الفصل 4 | من 12 فصل

رواية العذراء و الصعيدي الفصل الرابع 4 - بقلم نور الشامي

المشاهدات
40
كلمة
1,790
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

كان يجلس جارح بجوارها يراقب ملامحها الشاحبة بصمت. عينيه تضيقان بحدة وهو يتأمل تفاصيل وجهها المرهق. كانت ممدة على الفراش، أنفاسها متقطعة وجسدها ساكن باستثناء ارتعاشة خفيفة في أصابعها. ضمادة بيضاء غطت كتفها المصاب. تأوهت بصوت خافت قبل أن تفتح عينيها ببطء. نظرتها كانت مشوشة في البداية، لكن سرعان ما اتسعت عندما رأت جارح جالساً إلى جوارها وعيناه الداكنتان تراقبانها بثبات.

حاولت التحرك، لكن الألم الحاد في كتفها جعلها تئن وتغلق عينيها للحظة. ثم عادت تفتحهما، وبصوت مبحوح ضعيف وهمست برجاء: "سيبني أمشي، أبوس يدك… بالله عليك أنا معملتش حاجة. جسماً بالله هو اللي جاب لي واحد معرفش مين ده علشان خاطر يعمل معايا حاجات مش حلوة علشان ما يتفضحش قدامكم إنه عاجز." "جسماً بالله عصام عاجز وهو اللي اعترف لي بنفسه." لم تنهِ غيم كلماتها حتى لمحت انقباض عضلات فكه ونظراته التي اشتعلت بغضب مكتوم.

اقترب منها فجأة ويده القوية ضغطت بقسوة على موضع الجرح. شهقت بألم وارتجف جسدها بالكامل. انحنى قليلاً واردف بغضب: "انتي فاكراني غبي علشان أصدج المسلسل الهندي اللي بتقوليه ده. أخويا كان عاجز وجاب لك واحد علشان يعمل معاكي حاجات مش حلوة. ومن فترة تقولي إنك شفتي جثة… انتي خيالك واسع قوي. اسمعي يا بت انتي… انتي هتفضلي هنا لحد ما العدة تخلص… وبعدها هنتجوز." حدقت غيم بصدمة وكأن عقلها لم يستوعب ما سمعته.

"إنت بتقول إيه…. بتهزر صوح.. أكيد بتهزر." ابتسم جارح بسخرية ثم أردف بثبات: "لأ مش بهزر زي ما سمعتي… هتبقي مرتي غصب عنك مش بمزاجك. ومن انهارده لحد يوم كتب الكتاب انتي هتفضلي محبوسة في الأوضة هنا… لا بتشوفي حد ولا حد بيشوفك." صرخت غيم بفزع مرددة: "مستحيل… أنا مش موافقة.. مستحيل أتجوزك." لم يمنحها جارح فرصة للجدال، بل نهض من مكانه ببطء وهو يردف بجمود:

"جهزي نفسك… علشان هنتجوز. أنا مش باخد رأيك. ولو رفضتي جسماً بالله العظيم هقتل كل شخص قريب منك.. مش هسيب حد عايش.. هجمعهم كلهم قدامك هنا وهخلص عليهم غير العذاب اللي هتشوفيه مني… أنا بحذرك.. أخويا جاب واحد علشان يتمم جوازه بيكي… فعلاً خيال واسع." استدار وخرج من الغرفة، تاركاً إياها غارقة في صدمتها غير قادرة حتى على البكاء. مرت الأيام بسرعة، وكل يوم كان يمر كانت غيم تشعر وكأنها تقترب من حتفها.

حاولت الهروب أكثر من مرة، توسلت وبكت وصرخت، ولكن كل شيء كان بلا فائدة. حتى جاء اليوم المشؤوم… اليوم الذي انتهت فيه عدتها وكتبوا الكتاب. بعد عقد القران كانت تجلس الجدة بجوار جارح وهي توبخه بغضب مرددة: "إزاي تعمل أكده… إزاي تتجوزها.. دي كانت في حكم الميتة بالنسبالك... كان لازم تقتلها وتخلص منها. المفروض تدفنها مش تتجوزها.... لازم تقتلها دلوقتي، ده العرف...

تاخد بتار أخوك اللي قتلته وهو لسه في عز شبابه. ومش بس أكده عايز تشوه سمعته بعد موته كمان." قال جارح بحده: "الموت هيبقى رحمة ليها يا حاجة وأنا مش ناوي أرحمها... أنا هدفعها تمن اللي عملته غالي قوي." صعد إلى غرفته بخطوات ثابتة. فتح الباب ليجدها واقفة بجوار النافذة وظهرها له، ترتجف ودموعها تنساب على وجنتيها بصمت. تنهد ساخراً، ثم أردف بحدة: "كفاية عياط بقى...

الليلة ليلة فرحنا. قومي ادخلي البسي حاجة كويسة.. فيه واحدة توقف قدام عريسها أكده. حتى ميصحش. ولا ناويه أنا كمان تتطلعي عليا إشاعة إني عاجز." نظرت غيم إليه بدموع ودخلت لتبدل ملابسها بدون أن تتفوه بحرف واحد. بعد دقائق خرجت غيم. نظر جارح بصدمة وتوقف الزمن بالنسبة له للحظات. اتسعت عيناه بذهول وهو يراها تقف أمامه.

