بصلها بقهر ودموع بتلمع، واقفة على باب أهدابه، بتهدده إنها هتنزل مهما يحاول يسجنها داخل محرابه. مهتمش بكل اللي حاكته، غير بس إنها عايزة تعيش حياتها بعيد عنه، وإن في راجل استوطن قلبها، وأعلنتها صريحة قدامه. يمكن زمان كان حب خفي ميِعرفش بيه ولا حس بوجوده، لكن دلوقتي بقى حقيقة واضحة وظاهرة وضوح الشمس. قرب منها، واتقابلت عيونهم في مواجهة صعبة عمرها ما اتخيلت في يوم تقف في الموقف ده. وقالها ياسر بكل القهر اللي جواه:
"عايزة تتجوزي ياماما؟ خلاص هونتِ عليكي وهتسبيني لوحدي زي ما بابا وماما سابوني زمان... وهأرجع أعيش تاني لحظات الحرمان وعدم الأمان؟! ليه هونتِ عليكي كده؟ أنا اتساهلت منكِ تسبيني، طب هو أنا زعلتك في يوم؟ قصرت معاكي في حاجة؟ مش إحنا الاتنين كنا مكتفين ببعض ومش عايزين حد يدخل أبدًا بينا ولا يشاركنا في قلبنا حد؟ إيه اللي حصل غيرك؟ كل ده عشان ظهر سليم من جديد؟! ياريتُه ما رجع...
ياريتُه فضل مكانُه بعيد، عشان تفضلي إنتِ جنبي ومتبعديش عني ولو لدقايق... أنا بكرهُه وعمري ما هقدر أحبه ولا أسمح إنه ياخدك مني، إنتِ فاهمة؟!
شادية باصلُه ومش قادرة تصدق كم الأنانية والتملك اللي وصل معاه. دموعها مش قادرة تقف. حست إنها بدون قصد ربّتُه على إنها ملكية خاصة ليه وبس. عاشت عمرها كله متفانية في حبها وحنانها اللي غرقُه، لكن متوقعتش إنه لما ييجي الدور عليه عشان يسعدها يكون ده جزاءها منه. كان بيتكلم زي الطفل الصغير اللي ماسك في فستان أمه بيترجاها متسيبوش. لكن لما صرّح بكره سليم، مقدرتش تسكت. وقفت على رجليها اللي كانت بترتعش وتتهز، مش قادرة تشيلها.
وقالت بوجع: "حرام عليك يا ياسر تظلمني وتظلمُه بالشكل ده؟ ده لولا لعبة القدر معانا، كان هيكون هو اللي ربّاك معايا وبمثابة أبوك. أنا عشت عمري كله عشانك، وعمري ما بخلت بعطفي وحناني عليك. ليه النهاردة جاي ومستكتر عليا أعيش وأعوض اللي فاتني؟ ياسر بغضب وثورة قال بنبرة حادة وهو بيخبط على المكتب بكل قوة، وبيرمي كل حاجة موجودة على الأرض بعنف:
"دلوقتي أنا اللي بقيت مفترِي وظالم. خلاص روحي له يا ماما، وعيشي حياتك معاه، والبسِي فستان الفرح واعملي كمان فرح يا عروسة، واتخلي عني وسبيني أعيش الباقي من عمري لوحدي، واتهني معاه. بس ساعتها انسي إن ليكي ابن اسمه ياسر." شادية بصدمة من كلامه، لفت ظهرها عشان تبص في عيونه وقالت بقهر: "هان عليك لسانك يقولها يا ياسر؟! ياسر وهو ماسكها وبيزق إيديها اللي ماسكاه قال بنفس نبرة الألم والوجع:
"زي ما إنتِ هان عليكي وحبيتي غيري وعايزة تسبيني عشانه، أنا بخيرك والقرار قرارك؟!
