فجأة وبسرعة البرق شدها بدون أي مقدمات وضمها لصدره، حضنها بكل شوق وحرمان السنين اللي فاتت، ضمها ومعملش حساب لا للمكان ولا للتقاليد ولا الأصول، ولا أي حاجة؛ غير بس إنه يحس إنها رجعتله.. يحس إنه في اللحظة دي فعلاً ردتله روحه من تاني.
شعور غريب اتملك شادية، حاولت تخرج من قبضة تملك إيده، معرفتش، كان متملك كأنه وجد أخيراً ملاذه. جسمها اتخشب للحظات، لكن مع شدة ضمه ليها، مقدرتش تقاوم وخارت كل قواها وبادلته ضمته وحاوطت إيديها حوالين ظهره، بمجرد بس ما استنشقت عبير عطره؛ اللي كان بمثابة المخدر لكل حواسها وفقدها وعيها. سكت الكلام وصوت أنفاسهم ودقات قلوبهم هي اللي كان أعلى. مرت دقايق مسروقة من الزمن، أخيراً عرف فيها سليم يخرجها من حضنه وهمس قالها باعتذار:
"آسف.. بجد متأسف مش عارف عملت كده إزاي؟ مقدرتش أقوم شوق السنين اللي فاتت ومقربش يا شادية... إنتي متعرفيش أنا اتعذبت قد إيه؟ ولسه لحد دلوقتي مستمرة في عذابي." شادية وهي بتعدل في هدومها، اتحركت وقعدت على الكرسي وقالت بوجع: "مش لوحدك اللي اتعذبت يا سليم، أنا عذابي كان أضعافك بكتير، تفتكر كان سهل عليا طول السنين دي أبقى عارفة إني اتخليت عنك، وإني خونت عهدي معاك واتجوزت غيرك؟ سليم قعد قصادها وقال وهو ماسك إيديها:
"احكيلي كل حاجة، ومتخبيش عني أي حاجة؟ ليه عملتي كده؟ ومين اللي كان معاكي وبيقولك ماما؟ احكي يا شادية وبردي نار جهنم اللي جوايا ومش عايزة تنطفي من سنين؟! شادية بابتسامة قالت: "هحكيلك كل حاجة، بس اديني الحقنة وتعالى نروح في أي مكان نتكلم." سليم: "حاضر، ثواني هنادي على المساعدة تجهزها."
طلب ليلى المساعدة وجهزتها بعد دقايق وجابتها وهو أدهالها بنفسه، وقالها تلغي كل الحجوزات لأنه خارج، وأخد شادية وخرج. ركب العربية وكان عايز يخطفها لأبعد مكان مفهوش حد غيرهم، لأنه بالفعل مش عايز مخلوق على الأرض غير حبيبته اللي اترجاها من الدنيا، ومع كل أسف القدر حرمه منها سنين كتير.