كانت ترتدي قميص نوم حريري بلون أحمر داكن ينسدل برقة على جسدها النحيل، بينما دموعها لا تزال تنساب بصمت على خديها. كأنها تشبه لوحة مرسومة، مزيج من الجمال والحزن والانكسار. ابتلع جارح ريقه ببطء وكأن شيئاً ما تحرك في صدره، لكن ملامحه بقيت جامدة. اقترب منها، صوته خرج هادئاً لكن يحمل وعيداً بالانتقام: "الليلة ليلتك يا غيم… للأسف مش هيكون عندك حجة المرة دي علشان تقولي عليا أي حاجة."

بدأ بفك أزرار قميصه ببطء حتى أسقطه أرضاً ليكشف عن صدره العاري. تقدم منها بخطوات بطيئة ورفع يده ليلامس خصلات شعرها. لكن ارتعاشتها الطفيفة جعلت أصابعه تتوقف للحظة. "مالك.. خايفة أكده ليه عاد.. للدرجادي أنا بخوف... فيه واحدة برده تخاف من عريسها." غيم وهي تحاول الابتعاد عنه: "بالله عليك.. سيبني.. حرام عليك.. انت ليه مش راضي تصدقني... طيب بص... بلغ الشرطي وأنا هعترف إني أنا اللي قتلت عصام.... بس متعملش فيا أكده أبوس يدك."

كانت تتوسل غيم له، ولكن توسلاتها لم تجد طريقها إليه. كان مصمماً على إذلالها. رفعها بين ذراعيه ووضعها على الفراش. عيناه تتمعنان في نظرات الرعب التي غطت ملامحها الشاحبة. كانت ضعيفة، مستسلمة. بيده يده وهذا بالضبط ما أراده. أغمضت عيونها بخوف وهو يسحب عنها هذا الرداء. فجأة انتفض مبتعداً عنها بعصبية وكأن ناراً التهمته.

"متخافيش أنا مش ألمسك.. أنا بقرف منك وبكرهك قوي ومستحيل المس واحدة زبالة رخيصة وزبالة زيك.. كل اللي يهمني إنك تفضلي تتعذبي أكده وبس." نظرت غيم إليه بصدمة لم تستوعب ما فعله. رن هاتفه فجأة. نظر إلى الشاشة، وبدا وكأن صدمة اجتاحته وتجمد للحظة. أسرع يلتقط قميصه ويرتديه على عجل دون أن يلقي نظرة أخرى عليها قبل أن يخرج من الغرفة مسرعاً. تاركاً إياها خلفه غارقة في دموعها، لا تفهم ما حدث.

بعد فترة كان ينزل جارح من سيارته بسرعة عند بيت عصام. كان يرى الحراس مصطفين أمام المدخل ووجوههم متجهمة. عندما عبر البوابة رأى الحفرة الكبيرة في الأرض… وفي قلبها جثة فتاة بلا ملامح كأنها تعرضت للتشويه المتعمد. قبض يده بقوة حتى برزت عروقها. دخل شاب بسرعة من خلفه وأنفاسه متقطعة وكأنه كان يركض منذ مدة. حين رأى الحفرة جحظت عيناه بصدمة. التفت إلى جارح وسأله بصوت مضطرب: "مين دي؟

إيه اللي بيحصل هنا يا جارح.. جثة مين دي عاد وازاي مدفونة هنا.. وإيه اللي جاب جثة هنا أصلاً." رفع جارح رأسه بصدمة وهو يتذكر كلمات غيم مردداً: "يعني إيه... هي كانت صح... دي أكيد الجثة اللي كانت بتتكلم عنها بس جثة مين." قاطعه صوت الشاب الذي ردد بفزع: "جارح.. إلا تكون جثة شمس... يا نهار أسود.. دي ممكن تكون جثتها بجد.. ممكن تكون جثة شمس فعلاً يا جارح." نظر جارح إليه بصدمة.

في مكان آخر، بعيداً عن بيت الأسيوطي، كانت تجلس امرأة في ركن مظلم داخل منزل صغير. أمامها طاولة خشبية قديمة جلس عليها شاب في العشرينات من عمره، عيناه تحملان الترقب، وهو يستمع لكلماتها بصمت. "لسه مشافوش حاجة… انتقامنا من عيلة الأسيوطي هيبدأ من دلوقتي، ولازم كل خطوة تكون محسوبة.. أنا مش هحليهم يعيشوا مرتاحين مهما حصل.. اعمل اللي جولتلك عليه… مينفعش يحصل أي غلط ولو بسيط يلا بسرعة."

أومأ الشاب برأسه ثم وقف مستعداً لتنفيذ الأوامر. ظلت المرأة جالسة تمرر أصابعها على سطح الطاولة وهي تهمس لنفسها: "اللي فات كان لعب عيال… بس دلوقتي، الجحيم نفسه هيبقى أرحم ليهم من اللي مستنيهم واللي هعمله فيهم." في بيت الأسيوطي، كانت الجدة تقف بصدمة وهي ترى عدداً من الضباط بزيهم الرسمي يتقدمهم رجل يحمل أوراقاً رسمية مردداً: "مطلوب القبض على الأستاذة غيم... هي فين." نزلت غيم من درجات السلم وهي تنظر بخوف مرددة:

"ليه يا حضرت الظابط.. أنا عملت إيه عاد... إيه تهمتي." الضابط بحده: "قتل.. مطلوب القبض عليكي بتهمة قتل شمس حامد.. يلا امسكوها."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...