قال كلامه اللي كان دفعات متتالية من رصاص بندقيته داخل قلبها، دون ما يراعي إنه بيقتلها في مقتل من غير ما يرأف ولا يشفق على حالتها. وسابها وخرج. وهي واقفة تايهة، رجليها خارت كل قوتها مش متحملة وجع رعشتهم. قعدت ورمت جسمها على الكرسي، وكأن كل هموم الدنيا اتحطت فوق راسها. زي ما يكون حد ضربها على راسها ودايخة مش متحملة تقل الضربة. محستش بنفسها وعلامات الصدمة مرسومة على وشها، مبرقة والدموع بس اللي نازلة شلالات على خدها تحرقها زي ما قلبها محروق. رد فعل ياسر فاق كل توقعاتها، وكلامه دبحها، وخلاها في موقف اختبار صعب، يمكن أصعب من اختبار القدر ليها زمان!!
ياترى هتختار مين؟ وهتظلم مين؟ دخلت بسرعة مرزوقة عليها أول لما لمحت ياسر خارج زي الطور الهايج المدبوح لفوق. جريت عليها، وأول ما شافت شكلها اتخضت وحضنتها وهي بتسأل: "مالك فيكي إيه يا حبيبتي؟ قالك إيه وصلك للحالة دي؟ شادية فاقت وانتبهت ليها، ورمت نفسها في حضنها وفضلت تبكي وتصرخ بوجع وهمست ليها وقالت: "مش قادرة أتكلم، أرجوكي طلّعيني أوضتي، رجلي مش شايِلاني يا مرزوقة."
مرزوقة بشفقة على حالتها، ضمتها لحضنها أوي، وبعدين ساعدتها عشان تقوم وتقف تطلّعها أوضتها. وأول ما وقفت مقدرتش تقف ووقعت على الأرض ماسكة رجليها. وبصت لمرزوقة بصدمة أكبر وبتقول: "الحقيني يا مرزوقة، رجلي مش حاسة بيهم خالص؟!
مرزوقة برعب قربت منها وحاولت تدلكهم، تضرب بإيديها يمكن تحس، وهي مفيش أي استجابة. عيطت مرزوقة وصرخت بأعلى طبقات صوتها على ياسر كذا مرة. وأول ما سمع ياسر من فوق صراخها، ولع منها ومن طريقتها واستغرب إزاي تنادي عليه من غير حتى ألقاب. وخرج وهو ناوي إنه هيبهدلها. وأول ما لمحها، كانت الأسرع منه وقالت: "الحق شوشو بسرعة!! أول ما سمع اسم أمه نزل جرى على درجات السلم بدون وعي يجري وسألها؛ "مالها ماما؟ انطقي؟ مرزوقة بعياط:
"مش حاسة برجليها خالص ومش قادرة تقف عليهم." ياسر برعب وهو بيقرب منها على الأرض، وببكا الأطفال في عينيه قال: "مالك يا حبيبتي... أنا آسف والله آسف إني زعلتك، حاسة بإيه؟ شادية بانهيار تام بتصرخ بدون وعي: "رجلي كأنهم مش موجودين، مش حاسة بيهم، أنا اتشليت يا ياسر!! أنا خلاص انتهيت!! طلعني في أوضتي، مش قادرة أقوم." ياسر فقد كل أعصابه وقال في انهيار أشد منها: "ماتقوليش كده؟!
بإذن الله هتبقي كويسة، حالة بس عارضة وهتخفي يا ماما، أرجوكي ماتعمليش فيا كده، أنا مش هقدر أستحمل أشوفك بالضعف ده!! ياسر شالها بين إيديه، وطلع بيها وقال لمرزوقة تتصل بالمستشفى عشان الدكتور ييجي. بس هي وقفت محتارة تتصل بأي دكتور. ولما شافها واقفة متحركتش زعق وقال: "اخلصي وكلمي المستشفى بسرعة." مرزوقة بتوتر وخوف منه: "أتصل بأي دكتور؟ سليم ولا الدكتور بتاعها؟ للحظة من التفكير قال:
"أي حد المهم سلامة ماما دلوقتي يا مرزوقة." وصل لأوضتها وحطها بحنان على السرير، وظبط ليها المخدة ورا ضهرها، وقبل جبينها وقال: "سلامتك يا حبيبتي ألف بعد الشر عليكي، إن شاء الله أنا." شادية بسرعة ردت: "بعد الشر عنك، أنا أفديك بعمري كله يا ياسر." ياسر رمى نفسه في حضنها يستكن زي ما كان طول عمره بيعمل زمان، لما بيحس بعدم أمان. وفضل ساكت وهي طبطبت عليه كالعادة، وباسمته من راسها والسكوت هو اللي سائد.
