تحميل رواية «العذراء و الصعيدي» PDF
بقلم نور الشامي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى مدن الصعيد التي تتميز بالعادات والتقاليد الصارمة، وأيضًا بالشهامة التي لا مثيل لها على الإطلاق. فالصعايدة دائمًا يُلقبون بأهل الكلمة والسيف، هكذا كانوا يعرفون. فالكلمة عندهم عهد لا يُنكَث، والسلاح رمز للشرف لا يُشهر إلا دفاعًا عن الحق. يقال إن الرجل الصعيدي إن أعطى وعدًا، فهو أشد رسوخًا من الجبال، وإن دخل في خصومة فهو لا يهدأ حتى يأخذ حقه أو يفني نفسه دونه. وأن الشرف فوق الحياة. كانت تقف "غيم" أمامه والدموع تلمع في عينيها، لكنها لم تكن دموع ضعف، بل كانت مزيجًا من الغضب والقهر. أما هو فمل...
رواية العذراء و الصعيدي الفصل الأول 1 - بقلم نور الشامي
في إحدى مدن الصعيد التي تتميز بالعادات والتقاليد الصارمة، وأيضًا بالشهامة التي لا مثيل لها على الإطلاق. فالصعايدة دائمًا يُلقبون بأهل الكلمة والسيف، هكذا كانوا يعرفون. فالكلمة عندهم عهد لا يُنكَث، والسلاح رمز للشرف لا يُشهر إلا دفاعًا عن الحق. يقال إن الرجل الصعيدي إن أعطى وعدًا، فهو أشد رسوخًا من الجبال، وإن دخل في خصومة فهو لا يهدأ حتى يأخذ حقه أو يفني نفسه دونه. وأن الشرف فوق الحياة.
كانت تقف "غيم" أمامه والدموع تلمع في عينيها، لكنها لم تكن دموع ضعف، بل كانت مزيجًا من الغضب والقهر. أما هو فملامحه كانت جامدة كالصخر، كأن ما حدث لا يعني له شيئًا.
واردف بصوت ساخر:
هاا.. خلصتي يا بنت كارم ولا لسه عندك كلام تجوليه؟
رفعت غيم رأسها بغضب وعيناها تقدحان شرًا، ثم أردفت بصوت غاضب:
هو إنت إيه؟! معندكش دم... لسه عندك وش توقف جدامي وتتكلم بعد ما ضحكت عليا... عامل فيها راجل وإنت ماتسواش تعريجة جزمتي يا ابن العرجاوي... طيب كنت جولي... كنت قول إنك مش راجل وإنك.. عاجز... عرفني إني هفضل بنت بنوت طول عمري... دا غش وخداع وأنا مستحيل أسكت! هروح لأبوي.. ولو مطلجتنيش..... هرفع عليك جضية وأطلج بالمحكمة والصعيد كلها هتعرف إنك عاجز.
ولم تكمل غيم جملتها حتى شعرت بصفعة قوية تهوي على وجهها أطاحت بها أرضًا، وارتطم جسدها بالأرض بقوة كأنها. وشعرت بوخز حاد يسري في عظامها، لكن رغم الألم لم تسمح لنفسها بأن تنهار. ورفعت رأسها ببطء ونظرت إليه بعينين مشتعلتين بالغضب، بينما هو يقترب منها بخطوات ثقيلة ووجهه يزداد ظلامًا.
وهتف بغضب:
لو اتكلمتي عن العجز تاني يا بنت كارم، جسما بالله لـ هيوريكي العجز الحقيقي... بس مش فيا.. في جسمك انتي.. هخليكي عاجزة ومتتجدريش تتحركي. وفي جميع الحالات محدش هيصدجك... مستحيل حد يصدج إن ابن العرجاوي الصغير عاجز.. فـ ريحي نفسك وبلاش تعملي مشاكل أحسن، علشان انتي اللي هتتأذي بسببها مش أنا.
نظرت غيم إليه بأشمئزاز، وبصقت أمام قدميه بتحدّ، ثم أردفت بصوت ثابت:
أنا مستحيل أخاف منك... الرجالة بس اللي تخوفني، وإنت مش راجل أصلًا.. إنت كداب ومخادع.. بتضحك على بنات الناس وبتوهمهم بفلوسك وبشكلك الحلو وبعضلاتك واسم عيلتك، بس كل دا بيبقى طعم علشان تصطاد بيه فريستك وتفضل قدام الناس بالصورة الكويسة.. مهما عملت فيا.. أنا مش هسكت ولا هخاف منك.
نظر عصام إليها بغضب، وفجأة أمسكها من ذراعها بعنف كأنه يريد سحقها بين أصابعه، ثم انحنى قليلًا وهمس بصوت مخيف:
جولي اللي إنتي عاوزاه.. لكن لو فكرتي تتكلمي، وعد مني ساعتها هتشوفي الجحيم بعينك ومحدش هيجدر ينقذك مني.. إنتي هنا لوحدك.. محدش معاكي.. فكري زين واوزني الأمور علشان تعيشي مرتاحة.
ولم ينهِ عصام كلماته حتى قاطعته إحدى الخادمات التي نادت من خلف الباب بصوت متلهف:
سا بيه... يا بيه... جارح بيه وصل تحت هو والست الكبيرة علشان يباركوا ليكم.
تجمدت ملامح عصام للحظة قبل أن يلتفت إلى غيم بسرعة، وعيناه تضيقان بتوتر، ثم هتف بصوت منخفض لكنه يحمل تهديدًا واضحًا:
اوعي تجولي أي كلمة قدام أخويا… جِسما بالله العظيم لو حس بحاجة ما تعرفي هعمل فيكي إيه عاد.. أنا ممكن أسكت على أي حاجة ما عدا إن جارح يزعل مني. بجولك أهو… لو حد لاحظ أي حاجة.. هجتلك.
ثم أشار إليها بحدة، مردفًا:
يلا جومي اغسلي وشك والبسي هدوم حلوة وابتسمي… وانزلي.
ألقى عصام كلماته الأخيرة وخرج من الغرفة دون أن يلتفت. وبقيت غيم تحدق في الفراغ للحظات بينما الدموع تحرق عينيها، ثم تمتمت بصوت مرتجف بالكاد استطاعت إخراجه من بين شفتيها:
روح… ربنا ينتجم منك… حسبي الله ونعم الوكيل فيك.. ربنا ياخدك يا شيخ.
بعد مرور بعض الوقت كانت غيم تجلس بجوار جدة عصام التي كانت تحدثها وتبتسم بسعادة، بينما عينا غيم لا تفارقان جارح… الأخ الأكبر لعصام، الرجل الذي يترأس العائلة ويدير كل أعمالها بقبضة من حديد. كانت تنظر إليه بانتباه، مبهورة بهيبته المخيفة، بعضلاته المشدودة، وعينيه الرماديتين اللتين تشعان غضبًا وكأنهما تحملان أسرارًا لا تنكشف بسهولة. لم تفهم سبب الحدة الدائمة في ملامحه، لكنها شعرت بوخزة غريبة في قلبها وهي تتأمله.
حتى قطع شرودها صوت الجدة، وهي تهتف بحماس:
بس اكده يا بنتي! أنا عايزاكم تيجوا تتغدوا عندنا بكرة. عارفه إنكم لسه عرسان جداد، بس اهو تغيروا جو.
ابتسمت غيم مجاملة وردت بلطف:
إن شاء الله يا حجة، حاضر.
ولكن قبل أن تكمل حديثها نهض جارح فجأة وأردف بصوت قاطع:
يلا يا حجة عندي شغل مهم ولازم أمشي دلوجتي.
هتف عصام بسرعة، محاولًا منعه من المغادرة:
ليه اكده يا أخوي؟ خليك شوية لسه بدري.
تجاهل جارح كلماته تمامًا واقترب من غيم ومد يده نحوها بعلبة قطيفة وهو يردف بجمود:
دي هدية جوازك… ألف مبروك.
نظرت غيم إليه باندهاش ثم تناولت العلبة ببطء، وعندما فتحتها شهقت بصوت مسموع، وهي ترى طقم ألماس فاخر يلمع تحت الأضواء. رفعت عينيها إلى جارح وقالت بدهشة:
شكرا… بس مكنش فيه داعي، دي شكلها غالية جوي.
يحدق فيها جارح للحظات ثم رد بصوت حاد:
مفيش حاجة تغلى على مرت ابن العرجاوي… احنا هنمشي.
ألقى كلماته القاطعة ثم أمسك بيد جدته وغادر المنزل دون أن يلتفت.
لم يكد يختفي من الباب حتى سحب عصام العلبة من يد غيم بعنف. نظر إليها باشمئزاز قبل أن يتمتم بسخرية:
متستاهليش هدية زي دي… إنتي أصلاً متسويش حاجة علشان تاخديها.
ثم انحنى نحوها وهمس بصوت منخفض يحمل تهديدًا واضحًا:
خمس دجايج، وتكوني فوق في الأوضة… فاهمة يا مرتي الحلوة.
غادر عصام، تاركًا وراءه أثرًا من الغضب في قلب غيم. كانت تحدق في الفراغ تلتقط أنفاسها بصعوبة. حتى التقطت أذناها حديثًا خافتًا بين اثنتين من العاملات الواقفات بالقرب منها مرددين:
مش عارفة والله… عصام بيه مانع أي حد يدخل الأوضة اللي في الحديقة. حاسة إنه مخبي حاجة كبيرة جوي… أو سر خطير. بس إحنا مالنا، يا ستي؟ ملناش صالح.
تصلبت غيم في مكانها وانتباهها انصب بالكامل على كلمات الخادمتين. تلاعبت الشكوك في رأسها وشعرت بدافع لا يمكن تجاهله يدفعها للتحرك. نهضت بهدوء واتجهت إلى الحديقة، عيناها معلقتان بالغرفة المعزولة في زاويتها. ووقفت أمام الباب، حاولت فتحه لكنه كان مغلقًا بإحكام. زاد ذلك من توترها. فالتقطت حجراً من الأرض، وضربت القفل بقوة مرة… اثنتين… حتى انكسر أخيرًا بصوت معدني حاد.
فـ تقدمت داخل الغرفة المظلمة أنفاسها مضطربة. شعرت برائحة غريبة تملأ المكان، رائحة تراب مبلل… ورائحة أخرى أكثر نفاذًا أشبه برائحة الموت. لم يمر وقت طويل حتى اصطدمت عيناها بمشهد جعل صرخة فزع تشق سكون المكان. كانت الأرض محفورة والرمال مبعثرة، ومن بين ذراتها… ظهرت يد بشرية شاحبة، جامدة تمتد من تحت التراب وكأنها تحاول النجاة قبل أن يخونها الزمن.
فـ اتسعت عينا غيم ووضعت يديها على فمها تحاول استيعاب الكارثة التي أمامها. ثم شهقت بفزع وهي تهمس بصوت مرتعش:
جثة… يا لهوي جثة مين دي عاد.
ولكن قبل أن تكتمل كلماتها شعرت بضربة قوية أسفل رأسها. لم تمهلها اللحظة حتى تدرك ما يحدث، فقط اجتاحها الألم للحظة خاطفة… قبل أن يسود الظلام تمامًا، وتتهاوى على الأرض بلا حراك.
رواية العذراء و الصعيدي الفصل الثاني 2 - بقلم نور الشامي
كانت غيم ممددة على الفراش في غرفتها.
فتحت عينيها بألم وهي تمسك رأسها.
اصدمت عندما وجدت أمامها عصام والجده.
"مالك يا بنتي؟ إي ال حوصلك؟ انتي كويسة؟" اردفت الجدة بقلق.
انتفضت غيم جالسة وهي تستعيد في ذهنها صورة الجثة التي رأتها.
صرخت بانفعال: "أنا شوفت جثة تحت.. كان فيه جثة في أوضة الحديقة ال تحت.. أنا شوفت جثة هناك جسما بالله العظيم."
اتسعت عينا الجدة بخوف وهي تردد: "جثة؟ جثة مين عاد؟ إنتي بتجولي إي يا بنتي؟ في إي؟ عصام.. مش جولت إنك لاطيتها مغمي عليها في الأوضة هنا؟ يبجى حديقة وأوضة إي بجا."
رد عصام بتوتر وهو ينظر إلى غيم بضيق: "مش عارف يا حجة.. هي تصرفاتها غريبة جوي.. أنا مش فاهم مالها بالظبط.. اهدي يا غيم واجعدي يا حبيبتي استهدي بالله."
لم ينهي عصام كلماته حتي قاطعته غيم التي صرخت بغضب: "بجولك إي؟ متجننيش أنا مش ناجصة هبل! تعالوا معايا يلا أنا هوريكم بنفسي الجثه علشان تتأكدوا."
ألقت غيم كلماتها وخرجت من الغرفة.
وبعد فترة قصيرة كانت تقف داخل الغرفة الموجودة في الحديقة مصدومة مما تراه.
الأرض نظيفة تماما، لا أثر لأي فوضى أو جثة وكأن كل ما حدث كان مجرد خيالات في رأسها.
وقف عصام ينظر إليها ببرود قبل أن يرد بسخرية: "اي يا روحي؟ فين التراب؟ فين الجثة؟ فين الأرض المحفورة؟ مش كنتي بتجولي إنك شوفتي كل دا؟ شكله كان تخيلات ولا بتحلمي."
ردت غيم بعصبية وهتفت: "هو إنت هتجنني ولا إي؟ بص.. أنا عايزة أطل مش هجدر أستحمل الوضع دا.. طلجني يلا دلوجتي حالا.. طلجني الدجيجه."
ساد الصمت للحظات قبل أن ينظر الجميع إليها بصدمة.
"يا حجة.. شكل العروسة أعصابها تعبانة.. أنا بجول خليهم يجعدوا عندنا يومين تلاتة يمكن تهدى أعصابها.. يلا يا عصام اطلعوا حضروا حاجتكم." اردف جارح بضيق.
نظر عصام إليه بتوتر قبل أن يتحرك مع الآخرين لمغادرة المكان.
بينما بقي جارح في الغرفة ينظر إلى الأرض بتمعن حتي انتبه فجأة إلى بعض الأتربة المتراكمة في أحد الأركان.
"فيه حاجه غريبه.. انا حاسس ان كل دا مش تخيلات.. فيه حاجن بتوحصل وانا لازم اعرفها في اسرع وجت." اردف.
في صباح يوم جديد في قصر فاخر كان جارح يقف داخل غرفته عاري الصدر يلف منشفة حول خصره بعد استحمامه.
وبينما كان يتأهب لارتداء ملابسه اقتحمت الغرفة فتاة تحمل ملامح غاضبة وتحدثت بلهفةٍ واضحة: "جارح.. البنت ال اسمها غيم دي إي ال جابها اهنيه.... أنا مش بحبها بكرهها ومش طايجاها! مشيها من اهنيه يلا حالا."
لم تكمل الفتاة كلماتها حتى التفت إليها جارح بغضب وسحب قميصه ليرتديه بسرعة قبل أن يصرخ بحدة: "إي..... إنتي مجنونة ولا اي عاد؟ إزاي تدخلي الأوضة اكده وتتكلمي وأنا في الوضع دا... في إي يا بنت عمي؟ مش معنى إني سايبك تعملي ال إنتي عايزاه... تفتكري إنك بجيتي صاحبة الدار! وبعدين غيم دي تبجى مرت عصام يا لؤلؤ."
تجمدت لؤلؤ في مكانها للحظات ثم نظرت إليه بوجهٍ متجهم قبل أن تخرج من الغرفة غاضبة.
وقف جارح أمام المرآة يمرر المشط في شعره محاولًا تهدئة أفكاره.