بعد طول طريق وصل لكافيه هادي، دخلوا وقعدها على ترابيزة بعيدة عن الأنظار، واستنى إنها تتكلم. جه الجرسون وطلب منه اتنين قهوة، وراح يجيبهم. كل ده وعيون شادية باصة لسليم بتشبع منه، محستش غير لما الجرسون جاب القهوة وحطهم قدامهم، وأول ما مشي سليم قال: "هتفضلي ساكتة كتير؟ شادية وهي لسه عينيها في عينه بتحاول تشبع منهم ردت: "أوقات السكوت بيكون أفضل من الكلام." سليم وهو حاطط إيده على إيديها يطمنها عشان تخرج كل اللي جواها:
"بس ده ميمنعش إننا لما نتكلم ونخرج كل اللي جوانا مهما كان إيه هو بنرتاح والهم اللي شايلينه بيقل، ولا إيه؟ شادية بحيرة: "تفتكر؟! سليم بتأكيد شاور بعينه. انتهدت وسألته: "تحب أبدأ منين؟ سليم بلهفة لمعرفة كل الحكاية قال: "من آخر مرة كنا مع بعض واتفقنا إنك هتيجي ونسافر سوا." أخدت شادية نفس عميق وخرجته بهدوء وخرجت معاه كل وجع الماضي، ورجعت بذاكرتها لليوم المشئوم. بلعت ريقها لقيته ناشف أوي، شربت شوية ميه وقالت:
"يومها جهزت شنطتي ولسه هفتح الباب عشان أهرب من سجني اللي كنت محبوسة فيه؛ لقيت أبويا بيفتح الباب وأول ما شافني، عينك ما تشوف إلا النور وفين يوجعك، كل ضربة منه كانت بتنزل على قلبي مش جسمي، حسيت إن خلاص نهايتي في اللحظة دي، واللي كان وجعني إني مش هقدر أودعك ولا أشوفك. فضل يضرب فيا لحد ما تعب، ولا حد قدر يقرب ينجدني منه. مكنتش سامعة شتمته ولا سبه ليا، كنت في دنيا تانية، صورتك هي اللي قصاد عيني بتديني القوة إني أتحمل كل
الضرب اللي بينهال على جسمي. مفقتش غير لما قالي إنه هيحسرني عليك وينتقم منك ويوجع قلبي عليك، هنا دبت فيا الروح ورجعت أرض الواقع، وسحفت تحت رجله أبوسها وأترجاه إنه يرحمك، وإني هنفذ كل اللي هو عايزه. وهنا لمعت عينه بشر وقال إنه هيجوزني لطارق العياط، ووافقت عشان أنجدك من بطشه."
سكتت وأخدت أنفاسها، ومسحت دموع الألم اللي عاشتها. كان سليم بيسمعها وقلبه وروحه بتبكوا على كل كلامها، ومش عارف يبقى فرحان على حبها ولا يحزن على كل العذاب اللي بتحكيه. فضل ساكت وهي كملت وقالت:
"حاولت أقوم من مكاني مقدرتش، أخدت منه ضربة بقوة من رجله وسابني ومشي، وفضلت مكاني فترة طويلة أبكي بحرقة على ضياعك مني، خصوصاً لما سمعت صوت صفارة القطر وساعتها اتقطعت كل خيوط الأمل اللي بينا. قمت أخيراً ودخلت أوضتي وفضلت أبكي بحرقة وأدعي ربنا إن تحصل معجزة تنجيني من الجوازة." سليم وهو بيتذكر اليوم الفاجع ده قالها: "في الوقت ده بقى جت الدادا وقالتلي إنك هتتجوزيه وبتنهي كل ما بينا." شادية بوجع:
"دلوقتي عرفت ترجمة نظرات الدادا ليا طول السنين دي سببها إيه، وليه قبل ما تموت طلبت مني أسامحها، عمري ما تخيلت أبداً تعمل فيا كده، وتشوفني بتعذب ولا قالتلي على السر ده." سليم بتبرير: "أكيد أبوكي غصب عليها تعمل كده، بس إيه المعجزة اللي حصلت؟ شادية وهي بتاخد نفسها بألم، وتأنيب ضمير بيلاحقها دايماً قالت:
"فضلت كام يوم في أوضتي لحد ما خفيت، وكل يوم طوال ليلي أدعي ربنا لحد يوم الحنة، وأنا ثقتي في ربنا وإيماني بيه مقلش. أخويا سافر يجيب مراته من بيت أهلها وهو راجع عمل حادثة كبيرة أوي وماتوا الاثنين. أول ما الخبر نزل على بابا متحملش، جاتله سكتة ومات، واتقلب الفرح لمأتم، واترحمت من الجوازة، اللي طبعاً بعدها صممت إني مش هتجوز أبداً، ومفضلش ليا في الدنيا كلها غير ياسر ابن أخويا، اللي من حسن حظه مكنش معاهم في العربية، وكان بايت معايا، ومن يومها وإحنا ملناش غير بعض، أنا كل دنيته، وهو مالي حياتي، ولحد النهارده بلوم نفسي إني دعيت ربنا، عمري ما تمنيت تكون دي نهايتهم أبداً، مهما شوفت منهم قسوة وعنف، لكن ربنا كتب لهم المصير ده وكنت السبب في اللي حصلهم."
