الفصل 24 | من 44 فصل

رواية العسقلة الماكرة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ايمان كمال

المشاهدات
22
كلمة
4,599
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

فاقت شيراز من نومها على رنة تليفونه. وأول ما فتحت عيونها وشافت نفسها متجرده من ملابسها، صرخت صرخه عالية. قام مجدي مفزوع من صوتها. وبص على نفسه ومثل بأتقان أنه مصدوم من شكله وقال وهو بيحاول انه يفتكر: "إيه ده؟ إيه اللي حصل بينا امبارح؟ أنا مش فاكر حاجة خالص. آخر حاجة فاكرها لما كنا بنشرب كاسين وانتي بترقصي وملعلعة." مسك راسه بيدعي الصداع. وشيراز بتبكي على حالها وبتغطي نفسها كويس بالمفرش تداري جسمها.

ردت عليه بين شهقاتها: "اخس عليك يا مجدي؛ ده وعدك ليا اللي وعدتهولي، تشربني لحد ما أسكر وأفقد الوعي وتستغل ده وتعمل فيا كده؟! زعق مجدي بعنف وقال: "انتي اتجننتي في عقلك ولا إيه؟ هو أنا محتاج إني أشربك واستغل عدم وعيك؟

انتي مراتي على فكرة، يعني حتى لو حصل بينا حاجة فده شيء طبيعي. لكن أنا بقولك إني مكنتش في وعي من تأثير الخمرة، وفرق إيه دلوقتي من بكره ولا بعده يا شيراز، والنتيجة هتكون هي هي. والنهارده كل حاجة هتتظبط والمخرج هيتصل بيكي عشان تكملوا باقي مشاهدك في الفيلم." شيراز باعتراض وحزن ردت: "أيوه بس ميكنش بالشكل ده وأنا مش دريانة بحاجة." مجدي بخبث ومكر قرب منها وطبع قبله على خدها. فلانت عضلات وشها، فزاد من قبلاته في كل أنحاء وشها

وجسمها وهمس في ودنها وقال: "بس كده، خلينا نبدأ من أول وجديد يا عروسة، ونقول كلاكيت تاني مرة." مسمحش ليها تعترض واخدها في عناق شديد. وغاص معها في متعة مش جديدة عليه، لكن جديدة عليها هي وأول مرة تجرب احساسها ومشاعرها. كان مجدي مخضرم ومخرج شاطر، أخرج مشهده وأقنعها بحبكته، ونساها اللي حصل وعرف يدخلها تغوص معاه في بحر العسل وهو بيطبع صك ملكيته على كل جزء على جسمها. وعاشت شيراز معاه وبادلته كل اللي بيتمناه وأكثر.

برغم سعادة شروق في حنتها وكتب كتابها، لكنها كانت لسه حاسة إن الفرحة دي ناقصها وجود أعز صديقة ليها، شيراز. اللي في لحظة باعت كل حاجة واتخلت عن مشاركتها أسعد ليلة في حياتها. قامت من نومها أخدت شور وجهزت، وأخدت شنطة فستان الفرح وكل احتياجاتها وراحت عند الكوافير اللي بتتعامل معاه دايما هي وشيراز.

برغم إن عماد كان منتظرها ووصلها لحد هناك، بس أول ما دخلت وقعدت عشان تبدأ ومع السؤال عن عدم وجود شيراز معاها، حست بنغزة في قلبها وعيونها دمعت. حاولت تداريهم وردت على صاحبة المحل مبررة إنها مشغولة في تصوير فيلمها في مشاهد خارج القاهرة، ومش موجودة هنا. استغربت إنها لحد اللحظة دي لسه بتبرر عدم وجودها وبتحسن شكلها قدام الناس.

حاولت تعيش أجواء الفرح وتندمج من البنات الشغالة في المحل وتغني معاهم أغاني الفرح، وتنسى أي حاجة ممكن تعكر صفو فرحتها. قعد ياسر ومرزوقة بعد تعب على الكنبة بين ترتيب وتغيير رص أماكن العفش. أخد نفسه وقال: "لا أنا خلاص جبت أخري، دي الكتابة أرحم مليون مرة من الهده دي، مكنتش أعرف إن الستات بتتعب أوي بالشكل ده." ردت شادية بحب وعيونها على مرزوقة وقالت: "عقبال ما تعمل في بيتك مع عروستك يا حبيبي، وأفرشلك بأيدي أوضة نومك يارب."

