكنت وجداني شادية...

اشتقت إليگِ بشدة، فقد فاق اشتياقي كل الحدود، وتعب القلب من طول البعاد والانتظار... فهل ما زلتِ تتذكريني حبيبتي؟ أم نسيتِ العشق الذي كانت عيناگِ تبوح به قبل شفتاگِ؟ هل تناسيتِ حروف الحب التي سردت في عتمة ظلام ليلگ الكالح؟

أنا هنا ما زلت عند باب الحب واقفًا، أشكي حزني لنجوم الليل التي شاهدت بكائي في صمت ليلي الحزين، أناجي صورتگ، لتظهر من جديد، تجاوب على حيرتي وتقوي ضعفي وهشاشتي، حيث أشعر بأني في بعادگ حبيبتي؛ مثل الريشة تعلو وتطير بفعل الرياح في كل مكان دون توقف، لا تعلم بأي أرض ستهبط وترسى على مرفأ تجدگ منتظرًا عليه.. !! فـ هل انتهت قصتي معگِ ؟! أم ما زال لها بقية سـ تسردها أيامنا؟! فتحت جواب تاني وكان أشد وأقوى من اللي قبله:

"الوجع والفراق أصبح عنوان قصتنا.. والدموع تذرف أنهار تروي ظمأ حرماننا... لماذا تعاندنا أقدارنا... ألم يحن لحظة اللقاء ليتروى الفؤاد من شهدنا... أم سيظل يصرخ، منتظر التحرر من قيوده؛ ليعلن عن عشقه أمام كل الوجود... أمام سحر عينيكِ أقف مقيد اليدين، فلا ترمقيني يا فاتنتي هكذا، فـ القلب ذاب وانصهر... ألا ترين اهتزاز الجبل من تحت قدماي ؟! لا تحزني يا جمرة الوتين، لقد حسمت أقدارنا وقدر لنا بالرحيل...

مسحت عيونها وحاولت تتماسك، ولسه هتشيل الجوابات، قلبها ما طاوعهاش فتحت تاني واستمرت في القراية. "يا حب ينبض بداخل شريان فؤادي، تجري وتسير كـ شلالات متدافقة دون توقف. يا حب لم ولن يموت عبر كل الأزمان، فحبي لگِ نبع من الصفا والحنان، وشغفي لگِ يفوق كل العشاق. أنتظرگ بالساعات والأيام، متلهفًا للحظة اللقاء، ستظل داخل وجداني حتى يقف القلب عن نبضاته، معلنًا وقوفه عن نبضات حبگ بداخله. سُئلت ذات ليلة هل أحببتها؟

جاوبت نعم أحببتها.. !! نعم عشقتها.... بكل نبضة قلب هويتها... بكل ذرة بوجداني عشقتها... بكل همسة في شفتاي تصرخ منادية عليها تريدها... بكل قطرة دم تسري بداخلي تصيح بحروف اسمها.... أحببتها نعم ولا أريد سواها، فقد اكتفيت بها من دون نساء الكون، فهي نسائي الأربع، ولا أريد إلا إياها...

استمرت شادية في تجرع المسكن اللي بينسيها كل أوجاعها وآلامها ومحستش إنها قرأت الكثير من الجوابات، ونامت من غير ما تشعر، كأن حروفه وكلماته كانت بمثابة البنج والمنوم وغاصت تحلم بيه زي كل يوم. *** وصلت شيراز شروق لبيتها وبعدين روحت، وأول ما فتحت شروق باب شقتها أمها قالت بغضب شديد: "ينفع كل ده تأخير يا شروق لحد دلوقتي؟ قربت شروق منها وقبلت راسها وقالت باعتذار:

"لأ طبعًا مينفعش يا ست الكل، وآسفة جدًا إني اتأخرت، بس والله الحفلة كانت حلوة ومشيت ولسه شغالة لحد دلوقتي، وشيراز مرضيتش السواق يوصلني وأصرت إنها هي اللي تروحني، معلش سماح المرة دي، وأوعدك مش هتتكرر تاني." قالت سعاد وهي بتتنهد: "يا حبيبتي أنا بس بخاف عليكي مش أكتر، ولولا إني عارفة قد إيه بتحبي شيراز كان مستحيل أوافق. على العموم ادخلي غيري هدومك عشان عايزة أكلم معاكي شوية." قالت شروق بتفهم قصدها:

"لو عايزة تعرفي مالي، صدقيني يا ماما مش قادرة أتكلم، اعذريني." قالت سعاد بخوف: "يا بنتي انتي ليكي مين غيري تحكيله بس وتفضفضي معاه؟ قالت شروق بألم: "أوقات يا ماما السكوت بيكون أبلغ من أي كلام، وراحة لأن أي كلام هنقوله هيتعب مش هيريح." قالت سعاد بترجي: "طب ريحي قلبي وقولي لي فيكي إيه يا بنت بطني؟ قالت لها شروق وهي بتتحرك لاوضتها، وبتطلع هدوم تلبسها، خبر موجز: "أنا نهيت كل اللي بيني وبين عماد."

صدمة كبيرة لسعاد، ضربت باديها على صدرها بخضة وسألت: "يا خبر! إزاي؟! وليه كده... وإيه اللي وصل الأمور بينكوا للنهاية دي؟! قعدت شروق على السرير والدموع لمعت من تاني في عينيها وقالت: "حاجات كتير حصلت وأنا كنت بعديها عشان بحبه، بس المشكلة الأخيرة جبت آخري منه، وقولت خلاص مش هقدر أكمل على الوضع ده....

وبدأت تحكي لها كل حاجة حصلت وقد إيه هي كانت دايمًا بتعدي وبتيجي على نفسها عشانه، ولما لاقت إنه بيزيد وبيُلغي كيانها مقدرتش تتحمل أكتر من كده. فضلت تسمعها ولما خلصت قالت كلمتين ما توقعتش أبدًا شروق تسمعهم منها:

"انتي صح يا بنتي. ربنا بعد عنك حاجة عايزاها؛ عشان يعوضك باللي أحسن منها. أوعي تزعلي أبدًا، وقدر الله ما شاء فعل، وربنا شايلك نصيبك، ومتندمييش على قرار أخدتيه، وهتتوجعي شوية دلوقتي وهو بعيد عنك؛ أفضل ألف مرة من إنك تتوجعي وهو معاكي العمر كله وتندمي إنك مبعدتيش." قالت شروق بذهول: "يعني مش زعلانة مني عشان فشكلتي معاه؟ قالت سعاد بحزن فشلت إنها تداريه:

"منكرش إني حزينة، خصوصًا انتي عارفة أنا بحب عماد قد إيه وبتمنى من كل قلبي إنه يكون من نصيبك، بس ده ميجيش أبدًا على سعادتك. انتي عندي أهم من أي حاجة، وسعادتك تهمني سواء مع عماد أو غيره." رمت شروق نفسها في حضن أمها وهمست لها وقالت: "ربنا يخليكي ليا يا رب ومتحرميش منك ومن وقوفك جنبي يا ماما." طبطبت سعاد على ظهرها وأمنت دعاءها وتمنت ربنا يرزقها باللي يسعدها ويعوضها.

وسابتها تغير هدومها وخرجت تحاول تنام، لكن النوم جفاها بعد كل اللي سمعته من بنتها ومتخيلتش أبدًا إن ابن اختها اللي ربته على إيديها يكون بالطباع دي. وفي الآخر حمدت ربها على كل حاجة. وصلت ركعتين قيام ليل ودعت لبنتها بالخير. ***

مع ظهور أول خيوط أشعة الشمس الذهبية، وتسللها على عيون ياسر المستغرق في نومه بملابسه من ليلة امبارح، فتحها وردد اسم أمه، وقام مفزوع وبص حواليه واكتشف إنه نام في أوضتها، خرج وراح أوضته ودخل ياخد حمام، وغير هدومه بسرعة ونزل عشان يشوفها ويطمن عليها، وأول ما نزل قابلته هنيه وسألته: "تحب أحضر لك الفطور يا سيدي؟ رد ياسر وهو بيتحرك ناحية الباب: "لأ شكراً يا هنيه، افطري انتي، أنا هروح لماما وأفطر معاها." سألته هنيه:

"طب تحب أحضر إيه على الغداء يا سيدي؟ قال ياسر باستعجال: "أي حاجة يا هنيه، اللي بتحبه ماما اعمليه، سلام." ركب عربيته وساق انتبه لرنين تليفونه، فتح الاسبيكر ورد: "أيوه مين معايا؟ قال مجدي بزعل: "أيوه يا قليل الأصل نسيت صوتي؟ رد ياسر: "مجدي إزيك يا واطي؟ قال مجدي: "أحسن منك، مردتش عليا من ساعتها ولا قولت قرارك، فقولت خلينى أحسن وأتصل أنا." قال ياسر بنبرة حزينة: "والله يا مجدي انت ما تعرف حصل إيه من وقتها؟

وبدأ يحكيله اللي حصل لشادية، وزعل جدًا مجدي وعرف العنوان وقفل معاه وبلغه إنه هيروح يزورها على طول ويتقابلوا هناك. قفل معاه وكان على وشك يوصل، لمح مطعم شهير نزل اشترى منه فطار سندوتشات بتحبها شادية، وبعدين وصل للمستشفى، خبط على باب أوضتها وفتحت مرزوقة وأول ما شافته واقف قدامها صبحّت عليه. هو دخل وقعد، كانت شادية لسه نايمة عشان سهرت أوي امبارح، فأتكلم بصوت واطي وقال: "إزيها؟ قالت مرزوقة بهمس:

"الحمد لله كويسة، بس نامت متأخر، عشان كده لسه مصحيتش، تحب أصحيها؟ قال ياسر برفض: "لأ خالص سبيها تصحى براحتها، أنا كنت عايزك في حاجتين." قالت مرزوقة بتعجب: "خير... قال ياسر وهو بيقعدها جنبه: "أولاً عايز أشكرك على وقفتك جنب ماما، ثانياً مجدي عرف باللي حصل وهيجي دلوقتي يطمن عليها، فياريت تكوني لطيفة معاه وتعدي الموقف اللي حصل، لأن بدون تحيز لمجدي، مش هتلاقي مخرج يعرف يخرج كل اللي جواكي زيه يا مرزوقة."

سألته مرزوقة باستفهام: "أولاً مفيش شكر أبدًا أستحقه، حضرتك متعرفش مدام شادية إيه بالنسبة ليا، ثانيًا بالنسبة للأستاذ مجدي يعني عايزني أعمل له إيه يا أستاذ ياسر؟ أعتذر له؟ قال ياسر بهدوء: "لأ بس تكوني هادية، ورقيقة مش أكتر." قالت مرزوقة بغيظ من تحت ضرسها: "حاضر عشان خاطرك انت، بس وديني وما أعبد لو كررها تاني ولمسني مش هيلاقي غير فردة جزمتي هتنزل على راسه تفتحها من غير أي كلام." قال ياسر بتكشيرة:

"ياستر ربنا يحفظنا منك، إيه يا بنتي الشر ده؟ قالت مرزوقة بحدة: "مش شر، بس ده حفاظ على النفس. الشرف والعفة مفيهاش هزار يا يا أستاذ ياسر، وعشانها تطير فيها رقاب." بين وبين نفسه ياسر أنكر إعجابه بيها وبتمسكها بمعتقداتها ودينها، ولسه هيرد أخد باله إن شادية فتحت عينيها، قام وقف وقبل جبينها وقال: "صباح الخير حبيبتي، البيت وحش أوي من غيرك يا ماما." قالت شادية بابتسامة: "يسعد صباحك يا حبيبي، فطرت ولا نزلت من غير أكل؟

جاب ياسر شنطة الأكل وشاور عليها: "وأنا من إمتى بفطر من غيرك يا ماما؟ مرضيتش آكل وجبتلك معايا الفول والطعمية السخنة اللي بتحبيها، وكمان بطاطس وبتنجان." خطفت مرزوقة الشنطة بسرعة، زي ما تكون حداية وخطفت كتاكيت وطارت بيهم، تحت أنظارهم وقالت وهي بتفتحها، وبتاخد سندوتش وبتأكله: "ياااه الله! جيت في وقتك، دي عصافير بطني كانت بتنتحر، متعشيتش امبارح وهموت من الجوع."

