وقف الطبيب بجوار الجثة. يضغط بإصبعيه على رقبة عصام في محاولة يائسة للبحث عن نبض، لكن ملامحه سرعان ما تحولت إلى الجمود. زفر ببطء قبل أن يرفع رأسه نحو الحاضرين قائلاً بصوت حازم: "مفيش نبض… للأسف مات" ساد الصمت للحظات، لم يُسمع خلالها سوى أنفاس متوترة، قبل أن يضيف الطبيب بجدية: "دي حالة قتل… ولازم أبلغ البوليس دلوقِ حالاً… لازم تحقيق رسمي في الواقعة وكل اللي بيحصل دا"
ولكن قبل أن يتم كلماته، جاء صوت جارح صارم وهو يقترب من الطبيب مردداً: "لأ… مفيش بوليس… مفيش أي حد بره البيت دا هيعرف اللي حصل لأخوي… الكل هيعرف إن الوفاة طبيعية" رفع الطبيب حاجبيه بصدمة، بينما تابع جارح بحدة: "انت هتكتب في التقرير إن الموت كان طبيعي… مفهوم؟ تعمل تصاريح الدفن وكل حاجة هتم في هدوء… مش عايز دوشة ولا فضايح… وإلا هتبقى انت كمان في مشكلة كبيرة جوي يا حكيم"
تبادل الطبيب النظرات مع الحضور في توتر، لكن ملامح جارح الحادة لم تترك له مجالاً للاعتراض. فابتلع ريقه قبل أن يجيب بتردد: "بس… بس دي جريمة قتل ولازم فيها الشرطة" اقترب جارح أكثر واردف بصوت غاضب: "جريمة قتل؟ إحنا هنا بنحل مشاكلنا بنفسنا مش محتاجين حد يدخل بينا… فاهمني؟ تراجع الطبيب خطوة للخلف وأدرك أن الجدال لن يكون في صالحه، فاكتفى بهز رأسه موافقاً على مضض. ***
وفي غرفة أخرى داخل المنزل، جلست غيم على طرف السرير تحدق في الفراغ، وجسدها متيبس وكأنها فقدت القدرة على الاستيعاب. كانت لا تزال ترتدي ملابسها نفسها، لكن الرعشة التي اجتاحت أطرافها جعلت قبضتها تشتد حول الغطاء الذي احتضنته كأنها تحتمي به، وهي تتذكر. **فلاش باك** كانت تقف غيم في منتصف الغرفة، وجسدها متشنج وعيناها تائهتان بين عصام وشفيق، تحاول أن تفهم إن كان ما تسمعه حقيقياً أم كابوساً آخر من كوابيسها المتكررة.
فاقترب عصام واردف بصوت مملوء بالوقاحة وهو ينظر لشفيق: "انت اللي هتكون معاها علشان نثبت لكل الناس إني راجل وانك انتي الكدابة… بقى عايزة تجيبي العار ليا ولعيلتي" نظر شفيق إليها في تردد واضح، ثم ابتلع ريقه واردف بصوت مهزوز: "بس… بس أنا…" قاطعه عصام بحدة: "مفيش بس… يلا خلصني بقى انت لسه هتجد تجولي أنا ومش أنا… خلص"
تحرك شفيق بخطوات بطيئة نحوها، بينما عقلها يعمل بسرعة للبحث عن مخرج. لكن قبل أن يقترب أكثر، تقدم عصام فجأة وأمسكها من ذراعها بعنف، يجبرها على البقاء في مكانها مردداً: "انتي فاكرة إنك تقدري تهربي… أنا مستحيل اخليكي تهربي… تصدقي إني أنا الغلطان أصلاً إني اتجوزت واحدة زيك متسواش"
نظرت غيم إليه بفزع وحاولت التملص من قبضته وهي تضربه بيدها، لكنه كان أقوى وهو يسحبها نحوه بقوة أكبر جعلتها تترنح في مكانها، وشعرت بأنفاسه قريبة منها بشكل مقزز. وفي لحظة يأس، وقعت عيناها على السكين الصغيرة الموضوعة على الطاولة. وبحركة سريعة مدت يدها وأمسكت بها دون أن يدرك.