مرزوقة تحت فتحت الأجندة بإيدين بترتعش وقلب بيرتجف من الخوف عليها وطلعت الرقم. بتحاول تكلم المستشفى، وأول ما حد رد عليها طلبت تكلم دكتور سليم ضروري. رفضوا في الأول، لكن لما عرفوا إنها من طرف مدام شادية اتحولت المكالمة. وأول ماسمعت صوته قالت بلهفة وبكاء: "دكتور سليم الحق مدام شادية أرجوك." سليم وقف وقلبه وقع في رجله وسأل: "مالها شادية؟ إيه اللي حصل؟
مرزوقة حكت له اللي حصل، وهو بمجرد ما عرف، وقع من إيديه سماعة التليفون. وحس إن قلبه هيقف. لحظات مرت عليه كأنها دهر. فاق بسرعة وأخد شنطته واستدعى دكتور مخ وأعصاب وراح بسرعة لعندها. طول الطريق بيسابق الزمن لدرجة إن الدكتور اللي معاه كان خايف على نفسه من سرعته. وصل في زمن قياسي، وأول ما رن جرس الباب، فتحتله مرزوقة بسرعة، وطلعت معاه لفوق. وأول ما دخلوا اتفاجئوا بشكل ياسر وهو في حضنها زي البيبي. قلب سليم ولع من غيرته
عليها، ومقدرش يصدق إن اللي يشوفه ميقولش راجل تقارب على الثلاثين من عمره. تنحنحت مرزوقة عشان يفوق. وأول ما لمحه، الشرار طلع من عينه وافتكر إنه هو السبب في كل حاجة وغيرته زادت، بس لجمها عشان يطمن عليها. أمر سليم الجميع بالخروج بره عشان يكشف. بصله وبرق ياسر عينيه، لكن كانت نظرة سليم أقوى وفيها اتهام واضح إنه السبب في اللي وصلتله. مسكته مرزوقة وشدته عشان يخرج. وأول ما خرج جري عليها سليم وضمها وسألها بحب،
وخوف ولهفة: "مالك يا روحي، إيه اللي وصلك لكده؟ حصل إيه بينكوا يخليكي تقعي ومتقوميش يا ضي عيوني؟ شادية استسلمت لمصدر قوتها وأمانها وردت بقهر: "رفض حبي ليك، انهار وخيّرني بينك وبينه." سليم بغضب: "إنسان أناني متملك، بس مش وقته دلوقتي. اطمن على رجلك وبعدين لينا كلام تاني."
ابتدى يكشف عليها هو ودكتور المخ والأعصاب، اللي كل محاولاته بتبدي بالفشل إنها تحس برجليها. وعشان يفهم الحالة كويس ويقرر، كان لابد من إنها تروح المستشفى ضروري وتعمل أشعات كتير لمعرفة سبب الحالة. لما الوقت طال، دخل ياسر ومرزوقة، وأول ما شافه سليم كان هيتخانق معاه، بس نظرة الترجي اللي شافها في عيون شادية وقفّته. واتكلم دكتور الأعصاب وقال:
"المدام لازم تروح معانا المستشفى عشان تعمل أشعات نفهم هل الحالة دي سبب مرضي ولا نفسي." ياسر ضيق عينه وكشر وسأله: "يعني إيه ممكن يكون عارض وماما تقف تاني على رجليها." الدكتور: "ممكن، وممكن يكون في مشكلة وتحتاج لتدخل جراحي، وعلاج طبيعي، كل شيء جايز، وعشان نحدد لازم نبدأ نعرف السبب. تحب أتصل بسيارة الإسعاف ولا هتوديها في سيارتك الخاصة." ياسر وهو باصص ليها بوجع وخوف، قال بتيه:
"لا يا دكتور أنا هوصلها، هساعدها بس تغير هدومها، اتفضل حضرتك معايا." خرجوا كلهم وعيون سليم مكنتش قادرة تسيبها، لكنه نزل عشان يروح يجهز ليها غرفة في المستشفى، وينتظرها هناك. وطلب ياسر من مرزوقة تساعدها تغير هدومها.