ملامح وشه اتصبغت للحزن، خصوصا لما بص لمرزوقة ولقى اللمعة والتمني جواهم. فقال وهو بيهرب قبل ما يدخل البلكونة يشرب سيجارة: "انسي يا ماما، أنا أوضتي عجباني أوي، وعمري ما هفكر أجيب غيرها ولا واحدة تشاركني فيها." ردت شادية بحزن: "ليه بس يا بني كده؟ نفسي أفرح بيك وأشيل عيالك وأربيهم زي ما ربيتك." ابتسم ياسر غصب عنه وقال: "كده أحسن، ومش هغير مبدئي لأي سبب كان." كانت شادية لسه هترد، لكنه شاور لها بعينه إن الموضوع منتهي.

وسابها ودخل البلكونة يهرب من عيون مرزوقة اللي محوطاه ومرقباه زي الرادار مكان ما يكون، ومش قادر ولا عارف يتخلص منهم. دايما بتطارده في كل لحظة وفي كل مكان، حتى وهو نايم ومغمض عيونه بيشوفها وبيحلم بيها، وده أكتر حاجة معذباه. قعدت شادية جنب مرزوقة وطبطبت عليها بحب وقالت: "متزعليش يا جوجو، ياسر مش من السهل هيعترف ويغير مبدأه اللي عايش عليه سنين كتير، بس أنا واثقة إن هيجي اليوم اللي عقله وقلبه هيعلنوا عليه العصيان."

ردت مرزوقة بصوت حزين يائس وهي بتبص عليه وهو شارد حزين: "تفتكري يا شوشو اليوم ده ممكن يجي؟ شادية بحنان: "قلبي بيقولي إنه هيجي، بس انتي اصبري عليه، انتي عملتي معجزة، وخليتي الحجر اللي في قلبه يلين، وده يعتبر إنجاز، مفيش بنت قبلك عملته، انتي أول حب يدق بيه قلبه، ومش من السهل على واحد في شخصية ياسر إنه يعترف كده ويسلم ببساطة." انتهدت مرزوقة وقالت:

"آآه يا ربي يعني المرة اللي أحب فيها وقعت غير في واحد عنيد ومكابر ومعقد بالشكل ده، صبرني يارب." شادية مبتسمة وسعيدة إن أخيراً لقت الإنسانة اللي قلب ابنها دق بحبها وعرفت تحرك مشاعره. دعت ليهم بالسعادة وإن ربنا يجمعهم مع بعض. فاقت على صوت ياسر بيسألها: "ماما في حاجة تانية ناقصة هنعملها ولا كده براءة؟ لسه هترد عليه شادية، لكن صوت مرزوقة كان أسرع وقالت: "طبعاً فيه، همتك يا أسطى معانا في كام برواز كده محتاجين يتعلقوا."

ياسر بتعجب قال: "أسطى، دي آخرتها من مؤلف وكاتب مشهور، بقيت أسطى على آخر الزمن، ماشي يا مرزوقة هانم، فين البراويز دي اللي محتاجة تتعلق، وهتتعلق فين؟ قامت مرزوقة من مكانها ومسكت كرتونة فيها كذا برواز ثلاثي الأبعاد، وكام برواز كبير، ومدت إيديها خرجتهم قدامه وقالت: "اتفضل أهم، يالا بينا أشاورلك على أماكنهم اللي هنعلقها فين؟ ياسر مسكهم وبدأ يشاركها من جديد في تعليقهم، وكل شوية تعذبه وتقوله:

"يمين، لا فوق شوية، تحت حبة، لا بص هاته سنة كده يمين." ياسر بقلة صبر قال: "بقولك إيه أنا خلقي في مناخيري، ما كنت يابنت الناس عاملة كده وإنتي قولتي نزلة تحت." مرزوقة ابتسمت ومسكت ضحكتها بالعافية، وأخدت البرواز الآية القرآنية منه، وقربت من الحيطة وحددت المكان اللي عايزاه وقالت له: "علم هنا بالظبط، ومتغيرش المكان." قرب ياسر أوي منها، ومسك البرواز فوق إيديها، والمسافة كانت بينهم تكاد معدومة ودخلت في منطقة الخطر.