سليم بنفي: "استغفر الله العظيم، متقوليش كده يا شادية، إنتي طلبتي من ربنا معجزة، وهو ده عمرهم إنتي مدعتيش عليهم، ربنا يرحمهم ويسامح أبوكي على العذاب اللي عيشناه طول السنين دي." شادية وهي بتشرب قهوتها اللي بردت: "يارب، وإنت عملت إيه اتجوزت؟! سليم ابتسم لسخرية القدر: "يعني إنتي ربنا نجاكي بمعجزة ومتجوزتيش، برغم إني كنت فاكر إنك اتجوزتي طارق، وعقلي كل يوم يرسم ألف سيناريو ليكي، ويتخيل حياتك معاه شكلها إيه...
بيعاملك إزاي؟ واسأل نفسي في كل لحظة، هل بيحبك زي؟ طب هل بيقولك كلمة حلوة خارجة من جوة قلبه زي؟ ولا بيعاملك بقسوة وبيمد إيده عليكي؟
ولا أوقات عقلي بيتجنن ويتخيل لحظاتك معاه، ببقى زي المجنون ساعتها، بحس إني مجروح، مطعون في قلبي وبنزف ومش قادر أقول آه، ياما مرت عليا أيام أسود من الليل وأنا بتخيلك معاه كنت في الليل أنزل زي المجنون ألف في الشوارع عشان أتعب وأروح أنام محسش. عقلي يا شادية عمره ما بطل يوم يفكر ويقف عن ملايين من الأسئلة، يوم بيوم، وشهر بشهر، وسنة تعدي وراها سنين وهو كل اللي بعمله أسأل وأكتب في جوابات وأبعتها، وعمري ما جالي رد، ومع كل ده
ميأستش أبداً. كنت بشتغل طول النهار مش بضيع وقت عشان أول ما أروح أترمي زي الطوبة أنام محسش، لكن أول ما أحط راسي على المخدة تهجم عليا الذكريات كأنهم وحوش مفترسة وتنهش فيا وتقلب عليا كل المواجع. عشت كل السنين دي أحاول ألاقي بديل لروحي، ملقتش ست زيك تردلي روحي، مفيش غيرك إنتي يا روح الروح.. إنتي بس اللي رديتي فيا روحي لحظة ما دخلتي عليا.. وقتها كأن الزمان رجع من تاني، وأنا واقف مستنيكي ورجعتي ليا يا حب عمري كله."
شادية قلبها بيتعصر من الوجع عليه، كان كل اللي في خيالها إنها هي بس اللي عاشت وذاقت طعم العذاب، وتخيلت إنه في غربته هيلاقي اللي تنسيه حبه، لكن فاق تصورها إنه مر وحس أضعاف ما شعرت بيه. دموعها سالت على الخدين وبكل حب قالت:
"إنت يا سليم اللي رديت فيا عمري، أنا جواباتك اللي كنت بتكتبها ليا قبل ما نفترق هي اللي صبرتني، كل يوم أقرأها عشان آخد منها العزم والقوة، لكن الجوابات التانية دي عمري ما استلمت منها جواب واحد، ده أنا كان نفسي بس في جواب واحد أعرف عنوانك وأراسلك عشان أجلك ونعيش سوا، حتى الأمل ده حرموني منه، بس أنا لازم أعرف إيه الحكاية؟ سليم بقلة حيلة: "وهيفيد بإيه لما تعرفي؟! هيرجع سنين عمرنا اللي راحت؟!
