الفصل 8 | من 12 فصل

رواية العذراء و الصعيدي الفصل الثامن 8 - بقلم نور الشامي

المشاهدات
25
كلمة
2,447
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

كانت السفرة ممتلئة بأشهى الأطباق، والأجواء تعج بالكلام والضحكات، لكن غيم لم تكن قادرة على التركيز. عيناها لم تفارق مسعود وتشعر بذلك التوتر الذي يخنقها كلما التقت نظراتها بنظراته. بالرغم أنها لم تعرفه، إلا أنها شعرت بغصة في قلبها عندما رأته. وفجأة، انفتح الباب ودخلت فتاة شابة في منتصف العشرينيات ذات ملامح جميلة وابتسامة مشرقة. وبمجرد أن وقع نظرها على جارح، انطلقت نحوه بلهفة مرددة:

-جارح، واحشني جوي. عامل إيه وأخبارك إيه؟ ألقت الفتاة كلماتها وهي تحيطه بذراعيها في عناق دافئ، بينما هو ابتسم ووضع يده على ظهرها بحنان. فنظرت غيم إليهما بصدمة ولم تفهم من هذه الفتاة أو ما الذي يجمعها بجارح. لكن الإجابة لم تتأخر كثيراً، عندما وضعت عمته رجاء كوب الشاي على الطاولة وأردفت بحماس: -ها يا ولاد، ناوين نعمل الخطوبة إمتى بجا إن شاء الله؟ عقدت غيم حاجبيها بعدم استيعاب ورددت: -خطوبة إيه عاد؟ خطوبة مين؟

هو فيه حد هيتجوّزوهنا؟ تدخلت الجدة ناظرة إليها بتحدي مرددة: -خطوبة جارح وبنت عمته سهام. إحنا متفقين من زمان إنهم يكونوا لبعض. تجمدت غيم مكانها، وكأن أحدهم سحب الهواء من حولها. ونظرت إلى جارح، لكنها لم تجد في وجهه أي اعتراض أو إنكار، مما جعل الألم يعتصر قلبها أكثر. لم تحتمل البقاء، فاندفعت خارجاً إلى الحديقة والدموع تتسابق على خديها، ووقفت بجوار إحدى الأشجار تحاول كتم شهقاتها.

لكن لم تمضِ لحظات حتى سمعت صوتاً مألوفاً يقترب منها. والتفتت فوجدت لؤلؤ تنظر إليها بنظرة منتصرة وهتفت: -شوفتي؟! أديكي خسرتي كل حاجة. جوزك عصام، اللي قتلتيه بيدك، وجارح والعيلة. انتي غبية جوي يا غيم، فاكرة إن جارح ممكن يحب البنت اللي قتلت أخوه؟ مستحيل. انتي بالنسباله مجرد واحدة رخيصة ملهاش أي لازمة. هتاخدي فترتك وهيرميكي زي الكلبة بره البيت ده، لو مجتلكيش أصلاً. صدقيني، انتي موتك هيكون على إيد جارح.

ابتلعت غيم غصتها، لكنها لم تستطع الرد، ولا تعلم ما هذا الشعور ولماذا كل هذا الحزن. فهي تعلم جيداً أن جارح لم يصبح لها، إذاً لماذا تفعل هذا؟ ظلت غيم تفكر كثيراً حتى قاطعها صوت رنين هاتفها. وعندما أجابت، ذهبت من البيت فوراً.

وبعد فترة، دخل جارح إلى غرفته بخطوات سريعة يبحث بعينيه عن غيم، لكنها لم تكن هناك. تجول في المكان للحظات، ثم أخرج هاتفه وحاول الاتصال بها. لكن هاتفها كان مغلقاً. فـ حاول مرة ثانية، ثالثة، لكن بلا جدوى. فـ زفر بضيق وشعر بقلق غريب يتسلل إلى صدره. لم يفهم سببه تماماً، لكنه لم يحبذ فكرة اختفائها هكذا. بينما كان يعيد المحاولة، انفتح الباب فجأة ودخلت سهام بابتسامتها الدافئة وهي تميل برأسها قليلاً قائلة بنبرة مرحة:

-بتدور على مراتك ولا إيه عاد؟ شكلها زعلت جوي من موضوع الخطوبة، معرفش ليه. نظرت إليها جارح للحظة، ثم زفر بضيق ووضع الهاتف جانباً دون أن يرد. وتقدمت سهام بضع خطوات نحوه وعيناها تتأمله بحب واضح وهي تهمس: -أنا كنت مستنية اللحظة دي من زمان. مستنية اليوم اللي نبقى فيه لبعض زي ما اتفقوا أهالينا. أنا عمري ما شفت راجل في حياتي غيرك، وقلبي عمره ما حب غيرك، وانت عارف دا كويس جوي.

ألقت سهام كلماتها وهي تقترب أكثر محاولة لمس يده، لكنه انسحب بهدوء وأبعدها دون قسوة، ناظراً إليها بجدية وهو يهتف بنبرة واضحة: -سهام... أنا متكلمتش تحت عشان ما يحصلش إحراج قدام العيلة، بس متنسيش إني متجوز. اتسعت عيناها قليلاً، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة ساخرة وهي ترد بنبرة واثقة: -جواز إيه يا جارح؟

جوازك دا مجرد عقد ورق بس. وكلنا عارفين إنك اتجوزتها بس عشان هي أرملة أخوك، ودي عادتنا، مش عشان بتحبها. أنا عارفة زين إنك مستحيل تحبها، والبنت الوحيدة اللي حبيتها كانت جميلة. جميلة اللي إحنا ما نعرفش شكلها إيه، وانت قلت إنك نسيتها من زمان جوي.

ضغط جارح فكيه، لكنه لم يرد. لم يكن بحاجة إلى أن يبرر أي شيء، لكنه لم يحب الطريقة التي تتحدث بها عن غيم. وقبل أن يتمكن من قول أي شيء، انفتح الباب مرة أخرى ودخل فارس وهو ينظر إلى كليهما بنظرة غامضة. قبل أن يقول لجارح بجدية: -عندنا شغل مهم جوي لازم تيجي حالا دلوقتي.

تبادل جارح نظرة سريعة مع سهام التي لم تظهر أي انزعاج، بل ابتسمت بثقة وكأنها متأكدة أن الزمن سيجمعهما مهما حدث. أما هو فتنهد بصمت وغادر الغرفة خلف فارس، تاركاً وراءه أفكاراً مبعثرة ومشاعر لم يقرر بعد كيف يتعامل معها. وبعد منتصف الليل، وقف جارح في الحديقة... وجهه متجهم وهو يرمق الحراس بنظرة نارية مردداً: -يعني إيه مش لاقيينها؟ مش دي شغلتكم؟ تحاشى الرجال النظر إليه وتمتم أحدهم بتوتر:

-دورنا في كل مكان يا بيه والله العظيم... بس ملهاش أثر نهائي. زم جارح شفتيه بغضب وقبضته اشتدت وهو يفكر أين قد تكون ذهبت. لكن قبل أن ينفجر فيهم أكثر، لمحت عيناه حركة عند بوابة القصر. فـ التفت بسرعة ليجدها أخيراً تنزل من تاكسي وخطواتها مترنحة وشعرها مبعثر وعيناها نصف مغمضتين. توقف الزمن للحظة وهو يراها تترنح هكذا. ثم تقدمت خطوة وكادت تقع لولا أنه كان أسرع منها. أمسك بذراعها بثبات وهو يهتف بحدة: -إنتي مالك؟ كنتي فين؟

وإيه الحالة اللي انتي فيها دي عاد؟ يخربيتك، انتي إيه اللي انتي عاملاه في نفسك ده؟ رفعت غيم رأسها ببطء ونظرت إليه بعيون زائغة، ثم ابتسمت بسخرية واردفت: -مالك خايف عليا ليه؟ ولا لأ... هتلاقيك خايف على اسم عيلتك بس. إزاي مرات جارح الأسيوطي ترجع بعد نص الليل في الحالة دي؟ مش ده اللي انت خايف منه يا بيه؟

