وقف جارح في منتصف قاعة القصر، عروقه بارزة من شدة الغضب، عيناه تقدحان شررًا وهو يحدق في جدته ولؤلؤ. صوته كان كزئير غاضب وهو يهدر: "ملكمش دعوة؟! إزاي تجولوا اكده؟! تتخطف ولا تموت وأنتو واجفين هنا بتتفرجوا.. دي مرتي يا حجه.. طيب لؤلؤ بتكره أي حد من زمان جوي... انتي بجا.. مش هامك ان مرتي اتخطف؟ رفعت الجدة حاجبيها، وعلامات البرود واضحة على ملامحها، بينما لؤلؤ تراجعت خطوة للخلف، تحاول التهرب من نظراته الثاقبة.
واردفت الجده: "إحنا مش مسؤولين عنها... تموت ولا تولع متهمناش... هي ال جتلت حفيدي مطلوب مني اعملها اي عاد.. اروح ادور عليها ولا كانها عملت حاجه.. انا بكرها ولو اجدر ادوس علي رجبتها هعمل اكده اكده عادي ولاهيهمني." لم يحتمل جارح المزيد، فاستدار ليصب غضبه على الحراس الواقفين عند الباب مرددا: "وأنتو! إزاي حد يجدر يتسلل وياخدها من تحت عنيكم؟! إنتو موجودين اهنيه ليه؟ للزينة؟!
تبادل الحراس النظرات في صمت، لا يجرؤ أحدهم على الرد، حتى قطع المشهد بدخول شاب طويل القامة، ملامحه تشبه جارح إلى حد ما، لكنه أكثر هدوءًا. كان فارس، ابن عمه، الذي تقدم بثقة قائلاً: "اهدئ يا جارح، هنلاجيها انا وصلت اهه ومش راجع تاني خلاص." نظر إليه جارح بعينين محمرتين من الغضب، لكن كلماته حملت شيئًا من الطمأنينة. حتى دخل أحد الحراس مرددًا بلهفة:
"يا بيه عرفنا العربيه نزلت الست غيم فين وجيبنا المكان ومتأكدين انها موجوده هناك دلوجتي." جارح بلهفة: "يلا بسرعه خلينا نروح دلوجتي حالا.. يلا يا فارس." القي جارح كلماته وذهب. فنظرت لؤلؤ إلى الجدة بضيق ورددت: "هو في اي يا حجه.. هو بيحبهاا ولا اي عاد.. خلاص اكده هيفضل معاها يعني ولا اي... انتي عارفه اني بحبه مجدرش اعيش من غيره ووعدتيني اني هتجوزه.. بس بالنظام دا شكلي مستحيل اتجوزه." تنهدت الجدة بضيق واردفت:
"مستحيل يكمل معاها.. انا عارفه جارح زين.. جارح مش هيكمل مع ال جتلت اخوه.. انتي ناسيه انها جاتله ومش بس اكده كمان دي كانت عايزه تشوه سمعتنا وسمعه العيله كلها.. دي اتهمت عصام الله يرحمه انه عاجز.. مستحيل يحبها.. هو هيعذبها وبعدها يجتلها خالص.. فمتخافيش." القت الجدة كلماتها بضيق.
وفي مكان آخر عند غيم، كانت جالسة في الزاوية، يديها مكبلتان خلف ظهرها، جسدها يرتجف، وعيناها مغرورقتان بالدموع التي لم تعد تحاول كتمانها. الخوف كان ينهشها من الداخل، وكل ما يدور في عقلها هو كيف انتهى بها الحال هنا، وحدها، بلا حول ولا قوة. ارتجفت حين سمعت صوت خطوات تقترب، زادت ضربات قلبها بعنف حتى شعرت أنها ستخرج من صدرها. دخل الرجل الغرفة، عيناه تتفرسان فيها بنظرة مقززة، وقبل أن تفكر في أي شيء، كان قد خطا نحوها.