جهزت شادية ونادت مرزوقة على ياسر، اللي كان قريب من بابها، ودخل بسرعة شالها ونزل بيها وركب العربية وساق بسرعة للمستشفى، وكل نبضة جواه بتدعي ربنا إن الموضوع يكون بسيط وترجع تنور بيتها من تاني. وصلت وكان في انتظارها سليم مستنيها، والممرضة جابت كرسي متحرك عشان تقعد عليه. شادية بصت عليه ومقدرتش تتحمل إنها خلاص بقت عاجزة. بكت بشدة وخبت وشها في حضن ياسر اللي كان بيتقطع حزن عليها. همس ليها وقال:
"متزعليش يا حبيبتي مش هقعدك عليه، هشيلك على إيديا لو آخر نفس فيا." وبالفعل شالها واتحرك ورا سليم اللي كان ماسك نفسه بالعافية، بس شكله كان غني عن أي تعبير. حس للحظة دي قد إيه هو غريب عنها... قد إيه هو اللي أقرب ليها منه وله الحق إنه يشيلها ويقرب منها. لكن هو ممنوع حتى إنه يقرب في وجوده، إنه يبص حتى عليها ويشبع منها. مع إن الحقيقة غير كده، لو فتشوا جوه قلبها هيكون هو رقم واحد، بس للقدر نصيب آخر.
وصل لغرفة الأشعات، وخرج ياسر بس بعد ما قبل جبينها بحب. وانتظر بره هو ومرزوقة اللي كانت كل شوية بتفرك في إيديها بقلق وخوف عليها. مر الوقت وياسر هيموت من التوتر. طلع بره يشرب في سجاير واحدة بعد التانية وهو مش حاسس بنفسه، مرعوب من فكرة إنها تفضل كده، عارف إنها مش هتقدر تتحمل، ونفسيتها هتتعب أوي، لكن للأسف مش قادر يعمل ليها حاجة. لمح خروج دكتور المخ والأعصاب، جري عليه بسرعة ووقف جنب مرزوقة وسأله:
"طمني يا دكتور أرجوك، إيه الأخبار؟ الدكتور وهو بيبصله وبيضم نظارته الطبية على عينه قال: "إحنا عملنا الأشعات اللازمة. وجودك هنا ملوش أي لازمة، هي هتفضل معانا وبكرة لما تظهر نتيجة الأشعات هنحدد." ياسر أول ما سمع إنها هتبات قال بغضب: "لأ مستحيل أمي تبات بعيد عن بيتها." الدكتور وهو حاطط إيده في البالطو قال بهدوء:
"الحالة مش مستقرة. هتاخدها وتجبها تاني يوم، ليه يادوب ساعات الليل، نطمن عليها وبعدين نحدد المشكلة وإزاي هنتعامل معاها. عن إذنك." مشي وسابه وهو هيطق منه، إزاي يقدر يسبها في نفس المستشفى اللي هو فيها. دخل عندها بعد ما اتنقلت لغرفة عادية، لاقاها قاعدة على سريرها الحزن عشّش ملامحها، شعر إنها زي ما تكون وردته انطفأ رونقها ودبلت قبل أوانها. غمض عينه بتأثر ووجع عشانها، وقعد جنبها وقال:
"سلامتك يا ماما، شدي حيلك وقومي أنا مقدرش أستغني عنك يا حبيبتي." شادية بحزن: "ادعيلي، ربنا يشفيني." مرزوقة وهي بتقرب منها قالت في محاولة منها إنها تخفف عنها: "سلامتك يا قمريا، هو إنتي بتغذي العين عنك ولا إيه؟ في حد تعبان وقمر بالشكل ده، ولا إنتي بتحلوي على جو المستشفيات بقى؟ ياسر وهو بيبص لشادية وضمها لصدره، وعيونه كلها حب قال: "أنا ماما حلوة وقمر يا مرزوقة في كل حالاتها، حتى وهي بتوجع قلبي عليها."