ولا هتعرفي تحاسبي اللي عمل كده؟ ده قدرنا وشربنا كاس العذاب كله، ومحدش دفع فاتورة الألم غيرنا إحنا وبس." شادية بتأكيد: "عندك حق، القدر حكم وحبك حبكته بإيد أقرب ما لينا، ربنا يسامحهم." سليم بنبرة تفاؤل: "طب الباقي من عمرنا هنضيعه هو كمان؟ ولا هنلحق الباقي ونعيشه ونتنهنى؟ تنحت شادية من سؤاله، ومعرفتش تجاوب تقول إيه؟ ولا تشرحله مدى تعلق ياسر بيها إزاي؟
شافت في عيونه نظرات ترجي، حب، شوق ولهفة إنهم يعوضوا اللي ضاع منهم. لسه هتجاوب، لمحت الجرسون اللي نجدها بيشيل فناجين القهوة، وطلب سليم عصير مانجو، واستنى إنها ترد. *** في الأثناء دي كان ياسر قاعد مع مجدي وهو بيدرب مرزوقة، جسد بس لكن فكره وذهنه مع شادية. كل شوية يبص في الساعة وقلقان عليها. لفت انتباه مجدي اللي سأله وقاله: "مالك يا ياسر إنت مش معانا خالص ولا بتقول رأيك في أداء مرزوقة؟ انتبه ياسر لكلامه ورد:
"معلش يا مجدي مش مركز أصل ماما اتأخرت أوي وأنا قلقان عليها." كشر بين حاجبيه باستغراب وقال: "هي مدام شادية صغيرة عشان تقلق عليها يا ابني؟ ياسر بقلق زائد: "أنا ماما مش متعودة تخرج لوحدها وأنا اللي بوصلها في أي مكان، مكنش مفروض أسيبها أبداً تروح لوحدها. عن إذنك يا مجدي هروح أتصل عليها أشوف اتأخرت ليه؟
شاور مجدي له بعينه، وقام ياسر يتصل بيها كتير وهي مردتش عليه، وده زود قلقه وخوفه عليها. راح للمطبخ يقول لهنية تعملهم قهوة وتجيبها المكتب، ولع سيجارة وفضل ينفخ دخانها بعصبيه وراح للمكتب وأول ما دخل لاحظ نظرات مجدي لمرزوقة مش بريئة، كلها مكر وهو كرجل فهمها كويس. حاول يسيطر على أعصابه ويركز معاه لعله يحس بوجوده ويغض بصره شوية. دقايق وجابت هنية القهوة وحطتها ومشيت من سكات، مد الكل وشربها، وبعدين كملت مرزوقة تمثيل المشهد.
*** استنى سليم إنها ترد، ولما طال صمتها سألها تاني وردت عليه بكل أسى: "ياريت يا سليم... أنا نفسي نتجمع في اللحظة حالا ومنفوتش دقيقة واحدة تانية." قاطعها باستفهام: "وإيه اللي يمنع يا روح قلبي، إحنا قدرنا بقى بإيدينا دلوقتي ومحدش مسئول عن اختيارنا ولا يبعدنا عن بعض تاني؟ شادية بنبرة ألم باينة في عيونها قالت:
"ده اللي إنت شايفه من منظورك يا سليم، لكن واقعي مش كده، ياسر مستحيل هيتقبل شريك يشاركه في قلبي، ولا يتخلى عني بسهولة." سكتت ومقدرتش تكمل لمجرد الفكرة إنه بس يعرف، وهنا لاقت رد عنيف وقوي من سليم لاول مرة تشوفه منه، بس عشان هي عارفاه عذرته والتمست له ألف عذر وعذر لما قال: "والله ده ظلم، وربنا ميقبلش بالظلم يا شادية، زمان أبوكي فرقنا عن بعض وكل واحد فينا عاش سنين في عذاب، ولما القدر جمعنا تاني تقولي ياسر مش هيقبل؟