حبست أنفاسها، وغمضت عينيها، وتاهت بمجرد ما أنفاسه الحارة حست بصداها، وعطره ملى صدرها. سحبت إيديها بشويش من تحت إيده، وقالت بصوت خرجته بالعافية: "حلو أوي كده." ياسر معرفش ليه حس بسعادة من تأثيره عليها، برغم إنه معندوش طول بال للحاجات دي، وإنه يعلق أو يعمل أي حاجة في البيت بإيده؛ لكن كان سعيد أوي بقربها ومشاركتها في أي شيء بتعمله. خلص تعليق البرواز الكبير، وجه الدور على البراويز الثلاثية الأبعاد ولسه هيمسك الشنيور،

أخدته منه مرزوقة وقالت: "لأ ده هيتلزق بلزق دبل فيس قوي مش هنخرم في الحيطة، بص أنا هرصهم جنب بعض كروكي وإنت بعد كده فك اللزق وعلق يا معلم، اتفقنا." ياسر وهو حاطط إيده على دقنه مركز معاها، ومستمتع بذوقها، وفي نفس اللحظة مستغرب إزاي وامتى اتعلمت كل الحاجات دي؟ فاق على صوتها وهي بتسأل شادية: "مكانهم كده حلو يا شوشو ولا تحبي نغيره؟ ركزت شادية معاها وردت: "جميل جدا يا حبيبتي، فك اللزق بقى وحطيهم."

ساعدها ياسر وبدأ هو اللي يفك ويلزق على الحيطة وهي بتناوله، وبعد ما خلصوا، رجعت لورا بعيد عشان تشوف المنظر عن بعد وقالت بسعادة: "الله إيه الجمال ده، تسلم إيدي والنبي أنا فنانة." حدفها ياسر بمخدة صغيرة بخفة على وشها وقال: "ياسلام إنتي اللي فنانة وأنا إيه بقى إن شاء الله، كيس جوافة ولا المساعد بتاعك، هو مين اللي علق مش أنا؟ مرزوقة معترضة: "ومين اللي قالك على المكان وظبط زاوية البراويز، مش أنا؟

لسه هيدخلوا في شباك مع بعض، صرخت شادية وقالت: "باااس انتوا الاتنين فنانين، ارحموني أنا تعبانة ومش حمل النقار ده كل شوية." قعدت مرزوقة جنبها وقالت وهي بتطلع طرف لسانها لياسر بتغيظة وقالت: "عشان خاطرك إنتي بس يا شوشو مش هناكف معاه، بس هي الفيلا الطويلة دي كلها مفيهاش أكل، أنا جوعت، ولما بجوع.." رد ياسر بسرعة: "مش بتعرفي مين قدامك، حفظنا، شوفي تحبيوا تاكلوا إيه نطلبه من بره."

فكرت مرزوقة ولسه هتقترح، لكن لقت سليم داخل عليهم ومعاه شنط كتير فيها وجبة سمك. أول ما قرب من شادية سلم عليها وباس جبينها بحب وقال: "آسف إني اتأخرت، بس كان عندي شغل كتير، وقولت أكيد مش هتلحقوا تجهزوا أكل، فجبت معايا أكلة سمك، يارب تعجبكم." شادية مسكت إيده وقالت بشكر: "تسلم مجايبك، لسه فاكر إني بحب السمك؟ سليم بنفس نظرة العشق اللي بيغرقها بيهم قال: "عمري ما نسيت حاجة بتحبيها أبداً."