بصوا ليها ومرة واحدة فطسوا من الضحك عليها، لأنها بتتحول لغول مفجوع لما بتجوع. قامت شادية بمساعدة ياسر، وقعدت نص قعدة، ولما خلصت مرزوقة السندوتش، جابت كرسي عشان ياسر يقعدها ودخلتها الحمام عشان تغسل وشها، وتغير هدوم البيت وتلبس ملابس خروج، وبعدين خرجت وياسر شالها وحطها على السرير، وابتدوا يفطروا كلهم في جو مرح لا يخلو من مناغشات مرزوقة. وفجأة دخل عليهم دكتور سليم بابتسامته المعهودة وعينه موجهة لشادية، لكن أول ما لمح وجود ياسر اتطفى قنديلها وتبدل لظلام. وقرب من شادية بعملية وسألها عن صحتها،

وهي ردت وقالت بحب: "الحمد لله يا دكتور زي ما أنا، مفيش جديد. هي الأشعة طلعت؟ قال سليم: "أنا لسه جاي من مركز الأشعة وبلغني إن النتيجة هتطلع كام ساعة، أول ما تظهر هبلغك. الممرضة جابتلك الفطور؟ قالت شادية وهي بتشاور على الأكل: "لأ ياسر جابلي الفطار عشان مش بحب أكل المستشفيات، انت أكلت؟ نفى سليم: "لأ." بتاخد شادية سندوتش طعمية وتمد إيديها وبتقوله: "طب جابر الزاد وخد كل معايا."

تردد سليم خصوصًا لما شاف نظرات الشرار في عين ياسر، في لحظة قرر إنه يتخطاه بكل أفعاله وتصرفاته، وإنه يعيش حياته مع حبيبته مهما يتصرف، وأخد منها السندوتش تحت نظراته الحارقة. حبت مرزوقة تلطف الجو المحترق ده، فقالت لياسر: "ما تيجي معايا يا أستاذ ياسر توريني الكافتيريا فين عشان نطلب القهوة لمدام شادية ولحضرتك." قال ياسر وهو بينفخ بضيق: "روحي انتي يا مرزوقة." ردت مرزوقة بتصميم:

"أخاف أتوه، تعالى معايا، وادينا نحرك اللقمة عشان نهضمها." راح معاها ياسر تحت ضغطها عشان يهرب من نظرات السمج سليم، لأنه لو دقيقة كمان كان هيمسك في خناقة، وبينه وبين نفسه كان بيشكر مرزوقة.

حس سليم وهو بياكل قد إيه شادية بتحاول تشاركه في الأكل، وتسعده، كان بياكل بسعادة مش عشان بقاله سنين مأكلش الطعمية والفطار الشعبي ده؛ لأ عشان بياكل مع حبيبته اللي ياما حلم إن أول ما يصحى من نومه تشاركه كل لحظات حياته. كان بياكلها في بقها وهي كمان، بيسرقوا من العمر دقايق عشان تبقى ذكرى حلوة يعيشوا عليها سنين قدام. مكنش محتاج للغة الكلام يتكلم بيها مع شادية، كان السكوت في حالتهم أفضل ألف مرة من الرغي والكلام، لأن اللي بينهم لغة ميعرفهاش غير العاشقين وبس، لغة بتفهمها العيون وبتتقن ترجمتها. مرزوقة أدتهم وقت يشاركوا بعض ويعيشوا الحب، لكن مهما طال الوقت لازم يتقطع. واللي قطعه دخول المخرج مجدي اللي حط جنب