هو مين عشان يتحكم فينا؟ أنا مستحيل هقبل مهما يكون مين يبعدني عنك، إنتي فاهمة؟ شادية بتحاول تبرر قالت:
"ياسر برغم إنه كبير، لكن إنت مش قادر تفهم أنا إيه بالنسباله؛ أنا دنيته كلها، ده مش عايز يتجوز ويعيش حياته عشان ميسبنيش، أنا مهما أوصفلك تعلقه بيا إزاي، مش هتقدر تستوعب، حبه بيزيد كل ما يكبر، مش بيقل بيزيد وتملكه بيزيد معاه، إحنا صبرنا كتير، سبني أجيبهاله تدريجياً وأنا حاسة إني هعرف أقنعه، ويمكن قلبه يرق ويلاقي بنت الحلال اللي تستهله." سليم بغضب:
"لو إنتي كل دنيته، فأنتي عمري كله يا شادية، اللي راح زمان واللي جاي، هنعمل إيه لو ملقهاش أفضل أنا تحت الانتظار، حرام عليكي يا شادية، هو أنا مش في حسبانك، مش بتفكري غير في ياسر وبس؟ مش كفاية عليه أخد سنين عمرك اللي كانت من حقي أنا؛ يسيب بقى السنين اللي جاية الحق أعيشها معاكي وأعوض اللي فاتنا." شادية وهي ماسكة إيديه ونظرة عينها بتترجاه قالت: "معلش يا عمري، وحياتي عندك استحملني، وادعي ربنا يقرب البعيد." سليم وهو
بيضم إيديها ويقبلها بحب: "حاضر يا شادية عشان خاطرك هستحمل، وربنا يصبرني." ابتسمت له بحب وشربت العصير، ومرة واحدة قالتله: "أنا عايزة أسافر البلد يا سليم؟ سليم بتعجب: "ليه يا حبيبتي؟ شادية وهي ماسكة شنطتها وبتستعد عشان تقوم: "عشان أسترد الضايع مني."
نظرات سليم بتدل إنه مش فاهم حاجة، فوضحت قصدها في استرداد جواباته، وتعرف إيه الحكاية، برغم اعتراضه في الأول، لكن تحت ضغطها وافق، دفع الحساب وركبوا العربية وسافر للبلد. اتصلت بياسر لاقته متصل بيها كتير أوي، أول ما رنت عليه رد بسرعة وقال بلهفة: "إنتي فين يا ماما، معقول كل ده تأخير، مردتيش عليا ليه؟ أنا هموت من القلق عليكي." شادية باعتذار:
"معلش يا حبيبي مسمعتش الفون، وبتصل بيك عشان بس أقولك إني هروح مشوار مهم جداً وبطمنك أنا كويسة ومتقلقش عليا، أول ما أخلص هجي على طول." ياسر: "يا ماما فهميني بس، قوليلي إنتي فين وأجيلك؟ شادية بتوتر: "لا يا حبيبي مش هينفع، لازم المشوار ده أعمله أنا لوحدي، يالا سلام دلوقتي."
قفلت معاه وهي حاسة بقلقه وخوفه اللي باين في صوته، سرحت إزاي هتواجه أسئلته لما ترجع. كل ده وسليم مراقبها وساكت ومقدر حيرتها وخوفها من المواجهة. طول الطريق ساكتين، كل ما المسافة بتقرب ذكرياتها اللي سابتها وهربت منها بتطاردها كأن كل السنين اللي فاتت يوم أو يومين بالكتير، كل الأوجاع حستها. وصلت أخيراً وأول رجليها ما خطت باب السرايا بتاعتهم اتردد في ودنها أغنية كانت بتحبها أوي سمعت صداها من بعيد وعيشتها من تاني.
