الفصل 9 | من 12 فصل

رواية العذراء و الصعيدي الفصل التاسع 9 - بقلم نور الشامي

المشاهدات
26
كلمة
2,479
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

كان ينظر إليها وهي تصرخ وتلوح بالورقة أمامه مرددة: –ده تحليل حمل… ليا وأنا مش حامل أصلاً. نظر إليها جارح ببرود وهو يربط أزرار قميصه. –علشان أنا عارف إنك مش حامل، فقلت بلاش أقولك حاجة ولا لازم تعرفي كل حاجة. كنت هتيجي تعملي معاكي مشكلة وأاتهمك إنك خاينة. أنا اتأكدت إن التحاليل مش صح، يبقى خلاص ملهاش لازمة الكلام كتير. اتسعت عيناها بصدمة وهي تتحدث بغضب: –انتوا عايزين مني إيه؟

ليه بتعملوا معايا كده مش فاهمة. ما تقتلوني وتريحوني بقى. أنا مبقتش فاهمة أي حاجة. مش عارفة انت كويس معايا ولا دي خطة منك ولا انت بتخدعني ولا انت مصدقني. ما تقول بالضبط ناوي تعمل معايا إيه أكتر من كده. ألقى جارح عليها نظرة ثابتة وهو يسوي ياقة قميصه مردداً: –لحد دلوقتي أنا معملتش حاجة… بس كان المفروض أعمل أكتر من كده بكتير. أنا ساكت يا غيم مش عارف ليه. فـ اهدي بقى على نفسك.

شهقت غيم بغضب لكن صوتها اختنق وهي تراه يتجه نحو الباب. وقبل أن يخرج، توقف للحظة واردف بلهجة صارمة: –لما أرجع عايز أعرف كنتي فين وإزاي راجعة نص الليل سكرانة. مش بنت جارح الأسيوطي اللي ترجع بتتطوح بليل. وجسماً بالله يا غيم لو اللي عملتيه امبارح ده اتكرر تاني ما تعرفي هعمل فيكي إيه عاد. واها، انسي اللي حصل بينا ليلة امبارح. مش معني إني لمستك تفتكري إنك مهمة.

ألقى جارح كلماته ثم غادر، تاركاً إياها وسط عاصفة من الأسئلة والدموع. *** وفي مكان آخر، عند لؤلؤ، كانت تنظر إلى عصام بذهول وعيناها مليئتان بالدهشة وعدم التصديق وهي تهمس بصوت مضطرب: –أنا مش مصدقة إنك عايش… إزاي؟ ده مستحيل! ابتسم عصام بسخرية وهو يسند ظهره إلى المقعد، عاقداً ذراعيه أمام صدره ثم أردف بهدوء: –كنت فعلاً بموت… بس شفيق أنقذني. لولا شفيق أنا كان زماني ميت دلوقتي. قطبت لؤلؤ حاجبيها بعدم فهم

واقتربت منه خطوة وهتفت: –شفيق؟ أنقذك إزاي؟ والناس كلها شافتك ميت… إزاي عملتوا كده وليه؟ أنا مبقتش فاهمة أي حاجة. أطلق عصام ضحكة قصيرة قبل أن يرد بنبرة ساخرة: –حكينا حكاية من الخيال لمسعود، وصدقها. هو فاكر دلوقتي إن شفيق هو اللي قتلني بس لأ. الحقيقة إن شفيق هو اللي أنقذني. ازدادت حيرة لؤلؤ وجلست أمامه مباشرة، تنظر إليه بقلق قبل أن تسأله: –تقصد إيه.. وهو جوز عمتك عايز يعمل كده فيكم ليه عاد؟

ده طول عمره راجل كويس وبيحبكم زي ولاده. تنهد عصام وهو يمرر يده فوق وجهه قائلاً بجديّة: –مسعود بيحاول يقتلني من سنين بكل الطرق الممكنة وهو سايب جارح للآخر علشان عارف إن جارح صعب ومش هيخلص منه بالسهولة دي. وكمان هو عايز الفلوس… علشان كده أنا مستحيل أسيب جارح يتجوز بنته لأنه بعد الجواز هيقتل جارح وياخد كل حاجة. شهقت لؤلؤ وهي تضع يدها على فمها غير مصدقة لما تسمعه واردفت: –يا لهوي… طيب وغيم؟ يعني كده جواز جارح وغيم باطل؟!