شادية بوكيه الورد وقال: "ألف سلامة عليكي يا مدام شادية." نظرتها اتحولت لزعل حاولت تداريه ردت عليه: "الله يسلمك يا مجدي، اتفضل اقعد." قال سليم وهو بيص لشادية: "أستأذن أنا دلوقتي ولما النتيجة تطلع هبلغك." خرج سليم وأول ما اختفى قالت شادية لمجدي بعتاب:

"أنا مش بعرف أخبي اللي جوايا يا مجدي، وبجد أنا زعلانة أوي من اللي عملته مع مرزوقة، وكنت هتصل بيك مخصوص أعاتبك وألومك بس اللي حصلي اتلاهيت فيه، وأحب أقولك إن مرزوقة تهمني واللي يزعلها كأنه زعلني شخصيًا." قال مجدي بإحراج: "هي اللي فهمت غلط واتطاولت عليا ومدت إيديها." قالت شادية بحدة:

"حقها يا مجدي، ولولا اللي عملته مكنتش عملت كده. مرزوقة مش من صنف البنات اللي تعرفهم، فلو سمحت خلي بالك ومش عايزة اللي حصل ده يتكرر. البنت موهوبة متكرههاش في الوسط من قبل حتى ما تبتدي فيه، اقف معاها وكمل المشوار يا مجدي، وبلاش تحط ياسر في موقف اختيار بينك وبينها." اتنحنح مجدي وقال: "عشان خاطر حضرتك يا مدام شادية هوافق أدربها تاني، وأوعدك مش هيحصل حاجة تزعلك مني. انتي غالية عندنا كلنا ومنقدرش على زعلك أبدًا."

قالت شادية بارتياح: "ربنا يسعدك ويوفقك يا رب، والفيلم ينجح النجاح المتوقع." ***

حالة عماد من بعد آخر مكالمة بينه وبين شروق، وهو على جمرة نار قايدة مش بتطفي أبدًا، بركان حمم لا بتهدأ ولا بتبرد، مش طايق أي حد من زمايله في الشغل، الكل متجنبه، بينجز المطلوب منه بالعافية، بيحاول طول النهار يلهي نفسه في العمل عشان يروح هلكان ينام على طول، لكن للأسف الفكر بيفضل يلاعبه وتأنيب قلبه بيفضل يعذبه طول الليل، جواه حرب مش عارف مين هينتصر فيها؟ قلبه وحبه الكبير ليها؟

ولا عقله وفكره المسيطر عليه إنه لازم يكون الحاكم الآمر في بيته، وهي ملهاش أي صفة غير تكون زوجته وونيسته وأم عياله، تسمع كلامه دون مناقشة؟ هل هو صح؟ ولا تفكيره غلط وكان سبب في ضياعها منه للأبد؟ فاق على صوت زميله خيري بيقول: "إيه يا زمل لسه حزنان وقالبها مناحة عشان السنيورة باعتك؟

اللي يبيعك بيعه بطول دراعك يا عمده، ولا يستاهل تزعل عليه لحظة، مشيت مرة تيجي عشرة بعدها، الستات على أفا من يشيل، دول يتمنوا واحد زيك، انت بس اللي مش عارف قيمة نفسك يا زميلي." رفع عماد عيونه الدبلانة من الحزن وقال: "مهما تيجي ستات عمري ما هلاقي زي شروق أبدًا...

دي حب عمري يا جدع، ده إحنا كنا خلاص على وشك الشقة تخلص ونتجوز على طول. حلمت معاها بكل تفصيلة ورتبت شقتنا على مزاجها وذوقها، مش عارف إيه اللي حصل وغير كل حاجة واتقلبت في غمضة عين بالشكل ده؟ ولا عارف مين السبب فينا أنا ولا هي؟ أنا تايه أوي يا خيري؟ "عمري ما حسيت إني ضعيف أوي كده زي اللحظة دي؟! قال خيري وهو يطبطب على كتفه، بانفعال ملحوظ: "في إيه يا عماد ما تجمد يا جدع كده، واحدة ست تعمل فيك كل ده؟