دار يا دار يا داريا دار قوليلي يا دار دار يا دار يا داريا دار قوليلي يا دار راحوا فين حبايب الدار؟ فين؟ فين؟ فين؟ فين؟ قولي يا دار دخلت وفتحت الباب وعيونها بتلف كل ركن، وبتفتكر كل ذكرى حلوة مرت عليها. لياليك كانت نوري سبح في ضيه بحور صرخة صدى مهجور مرسوم في كل جدار راحوا فين حبايب الدار؟ فين؟ فين؟ فين؟ فين؟ قولي يا دار
افتكرت والدتها وقعدتها دايماً على الكرسي اللي مركون في ركن بعيد، وتخيلت شكلها وهي ماسكة في إيديها إبرة التريكو بتشتغلها عشان تعملها فستان يفرحها من صنع إيديها، وفرحتها لما تخلصه. دمعة نزلت من عيونها مقدرتش تحوشها. داري الدمع يا دار دَاري داري داري داري الدمع يا عين ما تزّوديش الغيم داري الدمع يا عين دَاري داري داري داري الدمع يا عين ما تزّوديش الغيم
حاولت تداري الدمع اللي نازل من غير ما قادرة تسيطر عليه، خصوصاً لما افتكرت ظلم والدها وقسوته عليها، وكل اللي عمله فيها. فيه رب اسمه كريم ساعة المحن ستّار فيه رب اسمه كريم ساعة المحن ستّار راحوا فين حبايب الدار؟ فين؟ فين؟ فين؟ فين؟ قولي يا دار تنهدت ودعت ربنا يصلح حالها، نادت على عم سيد الطباخ، وسعيد الجنايني، جه من جوة عم سيد اللي فرك بإيده عينه عشان يتأكد من اللي واقفة قدامه، وهي ابتسمت وقالتله:
"إيه يا راجل يا طيب مش فاكرني ولا إيه؟ أنا شادية." عم سيد وهو بيحاول يمد في خطوته اللي ضعفت من أثر الكبر وانحناء ظهره، لما وصل ليها وبص يتأكد قال بفرحة: "ياه يا ست شادية فينك يا بنتي، إيه كل الغيبة دي؟ بقالك سنين غايبة ومش بتيجي يا بنتي؟ شادية غمضت عينها وردت: "أجي لمين يا عم سيد، كل الحبايب راحوا والدار بقى خالية من أي ناس وحب." عم سيد بأسف:
"ربنا يرحمهم ويغفر لهم والبركة فيكي وفي سي ياسر، هو فين مش باين من ساعة ما جه أخد إيراد الأرض." شادية: "مشغول في شغله، المهم تعالي اقعد عشان عايزالك في حاجة مهمة ومحدش هيريحني غيرك إنت." عم سيد وهو بيقعد وعلامة الاستفهام على وشه سأل: "خير يا ست شادية أنا تحت أمرك... شادية بترجي: "خير يا عم سيد، هو أنا كان بيجيلي جوابات هنا زمان، ومحدش بيوريهاني؟ عم سيد حط عينه في الأرض بيهرب منها، وده خلاها تتأكد من كلام سليم،
فقالتله: "قول يا عم سيد أرجوك إيه اللي حصل زمان؟ عم سيد قال: "بصي يا بنتي أنا هحكيلك اللي شوفته زمان، لما كنتي تعبانة وقبل اللي يحصل لأخوكي، جه عامل البريد ومعاه جواب ليكي ونادى على اسمك، ولسوء الحظ كان والدك ربنا يرحمه كان في الجنينة واخد منه الجواب، وقاله لو في جوابات تانية جيبها على عنوان شركتي، وأداله العنوان، وفلوس كمان." شادية قاطعته: "وبعدين يا عم سيد، بعد بابا ما توفى الأمر اتغير؟ عم سيد وهو بيفتكر:
"فضل الوضع ده كتير كده، لكن بعد فترة اتغير العامل وبقى يجي كل شوية، ويحط الجواب في الصندوق اللي بره، هو آه كان بيغيب شوية لكن لحد فترة بسيطة بيجيب جوابات، بس انقطعت خالص." شادية بلوم وعتاب: "ليه مقلتليش يا عم سيد؟ ليه سكت، يمكن لو كنت قولت كانت حاجات كتير أوي اتغيرت في حياتي؟ عم سيد بحزن:
"والدك حذرني وهددني إني أبلغك حاجة، وأنا يا بنتي راجل غلبان وخفت على أكل عيشي، ولما والدك اتوفى كانت الجوابات انقطعت، ونسيت الموضوع خالص، وبعد ما السنين عدت ورجعت تاني كنتي سبتي هنا، والدنيا خدتني وقولت الموضوع مات من زمان مفيش داعي أقول وأعيد."