هز عصام رأسه نافياً بحزم: –لأ الجواز صح… صح علشان أنا طلقت غيم أصلاً قبل الليلة اللي عملت فيها ميت بيوم واحد. كان لازم أطلقها علشان كنت ناوي أخلص عليها وأرتاح زيها زي شمس بالظبط. شمس اللي كانت عايزة تفضحني وتقول للناس كلها إني عاجز. اتسعت عيناها أكثر وهي تهمس بدهشة:

–عاجز إيه عاد وبتاع إيه. انت مش عاجز أصلاً اومال إزاي عاجز طيب واللي حصل بينا. أنا مش فاهمة حاجة… أنا مبقتش فاهمة أي حاجة. عصام إيه اللي انت بتعمله ده كله انت مخبي كل ده امتى وجارح عارف موضوع الطلاق ده ولا لأ. حرك رأسه مؤكداً، ثم أردف بنبرة واثقة: –أيوه… جارح عرف من المحامي بعد الدفن إننا طلقتها رسمي بس أكيد مش هيقولها ولا هيعرف حد. هو أصلاً لو عرف إني عايش هيقتلني.

مررت لؤلؤ يدها في شعرها بتوتر، تفكر للحظات قبل أن ترفع عينيها إليه مجدداً: –مش مستوعبة اللي بيحصل… بس جارح شك إن غيم بتقول الحقيقة يا عصام. ومش فاهمة برده إزاي عاجز دي.. إحنا حصل بينا علاقة مرة يعني انت مش عاجز. نظر عصام إليها بتوتر ثم أردف بارتباك: –اها طبعاً.. دي كدابة.. زيها زي شمس بالظبط. هو انتي بتصدقي الكلام ده… دول كلهم كدابين متصدقيش حد فيهم. بس انتي لازم لازم تساعديني يا لؤلؤ.

ترددت قليلا وهي تتفحص ملامحه وكأنها تحاول قراءة ما يخفيه ثم سألته بقلق: –أساعدك إزاي؟ ابتسم عصام ابتسامة غامضة عاقداً ذراعيه أمام صدره ثم أردف بصوت خافت لكنه حاسم: –أنا هقولك تعملي إيه، بس اسمعي كلامي كويس قوي ونفذيه بالحرف الواحد. *** وفي المساء، كان الليل قد أسدل ستاره على القصر والهدوء يخيم على المكان إلا من صوت حفيف الأشجار ونسمات الهواء الباردة التي تتسلل بين الأغصان. كانت غيم تقف في الحديقة، تمسك هاتفها

بقوة بينما تتحدث بغضب: –مش هفضل ساكتة، لازم حد يعرف اللي بيحصل هنا! انتو فاكرين إني هفضل تحت رحمتكم للأبد؟ لكن فجأة، انتبهت إلى ظل يقف عند البوابة الخارجية. ضيّقت عينيها محاولة تمييز ملامحه وسط الظلام، ليتضح أمامها وجه مسعود، يقف هناك وكأنه يراقب المكان بحذر. شعرت بقلبها يخفق بقوة، ولكن قبل أن تتحرك، لمحت رجلاً آخر يقف إلى جانبه… شفيق.