قال كلامه بهمس، وعيون ياسر بتطلع شرار. لاحظت مرزوقة وقالت له: "اهدأ على نفسك هتحرقني جنبك." ياسر بغيظ رد: "مش شايفه همسه ونحنحته إزاي؟ مرزوقة ركزت النظر في عيونه وقالت بصوت حزين وبهمس عشان محدش يسمعها: "إنت شايفها نحنحة، لكن هي في الحقيقة حب، ومش حب وبس لأ ده عشق، ولو كنت جربت إحساسه في يوم؛ فهتكون أكتر منه بكتير." سكتت ثواني وكملت: "هقوم أجهز مع هنية الأكل."

سابته وكلامها بيتردد في ودانه زي الشريط اللي سف وكل شوية يتكرر نفس الكلام، وسأل نفسه نفس سؤالها، هو ممكن يوصل معاها لدرجة الحب والعشق دي؟ سرح في إجابة، بص على شادية وسليم، ولاحظ قد إيه سعادتهم، والكلام اللي بينهم مش بيخلص، كانوا زي العصفورين بيتكلموا ويغنوا نفس اللحن. انسحب وراح ورا عصفورته الطايرة يحوم حواليها ويقرب منها لعله في يوم القدر يقربه منها. فرشت مرزوقة مفرش على السفرة وابتدت تحط أطباق السمك عليها.

ساعدها ياسر، واستغل غياب هنية بتجيب المية من المطبخ، وأخد قطعة جمبري وقرب منها جدا، حطها في فمه، وقطم نصها، والنص التاني مازال متعلق على باب شفايفه. بدون وعي قربها من شفايفها وحطها في بقها، انصدمت مرزوقة من تصرفه، ومحستش غير إنها أخدتها منه وهي زي ما تكون مسحورة بتصرفه، ولمسة شفايفه لشفايفها كانت دي أول مرة يأكلها في بقها ويقاسمها نفس القطعة، أتمنت من قلبها إنه يقاسمها قلبها وحياتها كلها مش لقمة بس.

فاقت من مفعول السحر، وعيونهم اتقابلوا في مواجهة صريحة، كل واحد عنده كلام كتير نفسه يقوله، لكن الألسنة متلجمة، ولسه ما آن الأوان لتحرر الكلمات. انحنحت ونزلت عيونها تهرب بعيد منه، وشغلت نفسها بترتيب الأطباق، وصوت دقات قلبها الثائرة بتصرخ بحبه واصلة لحد عنده بتشارك دقات قلبه في عناق ورقصة على موسيقى أنشودة حبها. استغرب ياسر حالته جدا، واتعجب إزاي عمل كده؟

من إمتى وهو معاها مش قادر يسيطر على نفسه، إزاي يتصرف زي المراهق بالشكل ده؟ وحاسس دايماً إن قلبه في خطر من قربها، كل دقاته في حرب، وعقله في تشتت، مشاعره متلخبطة، ومع كل ده سعيد، ولاول مرة قلبه يعرف معنى السعادة في قربها. انتهت من رص الأكل ونادت مرزوقة عليهم عشان ياكلوا.

شادية وسليم كانوا في عالمهم الخاص بيهم، سليم متولي أمرها وبيفصص ليها السمك وبيأكلها في بقها، ومش مديها فرصة تأكل بنفسها، وعيون تانية عاشقة وبتعاند نفسها تايهة وغرقانة وبتقاوم وبتعوم ضد التيار، ومش عارفة إيه النهاية ومصيرها هيكون إيه؟! لاحظت مرزوقة إن ياسر مش عارف يفصص السمك كويس، فبدون أي كلام، مسكت سمكة وابتدت هي تفصصها من أي شوكة وتحطها له في طبقه، وعيونه مش مصدقة تصرفها واحتوائها له في كل موقف.

بادله ابتسامة مشرقة وشاركته في أكله، وكل مناها تشاركه في حياته كلها. ودعت شيراز مجدي، وروحت بيتها بعد رفضها البيات معاه، ووعدته إنهم هيظبطوا مواعيد لنومها معاه بعدين. غيرت هدومها ومددت على سريرها، حست إن مفاصل جسمها كلها سايبة، ولسه هتغوص في النوم انتبهت على صوت التليفون برقم مخرج الفيلم اللي كانت بتصوره. اعتدلت من نومتها وردت بلهفة: "أيوه يا أستاذ زياد، في جديد؟ زياد بحماس:

"إزيك يا فنانة، طبعاً في جديد أمال أنا بتصل بيكي ليه، بكره جهزي عشان تكملي تصوير باقي مشاهدك، هبعتلك اللوكيشن الخارجي، تكوني جاهزة من بدري بكره." شيراز بسعادة قالت: "هكون جاهزة في الميعاد بالثانية يا أستاذ زياد." قفلت معاه وفضلت تتنطط فوق المرتبة بفرحة طفلة، وفرحتها أكتر إنها اتأكدت من صدق ووعد مجدي ليها. اتصلت بيه عشان تشكره لكنه مردتش عليها. قفلت وقامت تجهز نفسها وتراجع باقي المشاهد وتعيش في أحداث الشخصية من تاني.

خلصوا أكل ومرزوقة كانت بتلم الأطباق، وعيون ياسر المرة دي هي اللي مرقباها وبتشيل معاها الأطباق في حدث تاريخي من يومه، لدرجة لفت انتباه شادية. وكانت مبتسمة والفرحة باينة من تصرف ابنها، فسألها سليم بفضول: "مالك ياحبيبتي مبتسمة أوي ليه كده؟ شادية بتوهان وعينها لسه مركزة على ياسر قالت: "إنت مش ملاحظ تصرفات ياسر؟ سليم بعدم فهم: "تصرفات إيه مش واخد بالي؟ شادية حطت إيديها على دقنه عشان يبص ليهم وقالت:

"شوفت شكلهم حلوين إزاي، إنت عارف إن ياسر عمره ما شال معلقة بس بعد الأكل، مش يشيل ويدخل أطباق المطبخ، دي رجله مش بتعتب المطبخ إلا نادراً." سليم سألها: "طب ما دام في بينهم حاجة حلوة كده مش بيرتبطوا ليه؟ ليه بيضيعوا عمرهم في البعد." شادية ارتسم الحزن على وشها، واتغيرت نبرة صوتها من بعد فرحة وسعادة لحزن، وبدأت تشرح لسليم سبب رفضه وعناده.

اتعجب جدا من طريقة تفكير ياسر، وعدم إيمانه القوي، وإن الأعمار بأيد ربنا وملناش دخل فيه. هزت شادية راسها بالموافقة لكلامه وقالت: "غلبت أفهمه يا سليم وأشرحله، دماغه متربصة ومش عايز يعترف بحبه ل... قطع كلامها قرب مرزوقة جايبه الشاي بنفسها و وراها ياسر شايل أطباق الحلوى اللي جابها سليم. حطت مرزوقة الشاي وقالت موجهة كلامها لسليم: "شكراً يا دكتور على الأكلة الجامدة دي، بس كنا أكلناها في الفيلا هناك بدل ما نزفر كده هنا."

رد سليم ووشه منور بالفرحة وعيونه على حبيبته وقال: "هنا وهناك واحد، بس كنت حابب إننا نتشارك مع بعض في أحب أكلة بتحبها شوشو." ردت شادية بحب: "ربنا يباركلي فيك وميحرمنيش منك يا سليم." قدمت مرزوقة فناجين الشاي ليهم وأطباق الحلويات لكل واحد، وقعدت جنب ياسر على الكنبة ساكتة مكتفية بس تسرق كل لحظة نظرة خاطفة تصبر بيها نفسها.

أخدوا قعدتهم وبعدين استأذن سليم عشان يروح شغله، واتحركوا كلهم وأقفلوا الشقة بعد ما هنية وضبطت المطبخ وراحوا على الفيلا. وأول ما دخل ياسر راح على أوضة مكتبه وطلب من هنية تعمله قهوة عشان يعرف يركز ويشتغل، وشادية طلعت تستريح في أوضتها. لكن مرزوقة سبقت هنية وهي اللي عملت القهوة وجهزتها عشانه، وبعد دقايق قدمتها وحطتها قدامه.