فتراجعت غيم إلى الخلف حتى التصقت بالجدار البارد، أنفاسها تتلاحق، وعيناها تتسعان برعب وهي تراه يقترب أكثر. حاولت الهروب، لكن قبضته كانت أسرع، أمسك بها بخشونة فصرخت بغضب: "سيبني! ابعد عني.. انت عايز مني إيه؟! يا عااالم حد يساعدني بالله عليكم.. سااعدوني." يضحك الرجل بسخرية وهو يقترب أكثر، صوته كان كريها وهو يهمس:
"هتوفري على نفسك التعب لو بطلتي العناد ده. في جميع الحالات انتي بتاعتي النهاردة، مستحيل اسيبك.. انتي ليا بس، عنادك ده بس هيخلي الموضوع أحلى! اقترب أكثر، ورفعت غيم يدها تدفعه لكنها كانت ضعيفة أمام قوته، وعندما كاد يمد يده إليها، دوى صوت انفجار عنيف، اهتزت الجدران، وانفتح الباب بعنف. شهقت غيم بلهفة عندما رأت جارح يقف هناك، عيناه تشتعلان بالغضب، أنفاسه مضطربة، أشبه بوحش خرج لتوه من العاصفة. صوته جاء هادرًا، قاطعًا
السكون: "إبعد عنها يا ابن الـ*! جسما بالله ما أنا سايبك! حاول الرجل أن يتراجع، لكن جارح لم يمنحه فرصة، وقبل أن يتمكن من سحب غيم كدرع، انطلقت رصاصة. شهقت غيم وهي تشعر بجسده يصطدم بها بقوة، لم تفهم ما حدث حتى رأت الدماء تلطخ قميصه الأبيض، فصرخت بفزع: "جااااارح... حاسب!
مدت يديها نحوه برعب، لكنه لم يسقط، ظل واقفًا، يحدق في الرجل الذي بدأ يتراجع بخوف. في اللحظة التالية، كان حراس جارح قد اقتحموا الغرفة وهم يصوبون أسلحتهم، فأردف جارح بصوت بارد لكنه محمل بالغضب القاتل: "امسكوه… قبل ما أفقد أعصابي وأخلص عليه بنفسي.. بس جسما بالله، لـ هحليه يتمنى الموت ومش هيلاجيه! هعلمه إزاي يتجرأ ويلمس مرت جارح الأسيوطي!
ألقى كلماته بصوت متحشرج بالألم لكنه لم يسمح لنفسه بالسقوط. نظرت إليه غيم، عيناها تملؤهما الدموع، تراه يتألم لكنه لا يظهر ضعفه. مد يده إليها، وعندما أمسكت بها، همس بصوت منخفض بالكاد تسمعه: "إنتي كويسة؟ هزت رأسها، دموعها تنهمر، لكنه لم يكن قادرًا على الثبات أكثر... شحب وجهه أكثر، انحنت ركبتاه، ثم سقط أمامها فجأة. شهقت غيم، ركعت بجانبه، وهتفت بصوت مختنق: "جاااارح... اطلبوا الإسعاف بسرعة! جارح بيموت!!
القت غيم كلماتها ببكاء. وفي صباح يوم جديد، وقفت غيم أمام غرفة العمليات، جسدها متصلب... قدماها لا تستطيعان حملها، ودموعها تنهمر دون توقف. لم تفهم أي شيء مما يجري، والأصوات حولها مشوشة، والأطباء والممرضات يركضون والأوامر تتطاير في الهواء، والباب الكبير مغلق أمامها كأنه يفصلها عن الحياة. فوضعت يدها على فمها تحاول كتم شهقاتها، عيناها معلقتان بذلك الباب وكأنها تنتظر أن يخرج منه أحد يخبرها أنه بخير... أنه لم يمت...
أن كل هذا مجرد كابوس وستستيقظ منه قريبًا: "لازم يكون بخير... مستحيل يموت... لع.. مستحيل يموت اكده... يارب.. يارب ساعده يارب." كانت تهمس بهذه الكلمات لنفسها كأنها تحاول تصديقها، لكن الواقع كان أقسى من أن يطمئنها. ولم تشعر بمرور الوقت حتى وجدت يداً تربت على كتفها واستدارت فوجدت والدتها أمامها، وملامحها يكسوها القلق، وبصوت متهدج اردفت: "غيم... لازم تيجي معانا حالا...
مفيش وجت.. انا مش هسيبك اهنيه اكتر من اكده.. كفايه بجا قله قيمه.. انتي هتيجي معايا." نظرت إليها غيم بعينين غارقتين بالدموع، تحاول استيعاب كلامها لكنها لم تجد أي معنى للهروب الآن. وهزت رأسها برفض وهمست: "مش هسيبه... أنا السبب في ال حوصله... مش هبعد عنه دلوجتي وهو في الحاله دي." ولكن قبل أن تتمكن والدتها من الرد، كان فارس قد ظهر فجأة، يقف أمامها بحزم، عينيه تراقبانها بحدة وهو يقول بصرامة: "مش هتروحي في أي حتة...