لكن صوت طرقات على الباب قطعت لحظته تلك.
لم تمضِ ثواني حتى دخل أحد الحراس قائلا بوجه جاد: "يا بيه… معرفناش حاجة.. بس بيجولوا إنها مختفية بجالها شهرين.. ومفيش أي معلومات تانية عنها."
تجمدت يد جارح فوق رأسه وتأمل الحارس بصمت مرددا: "راحت فين عاد.. تبجي مصيبه لو كلام غيم صوح.. لع مستحيل... عصام مستحيل يعمل اكده."
ألقى جارح كلماته بضيق.
وفي المساء، اجتمع الجميع حول مائدة الطعام بينما ساد الصمت أجواء المكان.
حتى قطعت الجدة السكون بقولها: "هو انتوا مش ناوين تروحوا شهر العسل ال بتجولوا عليه دا يا ولاد؟ هتفضلوا جاعدين اكده... أنا عايزاكم تغيروا جو زي باجي العرسان بدل الحزن ال علي وشكم دا."
تنهد عصام بضيق وهو يرد: "أنا جولت لـ غيم كتير بس هي مش بتوافج.. مش فاهم مالها بالظبط كل ما أجولها على حاجة ترفض شكلها مش عايزه تبجي معايا."
ولكن قبل أن يكمل عصام حديثه جاء صوت امرأة يقطع كلماته قائلة بنبرة غاضبة: "هي برده ال مش عايزه تبجي معاك يا ابن الصعيدي ولا انت ال لحد دلوجتي ملمستش بنتي... بنتي ال لسه بنت بنوت لحد اللحظه دي."
توجهت أنظار الجميع نحو مصدر الصوت في ذهول ليتفاجؤوا بوقوف فريدة زوجة عم غيم التي تولت تربيتها منذ طفولتها.
وما إن رأتها غيم حتى ركضت نحوها باكية وارتمت في حضنها وهي تردد بصوت مخنوق: "مرت عمي... بالله عليكي خديني من اهنيه... أنا مش عايزة أكمل معاه.. ابوي يدك يا مرت عمي."
تحولت ملامح عصام إلى الغضب واقترب منها محاولا سحبها من بين ذراعي فريدة.
إلا أن الأخيرة وقفت في طريقه واردفت بحزم: "اوعي تتجرأ وتلمس بنتي. لما انت عاجز يا ابن الصعيدي اتجوزت بنات الناس ليه.. بتبهدل البنت معاك ليه عاد."
ارتفع صوت لؤلؤ غاضبة وهي تصرخ: "اي ال انتي بتجوليه يا وليه يا خرفانه انتي؟! انتي إزاي تجولي اكده عن ابن الصعيدي؟ دا راجل وسيد الرجالة كمان."
نظرت فريدة إليها بعصبية قبل أن ترد بحدة: "أنا مش هرد عليكي علشان انتي بنت جليلة الرباية.. كلامي مع الحجة شكر وجارح... يا ترى انتوا توافجوا بالوضع دا."
نظر جارح إلى شقيقه في صدمة واردف بحده: "عصام.. في إي عاد؟! إي الكلام دا؟! اتكلم جول اي حاجه."
ازدادت ملامح عصام توترا وهو يردد بسرعة: "كدابة... دول كدابين يا أخوي! هي ال مش راضية تخليني ألمسها... أنا حاولت معاها كتير جوي ومش راضية."
ولكن صرخة غيم الممزوجة بالبكاء قطعت كلماته وهي تردد بصوت مختنق: "لع والله يا مرت عمي... كداب جسما بالله هو اعترفلي أول يوم جواز.. جالي إنه عاجز ومبجدرش يعمل أي حاجة ولازم أوافج على الوضع دا يا هيفضحني ويجول للناس كلها اني مش كويسه ومش بنت بنوت.. والله هددني."
يصرخ عصام بغضب صوته يزلزل المكان وهو يردد: "كدابة.. كدابة.. جسما بالله كدابة يا أخوي أوعي تصدجها! هي ال مش راضية... هي ال مش موافجة تخليني ألمسها أصلا."
ولم يكمل عصام كلماته إذ قطعه صوت جارح وهو يصرخ بانفعال: "بس كفاااااية.. كفاية بجااا... انت بتجول إنها كدابة وهي بتجول إنك كداب يبجى الفصيل بينكم هو الليلة دي."
ساد صمت ثقيل قبل أن يكمل جارح بنبرة حاسمة: "هترجعوا على بيتكم... ودي هتبجى ليلة دخلتكم وبعدها هنكشف عليكي لو لسه بنت بنوت يبجى أخوي كداب.. وال تطلبيه هيتنفذ حتى لو طلبتي إني أجطع راسه دلوجتي حالًا! ولو حوصل العكس يبجى انتي الكدابة وانتي ال كنتي رافضة إنه يلمسك وساعتها هتبجى وجتها خدامة تحت رجل أخوي! علشان ال تتهم راجل إنه عاجز وتطلع كدابة تستاهل الجتل! ها.. موافجين؟"
لم تتردد غيم لحظة لترد بلهفة وعيونها تلمع بإصرار: "انا موافجة... موافجة بكل كلمة جولتها."
التفت جارح إلى عصام الذي وقف متوترا للحظة قبل أن يرد بتردد: "موافج يا أخوي.. يلا... خلينا نمشي."
ألقى كلماته سريعا ثم تحرك خارج المجلس تتبعه غيم بخطوات ثابتة.
بعد فترة، كانت غيم تقف في غرفتها داخل منزلها ترتدي قميص نوم قصير، عيناها تمتلئان بالدموع وهي تحدق في المرآة قبل أن تهمس بصوت مرتعش: "طلازم أثبت للكل إنك كداب... وبعدها جسما بالله لـ هطلج منك وأدور على الجثة ال أنا متأكدة إني شوفتها... أنا هفرجك يا عصام."
ولكنها لم تكمل حديثها إذ انفتح الباب فجأة ودخل عصام بخطوات واثقة وعيناه تلمعان بابتسامة ماكرة وهو يردد بنبرة ساخرة: "واه واه... شكلك حلو جوي... إيه الجمال دا يا غيم؟ كل دا علشان تطلعيني كداب؟ تصدجي إنك جليلة الأصل... رايحة تفضحيني جدام أهلك وأهلي."
نظرت إليه غيم بحدة قبل أن ترد بصوت غاضب: "انت ال خليتني أعمل اكده... إنت ال هددتني وضربتني وكنت عايزني أبجي خدامة عندك وأوافج بالهبل ال انت بتجوله حتى لما جولتلك تتعالج... رفضت وضربتني أنا كان ممكن أسكت لو كنت وافجت على العلاج وعاملتني كويس... بس طبعا لع... انت فاكر نفسك إنك تجدر تعمل كل حاجة على مزاجك حتى مش حاسس بالذنب واهه... شوفت وصلت لإي أهه... هتطلع كداب جدام عيلتك."
ارتسمت على شفتي عصام ابتسامة ساخرة وهو يقترب منها قائلا: "بجد؟ ومين جالك إني هطلع كداب جدام حد؟... أنا مستعد أعمل أي حاجة علشان صورتي تفضل كويسة... وللأسف.. انتي اللي خليتيني أعمل اكده... تعالي يا شفيق."
تجمدت غيم في مكانها... غير مستوعبة ما سمعته.. قبل أن تستدير ببطء نحو الباب.. لتجد رجلا يدخل الغرفة.. فـ شهقت بصدمة وسرعان ما أمسكت بالروب لتغطي جسدها وتحاول ستر شعرها.
لكن صوت عصام الحاد أوقفها: "شوفتي وصلتي نفسك لإي؟... أصل أنا مش هطلع كداب جدام أهلي... لازم يعرفوا إني راجل وسيد الرجالة كمان."
عيناها امتلاتا بالذعر وجسدها ارتجف غير قادرة على استيعاب ما يحدث أمامها.
بعد مرور ساعتين تقريبا كان جارح يقود سيارته بسرعة جنونية تتلاعب بها عجلاتها على الطريق وكأنها تعكس غضبه العارم حتى وصل إلى بيت عصام.
ترجل من السيارة بسرعة خاطفة واندفع إلى الداخل بخطواتٍ غاضبة.. متجاهلا نظرات الخدم المذعورين الذين وقفوا يصرخون في رعب.
فـ صعد الدرجات بخطوات ثقيلة و أنفاسه تتلاحق مع كل خطوة حتى اقتحم غرفة أخيه.. ليصدم بالمشهد أمامه.
كانت الأرض مغطاة بدماء قاتمة.. وفي وسطها جسد عصام ملقى بلا حراك.. وسكين مغروسة في صدره.
عيناه تحدقان في الفراغ، وروحه قد غادرت منذ لحظات.
وعلى بعد خطوات منه. جلست غيم على الأرض... وجهها شاحب ونظراتها فارغة وكأنها لا تستوعب ما حدث.
فـ وقف جارح يحدق بالمشهد.. شعور مزيج بين الغضب والذهول يجتاحه قبل أن ينطق بصوت مثقل بالصدمة: "جتلتيه ليه ؟!"
رواية العذراء و الصعيدي الفصل الثالث 3 - بقلم نور الشامي
وقف الطبيب بجوار الجثة. يضغط بإصبعيه على رقبة عصام في محاولة يائسة للبحث عن نبض، لكن ملامحه سرعان ما تحولت إلى الجمود. زفر ببطء قبل أن يرفع رأسه نحو الحاضرين قائلاً بصوت حازم:
"مفيش نبض… للأسف مات"
ساد الصمت للحظات، لم يُسمع خلالها سوى أنفاس متوترة، قبل أن يضيف الطبيب بجدية:
"دي حالة قتل… ولازم أبلغ البوليس دلوقِ حالاً… لازم تحقيق رسمي في الواقعة وكل اللي بيحصل دا"
ولكن قبل أن يتم كلماته، جاء صوت جارح صارم وهو يقترب من الطبيب مردداً:
"لأ… مفيش بوليس… مفيش أي حد بره البيت دا هيعرف اللي حصل لأخوي… الكل هيعرف إن الوفاة طبيعية"
رفع الطبيب حاجبيه بصدمة، بينما تابع جارح بحدة:
"انت هتكتب في التقرير إن الموت كان طبيعي… مفهوم؟ تعمل تصاريح الدفن وكل حاجة هتم في هدوء… مش عايز دوشة ولا فضايح… وإلا هتبقى انت كمان في مشكلة كبيرة جوي يا حكيم"
تبادل الطبيب النظرات مع الحضور في توتر، لكن ملامح جارح الحادة لم تترك له مجالاً للاعتراض. فابتلع ريقه قبل أن يجيب بتردد:
"بس… بس دي جريمة قتل ولازم فيها الشرطة"
اقترب جارح أكثر واردف بصوت غاضب:
"جريمة قتل؟ إحنا هنا بنحل مشاكلنا بنفسنا مش محتاجين حد يدخل بينا… فاهمني؟"
تراجع الطبيب خطوة للخلف وأدرك أن الجدال لن يكون في صالحه، فاكتفى بهز رأسه موافقاً على مضض.
***
وفي غرفة أخرى داخل المنزل، جلست غيم على طرف السرير تحدق في الفراغ، وجسدها متيبس وكأنها فقدت القدرة على الاستيعاب. كانت لا تزال ترتدي ملابسها نفسها، لكن الرعشة التي اجتاحت أطرافها جعلت قبضتها تشتد حول الغطاء الذي احتضنته كأنها تحتمي به، وهي تتذكر.
**فلاش باك**
كانت تقف غيم في منتصف الغرفة، وجسدها متشنج وعيناها تائهتان بين عصام وشفيق، تحاول أن تفهم إن كان ما تسمعه حقيقياً أم كابوساً آخر من كوابيسها المتكررة.
فاقترب عصام واردف بصوت مملوء بالوقاحة وهو ينظر لشفيق:
"انت اللي هتكون معاها علشان نثبت لكل الناس إني راجل وانك انتي الكدابة… بقى عايزة تجيبي العار ليا ولعيلتي"
نظر شفيق إليها في تردد واضح، ثم ابتلع ريقه واردف بصوت مهزوز:
"بس… بس أنا…"
قاطعه عصام بحدة:
"مفيش بس… يلا خلصني بقى انت لسه هتجد تجولي أنا ومش أنا… خلص"
تحرك شفيق بخطوات بطيئة نحوها، بينما عقلها يعمل بسرعة للبحث عن مخرج. لكن قبل أن يقترب أكثر، تقدم عصام فجأة وأمسكها من ذراعها بعنف، يجبرها على البقاء في مكانها مردداً:
"انتي فاكرة إنك تقدري تهربي… أنا مستحيل اخليكي تهربي… تصدقي إني أنا الغلطان أصلاً إني اتجوزت واحدة زيك متسواش"
نظرت غيم إليه بفزع وحاولت التملص من قبضته وهي تضربه بيدها، لكنه كان أقوى وهو يسحبها نحوه بقوة أكبر جعلتها تترنح في مكانها، وشعرت بأنفاسه قريبة منها بشكل مقزز.
وفي لحظة يأس، وقعت عيناها على السكين الصغيرة الموضوعة على الطاولة. وبحركة سريعة مدت يدها وأمسكت بها دون أن يدرك.
وفجأة… غاصت السكين في صدره. واتسعت عينا عصام بذهول، الذي ترك ذراعها وتراجع خطوتين وهو يضع يده على موضع الجرح وأنفاسه متقطعة، بينما الدم يتسرب بين أصابعه.
أما شفيق، فقد شهق بفزع وهو ينظر إليها وإلى السكين التي ما زالت تحمل آثار الدم، ثم تراجع للخلف ببطء.
رفعت غيم السكين نحوه وعيناها تشتعلان غضباً مرددة:
"قسماً بالله لو حاولت تلمسني لهقتلك انت كمان… خطوة واحدة بس وهخلّص عليك مش هيهمني. يلا… يلا امشي من قدامي. أنا مبجاش عندي حاجة أبكي عليها خلاص… امشي يلا… امشي من هنا فوراً"
لم يفكر شفيق مرتين واستدار بسرعة واندفع نحو الباب وفتحه بيد مرتعشة وهرب كأن الشيطان يطارده، تاركاً إياها واقفة هناك تلهث بشدة والدماء لا تزال تقطر من يدها المرتجفة.
وفجأة…
**فلاش باك**
فاقت غيم من شرودها على صوت فتح الباب بعنف، ووقف جارح على عتبته، عيناه تقدحان شرراً وملامحه توحي بعاصفة على وشك الانفجار. تقدم إلى الداخل بخطوات بطيئة لكن ثقيلة، كأنه يصارع نفسه كي لا ينقض عليها فوراً.
واردف بصوت أجش مليء بالغضب:
"أنا إزاي كنت غبي كده… أخوي طول عمره كان يجولي إنك مش كويسة وإنك خاينة وجليلة أصل، بس مكنتش أتخيل إنك كمان مجرمة… جتلتي أخوي… عصام كان جايلي… كان قايللي إنك مش عايزاه يلمسك… وإنك كنتي على علاقة بواحد غيره! علشان كده كنتي بتتهربي منه كل ما يقرب منك صح… هو دا السبب اللي جتلتي أخوي عليه… خوفتي يفضحك"
نظرت غيم بصدمة وصرخت بانفعال:
"كذب… كذب والله العظيم… أنا معرفش حد… قسماً بالله ما أعرف حد… ولا حد لمسني"
ولكن جارح لم يمهلها لتكمل، بل قطع المسافة بينهما بسرعة خاطفة وأمسك بذراعها بقوة جعلتها تتأوه. وانحنى قليلاً ليقترب وجهه من وجهها، يحدق في عينيها المذعورتين بنظرة قاتلة وهو يهمس بصوت يشبه فحيح الأفاعي:
"عارفة يعني إيه اللي عملتيه ده؟ يعني جبتي العار والدمار لعيلتك… وقتلتي أخويا… وحرقتي جلب جدتي… واحسبي حسابك جدتي دي هتوريكي الجحيم بمعنى الكلمة… أما أنا؟ أنا هنتقم منك بطريقتي. أنا هخليكي تتمني الموت ومتعرفيش تحصلي عليه… قسماً بالله العظيم لـ هدفعك تمن موت أخوي دا غالي جوي"
ألقى جارح كلماته ثم ابتعد عنها فجأة وهو يصرخ بصوت جهوري:
"يا رجالة!"