فـ شهقت بصوت مسموع وتحركت بسرعة باتجاههما. لكن ما إن اقتربت حتى اختفى شفيق بين الأشجار. فـ وصلت إلى البوابة تتلفت حولها بجنون، ثم استدارت إلى مسعود، الذي كان ينظر إليها ببرود وسألته بانفعال: –فين شفيق؟! رفع مسعود حاجبه ببراءة مصطنعة: –شفيق مين عاد.. أنا كنت واقف لوحدي يا بنتي؟ صرخت غيم بغضب مردفة: –شفيق أنا شفتك واقف معاه هنا دلوقتي.. قول لي فين شفيق. ابتسم مسعود بسخرية ونفى مجدداً:

–إنتي بتتوهمي. أنا واقف هنا لوحدي، معرفش حد اسمه شفيق أصلاً. ارتجف جسد غيم من الغضب والارتباك ودون تفكير اندفعت خلفه إلى داخل القصر تصرخ بعنف: –كلكم كدابين. أنا شفت شفيق بعيني.. واللي بتعملوه ده علشان تخبوا عجز عصام اللي جاب واحد يعمل معايا علاقة علشان يغطي على فشله. اتسعت عينا مسعود بصدمة من كلامها لكنه تمالك نفسه سريعا وهتف بحدة: –انتي بتجولي إيه؟ انتي اتجننتي ولا إيه عاد؟

خرجت لؤلؤ من إحدى الغرف وقد بدا الذعر واضحاً على ملامحها مرددة: –غيم.. انتي بتجولي إيه؟ انتي اتجننتي ولا إيه عاد؟ لكن غيم لم تتوقف… كانت تصرخ بانفعال، ووجهها يحمر من الغضب وتردد: –كلكم كدابين.. انتوا جننتوني خلاص.. أنا هتصل بالشرطة دلوقتي وأفضحكم واحد واحد. أمسك مسعود بمعصمها بعنف واردف: –إنتي مش هتتجرأي تعملي كده.. اهدي يا بنتي وميصحش اللي بتجوليه ده. ولكن قبل أن ترد دوى صوت قوي في القصر وكان صوت جارح وهو يهتف بغضب:

–إيه الهرجلة اللي بتحصل هنا دي؟ استدارت غيم نحوه بعيون مشتعلة وأشارت إلى مسعود وهي تصرخ: –شفت شفيق بره… كان واقف مع مسعود بره.. يبقى كل دي خطة منكم علشان تغطوا على ابنكم العاجز. نظر جارح إليها بعيون سوداء باردة لكنه لم يتحرك، مما زاد من غضبها فصرخت فيه: –وانت…. لأنت مجرم… أكيد كنت عارف كل حاجة عن أخوك، انتوا كلكم عصابة واحدة.

وقبل أن تنطق بكلمة أخرى تحرك جارح بسرعة وصفعها على وجهها بقوة جعلتها تتراجع للخلف وهي تضع يدها على خدها الذي احمر من شدة الضربة. فشعرت بالدموع تحرق عينيها لكنها لم تبكي بل نظرت إليه بكره صريح. فـ اقترب منها وصوته منخفض لكنه كان يحمل وعيداً مرعباً واردف: –اخرسي. انتي المجرمة هنا.. وغلطي إني مجتلتكيش من أول لحظة دخلتي فيها حياتي. تراجعت غيم خطوة للخلف وهي تحدق فيه بذعر لكنه تابع بصوت ثابت كالصخر:

–وأحسن حاجة هعملها… إني هتجوز سماح ويوم جوازي هقتلك وهاخد بتار أخويا منك يا غيم. ألقى جارح كلماته ونظر إليها نظرة أخيرة قبل أن يستدير ويخرج من البيت، تاركاً إياها وسط صدمة جعلت كل شيء من حولها يبدو ضبابياً. *** وفي صباح يوم جديد، كانت تجلس الجدة في بهو القصر العتيق، تحيط بها لؤلؤ ورجاء وعيونهم مليئة بالغضب والترقب. حتى أردفت الجدة بحزم، وهي تطرق بعصاها على الأرض:

–لازم نخلص منها… لازم غيم تموت علشان ناخد بتار عصام. البنت دي وجودها هنا خطر على الكل. أيدتها رجاء قائلة: –صح كلامك يا حجة… البنت دي وجودها خطر ولازم تختفي. أنا مكنتش اتخيل إنها ممكن تكون كده. بقى تحتل عصام وانتوا لسه سايبنها في البيت وعايشة معانا كمان. لأ دي ممكن تعمل أي حاجة في أي حد هنا. نظرت لؤلؤ وهي تضع يدها على جبينها تشعر بأن الأمور تزداد تعقيداً مرددة:

–بس قتلها مش حاجة سهلة… غيم مش سهلة ولو حصلها جارح مش هيسكت برده. نظرت إليها الجدة نظرة باردة قبل أن ترد بصرامة: –جارح هيبقى مشغول بجوازه من سماح وهي مش مهمة معاه يعني مش بيحبها. كلنا عارفين إنه محبش حد غير جميلة وبس. رجاء بضيق: –نفسي أعرف مين جميلة دي ولا فين ولا إيه اللي حصل معاها بالظبط.

نظرت لؤلؤ إليها بتوتر لكن قبل أن يواصلن الحديث فتح الباب فجأة ودخلت نرمين بخطوات واثقة رغم أن القلق كان يتسلل إلى عينيها. وتوقفت عند عتبة الباب، تراقب الوجوه المتجهمة أمامها. فـ ضيّقت الجدة عينيها وهي تنظر إليها بعدم ترحيب، قبل أن تسألها بصوت جاف: –إنتي إيه اللي جابك هنا يا بت؟! ... مش كفاية أبوكي الواطي اللي كان شغال عندنا وطردناه.. جاية انتي برده تكملي السرقة ولا إيه؟ رفعت نرمين رأسها بعناد قبل أن تقول بهدوء:

–أنا جايه علشان أقولك حاجة مهمة… حاجة تخص العيلة دي. نظرت إليها لؤلؤ ورجاء بريبة بينما رفعت الجدة حاجبها تنتظر لتسقط نرمين القنبلة التي فجرت الصمت مرددة: –أنا حامل… وحامل من فارس. اتسعت عينا الجدة بصدمة، بينما وضعت لؤلؤ يدها على فمها، ولم تستطع رجاء إخفاء ارتعاشة يدها وهي تتمتم بعدم تصديق: –انتي بتجولي إيه يا بنت المركوب انتي؟ نرمين بحدة: –زي ما سمعتي كده… أنا حامل من ابنكم و… ***

وفي الأعلى، كانت غيم تقف في غرفتها ممسكة باختبار الحمل بين يديها المرتعشتين تحدق فيه بصدمة وكأن عقلها يرفض استيعاب الحقيقة. فـ تمتمت بصوت مرتجف: –إزاي؟ إزاي عملت في نفسي كده؟ رفعت غيم عينيها إلى انعكاسها في المرآة ونظراتها تحمل خليطاً من الذعر والخذلان. فـ عضت على شفتها بقوة تكاد تشعر بطعم الدموع المالحة في حلقها ثم همست:

–مستحيل يوافق على الحمل ده… هو مش بيحبني أصلاً… ولا عمره حبني… بس أنا مش هخاف لازم يعرف، حتى لو طلب مني أنزله. حتى لو طردني... مش هسكت برده كفاية خوف. حسمت غيم أمرها وأمسكت باختبار الحمل بقوة ثم خرجت من الغرفة بخطوات سريعة. لكن فجأة انتبهت إلى باب غرفة سماح كان شبه موارب وضوء خافت يتسلل من الداخل. فتوقفت مكانها لثواني ثم دفعت الباب ببطء وقلبها يدق بعنف.

وعندما وقعت عيناها على المشهد أمامها… تجمدت في مكانها وهي تراهم على الفراش. كان جارح مستلقياً وسماح نائمة في حضنه، جسدها متكور حوله وذراعه ملقاة بإهمال فوقها كأنهما عاشقان اعتادا النوم معاً. فـ سقط اختبار الحمل من يد غيم على الأرض وأطلقت شهقة مختنقة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...