ضيق جارح عينيه. لم تعجبه نبرتها ولم تعجبه رائحتها أيضاً. فـ أمسك بذقنها برفق ثم حملها وصعد إلى غرفته. وبعد دقائق، وضعها على الأرض. فوقفت أمامه وهي تتشبث في ملابسه حتى لا تفقد توازنها. واردف هو بحده: -غيم... انتي كنتي فين؟ ضحكت بخفوت وكأنها لا تبالي بما يحدث حولها، ثم اقتربت أكثر. رفعت يدها تلامس ياقة قميصه بأصابعها الباردة وهمست بصوت ناعم: -جارح... ليه كل ما أقرب منك تبعد؟ إنت بتبعد عني ليه عاد؟ هو أنا وحشة؟

تشنج جسده وقبض على رسغها بلطف وأبعد يدها عن صدره، ثم زفر محاولاً السيطرة على نفسه: -غيم... انتي مش في وعيك. لازم ترتاحي. أنا مش فاهم انتي شربتي إيه خلاكي كده ومين شربك أصلاً؟ انتي مجنونة جسماً بالله. ضحكت غيم مجدداً، لكنها لم تتراجع، بل تقدمت أكثر حتى تلاشت المسافة بينهما وهمست بصوت محمل بشيء أخطر من السكر: -أنا واعية... واعية جوي كمان وحاسة بكل حاجة جوايا. إنت اللي مش حاسس. حاسس...

أو لأ بتكذب إحساسك دا. أنا قدامك أهو وأنا اللي بحاول أقرب منك. بتبعد ليه؟ عشان قتلت أخوك؟ أغمض عينيه للحظة وشدد على أسنانه، محاولاً السيطرة على نفسه. لكن قربها كان يزعزع ثباته. وهمس بتحذير: -غيم كفاية... مش وقته، مينفعش اللي بتعمليه دا نهائي. أنا مش فاهم انتي راجعة منين بالحالة دي وإزاي تشربي أصلاً ولا انتي حد شربك حاجة ولا إيه.

لكنها لم تسمع، لم تهتم حتى. رفعت يدها ولمست وجنته بأطراف أصابعها ودفء أناملها اخترق مسامه، ثم همست بصوت أقرب حتى كاد يشعر بأنفاسها الساخنة على شفتيه: -لأ دا وقته... دا أحسن وقت أنا شايفاه. متبعدش عني بالله عليك. تراجع جارح خطوة، لكن لم تمنحه فرصة للهرب. قبضت على قميصه بكلتي يديها وهي تردد: -مش عايزني بجد؟

أغمض جارح عينيه للحظة. كره تلك الطريقة التي تجعله ينهار. فـ فتح عينيه ليجدها تحدق فيه وعيناها مليئتان بمزيج من الرغبة والضعف. فارتبك وهو يهمس: -غيم... اللي بتعمليه دا مينفعش. كفاية خلاص بقى. كده غلط. أنا بحاول أحميكي دلوقتي، بلاش تزودي في اللي بتعمليه أكتر من كده. نظرت إليه بصمت، ثم همست بكلمة واحدة كانت كفيلة بأن تهدم كل ما تبقى من ثباته: -بتحميني؟ ولا بتحمي نفسك مني؟

وفي تلك اللحظة، شعر جارح وكأن الهواء سُحب من حوله. لم يستطع الرد ولم يستطع حتى أن يتنفس بشكل طبيعي. وفجأة، شعر بلمسة دافئة على زاوية فكه وشفتاها لمسته ببطء. وسقطت كل مقاومته في لحظة واحدة. فـ قبض على خصرها. كان ينوي دفعها بعيداً، لكنه بدل من ذلك وجد نفسه يسحبها إليه أكثر. لم يكن يعلم أن هذه اللحظة ستكون الفاصلة بينهما وأن كل شيء سيتغير بعدها. لن يكون أحد على ما يرام بعد هذه الليلة، وكأنهما يكتبان سطور هلاكهما معاً.