وفي أقل من لحظة، اندفع رجلان ضخما البنية إلى داخل الغرفة، وجوههم خالية من أي تعبير. فأشار إليهم بحدة وهتف:
"خدوها… احبسوها في الجصر هناك ومتخلوش أي حد يشوفها… لحد ما أشوف هعمل فيها إيه"
شهقت غيم وحاولت التراجع لكنها لم تجد مهرباً… فهرجم الرجلان عليها وأمسكاها بقوة رغم مقاومتها وصراخها اليائس مرددة:
"سيبوني… أنا مظلومة… جارح بالله عليك اسمعني… قسماً بالله انت فاهم غلط"
ولكن جارح لم يلتفت إليها، بل وقف مكانه يراقبهم وهم يسحبونها للخارج كأنها قطعة أثاث لا قيمة لها. آخر ما رأته قبل أن تجر خارج الغرفة هو عيناه القاسيتان، لا شفقة فيهما ولا رحمة.
***
وفي صباح يوم جديد في ساحة القصر، علت أصوات النواح، وكان اللوم الأسود هو السائد بين الجميع. أما عن الجدة، فكانت تبكي بحرقة، بينما تضرب صدرها وهي تردد بانهيار:
"حفيدي راح… عصام راح خلاص… دفنته بيدي تحت التراب… بدل ما هو اللي يدفني أنا… آه دفنته… أنا اللي دفنت حفيدي… يارب لصبر من عندك يا رب… الصبر من عندك يا رب"
كانت تتحدث الجدة بانهيار، وبجانبها لؤلؤ التي تبكي بشدة مرددة:
"عصام راح… راح ومش هيرجع خلاص"
لكن الجدة لم تكن تبكي فقط، بل كانت تغلي من الداخل. وعندما رفعت رأسها وحدقت بالحارس أمام باب غرفة غيم، لم يكن في عينيها سوى قرار واحد… الانتقام.
فنهضت بغضب مرددة للحارس:
"افتح الباب دا… يلا"
الحارس بتردد:
"جارح بيه منع حد يدخل ليها يا كبيرة… مقدرش والله أنا آسف"
لم تنتظر الجدة كثيراً، تحركت بسرعة وانتزعت السلاح من حزامه وضغطت فوهته على رأسه. فشهقت لؤلؤ واردفت الجدة:
"افتح وإلا هتموت مكانها… قسماً بالله هقتلك"
ارتجفت يد الحارس وهو يدير المفتاح، وما إن انفتح الباب حتى اندفعت الجدة للداخل وهي ترى غيم. كانت جالسة على الأرض، جسدها متيبس وعيناها ذاهلتان. لكن قبل أن تنطق بحرف، هجمت عليها الجدة وأمسكتها من شعرها وسحبتها للخارج مرددة:
"بقى انتي تعملي كده… تقتلي حفيدي… جتلتي حفيدي… ليييه… ليه دا أنا أكتر واحدة كنت بدافع عنك… دا أنا كنت بعتبرك زيك زي عصام وجارح ولؤلؤ… ليه كده… ليه ربنا ينتقم منك… عملك إيه… عملك إيه عشان تحرمينا منه"
غيم ببكاء:
"سيبوني! بالله عليكم… أبوس إيدك… والله أنا معملتش حاجة… بالله عليكي اسمعيني أبوس إيدك"
كانت تتحدث غيم ببكاء، لكن لؤلؤ كانت تضربها بشدة، والجدة لم تتوقف. وجرتها عبر الممرات حتى الساحة، ثم ألقتها أرضاً وسحبت سكين من أعلى الطاولة مرددة:
"دم حفيدي في رقبتك ولازم تدفعي التمن… لازم آخد بـ تار حفيدي منك… أنا هقتلك وأرمي جثتك للكلام علشان تبقي عبرة لأي حد يحاول يأذي حد من عيلتي"
ألقت الجدة كلماتها ورفعت السكين لتنقض عليها، وما إن اخترقت السكين صدرها… دوى صوت صارم:
"لأ يا حاجة… سيبيها"
أردف جارح بكلماته وانصدم عندما وجد غيم تقع على الأرض غارقة في دمائها.
رواية العذراء و الصعيدي الفصل الرابع 4 - بقلم نور الشامي
كان يجلس جارح بجوارها يراقب ملامحها الشاحبة بصمت.
عينيه تضيقان بحدة وهو يتأمل تفاصيل وجهها المرهق.
كانت ممدة على الفراش، أنفاسها متقطعة وجسدها ساكن باستثناء ارتعاشة خفيفة في أصابعها.
ضمادة بيضاء غطت كتفها المصاب.
تأوهت بصوت خافت قبل أن تفتح عينيها ببطء.
نظرتها كانت مشوشة في البداية، لكن سرعان ما اتسعت عندما رأت جارح جالساً إلى جوارها وعيناه الداكنتان تراقبانها بثبات.
حاولت التحرك، لكن الألم الحاد في كتفها جعلها تئن وتغلق عينيها للحظة.
ثم عادت تفتحهما، وبصوت مبحوح ضعيف وهمست برجاء:
"سيبني أمشي، أبوس يدك… بالله عليك أنا معملتش حاجة. جسماً بالله هو اللي جاب لي واحد معرفش مين ده علشان خاطر يعمل معايا حاجات مش حلوة علشان ما يتفضحش قدامكم إنه عاجز."
"جسماً بالله عصام عاجز وهو اللي اعترف لي بنفسه."
لم تنهِ غيم كلماتها حتى لمحت انقباض عضلات فكه ونظراته التي اشتعلت بغضب مكتوم.
اقترب منها فجأة ويده القوية ضغطت بقسوة على موضع الجرح.
شهقت بألم وارتجف جسدها بالكامل.
انحنى قليلاً واردف بغضب:
"انتي فاكراني غبي علشان أصدج المسلسل الهندي اللي بتقوليه ده. أخويا كان عاجز وجاب لك واحد علشان يعمل معاكي حاجات مش حلوة. ومن فترة تقولي إنك شفتي جثة… انتي خيالك واسع قوي. اسمعي يا بت انتي… انتي هتفضلي هنا لحد ما العدة تخلص… وبعدها هنتجوز."
حدقت غيم بصدمة وكأن عقلها لم يستوعب ما سمعته.
"إنت بتقول إيه…. بتهزر صوح.. أكيد بتهزر."
ابتسم جارح بسخرية ثم أردف بثبات:
"لأ مش بهزر زي ما سمعتي… هتبقي مرتي غصب عنك مش بمزاجك. ومن انهارده لحد يوم كتب الكتاب انتي هتفضلي محبوسة في الأوضة هنا… لا بتشوفي حد ولا حد بيشوفك."
صرخت غيم بفزع مرددة:
"مستحيل… أنا مش موافقة.. مستحيل أتجوزك."
لم يمنحها جارح فرصة للجدال، بل نهض من مكانه ببطء وهو يردف بجمود:
"جهزي نفسك… علشان هنتجوز. أنا مش باخد رأيك. ولو رفضتي جسماً بالله العظيم هقتل كل شخص قريب منك.. مش هسيب حد عايش.. هجمعهم كلهم قدامك هنا وهخلص عليهم غير العذاب اللي هتشوفيه مني… أنا بحذرك.. أخويا جاب واحد علشان يتمم جوازه بيكي… فعلاً خيال واسع."
استدار وخرج من الغرفة، تاركاً إياها غارقة في صدمتها غير قادرة حتى على البكاء.
مرت الأيام بسرعة، وكل يوم كان يمر كانت غيم تشعر وكأنها تقترب من حتفها.
حاولت الهروب أكثر من مرة، توسلت وبكت وصرخت، ولكن كل شيء كان بلا فائدة.
حتى جاء اليوم المشؤوم… اليوم الذي انتهت فيه عدتها وكتبوا الكتاب.
بعد عقد القران كانت تجلس الجدة بجوار جارح وهي توبخه بغضب مرددة:
"إزاي تعمل أكده… إزاي تتجوزها.. دي كانت في حكم الميتة بالنسبالك... كان لازم تقتلها وتخلص منها. المفروض تدفنها مش تتجوزها.... لازم تقتلها دلوقتي، ده العرف... تاخد بتار أخوك اللي قتلته وهو لسه في عز شبابه. ومش بس أكده عايز تشوه سمعته بعد موته كمان."
قال جارح بحده:
"الموت هيبقى رحمة ليها يا حاجة وأنا مش ناوي أرحمها... أنا هدفعها تمن اللي عملته غالي قوي."
صعد إلى غرفته بخطوات ثابتة.
فتح الباب ليجدها واقفة بجوار النافذة وظهرها له، ترتجف ودموعها تنساب على وجنتيها بصمت.
تنهد ساخراً، ثم أردف بحدة:
"كفاية عياط بقى... الليلة ليلة فرحنا. قومي ادخلي البسي حاجة كويسة.. فيه واحدة توقف قدام عريسها أكده. حتى ميصحش. ولا ناويه أنا كمان تتطلعي عليا إشاعة إني عاجز."
نظرت غيم إليه بدموع ودخلت لتبدل ملابسها بدون أن تتفوه بحرف واحد.
بعد دقائق خرجت غيم.
نظر جارح بصدمة وتوقف الزمن بالنسبة له للحظات.
اتسعت عيناه بذهول وهو يراها تقف أمامه.
كانت ترتدي قميص نوم حريري بلون أحمر داكن ينسدل برقة على جسدها النحيل، بينما دموعها لا تزال تنساب بصمت على خديها.
كأنها تشبه لوحة مرسومة، مزيج من الجمال والحزن والانكسار.
ابتلع جارح ريقه ببطء وكأن شيئاً ما تحرك في صدره، لكن ملامحه بقيت جامدة.
اقترب منها، صوته خرج هادئاً لكن يحمل وعيداً بالانتقام:
"الليلة ليلتك يا غيم… للأسف مش هيكون عندك حجة المرة دي علشان تقولي عليا أي حاجة."
بدأ بفك أزرار قميصه ببطء حتى أسقطه أرضاً ليكشف عن صدره العاري.
تقدم منها بخطوات بطيئة ورفع يده ليلامس خصلات شعرها.
لكن ارتعاشتها الطفيفة جعلت أصابعه تتوقف للحظة.
"مالك.. خايفة أكده ليه عاد.. للدرجادي أنا بخوف... فيه واحدة برده تخاف من عريسها."
غيم وهي تحاول الابتعاد عنه:
"بالله عليك.. سيبني.. حرام عليك.. انت ليه مش راضي تصدقني... طيب بص... بلغ الشرطي وأنا هعترف إني أنا اللي قتلت عصام.... بس متعملش فيا أكده أبوس يدك."
كانت تتوسل غيم له، ولكن توسلاتها لم تجد طريقها إليه.
كان مصمماً على إذلالها.
رفعها بين ذراعيه ووضعها على الفراش.
عيناه تتمعنان في نظرات الرعب التي غطت ملامحها الشاحبة.
كانت ضعيفة، مستسلمة.
بيده يده وهذا بالضبط ما أراده.
أغمضت عيونها بخوف وهو يسحب عنها هذا الرداء.
فجأة انتفض مبتعداً عنها بعصبية وكأن ناراً التهمته.
"متخافيش أنا مش ألمسك.. أنا بقرف منك وبكرهك قوي ومستحيل المس واحدة زبالة رخيصة وزبالة زيك.. كل اللي يهمني إنك تفضلي تتعذبي أكده وبس."
نظرت غيم إليه بصدمة لم تستوعب ما فعله.
رن هاتفه فجأة.
نظر إلى الشاشة، وبدا وكأن صدمة اجتاحته وتجمد للحظة.
أسرع يلتقط قميصه ويرتديه على عجل دون أن يلقي نظرة أخرى عليها قبل أن يخرج من الغرفة مسرعاً.
تاركاً إياها خلفه غارقة في دموعها، لا تفهم ما حدث.
بعد فترة كان ينزل جارح من سيارته بسرعة عند بيت عصام.
كان يرى الحراس مصطفين أمام المدخل ووجوههم متجهمة.
عندما عبر البوابة رأى الحفرة الكبيرة في الأرض… وفي قلبها جثة فتاة بلا ملامح كأنها تعرضت للتشويه المتعمد.
قبض يده بقوة حتى برزت عروقها.
دخل شاب بسرعة من خلفه وأنفاسه متقطعة وكأنه كان يركض منذ مدة.
حين رأى الحفرة جحظت عيناه بصدمة.
التفت إلى جارح وسأله بصوت مضطرب:
"مين دي؟ إيه اللي بيحصل هنا يا جارح.. جثة مين دي عاد وازاي مدفونة هنا.. وإيه اللي جاب جثة هنا أصلاً."
رفع جارح رأسه بصدمة وهو يتذكر كلمات غيم مردداً:
"يعني إيه... هي كانت صح... دي أكيد الجثة اللي كانت بتتكلم عنها بس جثة مين."
قاطعه صوت الشاب الذي ردد بفزع:
"جارح.. إلا تكون جثة شمس... يا نهار أسود.. دي ممكن تكون جثتها بجد.. ممكن تكون جثة شمس فعلاً يا جارح."
نظر جارح إليه بصدمة.
في مكان آخر، بعيداً عن بيت الأسيوطي، كانت تجلس امرأة في ركن مظلم داخل منزل صغير.
أمامها طاولة خشبية قديمة جلس عليها شاب في العشرينات من عمره، عيناه تحملان الترقب، وهو يستمع لكلماتها بصمت.
"لسه مشافوش حاجة… انتقامنا من عيلة الأسيوطي هيبدأ من دلوقتي، ولازم كل خطوة تكون محسوبة.. أنا مش هحليهم يعيشوا مرتاحين مهما حصل.. اعمل اللي جولتلك عليه… مينفعش يحصل أي غلط ولو بسيط يلا بسرعة."
أومأ الشاب برأسه ثم وقف مستعداً لتنفيذ الأوامر.
ظلت المرأة جالسة تمرر أصابعها على سطح الطاولة وهي تهمس لنفسها:
"اللي فات كان لعب عيال… بس دلوقتي، الجحيم نفسه هيبقى أرحم ليهم من اللي مستنيهم واللي هعمله فيهم."
في بيت الأسيوطي، كانت الجدة تقف بصدمة وهي ترى عدداً من الضباط بزيهم الرسمي يتقدمهم رجل يحمل أوراقاً رسمية مردداً:
"مطلوب القبض على الأستاذة غيم... هي فين."
نزلت غيم من درجات السلم وهي تنظر بخوف مرددة:
"ليه يا حضرت الظابط.. أنا عملت إيه عاد... إيه تهمتي."
الضابط بحده:
"قتل.. مطلوب القبض عليكي بتهمة قتل شمس حامد.. يلا امسكوها."
رواية العذراء و الصعيدي الفصل الخامس 5 - بقلم نور الشامي
شهقت غيم بفزع وفتحت عينيها بسرعة ووجدت نفسها مستلقية على الفراش أنفاسها متقطعة وقلبها ينبض بعنف داخل صدرها.