يا حجه.. بنتك دلوجتي مرت جارح... ومينفعش تتحرك من اهنيه غير بأذن جارح.. وطول ما جارح تعبان انا دلوجتي المسؤول عن كل حاجه.. فبلاش نزود المشاكل احسن كفايه ال بيوحصل." نظرت إليه غيم بارتباك ثم إلى والدتها التي بدت متوترة، لكن فارس لم يسمح لها بأي فرصة للحركة. ألقى نظرة سريعة على ممر المستشفى وكأنه يتوقع وصول أحدهم.
ولم تمر سوى لحظات حتى وصلت الجدة ومعها لؤلؤ، والغضب يشتعل في أعينهما. فتقدمت الجدة نحو غيم وبدون أي مقدمات، رفعت يدها وصفعتها بقوة على وجهها، جعلتها تتراجع خطوة للخلف بصدمة، قبل أن تتبعها لؤلؤ بصفعة أخرى على الجانب الآخر وهي تصرخ: "كل ده بسببك! انتي نحس انتي سبب المصايب ال حوصلت لجارح.. جسما بالله ما هسيبك.. انا هجتلك وارتاح منك.. كفايه عليكي اكده بجا... انا هخلص منك."
شهقت غيم ووضعت يدها على وجنتها وهي تشعر بحرارة الألم تنتشر في وجهها. عيناها الواسعتان تحملان الدهشة والرعب، لكن قبل أن ترد، كان فارس قد اندفع واقفا بينهن، يمنع أي محاولة أخرى للاعتداء عليها مرددًا: "كفاية! مش هسمح لحد يمد إيده عليها تاني.. انتي اصلا بتمدي ايدك عليها بصفتك اي يا لؤلؤ... انتي ناسبه نفسك ولا اي عاد... انتي كمان عملتي مصايب كتير جوي واولهم مصيبتك مع شمس ال منعرفش راحت فين لحد دلوجتي...
فـ الزمي حدودك احسن." نظرت إليه الجدة بحدة، لكن فارس لم يتحرك، ظل ثابتًا في مكانه يحمي غيم بجسده، وكأنها أصبحت تحت حمايته الآن. وفي هذه اللحظة، انفتح باب غرفة العمليات قليلًا، وخرج منه طبيب، لتلتفت جميع الأنظار نحوه بترقب. فأردف الطبيب: "الحمد لله الحاله مستقره وهو دلوجتي هيروح اوضه عاديه وشويه وهيفوق.. حمد لله علي سلامته." القي الطبيب كلماته وذهب. فـ رفعت غيم يديها للسماء ودموعها لا تزال تنهمر، وهمست بخشوع:
"الحمد لله... الحمد لله أنك نجيته يا رب... شكرا يا رب." القت غيم كلماتها وظلت بجواره طوال الليل، عيناها لم تفارقه للحظة ممسكة بيده كأنها تخشى أن يرحل فجأة. وحين بدأ يتحرك قليلا شهقت واقتربت منه أكثر، حتى فتح عينيه ببطء ونظر إليها نظرة غامضة ثم سأل بصوت مبحوح: "إنتي كويسة؟ ابتسمت رغم الدموع وهتفت بهدوء: "أنا كويسة... بس إنت... أنا آسفة... كل ده حوصلك بسببي.. بس حسما بالله ما اعرف كل دا من اي زلا مين دول...
انا والله ما ليا ذنب في ال حوصل." تغيرت ملامحه في لحظة ونظرة قاسية حلت محل الإرهاق مرددًا: "انا معملتش اكده علشان بحبك... أنا انقذتك علشان أنا ال هعذبك بنفسي مش حد تاني." ابتلعت غيم ريقها بصعوبة، لكنها لم ترد عليه، فقط همست بهدوء: "مش مهم... المهم إنك بخير وبس."
القت غيم كلماتها ثم تحركت لتعدل وسادته واقتربت منه أكثر حتى أصبح أنفاسها مختلطة بأنفاسه ونبضاتها تتسارع. وعندما التقت عيناها بعينيه شعرت بحرارة وجهها فابتعدت بسرعة وهي تتهرب من نظراته قائلة بصوت مضطرب: "كنت بس بعدلك المخدة... علشان ترتاح وتجعد كويس." ظل جارح يحدق بها بصمت بينما هي لم تجرؤ على النظر إليه مرة أخرى.