كان مركز في الكتابة، لكن أول ما دخلت الأوضة شتت أفكاره لما شم ريحة عطرها المميز، عرف إنها هي من غير ما يرفع عينه عليها. قلبه دله فرد وقالها: "تسلم إيديك يا مرزوقة، ليه تعبتي نفسك ومطلعتيش ترتاحي بعد اليوم الطويل ده؟ اتحركت مرزوقة وقعدت على الكرسي قصاده وقالت بهدوء شديد: "راحتي الحقيقية لما بشوف اللي بحبهم فرحانين، ساعتها مش بفكر في أي تعب حاسة بيه؛ لأنه بيروح على طول."

ياسر بيبص لها ونفسه يقول كلام كتير، لكن هو متعود دايماً يشرح ويقول اللي حاسه على الورق، ميُعرفش يعبر شفوي أبداً. كانت نفسها تسمع أي كلمة منه، أي حرف فيه أمل تتعلق بيه، لكن الصمت هو اللي كان مسيطر عليهم. بلعت ريقها من يأسها إنه يتكلم، ورطبته وسألته: "بكرة إن شاء معادنا بدري ولا متأخر؟ ياسر تايه في عسليتها رد: "اتصلت بمجدي وقال على الساعة ١٠ الصبح نكون هناك." مرزوقة بتمثل البكا قالت: "يعني بدري ومش هلحق أرتاح."

ياسر بيطبطب على إيديها وقال بحب واضح لكن مش قادر ينطق بيه: "معلش هانت يا مرزوقة، المشاهد المتبقية مش كتير ممكن تخلصيها بكره أو بعده بالكتير، والمخرج يكمل باقي المشاهد وينجز وتشوفي مجهودك على الشاشة، وتحصدي كل تعبك." اتنهدت مرزوقة وسابت خيالها يسرح لحظة سماع تصفيق الجمهور ليها، وأصوات التصفيق صوتها يهز كل القاعة. ابتسم ياسر لمعالم وشها وحس بنفس إحساسها وقالها:

"هتنجحي صدقيني يا مرزوقة، وكل اللي بتحلمي بيه بإذن الله هيتحقق، أنا واثق فيكي وفي موهبتك." مرزوقة بخوف قالت: "بجد يا ياسر يعني أدائي كان كويس في المشاهد اللي صورتها؟ ياسر نفخ بضيق ورد بعصبية: "إنتي لسه بتسألي بعد ما خلاص بنشطب في الفيلم، يا بنتي لو أدائك كان وحش كنت أنا اللي غيرتك قبل ما مجدي ينطق بيها، ثقي في موهبتك، واوعي تخلي أي حاجة تهزك وتكسر ثقتك دي." مرزوقة هزت راسها، وقامت فسألها بلهفة: "قمتي ليه، رايحة فين؟

مرزوقة بتبرير: "هطلع فوق عشان أسيبك تركز في اللي بتكتبه." ياسر لمس كفها عشان تقعد وقال بنبرة ترجي: "لأ خليكي قاعدة مش هتعطليني ولا حاجة، بالعكس لو قومتي الإلهام هيروح." مرزوقة باستسلام قعدت وقالت: "طب هقعد شوية وهي فرصة هات السيناريو أذاكر مشاهد بكره." فتح درج مكتبه وناولها السيناريو، وهي ابتدت تقرأ، لكن عقلها وكل مشاعرها معاه هو ومش قادرة لا تركز ولا حتى تشوف الحروف. نفخت بضيق من نفسها لأنها مش

عارفة تركز فسألها بفضول: "مالك في إيه؟ مرزوقة معرفتش ترد تقول إيه؛ مقدرتش تنطق بالحقيقة إنه السبب، فكرت للحظة وقالت: "مش مركزة أظاهر إني جعانة، هقوم أعملي سندوتش كده على الماشي وكوباية شاي بلبن، أعملك معايا؟ ياسر كان عنده إحساس إنها بتهرب وبس، عيونها فضحتها من غير ما تتكلم. ابتسم وشكرها، وهي اختفت في ثانية. لما بعدت عنه سأل نفسه ما دام مش ناوي يقرب ليه متمادى في قربها؟ ليه مش قادر يبعد بعيد عن منطقة الخطر؟!