كانت الغرفة مظلمة إلا من ضوء خافت يتسلل من النافذة وصوت الرياح بالخارج يضرب النوافذ وكأنه يعكس العاصفة داخلها.
وضعت يدها على قلبها تحاول تهدئة أنفاسها، لكن صوت الباب وهو يفتح ببطء جعل الرعب يتجدد في عروقها.
جلست بسرعة وشهقت عندما رأت جارح يقف عند الباب ملامحه جامدة وعيناه معتمتان وهو ينظر إليها مردداً:
"مالكِ؟ بتصرخي ليه اكده.. في اي عاد"
ابتلعت غيم ريقها بصعوبة قبل أن تهمس بصوت مرتجف:
"أنا... كنت بحلم.. حلم وحش جوي"
يرفع جارح حاجبه واقترب منها قليلاً ثم مال برأسه قائلاً بسخرية:
"حلم؟ ولا ضميرك بدأ يأنبك؟"
تجمدت غيم في مكانها وهي تشعر أن كابوسها لم ينته.
زفر جارح بضيق وبحركة سريعة بدأ بفك أزرار قميصه وسحبه عن جسده ثم ألقاه بلا مبالاة على الكرسي القريب وتقدم نحو الفراش واستلقى بجوارها.
غيم تصلبت مكانها، عيناها تتسعان برعب وهي تراقبه دون أن تجرؤ على التفوه بحرف.
أغلق عينيه وهو يتمتم بصوت متعب:
"انا مش ناجص صداع… تعبان وهنااام ومش عايز حد يصحيني فاهمة؟"
بلعت غيم ريقها بصعوبة وهي تحاول أن تحافظ على مسافة بينهما.
لكن حتى مع ذلك شعرت بثقله القريب وبتنفسه المنتظم، وكأن وجوده وحده يملأ المكان بالخوف.
ظلت مستيقظة لفترة تنظر إلى السقف محاولة استيعاب ما يحدث حتى غلبها الإرهاق وأغمضت عينيها بحذر غير قادرة على التخلص من التوتر الذي يحيط بها.
في الصباح استيقظت لتجد الفراش فارغاً.
ارتدت ملابسها بسرعة وخرجت من الغرفة وهي تتجول في أروقة القصر الواسع بتوتر حتى وصلت إلى المطبخ حيث وجدت الخدم يعملون بصمت.
تقدمت بخطوات حذرة وقالت بابتسامة مرتبكة:
"صباح الخير… ممكن أساعدكم؟"
تبادل الخدم النظرات، قبل أن يجيب أحدهم بارتباك:
"احنا… مش محتاجين مساعدة، بس شكرا يا ست غيم.. ارتاحي انتي مش عايزين نتعب حضرتك"
تجاهلت غيم حديثهم وتقدمت أكثر، التقطت أول شيء وجدته أمامها.
وعندما أوشكت على استخدامه انطلقت صرخة حادة من لؤلؤ التي اردفت:
"إنتي عايزة تجتلينا كلنا.. مالك انتي بالواكل... فاكره نفسك صاحبه البيت.. لع يا جبيبتي انتي تلزمي حدودك وتعرفي حجمك في البيت اهنيه فاهمه"
حبست غيم أنفاسها ونظرات الخدم تجمدت عليها.
فاردفت بتوتر:
"وانتي مالك.. انا اعمل ال يعجبني. مش من حقك تجوليلي اعمل اي ومعملش اي... انا مش صاحبه الدار وانتي ال صاحبه الدار جوي... انتي كمان ملكيش اي لازمه اهنيه ومش معني اني سكتالك تفتكري اني ضعيفه او خايفه منك.. لع يا حبيبتي.. الزمي حدودك معايا احسن و"
لم تنهي غيم كلماتها وفجأة تلقت صفعة قوية على وجهها من الجدة التي اردفت بغضب:
"انتي ازاي تتجرائي وتعلي صوتك على لؤلؤ... فاكره نفسك صاحبه الدار بجد ولا اي... دا الخدم ال واجفين جدامك دول احسن منك... اعتذري فورا"
تجمدت غيم مكانها بعد الصفعة، وضعت يدها على وجنتها بذهول، عيناها متسعتان من الصدمة ونظرات الخدم تلاحقها.
فتمتمت بصوت خافت:
"انا آسفه"
ضحكت لؤلؤ بسخرية وهي تضع يدها على خصرها مرددة:
"أهو كدا الكلام.. خليكي في حدودك فاهمة يا عذراء؟ مش انتي عذراء برده.. اصل انا عارفه جارح كويس جوي مستحيل يلمس واحده رخيصه زيك.. الا جوليلي الصراحه يا غيم.. مين ال خونتي عصام الله يرحمه معاه"
ضغطت غيم على أسنانها تمنع نفسها من الرد ثم استدارت بسرعة وغادرت المطبخ بخطوات متوترة تحاول كتم الغضب الذي يغلي داخلها.
ما إن خرجت حتى شهقت تأخذ نفساً عميقاً وهي تبكي بشدة.
حتى قاطعها صوته وهو يردد:
"غيم.. انتي كويسه"
نظرت غيم بصدمة وارتمت بين أحضانه بلهفة مرددة:
"فريد... انت جيت انتي... ابوس يدك خرجني من اهنيه بالله عليك يا فريد"
تنهد فريد بضيق وهو ينظر حوله، محاولاً استيعاب التوتر الذي يحيط بالمكان.
لكن فجأة، دون أي إنذار، تلقى لكمة قوية من جارح جعلته يترنح للخلف.
شهقت غيم بفزع وهي تندفع نحوه، لكن جارح كان أسرع، أمسكها من معصمها بعنف وسحبها إليه، عيناه تشتعلان بالغضب وهو يزمجر:
"إنتي بتحضني مين عاد ؟! مين ده.. انتي اتجننتي يا بت انتي ولا اي بالظبط.. جايبه البجاحه دي كلها منين عاد"
حاولت غيم التملص من قبضته وهي تصيح بغضب:
"سيبني يا جارح.. ده فريد، ابن خالتي.. سيبني في حالي"
لم يهتم جارح بكلماتها بل التفت نحو فريد الذي استعاد توازنه ومسح الدم عن زاوية فمه، عاقداً حاجبيه بحدة.
"إنت مجنون؟!" قالها فريد بصوت غاضب.
فرد جارح بغضب:
"لو لمستها تاني، مش هتخرج من اهنيه سليم.. انا لا بتاع ابن خالتي ولا ابن عمتي.. انت محرم عليها وجو لعب العيال دا مش عندي.. لو هي متعوده علي اكده.. فـ لع"
نظرت غيم إليه بذهول قبل أن تدفعه بقوة وهي تصرخ:
"وانت مالك؟! مين إنت علشان تتحكم فيا؟! فريد زي أخويا وانا مش معتبراك جوزي اصلا.. بكرهك.. بكرهك انت واخوك ال ربنا لا يسامحه.. اخوك الخاين الكداب.. تعرف بجا هو يستاهل الحتل وانا مش ندمانه اني جتلته ولو جالي فرصه اني اجتله تاني هجتله واشرب من دمه كمان الوسخ و"
لم تنهي غيم جملتها حتى شعرت بصفعة نارية تهوي على وجهها بقوة جعلتها تترنح للخلف وهي تضع يدها على وجنتها بذهول.
وجارح يقف أمامها عيناه تشتعلان بغضب أسود أنفاسه تتلاحق وكأنها خرجت عن سيطرته، بينما يده ما زالت معلقة في الهواء، وكأنه لم يصدق ما فعله للتو.
"إنتي تجننتي؟!" صرخ جارح بصوت اجتاح أرجاء الحديقة.
فارتعشت غيم لكنها تماسكت.
رفعت وجهها متحدية بغضب:
"ايوه... مجنونة! ولو رجع بيا الزمن هعملها تاني وهنتجم منكم كلكم"
أطبقت قبضة جارح بقوة وكأنه يحاول السيطرة على نفسه مردداً:
"ادخلي جوه قبل ما يوحصل مصيبه.. جسما بالله انا ممكن اجتلك دلوجتي حالا"
نظرت غيم إليه بغضب ولم تتحرك بل بقيت جامدة في مكانها تتنفس بسرعة، وعيناها تملؤهما الدموع والقهر.
أما فريد، فكان يراقب المشهد بصمت... أنامله مشدودة بجانبه.
ثم فجأة اردف ببرود:
"دا انتوا كلكم اكده بجا..عيله زباله..ما كنتوا تجولوا من الاول انكم عيله واطيه الا تكون انت كمان عاجز زي اخوك يا جارح...اصل انت عارف إنها مش طايقاك وعايزها غصب ودي حاجة مقرفه الصراحه.. يبجي عايز تخبي علي خيبه اخوك صوح"
استدار إليه جارح ببطء وابتسامة ساخرة امتدت على شفتيه قبل أن يقول بصوت منخفض:
"يخرب بيتك... بتتدخل ليه في ال ملكش فيه بس مبسوط بال هيوحصل دلوجتي ؟"
وبدون مقدمات انهال عليه بلكمة أخرى جعلته يترنح للخلف.
لكن هذه المرة لم يقف فريد متلقياً الضرب بل ردها له بقوة، ليبدأ العراك بينهما وسط شهقات غيم التي وقفت تحاول الفصل بينهما دون جدوى مرددة بصراخ:
"كفاية ... كفايه بجا بالله عليكم.. فريد امشي... علشان خاطري امشي بالله عليكي يا فريد"
نظر فريد إلى غيم التي كانت تبكي بضعف وقلبه يشتعل بالغضب.
لكنه زفر بقوة يحاول كبحه ثم استدار بصمت وغادر سريعاً غير راغب في تعريضها لمزيد من الأذى.
أما جارح، فشد معصمها بقوة وسحبها خلفه إلى الطابق العلوي دون أن يمنحها فرصة للاعتراض، بينما هي تحاول التملص من قبضته دون جدوى.
وبمجرد أن دخل بها إلى الغرفة، أغلق الباب خلفه بقوة، واستدار إليها وعيناه تضيقان بحدة مردداً:
"بجا انتي عذراء... وأخويا كان عاجز... صح؟ دا ال كنتي بتجوليه من شويه، صوح.. جولتيه جدام الدنيا كلها.. يعني ممكن يكون اي حد سمعه لع وانا ميهونش عليا ان مرتي الحلوه تبجي اكده"
ارتجفت غيم بخوف وهي تتراجع للخلف.
لكن جارح لم يمنحها الفرصة، تقدم إليها بسرعة حتى التصقت بالحائط.
ويده امتدت وأحكمت قبضتها على ذراعها وعيناه تلمعان ببرود قاتل وهو يتمتم بسخرية:
"انا هعرفك ازاي تجولي الكلمه ال جولتيها دي علي اي حد من عيله الاسيوطي.. جسما بالله لهدفعك تمن كل ال عملته دا غالي جوي"
ألقى جارح كلماته وهو يمسك بطرف قميصه وبدأ في فكه ببطء.
عيناه مثبتتان على غيم التي كانت ترتجف بشدة.
عيناها تتسعان برعب وهي تراه يقترب أكثر مرددة:
"جارح بالله عليك سيبني... ابوس يدك... جسما بالله انت ما فاهم حاجه والله.. سيبني بالله عليك.. يا عاالم حد يساعدني بالله عليكم"
تجاهل جارح رجائها ومد يده وانتزع وشاحها بعنف، ثم أمسك بطرف فستانها ومزقه بقسوة.
وصرخاتها المرتجفة لم تردعه بل ازداد غضبه وهو يقول بسخرية:
"هش... لسه وفري الصراخ دا لبعدين"
حاولت غيم دفعه بكل قوتها ودموعها تنهمر بغزارة وهي تتوسل إليه.
لكنه كان في عالم آخر وانقض عليها كوحش ثائر ينتقم من فريسته.
في مكان آخر، بعيداً عن القصر وصراعاته، كان شفيق يجلس في غرفة شبه مظلمة داخل منزل قديم مهجور.
عينيه تلمعان بترقب وهو يحدق في الرجل الجالس أمامه مردداً:
"لازم نكمل ال بدأناه... مفيش تراجع دلوجتي.. ال اتفاجنا عليه يتنفذ يا شفيق... واوعي حد يعرف انا مين...علشان هتبجي مصيبه.. لازم ابجي جمب عيله الاسيوطي من غير ما يعرفوا مين اكبر عدو عليهم"
لكن شفيق لم يرد مباشرة، شرد للحظة وهو يتذكر تلك الليلة المشؤومة.
الليلة التي لم يكن فيها مقتل عصام كما بدا للجميع.
ولعندما ضربته غيم بالسكين، لم يكن عصام قد فارق الحياة بعد.
كان ما يزال يتنفس يتلوى من الألم وهو يضغط على الجرح الغائر في جسده.
بينما غيم، بعد أن رأت الدماء، تركته وركضت خارج الغرفة تلهث وتحاول إيجاد أي شخص يساعدها.
لم تكن تعلم أن هناك من يراقب كل شيء من الظل.
عندما دخل شفيق إلى الغرفة مرة بعد لحظات نظر إلى عصام الذي كان يحدق به بعينين مرتجفتين محاولا التمسك بالحياة.
وقبل أن يستطيع التفوه بكلمة اقترب منه شفيق، ركع بجانبه و أمسك بسكين أخرى، وغرسها في قلبه دون تردد منهيًا حياته إلى الأبد.
عاد إلى الحاضر وهو يسمع صوت الرجل الآخر يكرر عليه حديثه:
"لازم نكمل وجارح لازم يدفع الثمن غالي جووي... تمن موت ابني.. ابني ال دفنته بأيدي بسببه... انا هدمر العيله دي كلها.. جسما بالله لهجتلهم واحد واحد لحد ما بنتي تظهر كمان... بنتي ال بجالها سنين مختفيه معرفش عنها حاجه هما دمروا حياتي"
لكن شفيق هز رأسه بحدة، وقال بصوت متحجر:
"انت مش فاهم يا بيه ... جارح بيه اتجوز البنت دي.. مستحيل يسيب حد يلمسها.. هيجتلنا يا بيه قبل ما نلمسها.. مهما كان دي مرته"
ابتسم الرجل الآخر بسخرية وهو يميل نحوه مردفاً:
"بجد.. طيب خلاص مدام انت خايف جوي اكده يبجي انا هتصرف... اسمها اي البنت دي"
شفيق بتوتر:
"غيم يا مسعود بيه... اسمها غيم"
ابتسم مسعود بخبث وهو يردد اسمها.
أما عند جارح كان يجلس على حافة السرير عاري الصدر، يمرر يده بين خصلات شعره بخفوت قبل أن يلتفت إليها.
كانت غيم تجلس على طرف الفراش تغطي جسدها المرتجف بالملاءة.
وجهها شاحب ودموعها تنساب بصمت وجسدها يهتز من شهقاتها المكبوتة.
فنظر إليها مطولاً وعيناه تتأملان ملامحها المصدومة.
ثم دون أن يشعر، اتسعت عيناه بصدمة خفية وهو يدرك الحقيقة… لقد كانت عذراء حقاً لم تكن تكذب مثلما توقع.
فزم شفتيه بقوة وهو يتنفس بحدة وبداخله شعور غريب يتسلل إليه.
لكنه سرعان ما تداركه، وألقى عليها نظرة باردة قبل أن يقول بصوت حاد:
"حتى لو كنتي مش بتكدبي في دي… مستحيل أصدج إن أخوي كان عاجز ومستحيل أسامحك إنك جتلتيه… عمري ما هسامحك وهنتجم منك… انا بكرهك يا غيم.. ودلوجتي خلتيني اكره نفسي كمان علشان لمستك ولمستك بالطريجه دي.. عمري ما كنت اتخيل اني اعمل اكده وبسببك خلتيني اقرف من نفسي"
ألقى جارح كلماته وشد قميصه وسحبه بسرعة، ثم ارتداه دون أن ينظر إليها قبل أن يخرج من الغرفة بخطوات قوية تاركاً إياها وحدها منهارة وسط دموعها.