وفجأة… غاصت السكين في صدره. واتسعت عينا عصام بذهول، الذي ترك ذراعها وتراجع خطوتين وهو يضع يده على موضع الجرح وأنفاسه متقطعة، بينما الدم يتسرب بين أصابعه. أما شفيق، فقد شهق بفزع وهو ينظر إليها وإلى السكين التي ما زالت تحمل آثار الدم، ثم تراجع للخلف ببطء. رفعت غيم السكين نحوه وعيناها تشتعلان غضباً مرددة:
"قسماً بالله لو حاولت تلمسني لهقتلك انت كمان… خطوة واحدة بس وهخلّص عليك مش هيهمني. يلا… يلا امشي من قدامي. أنا مبجاش عندي حاجة أبكي عليها خلاص… امشي يلا… امشي من هنا فوراً" لم يفكر شفيق مرتين واستدار بسرعة واندفع نحو الباب وفتحه بيد مرتعشة وهرب كأن الشيطان يطارده، تاركاً إياها واقفة هناك تلهث بشدة والدماء لا تزال تقطر من يدها المرتجفة. وفجأة… **فلاش باك**
فاقت غيم من شرودها على صوت فتح الباب بعنف، ووقف جارح على عتبته، عيناه تقدحان شرراً وملامحه توحي بعاصفة على وشك الانفجار. تقدم إلى الداخل بخطوات بطيئة لكن ثقيلة، كأنه يصارع نفسه كي لا ينقض عليها فوراً. واردف بصوت أجش مليء بالغضب:
"أنا إزاي كنت غبي كده… أخوي طول عمره كان يجولي إنك مش كويسة وإنك خاينة وجليلة أصل، بس مكنتش أتخيل إنك كمان مجرمة… جتلتي أخوي… عصام كان جايلي… كان قايللي إنك مش عايزاه يلمسك… وإنك كنتي على علاقة بواحد غيره! علشان كده كنتي بتتهربي منه كل ما يقرب منك صح… هو دا السبب اللي جتلتي أخوي عليه… خوفتي يفضحك" نظرت غيم بصدمة وصرخت بانفعال: "كذب… كذب والله العظيم… أنا معرفش حد… قسماً بالله ما أعرف حد… ولا حد لمسني"
ولكن جارح لم يمهلها لتكمل، بل قطع المسافة بينهما بسرعة خاطفة وأمسك بذراعها بقوة جعلتها تتأوه. وانحنى قليلاً ليقترب وجهه من وجهها، يحدق في عينيها المذعورتين بنظرة قاتلة وهو يهمس بصوت يشبه فحيح الأفاعي: "عارفة يعني إيه اللي عملتيه ده؟ يعني جبتي العار والدمار لعيلتك… وقتلتي أخويا… وحرقتي جلب جدتي… واحسبي حسابك جدتي دي هتوريكي الجحيم بمعنى الكلمة… أما أنا؟
أنا هنتقم منك بطريقتي. أنا هخليكي تتمني الموت ومتعرفيش تحصلي عليه… قسماً بالله العظيم لـ هدفعك تمن موت أخوي دا غالي جوي" ألقى جارح كلماته ثم ابتعد عنها فجأة وهو يصرخ بصوت جهوري: "يا رجالة! وفي أقل من لحظة، اندفع رجلان ضخما البنية إلى داخل الغرفة، وجوههم خالية من أي تعبير. فأشار إليهم بحدة وهتف: "خدوها… احبسوها في الجصر هناك ومتخلوش أي حد يشوفها… لحد ما أشوف هعمل فيها إيه"
شهقت غيم وحاولت التراجع لكنها لم تجد مهرباً… فهرجم الرجلان عليها وأمسكاها بقوة رغم مقاومتها وصراخها اليائس مرددة: "سيبوني… أنا مظلومة… جارح بالله عليك اسمعني… قسماً بالله انت فاهم غلط" ولكن جارح لم يلتفت إليها، بل وقف مكانه يراقبهم وهم يسحبونها للخارج كأنها قطعة أثاث لا قيمة لها. آخر ما رأته قبل أن تجر خارج الغرفة هو عيناه القاسيتان، لا شفقة فيهما ولا رحمة. ***
وفي صباح يوم جديد في ساحة القصر، علت أصوات النواح، وكان اللوم الأسود هو السائد بين الجميع. أما عن الجدة، فكانت تبكي بحرقة، بينما تضرب صدرها وهي تردد بانهيار: "حفيدي راح… عصام راح خلاص… دفنته بيدي تحت التراب… بدل ما هو اللي يدفني أنا… آه دفنته… أنا اللي دفنت حفيدي… يارب لصبر من عندك يا رب… الصبر من عندك يا رب" كانت تتحدث الجدة بانهيار، وبجانبها لؤلؤ التي تبكي بشدة مرددة: "عصام راح… راح ومش هيرجع خلاص"
لكن الجدة لم تكن تبكي فقط، بل كانت تغلي من الداخل. وعندما رفعت رأسها وحدقت بالحارس أمام باب غرفة غيم، لم يكن في عينيها سوى قرار واحد… الانتقام. فنهضت بغضب مرددة للحارس: "افتح الباب دا… يلا" الحارس بتردد: "جارح بيه منع حد يدخل ليها يا كبيرة… مقدرش والله أنا آسف" لم تنتظر الجدة كثيراً، تحركت بسرعة وانتزعت السلاح من حزامه وضغطت فوهته على رأسه. فشهقت لؤلؤ واردفت الجدة: "افتح وإلا هتموت مكانها… قسماً بالله هقتلك"
ارتجفت يد الحارس وهو يدير المفتاح، وما إن انفتح الباب حتى اندفعت الجدة للداخل وهي ترى غيم. كانت جالسة على الأرض، جسدها متيبس وعيناها ذاهلتان. لكن قبل أن تنطق بحرف، هجمت عليها الجدة وأمسكتها من شعرها وسحبتها للخارج مرددة: "بقى انتي تعملي كده… تقتلي حفيدي… جتلتي حفيدي… ليييه… ليه دا أنا أكتر واحدة كنت بدافع عنك… دا أنا كنت بعتبرك زيك زي عصام وجارح ولؤلؤ… ليه كده… ليه ربنا ينتقم منك… عملك إيه… عملك إيه عشان تحرمينا منه"
غيم ببكاء: "سيبوني! بالله عليكم… أبوس إيدك… والله أنا معملتش حاجة… بالله عليكي اسمعيني أبوس إيدك" كانت تتحدث غيم ببكاء، لكن لؤلؤ كانت تضربها بشدة، والجدة لم تتوقف. وجرتها عبر الممرات حتى الساحة، ثم ألقتها أرضاً وسحبت سكين من أعلى الطاولة مرددة: "دم حفيدي في رقبتك ولازم تدفعي التمن… لازم آخد بـ تار حفيدي منك… أنا هقتلك وأرمي جثتك للكلام علشان تبقي عبرة لأي حد يحاول يأذي حد من عيلتي"
ألقت الجدة كلماتها ورفعت السكين لتنقض عليها، وما إن اخترقت السكين صدرها… دوى صوت صارم: "لأ يا حاجة… سيبيها" أردف جارح بكلماته وانصدم عندما وجد غيم تقع على الأرض غارقة في دمائها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!