وفي يوم جديد، كان يقف جارح أمام المرآة عاري الصدر يحاول ارتداء قميصه لكنه لم يستطع بسبب إصابته. فـ زم شفتيه بغيظ. وعندما حاول رفع يده شعر بألم طفيف. ودخلت غيم بتوتر وتوقفت للحظة وهي تراه بهذا القرب لتتدفق ذكريات الليلة التي غيرت كل شيء بينهما... الليلة التي أقام معها علاقة بالغصب. فـ ارتجفت دون إرادة، لكن سرعان ما تماسكت وهمست: "اسمحلي... أساعدك؟!
لم يرد فقط سمح لها بالاقتراب. فـ أخذت القميص منه، وبدأت في إلباسه بحذر وأطراف أصابعها تلامس بشرته دون قصد. وأنفاسها اضطربت عندما شعرت بقربه الشديد. وحين رفعت رأسها وجدت عينيه معلقتين بها للحظة وساد صمت ثقيل حتى شعرت بقلبها يضرب بقوة. فتراجعت سريعا وهي تهمس بتوتر: "خلاص... اكده تمام خلصت." وقبل أن يرد جارح، انفتح الباب فجأة ودخلت امرأة متوسطة العمر بملامح قوية وابتسامة واسعة، وهتفت بسعادة:
"ياااه يا جارح واحشتني يا ولد أخوي." هرعت نحوه تعانقه بقوة، بينما غيم وقفت في مكانها، تراقب المشهد بصمت. وبعد فترة، داخل مكتب جارح في إحدى شركاته، كان يجلس جارح خلف مكتبه وصابعه تدق سطح الخشب بإيقاع متزن بينما ملامحه جامدة كالصخر. أمامه وقف فارس يداه في جيبيه وعيناه تحملان شيئًا من التردد قبل أن ينطق بنبرة هادئة: "غيم كانت خايفة عليك جوي وانت في العمليات... مكنتش عايزه تتحرك من جدام الباب لحظة واحده....
كانت زي الملهوفة بتبكي وبتدعي ربنا ينجيك.. مش عارف ليه بحس ان فيه سر في موضعها.. مش مقتنع انها ممكن تكون جتلت عصام بس يمكن احساسي غلط... هي بنفسها اعرفت انها جتلته." توقفت أصابع جارح عن الحركة لثانية. عيناه ظلتا معلقتين بالأوراق أمامه لكنه لم يرفع رأسه. بل اردف ببرود واضح: "خلينا في المهم... مين ممكن يكون خطفها؟ زفر فارس بضيق، لكنه أدرك أن هذا هو جارح لا يسمح لمشاعره بالظهور بسهولة لذا لم يعلق على تجاهله لموضوع غيم.
وهتف بجدية: "أكيد فيه حد ليع عدواة معانا... بس عداوه مش سهله ال يخليه يعمل اكده.. ال كانوا عايزين يعملوه انتجام بغل وحقد.. لو شمس ليها اهل كنت جولت ان اهلها بس مستحيل علشان هي ملهاش حد... تفتكر مين ممكن يكون جتلهع ودفنها في بيت عصام... اكيد مش عصام هو ميعملش اكده دا كان بيحبها جوي." رفع جارح عينيه أخيرًا، نظراته كانت تحمل شيئًا غامضًا قبل أن يهز رأسه موافقًا:
"غيم مينفعش تعرف عن شمس حاجة دلوجتي حالا.. مينفعش تعرف انها كانت مرت عصام." وقبل أن يضيف أي شيء آخر، انفتح باب المكتب ودخلت السكرتيره وهي تحمل في يدها ظرفًا مغلقًا ومدّته نحو جارح واردفت: "نتايج التحاليل ال عملوها لحضرتك ومدام غيم.. وجت ما كنتوا في المستشفى وصلت.. اتفضل." أخذ جارح الظرف منها بلا تردد وفتحه ببطء. وعيناه بدأت تتنقل بين السطور المكتوبة في البداية....
لم يظهر أي تغيير على ملامحه لكن فجأة اتسعت عيناه وقبضته شدت على الورقة حتى كادت تتجعد بين أصابعه. ورفع رأسه ببطء وصوته خرج منخفضا لكنه مشحون بالغضب القاتل مرددًا: "غيم... حامل وفي اربع شهور ازاي ومن مين.. وازاي كانت بنت بنوت لما لمستها.. يعني اي كلام اخوي كان صوح... "جسما بالله لهجتلك يا غيم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!