فغطت وجهها بيديها وشهقاتها تخرج متقطعة.
لم تصدق ما حدث… لم تصدق أنه أخذ منها كل شيء، ثم رحل كأنها لا تعني له شيئاً.
فمسحت دموعها بسرعة ونهضت وارتدت ملابسها بارتجال وقررت.
لا يمكنها البقاء هنا لن تتحمل العيش في هذا المكان ولو ليوم آخر.
وبخطوات مسرعة خرجت من الغرفة وقلبها ينبض بعنف وهي تتجه نحو باب القصر.
لم تفكر و لم تتردد فقط أرادت الهروب بأي ثمن...
لكن ما إن خطت خارج البوابة حتى تجمدت مكانها ويناها اتسعتا بصدمة عندما توقفت سيارة سوداء أمامها بسرعة.
قبل أن يفتح الباب فجأة ويخرج منها رجال مقنعون، أمسكوا بها بقوة قبل أن تصرخ ودفعوها إلى الداخل بسرعة.
فشهقت وحاولت المقاومة مرددة:
"الحقووني.. انتوا مين.. يا ناس حد يساعدني.. جاارح.. جارح و"
لم تنهي غيم كلماتها وسرعان ما أُغلق الباب وانطلقت السيارة بسرعة جنونية.
أما جارح الذي كان قد خرج من المنزل.
فتجمد في مكانه وهو يرى المشهد أمامه وعروقه تنتفض بغضب.
وصوته يهدر بجنون وهو يركض نحو السيارة التي اختطفتها مردداً بصراخ:
"غيييييم"
رواية العذراء و الصعيدي الفصل السادس 6 - بقلم نور الشامي
وقف جارح في منتصف قاعة القصر، عروقه بارزة من شدة الغضب، عيناه تقدحان شررًا وهو يحدق في جدته ولؤلؤ.
صوته كان كزئير غاضب وهو يهدر:
"ملكمش دعوة؟! إزاي تجولوا اكده؟! تتخطف ولا تموت وأنتو واجفين هنا بتتفرجوا.. دي مرتي يا حجه.. طيب لؤلؤ بتكره أي حد من زمان جوي... انتي بجا.. مش هامك ان مرتي اتخطف؟"
رفعت الجدة حاجبيها، وعلامات البرود واضحة على ملامحها، بينما لؤلؤ تراجعت خطوة للخلف، تحاول التهرب من نظراته الثاقبة.
واردفت الجده:
"إحنا مش مسؤولين عنها... تموت ولا تولع متهمناش... هي ال جتلت حفيدي مطلوب مني اعملها اي عاد.. اروح ادور عليها ولا كانها عملت حاجه.. انا بكرها ولو اجدر ادوس علي رجبتها هعمل اكده اكده عادي ولاهيهمني."
لم يحتمل جارح المزيد، فاستدار ليصب غضبه على الحراس الواقفين عند الباب مرددا:
"وأنتو! إزاي حد يجدر يتسلل وياخدها من تحت عنيكم؟! إنتو موجودين اهنيه ليه؟ للزينة؟!"
تبادل الحراس النظرات في صمت، لا يجرؤ أحدهم على الرد، حتى قطع المشهد بدخول شاب طويل القامة، ملامحه تشبه جارح إلى حد ما، لكنه أكثر هدوءًا. كان فارس، ابن عمه، الذي تقدم بثقة قائلاً:
"اهدئ يا جارح، هنلاجيها انا وصلت اهه ومش راجع تاني خلاص."
نظر إليه جارح بعينين محمرتين من الغضب، لكن كلماته حملت شيئًا من الطمأنينة.
حتى دخل أحد الحراس مرددًا بلهفة:
"يا بيه عرفنا العربيه نزلت الست غيم فين وجيبنا المكان ومتأكدين انها موجوده هناك دلوجتي."
جارح بلهفة:
"يلا بسرعه خلينا نروح دلوجتي حالا.. يلا يا فارس."
القي جارح كلماته وذهب.
فنظرت لؤلؤ إلى الجدة بضيق ورددت:
"هو في اي يا حجه.. هو بيحبهاا ولا اي عاد.. خلاص اكده هيفضل معاها يعني ولا اي... انتي عارفه اني بحبه مجدرش اعيش من غيره ووعدتيني اني هتجوزه.. بس بالنظام دا شكلي مستحيل اتجوزه."
تنهدت الجدة بضيق واردفت:
"مستحيل يكمل معاها.. انا عارفه جارح زين.. جارح مش هيكمل مع ال جتلت اخوه.. انتي ناسيه انها جاتله ومش بس اكده كمان دي كانت عايزه تشوه سمعتنا وسمعه العيله كلها.. دي اتهمت عصام الله يرحمه انه عاجز.. مستحيل يحبها.. هو هيعذبها وبعدها يجتلها خالص.. فمتخافيش."
القت الجدة كلماتها بضيق.
وفي مكان آخر عند غيم، كانت جالسة في الزاوية، يديها مكبلتان خلف ظهرها، جسدها يرتجف، وعيناها مغرورقتان بالدموع التي لم تعد تحاول كتمانها. الخوف كان ينهشها من الداخل، وكل ما يدور في عقلها هو كيف انتهى بها الحال هنا، وحدها، بلا حول ولا قوة.
ارتجفت حين سمعت صوت خطوات تقترب، زادت ضربات قلبها بعنف حتى شعرت أنها ستخرج من صدرها. دخل الرجل الغرفة، عيناه تتفرسان فيها بنظرة مقززة، وقبل أن تفكر في أي شيء، كان قد خطا نحوها.
فتراجعت غيم إلى الخلف حتى التصقت بالجدار البارد، أنفاسها تتلاحق، وعيناها تتسعان برعب وهي تراه يقترب أكثر. حاولت الهروب، لكن قبضته كانت أسرع، أمسك بها بخشونة فصرخت بغضب:
"سيبني! ابعد عني.. انت عايز مني إيه؟! يا عااالم حد يساعدني بالله عليكم.. سااعدوني."
يضحك الرجل بسخرية وهو يقترب أكثر، صوته كان كريها وهو يهمس:
"هتوفري على نفسك التعب لو بطلتي العناد ده. في جميع الحالات انتي بتاعتي النهاردة، مستحيل اسيبك.. انتي ليا بس، عنادك ده بس هيخلي الموضوع أحلى!"
اقترب أكثر، ورفعت غيم يدها تدفعه لكنها كانت ضعيفة أمام قوته، وعندما كاد يمد يده إليها، دوى صوت انفجار عنيف، اهتزت الجدران، وانفتح الباب بعنف.
شهقت غيم بلهفة عندما رأت جارح يقف هناك، عيناه تشتعلان بالغضب، أنفاسه مضطربة، أشبه بوحش خرج لتوه من العاصفة. صوته جاء هادرًا، قاطعًا السكون:
"إبعد عنها يا ابن الـ*! جسما بالله ما أنا سايبك!"
حاول الرجل أن يتراجع، لكن جارح لم يمنحه فرصة، وقبل أن يتمكن من سحب غيم كدرع، انطلقت رصاصة. شهقت غيم وهي تشعر بجسده يصطدم بها بقوة، لم تفهم ما حدث حتى رأت الدماء تلطخ قميصه الأبيض، فصرخت بفزع:
"جااااارح... حاسب!"
مدت يديها نحوه برعب، لكنه لم يسقط، ظل واقفًا، يحدق في الرجل الذي بدأ يتراجع بخوف. في اللحظة التالية، كان حراس جارح قد اقتحموا الغرفة وهم يصوبون أسلحتهم، فأردف جارح بصوت بارد لكنه محمل بالغضب القاتل:
"امسكوه… قبل ما أفقد أعصابي وأخلص عليه بنفسي.. بس جسما بالله، لـ هحليه يتمنى الموت ومش هيلاجيه! هعلمه إزاي يتجرأ ويلمس مرت جارح الأسيوطي!"
ألقى كلماته بصوت متحشرج بالألم لكنه لم يسمح لنفسه بالسقوط. نظرت إليه غيم، عيناها تملؤهما الدموع، تراه يتألم لكنه لا يظهر ضعفه. مد يده إليها، وعندما أمسكت بها، همس بصوت منخفض بالكاد تسمعه:
"إنتي كويسة؟"
هزت رأسها، دموعها تنهمر، لكنه لم يكن قادرًا على الثبات أكثر... شحب وجهه أكثر، انحنت ركبتاه، ثم سقط أمامها فجأة. شهقت غيم، ركعت بجانبه، وهتفت بصوت مختنق:
"جاااارح... اطلبوا الإسعاف بسرعة! جارح بيموت!!"
القت غيم كلماتها ببكاء.
وفي صباح يوم جديد، وقفت غيم أمام غرفة العمليات، جسدها متصلب... قدماها لا تستطيعان حملها، ودموعها تنهمر دون توقف. لم تفهم أي شيء مما يجري، والأصوات حولها مشوشة، والأطباء والممرضات يركضون والأوامر تتطاير في الهواء، والباب الكبير مغلق أمامها كأنه يفصلها عن الحياة.
فوضعت يدها على فمها تحاول كتم شهقاتها، عيناها معلقتان بذلك الباب وكأنها تنتظر أن يخرج منه أحد يخبرها أنه بخير... أنه لم يمت... أن كل هذا مجرد كابوس وستستيقظ منه قريبًا:
"لازم يكون بخير... مستحيل يموت... لع.. مستحيل يموت اكده... يارب.. يارب ساعده يارب."
كانت تهمس بهذه الكلمات لنفسها كأنها تحاول تصديقها، لكن الواقع كان أقسى من أن يطمئنها.
ولم تشعر بمرور الوقت حتى وجدت يداً تربت على كتفها واستدارت فوجدت والدتها أمامها، وملامحها يكسوها القلق، وبصوت متهدج اردفت:
"غيم... لازم تيجي معانا حالا... مفيش وجت.. انا مش هسيبك اهنيه اكتر من اكده.. كفايه بجا قله قيمه.. انتي هتيجي معايا."
نظرت إليها غيم بعينين غارقتين بالدموع، تحاول استيعاب كلامها لكنها لم تجد أي معنى للهروب الآن. وهزت رأسها برفض وهمست:
"مش هسيبه... أنا السبب في ال حوصله... مش هبعد عنه دلوجتي وهو في الحاله دي."
ولكن قبل أن تتمكن والدتها من الرد، كان فارس قد ظهر فجأة، يقف أمامها بحزم، عينيه تراقبانها بحدة وهو يقول بصرامة:
"مش هتروحي في أي حتة... يا حجه.. بنتك دلوجتي مرت جارح... ومينفعش تتحرك من اهنيه غير بأذن جارح.. وطول ما جارح تعبان انا دلوجتي المسؤول عن كل حاجه.. فبلاش نزود المشاكل احسن كفايه ال بيوحصل."
نظرت إليه غيم بارتباك ثم إلى والدتها التي بدت متوترة، لكن فارس لم يسمح لها بأي فرصة للحركة. ألقى نظرة سريعة على ممر المستشفى وكأنه يتوقع وصول أحدهم.
ولم تمر سوى لحظات حتى وصلت الجدة ومعها لؤلؤ، والغضب يشتعل في أعينهما. فتقدمت الجدة نحو غيم وبدون أي مقدمات، رفعت يدها وصفعتها بقوة على وجهها، جعلتها تتراجع خطوة للخلف بصدمة، قبل أن تتبعها لؤلؤ بصفعة أخرى على الجانب الآخر وهي تصرخ:
"كل ده بسببك! انتي نحس انتي سبب المصايب ال حوصلت لجارح.. جسما بالله ما هسيبك.. انا هجتلك وارتاح منك.. كفايه عليكي اكده بجا... انا هخلص منك."
شهقت غيم ووضعت يدها على وجنتها وهي تشعر بحرارة الألم تنتشر في وجهها. عيناها الواسعتان تحملان الدهشة والرعب، لكن قبل أن ترد، كان فارس قد اندفع واقفا بينهن، يمنع أي محاولة أخرى للاعتداء عليها مرددًا:
"كفاية! مش هسمح لحد يمد إيده عليها تاني.. انتي اصلا بتمدي ايدك عليها بصفتك اي يا لؤلؤ... انتي ناسبه نفسك ولا اي عاد... انتي كمان عملتي مصايب كتير جوي واولهم مصيبتك مع شمس ال منعرفش راحت فين لحد دلوجتي... فـ الزمي حدودك احسن."
نظرت إليه الجدة بحدة، لكن فارس لم يتحرك، ظل ثابتًا في مكانه يحمي غيم بجسده، وكأنها أصبحت تحت حمايته الآن.
وفي هذه اللحظة، انفتح باب غرفة العمليات قليلًا، وخرج منه طبيب، لتلتفت جميع الأنظار نحوه بترقب. فأردف الطبيب:
"الحمد لله الحاله مستقره وهو دلوجتي هيروح اوضه عاديه وشويه وهيفوق.. حمد لله علي سلامته."
القي الطبيب كلماته وذهب.
فـ رفعت غيم يديها للسماء ودموعها لا تزال تنهمر، وهمست بخشوع:
"الحمد لله... الحمد لله أنك نجيته يا رب... شكرا يا رب."
القت غيم كلماتها وظلت بجواره طوال الليل، عيناها لم تفارقه للحظة ممسكة بيده كأنها تخشى أن يرحل فجأة. وحين بدأ يتحرك قليلا شهقت واقتربت منه أكثر، حتى فتح عينيه ببطء ونظر إليها نظرة غامضة ثم سأل بصوت مبحوح:
"إنتي كويسة؟"
ابتسمت رغم الدموع وهتفت بهدوء:
"أنا كويسة... بس إنت... أنا آسفة... كل ده حوصلك بسببي.. بس حسما بالله ما اعرف كل دا من اي زلا مين دول... انا والله ما ليا ذنب في ال حوصل."
تغيرت ملامحه في لحظة ونظرة قاسية حلت محل الإرهاق مرددًا:
"انا معملتش اكده علشان بحبك... أنا انقذتك علشان أنا ال هعذبك بنفسي مش حد تاني."
ابتلعت غيم ريقها بصعوبة، لكنها لم ترد عليه، فقط همست بهدوء:
"مش مهم... المهم إنك بخير وبس."
القت غيم كلماتها ثم تحركت لتعدل وسادته واقتربت منه أكثر حتى أصبح أنفاسها مختلطة بأنفاسه ونبضاتها تتسارع. وعندما التقت عيناها بعينيه شعرت بحرارة وجهها فابتعدت بسرعة وهي تتهرب من نظراته قائلة بصوت مضطرب:
"كنت بس بعدلك المخدة... علشان ترتاح وتجعد كويس."
ظل جارح يحدق بها بصمت بينما هي لم تجرؤ على النظر إليه مرة أخرى.
وفي يوم جديد، كان يقف جارح أمام المرآة عاري الصدر يحاول ارتداء قميصه لكنه لم يستطع بسبب إصابته. فـ زم شفتيه بغيظ. وعندما حاول رفع يده شعر بألم طفيف.
ودخلت غيم بتوتر وتوقفت للحظة وهي تراه بهذا القرب لتتدفق ذكريات الليلة التي غيرت كل شيء بينهما... الليلة التي أقام معها علاقة بالغصب. فـ ارتجفت دون إرادة، لكن سرعان ما تماسكت وهمست:
"اسمحلي... أساعدك؟!"