وفي صباح يوم جديد، كانت تدخل لؤلؤ إلى شقة كبيرة في منطقة بعيدة وخطواتها متوترة وعيناها تراقبان المكان بحذر. وفجأة، ظهر شفيق من الظلام. فاستدارت نحوه سريعاً وسألته بقلق: -عملت اللي جلتلك عليه؟ أومأ برأسه مؤكداً:

-أيوه كل حاجة تمام ومسعود اقتنع بكل كلمة جلتها. وكل حاجة تمام يا ست هانم. بس مسعود بيه مش ناوي يسكت. هو عايز ينتقم من عيلتكم بأي طريقة، بس مستني لما بنته تتجوز جارح بيه. وعارف كمان بموضوع ست شمس. عارف إن عصام بيه اللي قتلها عشان كانت عايزة تفضحه وتقول للكل إنه عاجز، وجال إنها هربت وكانت بتخونه. بس متخافيش، هو مستحيل يقول الأسرار دي لحد عشان كل اللي همه دلوقتي إنه يجوز بنته لجارح بيه بس. تنفست لؤلؤ بارتياح ثم أضافت:

-تمام، كمل اللي جلتله. ولو في حاجة جديدة عرفني. دلوقتي امشي يلا.

ألقى شفيق عليها نظرة سريعة ثم خرج دون كلمة. فـ انتظرت لحظة قبل أن تتجه إلى غرفة داخلية. فتحت الباب بحذر، وعيناها تتعلقان بالشخص النائم على السرير. بخطوات مترددة دخلت لؤلؤ أكثر، ويداها كانت باردة رغم حرارة المكان. وعيناها تبحثان بلهفة، حتى استقرتا عليه. كان مستلقياً على الفراش، جسده مكشوف حتى خصره، وأنفاسه هادئة، لكن عينيه كانتا مفتوحتين يتابعها بصمت. للحظة، شعرت وكأنها ترى شبحاً، لكن ارتجافة صدره مع كل نفس أكدت لها الحقيقة. عصام لم يمت. فـ ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية واردف

بصوت أجش محمل بالسخرية: -أخيراً افتكرتي إن ليكي جوز؟ ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تقترب. نظراتها تلتهمه وكأنها لا تصدق. ثم جلست بجواره ويدها امتدت ببطء تلامس وجهه كأنها تتأكد أنه ليس سراباً. وهتفت: -مكنتش عارفة أجلك غير دلوقتي. ضحك عصام بخفوت وأمسك بمعصمها ثم جلبها نحوه حتى كادت تسقط على صدره وهمس قرب شفتيها: -بس جيتي... ودا أهم حاجة.

وفي مكان آخر، استيقظت غيم على صداع حاد ينبض في رأسها وعيناها نصف مغمضتين وهي تحاول استيعاب ما حولها. فـ تحركت ببطء، لكن شعور الهواء البارد على بشرتها جعلها تدرك أنها مكشوفة تماماً. فـ شهقت بصمت ورفعت الغطاء بسرعة على جسدها. وعيناها تبحثان في الغرفة بقلق. حاولت تذكر ما حدث الليلة الماضية. فـ تذكرت نظرات جارح ولمسته ودفء أنفاسه القريبة. وفجأة، تراجعت أنفاسها وشعرت بصدمة تضربها. فـ نظرت حولها بعينين متسعتين وكأنها تحاول إنكار ما جرى. كيف سمحت لنفسها بذلك؟

كيف فقدت السيطرة بهذه السهولة. ونهضت بسرعة من على الفراش تبحث عن أي شيء ترتديه واندفعت نحو الدولاب بيدين مرتجفتين. وسحبت منه قميصاً طويلاً. لكنها لاحظت كومة من الأوراق بين الملابس. فـ مدت يدها وسحبتها بحذر. وعيناها تجمدتا على الكلمات المكتوبة وحاجباها تقوسا بصدمة وهي تهمس بذهول: -مستحيل... إيه دا؟

وقبل أن تتمكن حتى من استيعاب ما تقرأه، انفتح باب الحمام فجأة وخرج منه جارح بمنشفة مربوطة حول خصره وقطرات الماء تتسلل على صدره العاري. ورفع حاجبه وهو يراها ممسكة بالأوراق. بينما بقيت هي متجمدة في مكانها والورق يرتجف بين أصابعها. وصوتها بالكاد يخرج وهي تكرر: -جارح... إيه دا؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...