شادية ابتسمت نص ابتسامة، وفضلت ساكتة. وصل ريحة عطره قبل ما يدخل، استنشقته وأخدت نفس تملى بيه صدرها، وعينها اتعلقت على الباب اللي دخل منه سليم وقال بنبرة عملية شديدة اللهجة، وأمرهم كلهم بالخروج. رفض بشدة ياسر واصر إنه يبات معاها، لكنه رفض بشدة، وكان الاتنين واقفين قدام بعض بتحدي زي الديوك بتحارب بعض. وقفتهم شادية وطلبت من ياسر يروح وييجي بكرة، لأنه رفض بشدة، فدخلت مرزوقة وقالت:
"أنا هفضل معاها يا أستاذ ياسر متقلقش عليها، وهاخد بالي منها، وأول ما الصبح يشقشق تبقى تيجي تطمن عليها." ياسر بغضب: "مش هقدر أروح من غيرك يا ماما، زي ما جينا سوا هنخرج سوا متحوليش، هجهز أوضة جنبك." سليم بصله بسخرية وقال: "حضرتك دي مستشفى مش فندق، والسرير اللي عايز تاخده ده في مريض أولى منك محتاجة. لو سمحت اتفضل من غير مطرود عشان المريضة تستريح، وكفاية ضغط عليها، كتر الضغط هو اللي وصلها للحالة دي."
ياسر بغيظ قرب منه وبصله بنظرات شرار، كأنه عايز يحرقُه بيها قال: "والله الضغط ده عرفناه من يوم ما شوفنا حضرتك." شادية بحدة: "ياسر من فضلك." ياسر بضيق: "بلا ياسر بلا زفت، ده خلاها خل، ومسخت." مرزوقة وهي بتقرب منه وبتشده عشان يخرج، وهو مشي معاها عشان يبعد عن وشه، بصت في عيونه وقالت: "مش وقته ولا مكانه الكلام ده، معلش استحمل وجوده لحد ما نطمن عليها، وربنا يتم شفاها على خير." سكت لثواني وقال بتردد خوف من
رد فعله بس اتكلمت وقالت: "لو كان دكتور سليم هو دواها، لازم تتقبلُه يا أستاذ ياسر، لو بتحبها تعالى على نفسك عشانها." سمع كلامها وسكت، وسأل نفسه سؤال، هو هل فعلًا ممكن سليم يكون دواها؟ وهل هو هيقدر يتقبل وجوده عشانها؟
ملقاش رد وسكت، وسابها وراح بيته، وطول الطريق ونفس السؤال بيتكرر في راسه، ونفسه يلاقي حل. وأول ما دخل شعر إن البيت زي القبر، من غير روح، زي ما يكون روحه اللي بتخلي بهجة في المكان أخدتها معاه. شعر بالخنقة في صدره، بمجرد بس دقايق وهي مش موجودة متحملش. أمال هيعمل إيه لو بعدت عنه وسابته واستقلت بحياتها؟ مقدرش يتخيل حياته هتبقى إزاي؟
بمجرد دقايق ومش متحمل، أول ما شافته جريت عليه هنيه وسألته عليها وعرفت اللي حصلها ودعت ربنا يشفيها، أمن على دعائها، وطلع فوق عشان يحاول يرتاح. لقى رجله بتوديه أوضة أمه، دخل عشان يحس بنفسها وريحتها فيها. قرب على سريرها ومسك هدومها اللي كانت لبساهم، وضمها لحضنه وفضل يشم فيها وبيوسهم وقلبه بيدعي بكل نبضة إنها تخف وترجعله من تاني تنور حياته وإنه ميتحرمش منها أبدًا. فضل يبكي زي العيل الصغير اللي تاه من أمه ومش عارف يلاقيها، لحد ما خارت كل قواه واسترخى على سريرها.