لم يرد فقط سمح لها بالاقتراب. فـ أخذت القميص منه، وبدأت في إلباسه بحذر وأطراف أصابعها تلامس بشرته دون قصد. وأنفاسها اضطربت عندما شعرت بقربه الشديد. وحين رفعت رأسها وجدت عينيه معلقتين بها للحظة وساد صمت ثقيل حتى شعرت بقلبها يضرب بقوة. فتراجعت سريعا وهي تهمس بتوتر:
"خلاص... اكده تمام خلصت."
وقبل أن يرد جارح، انفتح الباب فجأة ودخلت امرأة متوسطة العمر بملامح قوية وابتسامة واسعة، وهتفت بسعادة:
"ياااه يا جارح واحشتني يا ولد أخوي."
هرعت نحوه تعانقه بقوة، بينما غيم وقفت في مكانها، تراقب المشهد بصمت.
وبعد فترة، داخل مكتب جارح في إحدى شركاته، كان يجلس جارح خلف مكتبه وصابعه تدق سطح الخشب بإيقاع متزن بينما ملامحه جامدة كالصخر. أمامه وقف فارس يداه في جيبيه وعيناه تحملان شيئًا من التردد قبل أن ينطق بنبرة هادئة:
"غيم كانت خايفة عليك جوي وانت في العمليات... مكنتش عايزه تتحرك من جدام الباب لحظة واحده.... كانت زي الملهوفة بتبكي وبتدعي ربنا ينجيك.. مش عارف ليه بحس ان فيه سر في موضعها.. مش مقتنع انها ممكن تكون جتلت عصام بس يمكن احساسي غلط... هي بنفسها اعرفت انها جتلته."
توقفت أصابع جارح عن الحركة لثانية. عيناه ظلتا معلقتين بالأوراق أمامه لكنه لم يرفع رأسه. بل اردف ببرود واضح:
"خلينا في المهم... مين ممكن يكون خطفها؟"
زفر فارس بضيق، لكنه أدرك أن هذا هو جارح لا يسمح لمشاعره بالظهور بسهولة لذا لم يعلق على تجاهله لموضوع غيم. وهتف بجدية:
"أكيد فيه حد ليع عدواة معانا... بس عداوه مش سهله ال يخليه يعمل اكده.. ال كانوا عايزين يعملوه انتجام بغل وحقد.. لو شمس ليها اهل كنت جولت ان اهلها بس مستحيل علشان هي ملهاش حد... تفتكر مين ممكن يكون جتلهع ودفنها في بيت عصام... اكيد مش عصام هو ميعملش اكده دا كان بيحبها جوي."
رفع جارح عينيه أخيرًا، نظراته كانت تحمل شيئًا غامضًا قبل أن يهز رأسه موافقًا:
"غيم مينفعش تعرف عن شمس حاجة دلوجتي حالا.. مينفعش تعرف انها كانت مرت عصام."
وقبل أن يضيف أي شيء آخر، انفتح باب المكتب ودخلت السكرتيره وهي تحمل في يدها ظرفًا مغلقًا ومدّته نحو جارح واردفت:
"نتايج التحاليل ال عملوها لحضرتك ومدام غيم.. وجت ما كنتوا في المستشفى وصلت.. اتفضل."
أخذ جارح الظرف منها بلا تردد وفتحه ببطء. وعيناه بدأت تتنقل بين السطور المكتوبة في البداية.... لم يظهر أي تغيير على ملامحه لكن فجأة اتسعت عيناه وقبضته شدت على الورقة حتى كادت تتجعد بين أصابعه. ورفع رأسه ببطء وصوته خرج منخفضا لكنه مشحون بالغضب القاتل مرددًا:
"غيم... حامل وفي اربع شهور ازاي ومن مين.. وازاي كانت بنت بنوت لما لمستها.. يعني اي كلام اخوي كان صوح..."
"جسما بالله لهجتلك يا غيم."
رواية العذراء و الصعيدي الفصل السابع 7 - بقلم نور الشامي
كان الجميع جالسا حول مائدة العشاء والأطباق تتوسط الطاولة ورائحة الطعام تملأ المكان.
جو ثقيل، صمت غريب يخيم وكأن كل شخص غارق في أفكاره.
حتى قطعت العمة رجاء الصمت بصوتها الواضح مرددة:
أنا مش مستوعبة لسه… عصام مات أكده فجأة إزاي يا ولاد.. وليه مجولتوش وجتها علشان أجي.
نظر الجميع لبعضهم البعض ثم اردف فارس بسرعة:
كانت حادثة… حادثة يا عمتي.
أومأت العمة ببطء، لكن نظرتها كانت تحمل تساؤلات أخرى، ثم هتفت فجأة:
طب وشمس؟ هما كانوا لسه متجوزين ولا طلجها قبل ما يموت؟
سقطت الشوكة من يد غيم على الطبق وأصدرت صوتا حادًا وحدقت في العمة بدهشة، ثم نظرت إلى الجميع كأنها تنتظر إجابة مرددة:
عصام… هو عصام كان متجوز؟!
ساد الصمت للحظات، وكأن الزمن توقف، ثم تبادل الجميع النظرات غير قادرين على إيجاد رد مناسب.
حتى نهض جارح وامسك بيديها مرددا:
بعد إذنكم.. أنا عايز غيم في حاجة مهمة... يلا.
وبعد فترة وبمجرد أن أغلق جارح باب غرفته خلفه بقوة، استدارت غيم نحوه بفزع.
لكن قبل أن تتحرك، كان قد أمسك بذراعها بعنف وسحبها نحوه ونبرته حادة كالنصل:
إنتي مخبية إيه؟ مين الشاب اللي كنتي بتخوني عصام معاه.. اتكلمي.. جولي مين ده.
نظرت إليه بصدمة وكأنها لم تصدق ما تسمعه، ثم دفعته بعيدا بكل ما أوتيت من قوة لكنها لم تحركه قيد أنملة وهتفت بصوت مرتجف لكنه لا يخلو من الغضب مرددة:
إنت اتجننت؟ خيانة إيه اللي بتتكلم عنها دي... بعد كل دا جاي تقول إنّي خاينة... أنا مش خاينة.. أنا مكنتش أعرف حد.. حرام عليك بقى كفاية.
نظر جارح إليها بضيق وهو يرد ببرود:
متلعبيش دور الضحية.... عصام مات وهو شايل الهم بسببك.
وإحنا عارفين إنك كنتي مع حد تاني.. بطلي كذب بقى هتفضلي تكدبي أكده لامتي.
شهقت غيم وعيناها تمتلئان بالغضب والذهول في آن واحد قبل أن تصرخ بانفعال:
إنتوا اللي كدابين مش أنا.... ليه محدش قالي إنه كان متجوز؟ ومين شمس دي؟ فينها هااا..
ومخبين عني إيه تاني وسابته ليه.
تجمدت ملامح جارح للحظة.. لكن صوته ظل قاسيا وهتف:
شمس هربت من عصام من زمان قوي ومحدش منا عرف مكانها وعصام طلجها غيابي.
ضحكت غيم بسخرية مريرة واردفت:
لأ... دي مش هربت… دي أكيد جثتها اللي شوفتها وانتوا أكيد اللي قتلتوها... انتوا اللي قتلتوا شمس عشان متظهرش حقيقة أخوكم إنه عاجز.
سارح جارح فكها بقوة، اقترب منها حتى أصبحت على بعد خطوة واحدة منه.
نبرته انخفضت لكنها حملت تهديدًا خفيًا:
هو إحنا قتالين قتلة عشان تقولي أكده... إحنا مجرمين يعني ولا إيه.
ارتجفت غيم لكن عيناها كانتا ثابتتين وهو ترد بقوة:
عصام كان عاجز.. عاجز.. أخوك مش راجل ومش بس أكده وجليل الرباية وميعرفش أي احترام... ده هددني إنه هيفضحني.. وأنا قسما بالله ما عملت حاجة.
سرت رجفة باردة في جسد جارح ونظراته تراجعت للحظة، لكنه سرعان ما استعاد صلابته، بينما تابعت غيم بصوت مختنق:
كان عارف إنه مش راجل… كان فاكر إني هسكت ومش هتكلم وفي الآخر… جاب واحد اسمه شفيق… عشان.. عشان ميتفضحش قدامك.. أخوك جليل الرباية والنخوة كان عايز واحد تاني يعمل معايا أكده عشان محدش يقول عليه إنه مش راجل.
ألقت غيم كلماتها وهي تبكي بشدة وظل جارح صامتا، ملامحه متجمدة، لكن أصابعه قبضت على يده بقوة كأنه يقاوم شعورًا غريبًا تسلل إلى داخله.
ونظر إليها للحظات طويلة قبل أن يقول بصوت منخفض:
طيب اهدي... اهدي وبطلي عياط... أنا نازل أشوف عمتي.
ألقى جارح كلماته وذهب.
وبعد فترة وقف جارح في الحديقة يحدق في الفراغ بينما يسحب نفسًا عميقًا من سيجارته وكأنه يحاول استيعاب ما حدث.
وبجواره كان فارس يراقبه بصمت قبل أن يهتف بنبرة جادة:
إنت مش على بعضك ليه عاد … مالك في إيه.
نفث جارح الدخان ببطء ثم زفر قائلاً بصوت منخفض:
مش عارف… مش عارف إيه اللي حصلي وأنا واقف قدامها وهي بتتكلم… كنت داخل عايز أواجهها وكنت مقتنع إنها خاينة، لكن.. صعبت عليا… كانت بتعيط وكانت منهارة وكلامها… مكنتش كدابة حسيت إنها فعلا مكنتش بتخونه مش عارف إزاي.
عقد فارس ذراعيه أمام صدره ونظر إليه بتمعن قبل أن يردف بنبرة هادئة:
وجبت سيرة تقرير الحمل ولا لأ... جولتلها حاجة عن الحمل ولا سألتها.
هز جارح رأسه سريعا وكأنه يدفع الفكرة بعيدًا عنه:
لأ.. مجدرتش... حسيت إن الموضوع أكبر من أكده وحاسس إن عصام كان بيكدب علينا كلنا.. أصل شمس ماتت إزاي.. ما يمكن يكون كلام غيم صح وإن أخويا كان عاجز بس اللي مش قادر أستوعبه هو موضوع إنه جاب لها واحد اسمه شفيق عشان يعمل معاها أكده... مستحيل عصام يعمل حاجة زي دي وكمان لحد دلوقتي مش عارفين مين خطف غيم ولا فاهمين أي حاجة من اللي بتحصل.
رفع فارس حاجبه بدهشة ثم اردف بسخرية خفيفة:
يعني فجأة بطلت تشوفها خاينة.. أنا حاسس إنك بقيت متعاطف معاها.
صمت جارح لوهلة ثم تمتم:
أنا مش هجيب سيرة الحمل غير لما أتأكد… حاجة جوايا بتقولي إن الموضوع مش زي ما إحنا فاكرين.
نظر إليه فارس نظرة عميقة ثم ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح قبل أن يقول مباشرة:
ولا عشان بدأت تحبها؟
تجمد جارح للحظة وعينيه ضاقتا وهو يلتفت إليه بسرعة ونبرته حملت تحذيرًا:
متتكلمش في اللي متعرفوش يا فارس.. حب إيه عاد وكلام فاضي إيه هو انت ناسى إنها هي اللي قتلت أخويا.
لكن فارس لم يتراجع بل اقترب منه واردف:
إنت نفسك عارف إن المشكلة مش في إنك بدأت تحبها المشكلة إنك شايفها قاتلة... وإنك مش قادر تتجاوز ده. إن هي اللي قتلت عصام.
لم يرد جارح.. فقط نظر إلى الأرض وفرك جبهته بيده وكأنه يحاول إخراج الفكرة من رأسه.
لكن قبل أن يتمكن من قول شيء، جاءهما صوت أنثوي مرح من الخلف:
إيه الأسرار اللي بتتكلموا فيها لوحدكم.
التفتا ليجدا لؤلؤ تقترب منهما وعيناها تتنقلان بينهما بفضول واضح وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها، لكنها لم تخف.
رفع فارس حاجبه قائلاً بضيق:
خير إن شاء الله.. في إيه يا لؤلؤ ... مالك.
لؤلؤ بضيق:
عمتي عايزاك يا فارس.. روح شوفها عشان بتقول إنها عايزاك ضروري.
تنهد فارس بضيق وذهب.
فاقتربت لؤلؤ من جارح واردفت:
ما تقولي بصراحة.. إيه الحكاية.. هتفضل تنتقم منها لامتى بقى إن شاء الله.. ومش راضي تقتلها لحد دلوقتي.
ابتعد جارح قليلا واردف بصوت حاد:
علشان أنا حر وأنا عارف كويس إيه أنا بعمل إيه.. ولؤلؤ.. أنا مش هسكتلك كتير.. كفاية أكده والزمي حدودك مع غيم حتى قدام الخدم.. متفتكريش إني عديت اللي عملتيه فيها قدام الخدم وإنك مديتي إيدك عليها.
نظرت لؤلؤ بعصبية واردفت بغضب:
بجد والله؟! أنا اللي ألزم حدودي معاها يا جارح.. إنت مستوعب اللي بتقوله.. بتدافع عن اللي قتلت أخوك وبتهددني يا جارح.. بتهددني أنا وانت عارف إني بحبك.
تنهد جارح بعصبية وهتف:
آه.. قولي أكده بقى.. بحبك... إنتي من زمان وانتي بتلمحي للحكاية دي ومتفقة مع الحجة على أكده صح... إننا نتجوز... بس أنا مش موافق يا لؤلؤ... إنتي زي أختي.. أنا مش بحب حد.
تقدمت لؤلؤ خطوة ثم همست بصوت مرتعش:
أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك يا جارح.
لم يرد جارح... فقط ظل ينظر إليها بنظرة قاسية.
فـ مدت يدها تلمس ذراعه بحذر محاولة كسر المسافة القاسية التي وضعها بينهما ثم تابعت بصوت يحمل رجاء:
كل اللي عملته كان عشانك… كل حاجة يا جارح… أنا مكنتش عايزة أأذي حد... غصب عني والله غصب عني قسما بالله.
أبعد جارح يدها عنه بهدوء ثم رد بصوت حاد:
كان زمان... كلامك ده كان ممكن أصدقه زمان لكن دلوقتي خلاص.. خلصنا.
رفعت لؤلؤ عينيها نحوه سريعا، وكأنها لم تصدق ما سمعته، ثم تمتمت بصوت متهدج:
نعم؟! يعني إيه.
نظر إليها جارح ببرود كأنه يطعنها بكلماته قبل أن يضيف بحزم:
الكلام ده كان ممكن يحصل زمان… قبل اللي عملتيه… إنتي قطعتي كل حاجة بينا ولو إنتي نسيتي فـ أنا مستحيل أنسى... مستحيل أنسى أي حاجة عملتيها.
فـ خلينا إخوات أحسن يا لؤلؤ.
اتسعت عيناها برعب ثم هزت رأسها بعنف وكأنها تحاول رفض الواقع قبل أن تهمس:
لأ… لأ.. متقولش أكده بالله عليك يا جارح … إنت بتحبني انت دايما كنت بتحبني!
نظر إليها للحظة بصمت، ثم اردف ببطء، كأنه يريدها أن تستوعب كلماته جيدًا:
يمكن كنت بحبك زمان أو كنت ببدأ أحبك … بس مش دلوقتي مش بعد اللي حصل.. إنتي نهيتي كل حاجة بينا وبقولك للمرة الأخيرة.. انسي أي حاجة ممكن تحصل بينا.. عشان إنتي محرمة عليا يا لؤلؤ... حتى حبك ونظراتك ولمساتك كلها محرمة عليا.