شادية بصتله بألم على سوء قراره وتفكيره، لكنه صعب عليها، طلعت فلوس وأدتهاله، وهو شكرها أوي، وقامت عشان تشوف صندوق البريد اللي مليان من حبها وعذابها كتير. فتحته بإيدين مرتعشة واتفاجئت بكم هائل من الجوابات، اللي من كترهم وقعوا على الأرض. بصت ليهم ومصدقتش نفسها إن حبيب عمرها عمره مانساها ولا ياس من عدم ردها، وقالت لنفسها إذا كان دي كل الكم ده هنا، أمّال في الشركة بتاعت والدها في قد إيه؟
لمت الجوابات في شنطة ومشيت راحت عند سليم اللي كان منتظرها في العربية لحد ما ترجع، وأول ما عينه جت عليها وشاف دموعها اللي نازلة اتخض عليها وقالها: "مالك في إيه اللي حصل مخليكي تبكي بالشكل ده؟ شادية قعدت جنبه على الكرسي، ومدت إيديها بالجوابات وقالتله: "معقول يا سليم كل دي رسايل بعتهالي، واتحرمت منهم، حرموني منك ومن أي تواصل بينا، يمكن لو كنت أخدت جواب واحد بس في إيدي كنت سافرتلك وعشت معاك وحياتي كلها اتغيرت...
ليه ظلمونا كده؟ ليه هان عليهم بالشكل ده؟ وهان عليهم نزيف قلوبنا؟ قالت كل كلامها بين شهقتها، أخدها سليم وضمها لكتفه بحنان وطبطب على كتفها يواسيها، وقال: "اهدي يا حبيبتي، ده كله مقدر ومكتوب، وربنا لو كان رايد إننا نتجمع زمان مكنش حد عرف يقف قصادنا، لكن كل شيء مكتوب، والوقت دلوقتي بقى في إيدينا أوعدني نتحدى أي صعب ونتجمع مع تاني يا شادية، أوعديني!! خرجت شادية من حضنه وبصتله بكل حب وثقة قالت:
"أوعدك يا حب عمري ما هسمح للظروف تاني تفرقنا، أوعدك ألف وعد وعد إننا هنتجمع من تاني، بس أهيأ الظروف وأقنع ياسو." ***
ياسر جاله مكالمة فخرج يرد عليها بره عشان ميشدش انتباههم ويخرجهم من المود. أداء مرزوقة للمشهد معجبش مجدي، قام ووقف قصادها مسكها يظبط زاوية وقوفها بطريقة معينة، وكرر الكلام اللي هتقوله. مرزوقة اتوترت وهو بيقرب منها بطريقة معجبتهاش، حاولت تبعد وترجع لورا. هو مسكها من وسطها بطريقة وقحة كان بيمر بيده حوالين ظهرها ويحسس عليها. محستش مرزوقة بنفسها غير وهي بتزقه وكفها نزل على وشه كف ثلاثي الأبعاد، كل ده على دخلة ياسر اللي اتصدم هو ومجدي من رد فعلها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!