هي لو كانت بتحبك زي ما بتحبها؛ كانت رضخت وسمعت كلامك وتبقى تحت طوعك، يعني انت بتطلب منها إيه عشان تعمل كل ده؟ ما جربتش إنك بتقولها تكون تحت طوعك وتسمع كلامك وإن الكلمة الأخيرة في البيت ليك انت، هي اللي خسرتك مش انت، وألف من تتمنى راجل حمش زيك، ولا تشيل هم بإذن الله ربنا شايلك بنت حلال طيبة ومطيعة، وياسيدي ياما في ناس بتبقى خلاص هيتجوزوا بعد يوم وميحصلش نصيب، احمد ربنا على كل حال." قال عماد بحزن:

"حمده وشاكره يا خيري، بس صعبان عليا حب سنين راح في ثانية." قال خيري وهو يشرب من فنجان قهوته اللي قدامه: "كلهم صنف نمرود، أول ما حست إنك بتحبها اتفرعنت، عشان كده لازم تخلي بالك المرة الجاية، ومتبينش أبدًا لأي ست إنك دايب في هواها عشان متدللش رجليها وتفرد وتتمطى عليك." كان بيقول كلامه وعينه على التليفون اللي شاشته كل شوية تنور وهو بيكنسل. خلص كلامه قام عشان يتصل بالرقم اللي بيرن عليه، وأول ما رن ردت

عليه وبصوت عالي بحدة قالت: "انت مش بترد عليا ليه لما بكلمك؟ رد خيري بتوتر: "والله يا حبيبتي الفون كان صامت، وكنت في اجتماع وأول ما خرجت اتصلت على طول." قالت خيرية مراته بحدة: "اجتماع مجتمعش مليش فيه، أنا أول ما اتصل ترد، فاهمني؟ بلع خيري ريقه وتلجلج قال: "حاضر يا حبيبتي بس هدي نفسك، أعصابك مش كده، المهم كنتي بتتصلي ليه؟ قالت خيرية بتفكير: "آه بفكرك تعدي على ماما قبل ما تروح تجيب الولد من عندها." قال

خيري وهو بيجز على سنانه: "حاضر." قالت خيرية بعنجهية: "انت خلصت الأكل ولا هيبقي مفيش أكل زي امبارح؟ قال خيري باندفاع: "لأ يا خوختي كله جاهز، مش ناقص بس غير تسوية الرز أول ما أجي هسويه عشان يبقى سخن، ولو يعني انتي وصلتي قبلي سويه عقبال ما أجي، ده لو أمكن يعني." قالت خيرية بدلع: "ماشي يا خيري لو جيت قبلك هسويه وعد الجمايل، مع إن الأسبوع ده بتاعك انت، بس مش مشكلة، متتأخرش انت ومتنساش تجيب الفاكهة وانت جاي."

رد خيري براحة إنها وافقت ومسمعتهوش موشحها المعتاد: "عيوني حاضر هجيب الفاكهة، والبامبرز بتاع آسر معايا، شوفتي أنا فاكر ومنستش إزاي." قالت خيرية برضا: "شاطر يا حبيبي، يلا سلام دلوقتي."

قفل معاها وغمض عيونه بغلب من سيطرة مراته عليه، وضعفه قدامها وعدم قدرته إنه يقف ويعترض على أي حاجة تقولها، وإزاي هيقدر يعترض ولا حتى ياخد قرار بالبعد عنها وهو مربوط من رقبته بسلسلة خنقاه، ومؤخر صداق وشيك على بياض يوديه ورا الشمس، عشان كده مقدموش غير إنه ينصاع لسطوتها وأوامرها الغير منتهية. *** ماشي ياسر ومرزوقة في الطرقة وأول ما لمح دكتور المخ والأعصاب جري ناحيته وسأله: "نتيجة الأشعات إيه يا دكتور طمني على والدتي؟

قال الدكتور رد وقال: "أنا اطلعت عليهم، وللأسف....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...