حبت مرزوقة تسيب سليم مع شادية ومتدخلش غير لما يخرج، لأن في الوقت ده شادية مش محتاجة حد غيره هو. قعدت على الكرسي بره تستناه يخرج.
جوة في الأوضة سليم قاعد جنبها، محاوطها بدراعه، وهي ساندة راسها على كتفه بتبكي في صمت بعد ما حكت له كل اللي دار بينهم. قلبه كان بيغلي من ياسر لكنه مقدرش يعلق ولا يغلط فيه عشان مايزودش تعبها، وحب يكون هو البلسم اللي يطيب جراحها ومايزودوش. اكتفى يضمها ويحسسها بالأمان اللي محرومة منه في الوقت الحالي. قبل جبينها وقال: "مش كفاية بكا بقى، ولا هتفضلي تحرقي قلبي معايا كده كتير؟
إنتي مش عارفة إن كل دمعة بتنزل على خدك نار بتحرق قلبي، ولا قلبي مش فارق معاكي ناره يا شادية؟ رفعت عينها الحمرا من كتر البكا وقالت: "اخس عليك إزاي تقول كده؟ ده إنت الحاجة الوحيدة في دنيتي اللي مخلياني لسه عايشة لحد دلوقتي... إنت وجودك في الدنيا واسمك اللي شفايفي بتنطقه كل يوم قبل ما أنام هي اللي مصبراني ومخليني لسه عايشة، وقادرة تدي وتعطي حب لكل اللي حواليا... إنت كل عمري وحياتي يا سليم...
حبك مش بس في قلبي؛ لا ده بيجري في شرايين دمي... أنا حبيتك حب مفيش عقل ولا قلب يقدر يتخيله ولا بتصوره." سليم بيسمع كلامها والدنيا مش سايعاه من السعادة. عيونه بتلمع وقال بشوق: "والكل الحب ده وضيفي عليه أضعاف قلبي بيحبك، وبيعشقك، ولازم نتحدى أي ظروف يا شادية وناخد نصيبنا من الدنيا، ونقف قدام أي عواقب ونعديها." شادية اتحولت حالتها للحزن تاني وقالت بنبرة يأس:
"صعب أقف قدامه يا سليم، مقدرش أهد الكيان اللي بنيت فيه وفنيت عليه شبابي، وأكسره. ياسر مستحيل يوافق، وفي نفس الوقت أنا مقدرش أبعد عنك، أنا ما بينكوا مقسومة لنصين، كل واحد فيكم بيشدني ناحيته، أميل مرة ناحيته، وأميل ألف تجاهك، ومحدش حاسس بالنار جوايا، ولا قادر يفهم إني عايزكوا إنتوا الاتنين مع بعض، ليه دايما بتحط في موضع اختيار؟ ليه لازم أختار واحد بس بينكم؟
كانت بتقول كل كلامها بانهيار وبكاء تام. أشفق سليم على حالتها وحاول يهديها وبإحتواء حبيب عاشق بصدق لحد النخاع قال:
"اهدي يا روح قلبي، كل مشكلة وليها حل، وأنا مش هيأس أبدًا للفوز بيكي، زي ما عمري ضاع وأنا بحلم تكوني ليا، وأنا كنت فاكر إنك لغيري ومفقدتش الأمل، هيخليني أتمسك بحبك وأقوى بعد ما عرفت إن مفيش راجل قلبك دقله غيري، صدقيني يا عمري اللي فات واللي جاي، بالحب كل حاجة هتتصلح وهنتجمع في بيت واحد، ونعيش اللي فاضل من عمرنا سوا، وياسر هيعرف قد إيه أنا بحبك وبخاف عليكي وهيتقبل مع الوقت، بس أهم حاجة دلوقتي إننا نطمن عليكي وعلى صحتك."