تساقطت دموعها لكنها تجاهلتها وهي تقترب منه مرة أخرى، وكأنها تتوسل إليه ألا يسحق ما تبقى من أملها واردفت:
غصب عني يا جارح… والله غصب عني… حتى ربنا بيسامح.
ردد جارح بصوت خالي من أي عاطفة:
أنا مش ربنا… أنا إنسان عادي… ومش بسامح... حاولت كتير قوي بس معرفش.. والله ما عرفت للأسف... مش هسامحك يا لؤلؤ... واللي حصل بينا يتنسي مش عايز حد يعرفه زي ما أنا حافظت على سرك إنتي كمان حافظي على اللي باقي من علاقتنا وانسى.
ألقى جارح كلماته وذهب.
صباح جديد... وفي صباح يوم جديد استيقظ فارس من نومه ممددًا على السرير وهو عاري الصدر يتمدد بكسل وهو يمرر يده في شعره.
لم يعتدل حتى فتح باب الغرفة بهدوء ودخلت نرمين بخطوات خفيفة قبل أن ترتمي بين ذراعيه وتحضنه بقوة هامسة بصوت ناعس:
خليك معايا النهارده باللع عليك... مش عايزة أكون لوحدي.. إنت بتوحشني قوي يا فارس.
تنهد فارس وهو يضع يده على كتفها ليبعدها قليلا ثم اردف بنبرة هادئة لكنها حازمة:
مينفعش مش عايز حد يشك في علاقتنا يا نرمين... مش وقته خالص أصلا.
رفعت نرمين رأسها ونظرت إليه بعينين معاتبتين قبل أن ترد بغضب مكبوت:
هو إنت ناوي تفضل أكده لحد إمتى؟ إمتى هتجول لأهلك إننا متجوزين يا فارس.
زفر فارس بضيق ثم ابتعد عنها قليلا وهو يمرر يده على وجهه بتوتر قبل أن يهتف:
هحاول أفتح الموضوع بس لما ألاقي الوقت المناسب اللي هو مش دلوقتي خالص.
قطبت نرمين حاجبيها واشتعلت نبرتها بالغضب ورددت:
وقت مناسب؟! أنا تعبت من كل ده يا فارس... مش قادرة أعيش كأني عاملة مصيبة.. وأنا فعلا عاملة مصيبة .. مش قادرة أكون مجرد واحدة زي العشيقة بالظبط.
كانت كلماته التالية كالصاعقة فصرخ بها دون تفكير وهو ينظر إليها بعينين غاضبتين:
إنتي عايزاني أروح أقول لأهلي إني اتجوزت بنت الراجل اللي بيشتغل عندنا.. ومش أي راجل كمان دا سرقنا وكان بيخوننا وبينقل أخبارنا لأعدائنا.. يعني مش واحد أمين مثلا عشان أروح أجري أقولهم إني اتجوزت بنته.
تجمدت نرمين في مكانها وكأن صفعة قوية هوت على وجهها بينما أكمل فارس بحدة:
فاكرة إنهم هيوافقوا بسهولة؟ فاكرة إن ده سهل صح... دي جدتي ممكن تقتلِك في ثانية من غير ما يرفلها جفن ولا حتى تحس بالذنب للحظة واحدة.. ده اللي إنتي عايزاه يحصل يا ستي نرمين.
نظرت نرمين إليه بعيون ممتلئة بالخذلان.
بينما ارتدى قميصه بسرعة وألقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يغادر الغرفة بعصبية صافق الباب خلفه.
فـ وقفت نرمين للحظات تحاول استيعاب ما حدث قبل أن يرن هاتفها فجأة.
فـ نظرت إلى الشاشة للحظات ثم ضغطت على زر الإجابة وهتفت:
أيوه... أيوه حضرتك أنا نرمين شفيق اتفضل.
وأما عند جارح دخل إلى غرفته بعد إنهاء تمارينه الرياضية وقطرات العرق لا تزال تلمع على عضلاته المشدودة.
فـ رفع يده ليمسح جبينه لكنه فجأة اصطدم بغيم التي شهقت وهي تتراجع خطوة للخلف بعدما كادت تسقط.
فمد يده سريعا وأمسك بذراعها ليمنعها من السقوط لكنه توقف للحظة عندما أدرك وضعهما....
غيم كانت تخرج من الحمام ومنشفة بيضاء تلتف حول جسدها المبلل وخصلات شعرها تتناثر على كتفيها وهي تحدق فيه بصدمة وأنفاسها متقطعة وعيناها الواسعتان تلمعان بارتباك.
بينما حرارة الماء الساخن لا تزال تسري في بشرتها المتوردة.
أما جارح فظل جامدا للحظات وهو ينظر إليها بنظرات داكنة وصدره يرتفع وينخفض مع أنفاسه الثقيلة....
كان يستطيع شم رائحة الصابون المنعشة التي تعبق حولها ورؤية قطرات الماء التي تتسلل من أطراف شعرها وتنساب ببطء على رقبتها وكتفيها.
فـ مرر جارح لسانه على شفتيه الجافتين دون وعي بينما قبضت أصابعه لا إراديًا على ذراعها كأنه لا يستطيع التراجع.
لكن غيم شعرت بحرارة نظراته فجفلت قليلا وهمست بصوت متوتر:
سيبني يا جارح.
انتفض جارح كأنها أفاقته من دوامة أفكاره فأبعد يده بسرعة وكأنه لمس نارا محرقة ثم أدار وجهه وهو يزفر بحدة يحاول استعادة هدوئه.
وبعد ثواني من الصمت المشحون تراجع للخلف وهو يمسك بمنشفة أخرى ألقاها نحوها بوجه متجهم واردف بصوت أجش:
البسي بسرعة… وبطلي تمشي في الأوضة بالمنظر ده.. مينفعش أكده.
احمر وجه غيم وهي تمسك بالمنشفة دون أن تنظر إليه ثم استدارت متجهة إلى الخزانة.
في حين مرر جارح يده في شعره بعصبية وهتف:
على العموم… جوز عمتي رجاء وبنته جايين من السفر دلوقتي… لازم ننزل عشان نسلم عليهم ومش عايزهم يحسوا بأي حاجة.
نظرت إليه غيم أخيرا ولا تزال متوترة مما حدث لكنها عقدت حاجبيها وسألته بهدوء:
يعني إيه!
تنهد جارح وهو يضغط على أسنانه قليلا قبل أن يردف بلهجة جادة:
يعني لازم نبان كويسين قدامهم… هو بالنسبالي زي أبوي بالظبط وأنا بحبه.
ابتلعت غيم ريقها بصعوبة ثم أومأت ببطء قائلة:
تمام.. خمس دقايق بس هلبس وانزل.
ألقت غيم كلماتها وبعد فترة هبطت الدرج مع جارح وهي تشعر بالتوتر من الموقف السابق لكن حاولت أن تبدو طبيعية.
وعندما وصلا كان هناك رجل ضخم البنية ذو شارب كثيف وعينين حادتين يقف بجوار فتاة شابة تبدو في أوائل العشرينات.
فـ ابتسم جارح قليلا وهو يقترب منهما ثم وضع يده على كتف الرجل قائلاً:
غيم… ده جوز عمتي رجاء.. الحاج مسعود.
تجمدت غيم في مكانها واتسعت عيناها بصدمة، وكأنها تلقت صفعة قوية وشعرت أن الأرض تهتز تحت قدميها وأن الهواء قد اختفى من حولها.
وارتجفت شفتاها قبل أن تهمس بصوت مذعور:
مـ... مسعود؟!
رواية العذراء و الصعيدي الفصل الثامن 8 - بقلم نور الشامي
كانت السفرة ممتلئة بأشهى الأطباق، والأجواء تعج بالكلام والضحكات، لكن غيم لم تكن قادرة على التركيز. عيناها لم تفارق مسعود وتشعر بذلك التوتر الذي يخنقها كلما التقت نظراتها بنظراته. بالرغم أنها لم تعرفه، إلا أنها شعرت بغصة في قلبها عندما رأته.
وفجأة، انفتح الباب ودخلت فتاة شابة في منتصف العشرينيات ذات ملامح جميلة وابتسامة مشرقة. وبمجرد أن وقع نظرها على جارح، انطلقت نحوه بلهفة مرددة:
- جارح، واحشني جوي. عامل إيه وأخبارك إيه؟
ألقت الفتاة كلماتها وهي تحيطه بذراعيها في عناق دافئ، بينما هو ابتسم ووضع يده على ظهرها بحنان. فنظرت غيم إليهما بصدمة ولم تفهم من هذه الفتاة أو ما الذي يجمعها بجارح.
لكن الإجابة لم تتأخر كثيراً، عندما وضعت عمته رجاء كوب الشاي على الطاولة وأردفت بحماس:
- ها يا ولاد، ناوين نعمل الخطوبة إمتى بجا إن شاء الله؟
عقدت غيم حاجبيها بعدم استيعاب ورددت:
- خطوبة إيه عاد؟ خطوبة مين؟ هو فيه حد هيتجوّزوهنا؟
تدخلت الجدة ناظرة إليها بتحدي مرددة:
- خطوبة جارح وبنت عمته سهام. إحنا متفقين من زمان إنهم يكونوا لبعض.
تجمدت غيم مكانها، وكأن أحدهم سحب الهواء من حولها. ونظرت إلى جارح، لكنها لم تجد في وجهه أي اعتراض أو إنكار، مما جعل الألم يعتصر قلبها أكثر. لم تحتمل البقاء، فاندفعت خارجاً إلى الحديقة والدموع تتسابق على خديها، ووقفت بجوار إحدى الأشجار تحاول كتم شهقاتها.
لكن لم تمضِ لحظات حتى سمعت صوتاً مألوفاً يقترب منها. والتفتت فوجدت لؤلؤ تنظر إليها بنظرة منتصرة وهتفت:
- شوفتي؟! أديكي خسرتي كل حاجة. جوزك عصام، اللي قتلتيه بيدك، وجارح والعيلة. انتي غبية جوي يا غيم، فاكرة إن جارح ممكن يحب البنت اللي قتلت أخوه؟ مستحيل. انتي بالنسباله مجرد واحدة رخيصة ملهاش أي لازمة. هتاخدي فترتك وهيرميكي زي الكلبة بره البيت ده، لو مجتلكيش أصلاً. صدقيني، انتي موتك هيكون على إيد جارح.
ابتلعت غيم غصتها، لكنها لم تستطع الرد، ولا تعلم ما هذا الشعور ولماذا كل هذا الحزن. فهي تعلم جيداً أن جارح لم يصبح لها، إذاً لماذا تفعل هذا؟
ظلت غيم تفكر كثيراً حتى قاطعها صوت رنين هاتفها. وعندما أجابت، ذهبت من البيت فوراً.
وبعد فترة، دخل جارح إلى غرفته بخطوات سريعة يبحث بعينيه عن غيم، لكنها لم تكن هناك. تجول في المكان للحظات، ثم أخرج هاتفه وحاول الاتصال بها. لكن هاتفها كان مغلقاً. فـ حاول مرة ثانية، ثالثة، لكن بلا جدوى. فـ زفر بضيق وشعر بقلق غريب يتسلل إلى صدره. لم يفهم سببه تماماً، لكنه لم يحبذ فكرة اختفائها هكذا.
بينما كان يعيد المحاولة، انفتح الباب فجأة ودخلت سهام بابتسامتها الدافئة وهي تميل برأسها قليلاً قائلة بنبرة مرحة:
- بتدور على مراتك ولا إيه عاد؟ شكلها زعلت جوي من موضوع الخطوبة، معرفش ليه.
نظرت إليها جارح للحظة، ثم زفر بضيق ووضع الهاتف جانباً دون أن يرد. وتقدمت سهام بضع خطوات نحوه وعيناها تتأمله بحب واضح وهي تهمس:
- أنا كنت مستنية اللحظة دي من زمان. مستنية اليوم اللي نبقى فيه لبعض زي ما اتفقوا أهالينا. أنا عمري ما شفت راجل في حياتي غيرك، وقلبي عمره ما حب غيرك، وانت عارف دا كويس جوي.
ألقت سهام كلماتها وهي تقترب أكثر محاولة لمس يده، لكنه انسحب بهدوء وأبعدها دون قسوة، ناظراً إليها بجدية وهو يهتف بنبرة واضحة:
- سهام... أنا متكلمتش تحت عشان ما يحصلش إحراج قدام العيلة، بس متنسيش إني متجوز.
اتسعت عيناها قليلاً، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة ساخرة وهي ترد بنبرة واثقة:
- جواز إيه يا جارح؟ جوازك دا مجرد عقد ورق بس. وكلنا عارفين إنك اتجوزتها بس عشان هي أرملة أخوك، ودي عادتنا، مش عشان بتحبها. أنا عارفة زين إنك مستحيل تحبها، والبنت الوحيدة اللي حبيتها كانت جميلة. جميلة اللي إحنا ما نعرفش شكلها إيه، وانت قلت إنك نسيتها من زمان جوي.
ضغط جارح فكيه، لكنه لم يرد. لم يكن بحاجة إلى أن يبرر أي شيء، لكنه لم يحب الطريقة التي تتحدث بها عن غيم. وقبل أن يتمكن من قول أي شيء، انفتح الباب مرة أخرى ودخل فارس وهو ينظر إلى كليهما بنظرة غامضة. قبل أن يقول لجارح بجدية:
- عندنا شغل مهم جوي لازم تيجي حالا دلوقتي.
تبادل جارح نظرة سريعة مع سهام التي لم تظهر أي انزعاج، بل ابتسمت بثقة وكأنها متأكدة أن الزمن سيجمعهما مهما حدث. أما هو فتنهد بصمت وغادر الغرفة خلف فارس، تاركاً وراءه أفكاراً مبعثرة ومشاعر لم يقرر بعد كيف يتعامل معها.
وبعد منتصف الليل، وقف جارح في الحديقة... وجهه متجهم وهو يرمق الحراس بنظرة نارية مردداً:
- يعني إيه مش لاقيينها؟ مش دي شغلتكم؟
تحاشى الرجال النظر إليه وتمتم أحدهم بتوتر:
- دورنا في كل مكان يا بيه والله العظيم... بس ملهاش أثر نهائي.
زم جارح شفتيه بغضب وقبضته اشتدت وهو يفكر أين قد تكون ذهبت. لكن قبل أن ينفجر فيهم أكثر، لمحت عيناه حركة عند بوابة القصر. فـ التفت بسرعة ليجدها أخيراً تنزل من تاكسي وخطواتها مترنحة وشعرها مبعثر وعيناها نصف مغمضتين. توقف الزمن للحظة وهو يراها تترنح هكذا. ثم تقدمت خطوة وكادت تقع لولا أنه كان أسرع منها. أمسك بذراعها بثبات وهو يهتف بحدة:
- إنتي مالك؟ كنتي فين؟ وإيه الحالة اللي انتي فيها دي عاد؟ يخربيتك، انتي إيه اللي انتي عاملاه في نفسك ده؟
رفعت غيم رأسها ببطء ونظرت إليه بعيون زائغة، ثم ابتسمت بسخرية واردفت:
- مالك خايف عليا ليه؟ ولا لأ... هتلاقيك خايف على اسم عيلتك بس. إزاي مرات جارح الأسيوطي ترجع بعد نص الليل في الحالة دي؟ مش ده اللي انت خايف منه يا بيه؟
ضيق جارح عينيه. لم تعجبه نبرتها ولم تعجبه رائحتها أيضاً. فـ أمسك بذقنها برفق ثم حملها وصعد إلى غرفته. وبعد دقائق، وضعها على الأرض. فوقفت أمامه وهي تتشبث في ملابسه حتى لا تفقد توازنها. واردف هو بحده:
- غيم... انتي كنتي فين؟
ضحكت بخفوت وكأنها لا تبالي بما يحدث حولها، ثم اقتربت أكثر. رفعت يدها تلامس ياقة قميصه بأصابعها الباردة وهمست بصوت ناعم:
- جارح... ليه كل ما أقرب منك تبعد؟ إنت بتبعد عني ليه عاد؟ هو أنا وحشة؟
تشنج جسده وقبض على رسغها بلطف وأبعد يدها عن صدره، ثم زفر محاولاً السيطرة على نفسه:
- غيم... انتي مش في وعيك. لازم ترتاحي. أنا مش فاهم انتي شربتي إيه خلاكي كده ومين شربك أصلاً؟ انتي مجنونة جسماً بالله.