هو مش حمل إنه يجرب ورجله تدخل في بحورها ويغرق في حبها !! فجأة لقى قلبه بيرد عليه ويسأله "هو إنت لسه مغرقتش في بحور عشقها؟ قلبه دق بعنف شديد كأنه عايز ينبه إنه خلاص دخل ورجله غاصت بدون ما يشعر. في اللحظة دي وباعتراف قلبه له، ساب قلمه وقام منفوض زي اللي اتصعق بماس كهربائي وهرب لأوضة نومه عشان ميتقابلش معاها وهو في حالته دي، ويضطر يقول ويعترف باللي مخبيه قلبه واللي عقله رافضه.

خلصت مرزوقة عمل الشاي، ورجعت عشان تشوفه، لقت المكتب فاضي. قعدت حزينة على حبيب عنيد، مكابر خايف من الحب ومش عايز يعترف بيه. وقعت عيونها وشد انتباهها آخر ما كتبه قلمه، مسكت الورقة وقرأت.. مشاعر بداخلي مشاعر كثيرة متضاربة، مثل أمواج البحر المتلاحقة، لا أعلم إلى أين ستصل بي وترسي بمرساتي. أهي حب، أم تعود عليكِ، لا أعلم.

حاولت أن أترجمها وأضع لها عنوان فشلت في إيجاد وَصف يليق بكِ، وجدت نفسي أبحر معگ في بحورگ العميقة، وأجد روحي ساكنة داخل ثنايا فؤادگ، فـ أيقنت إني أحب وجودك بجانبي؛ أعشق سماع صوتك، حروفك حين تنطق حروف اسمي، أحببت طيبة قلبك وروحك؛ فهل هذا يسمى حبًا؟ أريد الصراخ عالياً كلما اقتربتي من حمم بركاني المشتعلة، أقولها بكل صدق؛ اقتربي مني أكثر، ولا تهابي توهج نيراني، فتلك النيران ما هي إلا عشق يا محبوبتي.

فـ أنا لا يعنيني التسمية، كل الذي يهمني إنك بداخلي أراكِ في كل أوقاتي، ولا أريد الإبتعاد عنك يا أحلى أقداري. مرزوقة كانت بتقرأ ومش قادرة تستوعب إن في احتمال لو واحد في المية إن الكلام ده ممكن يكون ليها هي !! قرأته أكتر من مرة، وفي كل مرة بتحاول تقنع نفسها وتعيش في الوهم وتصدق إنه ليها هي وبس، وميكونش من خلال القصة اللي بيكتبها. رجعتها مكانها وقالت لنفسها: "إمتى هترسي لبر الأمان وتعترف بحبي يا ياسر؟

إمتى هتحدد موقفك، وتحدد مشاعرك ناحيتي؟ ياترى هتفضل لحد إمتى تعاند وتعذب فيا؟ قامت تروح أوضتها عشان تنام، ودعت ربها يصلح ليها الصالح. قضى عماد وشروق أجمل لحظات هتخلد في ذاكرتهم. اكتفت شروق إنهم يسهروا ويتعشوا في مكان هادي، في أضيق الحدود. سعادة عماد مكنتش سيعاه إنه خلاص حلم حياته اتحقق واتجوز بنت خالته حب عمره، وإنها وافقت على اقتراحه لحد شقتهم ما تخلص. الأوقات الحلوة عدت بسرعة، وقاموا عشان يروحوا شقة والدته.

أخدوا العربية اللي مجهزها عماد يتزفوا فيها، وهو صمم إنه يسوقها وهي جنبه، وأمه وخالته في الكنبة اللي ورا. وصلوا البيت وصوت الزغاريد ملت الشارع. وأول ما وصلوا لباب الشقة أمه أخدت منه المفتاح وهي اللي فتحت باب الشقة. واتصدموا من التصرف اللي عملته؛ سندت ظهرها على حلق الباب، ورفعت رجليها على الحلق المقابل عشان تمنع أي حد يدخل غير لما يعدي من تحت رجليها الأول، اعتقاد منها إن العروسة هتكون تحت رجليها وطوعها طول العمر.

اتصدمت شروق من رد فعل خالتها، وبصت لعماد في ذهول، اللي ملقتش رد منه، وبصت لأمها عشان تنجدها. لكن اللي حصل خلاها فاقت على كابوس...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...