شادية بنظرة فيها ألم وعدم تصديق قالت: "تفتكر ممكن يتقبل من غير ما يتوجع؟ أنا مش هقدر أبني سعادتي على حزنه ووجعه، مستحيل هعرف أفرح وقلبي بيقولي إنه حزين وبيتوجع، مش هقدر، أقسم بالله ماهقدر."
سليم بتنهيدة وبركان جواه بيجاهد يخفيه، ويلجم لسانه إنه يقول كلام يزعلها، بس مش قادر يصدق إن في إنسانة زيها بكمية الحب والعطاء ده، يخليها تضحي بسعادتها عشان ابن أخوها مترضاش له يتعذب. حبهم من نوع غريب، واحدة بتحب وتتفانى لأبعد درجة وبتضحي، والتاني بياخد ويتملك الحب ده بدون ما يبذل أي تضحيات عشان الطرف التاني. عيونه وهي باصة عليها كانت بتقول كلام كتير، كان سهل جدًا قراءتهم، وأول حاجة وصلتها إنها بتحصد تربيتها الغلط، حصدها كان أنانيته وتملكه ليها، وللأسف جه وقت الحصاد، اللي كان مفاجأة ليها غير متوقعة. غمضت عيونها بأسى واتنهدت بحرقة.
طبطب عليها سليم وقال: "ضاقت إلا لما فرجت، سبيه على الله، وربنا قادر يحلها يا شادية، ودلوقتي أحلى حاجة حصلت في الليلة دي إنك هتكوني جنبي ومش هسيبك لحظة، وهنقضي وقت كتير مع بعض، ومش همشيكي من هنا، أنا قتيلك ياشوشو." شادية ابتسمت غصب عنها وقالت: "والله إنت فايق ورايق، يعني عجبك أقعد كده وأنا متكسحة بالشكل ده مش قادرة أتحرك؟ سليم وهو بيغمز ليها بطرف عينه:
"وربنا حتى لو طرشة، وعامية كمان أنا راضي بيكي في أي حالة كنتي فيها." شادية بذهول: "يانهاري عليك ياسليم طرشة وعامية ومتكسحة، هو ساعتها هيبقى فيا إيه يصلح؟ سليم يهيام وحب: "هيبقى فيكي أغلى حاجة بتملكيها يا شادية، هيبقى فيكي قلبك الكبير اللي مليان حب ليا ولغريمي اللي بينافسني فيكي، جواكي حب سنين معرفتش تقلله أو تخفيه، عرفتي فيكي إيه؟ شادية وهي بتضم إيده وبتقبلها بحب قالت:
"إنت اللي قلبك ملوش زي يا سليم، ربنا ميحرمنيش منك يا قلبي، ويباركلي فيك يا رب." سليم بص في عيونها وشاف كم الحب اللي دايما بتغمره بيه وقال بهمس: "ربنا يقرب البعيد ويجمعنا يا حب عمري وسنيني."
حاولت شادية معاه إنه يروح يرتاح لكنه رفض بشدة وقالها إنه هيبات في غرفة للدكاترة عشان أول ما نتيجة الأشعات تظهر يشوفها ويطمن عليها ويشوفها أول ما يفتح عينيها. وتحت إصرارها إنه يروح يرتاح، سابها على عينه عشان هي كمان ترتاح. وأول ما خرج؛ اتنهدت مرزوقة وقالت في نفسها أخيرًا، ودخلت لشادية اللي لما شافتها سألتها: "معقول مروحتيش؟! أنا افتكرت مشيني مع ياسر؟ تعبتي نفسك برضه وهتباتي معايا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!