ضحكت غيم مجدداً، لكنها لم تتراجع، بل تقدمت أكثر حتى تلاشت المسافة بينهما وهمست بصوت محمل بشيء أخطر من السكر:
- أنا واعية... واعية جوي كمان وحاسة بكل حاجة جوايا. إنت اللي مش حاسس. حاسس... أو لأ بتكذب إحساسك دا. أنا قدامك أهو وأنا اللي بحاول أقرب منك. بتبعد ليه؟ عشان قتلت أخوك؟
أغمض عينيه للحظة وشدد على أسنانه، محاولاً السيطرة على نفسه. لكن قربها كان يزعزع ثباته. وهمس بتحذير:
- غيم كفاية... مش وقته، مينفعش اللي بتعمليه دا نهائي. أنا مش فاهم انتي راجعة منين بالحالة دي وإزاي تشربي أصلاً ولا انتي حد شربك حاجة ولا إيه.
لكنها لم تسمع، لم تهتم حتى. رفعت يدها ولمست وجنته بأطراف أصابعها ودفء أناملها اخترق مسامه، ثم همست بصوت أقرب حتى كاد يشعر بأنفاسها الساخنة على شفتيه:
- لأ دا وقته... دا أحسن وقت أنا شايفاه. متبعدش عني بالله عليك.
تراجع جارح خطوة، لكن لم تمنحه فرصة للهرب. قبضت على قميصه بكلتي يديها وهي تردد:
- مش عايزني بجد؟
أغمض جارح عينيه للحظة. كره تلك الطريقة التي تجعله ينهار. فـ فتح عينيه ليجدها تحدق فيه وعيناها مليئتان بمزيج من الرغبة والضعف. فارتبك وهو يهمس:
- غيم... اللي بتعمليه دا مينفعش. كفاية خلاص بقى. كده غلط. أنا بحاول أحميكي دلوقتي، بلاش تزودي في اللي بتعمليه أكتر من كده.
نظرت إليه بصمت، ثم همست بكلمة واحدة كانت كفيلة بأن تهدم كل ما تبقى من ثباته:
- بتحميني؟ ولا بتحمي نفسك مني؟
وفي تلك اللحظة، شعر جارح وكأن الهواء سُحب من حوله. لم يستطع الرد ولم يستطع حتى أن يتنفس بشكل طبيعي. وفجأة، شعر بلمسة دافئة على زاوية فكه وشفتاها لمسته ببطء. وسقطت كل مقاومته في لحظة واحدة. فـ قبض على خصرها. كان ينوي دفعها بعيداً، لكنه بدل من ذلك وجد نفسه يسحبها إليه أكثر. لم يكن يعلم أن هذه اللحظة ستكون الفاصلة بينهما وأن كل شيء سيتغير بعدها. لن يكون أحد على ما يرام بعد هذه الليلة، وكأنهما يكتبان سطور هلاكهما معاً.
وفي صباح يوم جديد، كانت تدخل لؤلؤ إلى شقة كبيرة في منطقة بعيدة وخطواتها متوترة وعيناها تراقبان المكان بحذر. وفجأة، ظهر شفيق من الظلام. فاستدارت نحوه سريعاً وسألته بقلق:
- عملت اللي جلتلك عليه؟
أومأ برأسه مؤكداً:
- أيوه كل حاجة تمام ومسعود اقتنع بكل كلمة جلتها. وكل حاجة تمام يا ست هانم. بس مسعود بيه مش ناوي يسكت. هو عايز ينتقم من عيلتكم بأي طريقة، بس مستني لما بنته تتجوز جارح بيه. وعارف كمان بموضوع ست شمس. عارف إن عصام بيه اللي قتلها عشان كانت عايزة تفضحه وتقول للكل إنه عاجز، وجال إنها هربت وكانت بتخونه. بس متخافيش، هو مستحيل يقول الأسرار دي لحد عشان كل اللي همه دلوقتي إنه يجوز بنته لجارح بيه بس.
تنفست لؤلؤ بارتياح ثم أضافت:
- تمام، كمل اللي جلتله. ولو في حاجة جديدة عرفني. دلوقتي امشي يلا.
ألقى شفيق عليها نظرة سريعة ثم خرج دون كلمة. فـ انتظرت لحظة قبل أن تتجه إلى غرفة داخلية. فتحت الباب بحذر، وعيناها تتعلقان بالشخص النائم على السرير. بخطوات مترددة دخلت لؤلؤ أكثر، ويداها كانت باردة رغم حرارة المكان. وعيناها تبحثان بلهفة، حتى استقرتا عليه. كان مستلقياً على الفراش، جسده مكشوف حتى خصره، وأنفاسه هادئة، لكن عينيه كانتا مفتوحتين يتابعها بصمت. للحظة، شعرت وكأنها ترى شبحاً، لكن ارتجافة صدره مع كل نفس أكدت لها الحقيقة. عصام لم يمت. فـ ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية واردف بصوت أجش محمل بالسخرية:
- أخيراً افتكرتي إن ليكي جوز؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تقترب. نظراتها تلتهمه وكأنها لا تصدق. ثم جلست بجواره ويدها امتدت ببطء تلامس وجهه كأنها تتأكد أنه ليس سراباً. وهتفت:
- مكنتش عارفة أجلك غير دلوقتي.
ضحك عصام بخفوت وأمسك بمعصمها ثم جلبها نحوه حتى كادت تسقط على صدره وهمس قرب شفتيها:
- بس جيتي... ودا أهم حاجة.
وفي مكان آخر، استيقظت غيم على صداع حاد ينبض في رأسها وعيناها نصف مغمضتين وهي تحاول استيعاب ما حولها. فـ تحركت ببطء، لكن شعور الهواء البارد على بشرتها جعلها تدرك أنها مكشوفة تماماً. فـ شهقت بصمت ورفعت الغطاء بسرعة على جسدها. وعيناها تبحثان في الغرفة بقلق. حاولت تذكر ما حدث الليلة الماضية. فـ تذكرت نظرات جارح ولمسته ودفء أنفاسه القريبة. وفجأة، تراجعت أنفاسها وشعرت بصدمة تضربها. فـ نظرت حولها بعينين متسعتين وكأنها تحاول إنكار ما جرى. كيف سمحت لنفسها بذلك؟ كيف فقدت السيطرة بهذه السهولة. ونهضت بسرعة من على الفراش تبحث عن أي شيء ترتديه واندفعت نحو الدولاب بيدين مرتجفتين. وسحبت منه قميصاً طويلاً. لكنها لاحظت كومة من الأوراق بين الملابس. فـ مدت يدها وسحبتها بحذر. وعيناها تجمدتا على الكلمات المكتوبة وحاجباها تقوسا بصدمة وهي تهمس بذهول:
- مستحيل... إيه دا؟
وقبل أن تتمكن حتى من استيعاب ما تقرأه، انفتح باب الحمام فجأة وخرج منه جارح بمنشفة مربوطة حول خصره وقطرات الماء تتسلل على صدره العاري. ورفع حاجبه وهو يراها ممسكة بالأوراق. بينما بقيت هي متجمدة في مكانها والورق يرتجف بين أصابعها. وصوتها بالكاد يخرج وهي تكرر:
- جارح... إيه دا؟
رواية العذراء و الصعيدي الفصل التاسع 9 - بقلم نور الشامي
كان ينظر إليها وهي تصرخ وتلوح بالورقة أمامه مرددة:
– ده تحليل حمل… ليا وأنا مش حامل أصلاً.
نظر إليها جارح ببرود وهو يربط أزرار قميصه.
– علشان أنا عارف إنك مش حامل، فقلت بلاش أقولك حاجة ولا لازم تعرفي كل حاجة. كنت هتيجي تعملي معاكي مشكلة وأاتهمك إنك خاينة. أنا اتأكدت إن التحاليل مش صح، يبقى خلاص ملهاش لازمة الكلام كتير.
اتسعت عيناها بصدمة وهي تتحدث بغضب:
– انتوا عايزين مني إيه؟ ليه بتعملوا معايا كده مش فاهمة. ما تقتلوني وتريحوني بقى. أنا مبقتش فاهمة أي حاجة. مش عارفة انت كويس معايا ولا دي خطة منك ولا انت بتخدعني ولا انت مصدقني. ما تقول بالضبط ناوي تعمل معايا إيه أكتر من كده.
ألقى جارح عليها نظرة ثابتة وهو يسوي ياقة قميصه مردداً:
– لحد دلوقتي أنا معملتش حاجة… بس كان المفروض أعمل أكتر من كده بكتير. أنا ساكت يا غيم مش عارف ليه. فـ اهدي بقى على نفسك.
شهقت غيم بغضب لكن صوتها اختنق وهي تراه يتجه نحو الباب. وقبل أن يخرج، توقف للحظة واردف بلهجة صارمة:
– لما أرجع عايز أعرف كنتي فين وإزاي راجعة نص الليل سكرانة. مش بنت جارح الأسيوطي اللي ترجع بتتطوح بليل. وجسماً بالله يا غيم لو اللي عملتيه امبارح ده اتكرر تاني ما تعرفي هعمل فيكي إيه عاد. واها، انسي اللي حصل بينا ليلة امبارح. مش معني إني لمستك تفتكري إنك مهمة.
ألقى جارح كلماته ثم غادر، تاركاً إياها وسط عاصفة من الأسئلة والدموع.
***
وفي مكان آخر، عند لؤلؤ، كانت تنظر إلى عصام بذهول وعيناها مليئتان بالدهشة وعدم التصديق وهي تهمس بصوت مضطرب:
– أنا مش مصدقة إنك عايش… إزاي؟ ده مستحيل!
ابتسم عصام بسخرية وهو يسند ظهره إلى المقعد، عاقداً ذراعيه أمام صدره ثم أردف بهدوء:
– كنت فعلاً بموت… بس شفيق أنقذني. لولا شفيق أنا كان زماني ميت دلوقتي.
قطبت لؤلؤ حاجبيها بعدم فهم واقتربت منه خطوة وهتفت:
– شفيق؟ أنقذك إزاي؟ والناس كلها شافتك ميت… إزاي عملتوا كده وليه؟ أنا مبقتش فاهمة أي حاجة.
أطلق عصام ضحكة قصيرة قبل أن يرد بنبرة ساخرة:
– حكينا حكاية من الخيال لمسعود، وصدقها. هو فاكر دلوقتي إن شفيق هو اللي قتلني بس لأ. الحقيقة إن شفيق هو اللي أنقذني.
ازدادت حيرة لؤلؤ وجلست أمامه مباشرة، تنظر إليه بقلق قبل أن تسأله:
– تقصد إيه.. وهو جوز عمتك عايز يعمل كده فيكم ليه عاد؟ ده طول عمره راجل كويس وبيحبكم زي ولاده.
تنهد عصام وهو يمرر يده فوق وجهه قائلاً بجديّة:
– مسعود بيحاول يقتلني من سنين بكل الطرق الممكنة وهو سايب جارح للآخر علشان عارف إن جارح صعب ومش هيخلص منه بالسهولة دي. وكمان هو عايز الفلوس… علشان كده أنا مستحيل أسيب جارح يتجوز بنته لأنه بعد الجواز هيقتل جارح وياخد كل حاجة.
شهقت لؤلؤ وهي تضع يدها على فمها غير مصدقة لما تسمعه واردفت:
– يا لهوي… طيب وغيم؟ يعني كده جواز جارح وغيم باطل؟!
هز عصام رأسه نافياً بحزم:
– لأ الجواز صح… صح علشان أنا طلقت غيم أصلاً قبل الليلة اللي عملت فيها ميت بيوم واحد. كان لازم أطلقها علشان كنت ناوي أخلص عليها وأرتاح زيها زي شمس بالظبط. شمس اللي كانت عايزة تفضحني وتقول للناس كلها إني عاجز.
اتسعت عيناها أكثر وهي تهمس بدهشة:
– عاجز إيه عاد وبتاع إيه. انت مش عاجز أصلاً اومال إزاي عاجز طيب واللي حصل بينا. أنا مش فاهمة حاجة… أنا مبقتش فاهمة أي حاجة. عصام إيه اللي انت بتعمله ده كله انت مخبي كل ده امتى وجارح عارف موضوع الطلاق ده ولا لأ.
حرك رأسه مؤكداً، ثم أردف بنبرة واثقة:
– أيوه… جارح عرف من المحامي بعد الدفن إننا طلقتها رسمي بس أكيد مش هيقولها ولا هيعرف حد. هو أصلاً لو عرف إني عايش هيقتلني.
مررت لؤلؤ يدها في شعرها بتوتر، تفكر للحظات قبل أن ترفع عينيها إليه مجدداً:
– مش مستوعبة اللي بيحصل… بس جارح شك إن غيم بتقول الحقيقة يا عصام. ومش فاهمة برده إزاي عاجز دي.. إحنا حصل بينا علاقة مرة يعني انت مش عاجز.
نظر عصام إليها بتوتر ثم أردف بارتباك:
– اها طبعاً.. دي كدابة.. زيها زي شمس بالظبط. هو انتي بتصدقي الكلام ده… دول كلهم كدابين متصدقيش حد فيهم. بس انتي لازم لازم تساعديني يا لؤلؤ.
ترددت قليلا وهي تتفحص ملامحه وكأنها تحاول قراءة ما يخفيه ثم سألته بقلق:
– أساعدك إزاي؟
ابتسم عصام ابتسامة غامضة عاقداً ذراعيه أمام صدره ثم أردف بصوت خافت لكنه حاسم:
– أنا هقولك تعملي إيه، بس اسمعي كلامي كويس قوي ونفذيه بالحرف الواحد.
***
وفي المساء، كان الليل قد أسدل ستاره على القصر والهدوء يخيم على المكان إلا من صوت حفيف الأشجار ونسمات الهواء الباردة التي تتسلل بين الأغصان. كانت غيم تقف في الحديقة، تمسك هاتفها بقوة بينما تتحدث بغضب:
– مش هفضل ساكتة، لازم حد يعرف اللي بيحصل هنا! انتو فاكرين إني هفضل تحت رحمتكم للأبد؟
لكن فجأة، انتبهت إلى ظل يقف عند البوابة الخارجية. ضيّقت عينيها محاولة تمييز ملامحه وسط الظلام، ليتضح أمامها وجه مسعود، يقف هناك وكأنه يراقب المكان بحذر. شعرت بقلبها يخفق بقوة، ولكن قبل أن تتحرك، لمحت رجلاً آخر يقف إلى جانبه… شفيق.
فـ شهقت بصوت مسموع وتحركت بسرعة باتجاههما. لكن ما إن اقتربت حتى اختفى شفيق بين الأشجار. فـ وصلت إلى البوابة تتلفت حولها بجنون، ثم استدارت إلى مسعود، الذي كان ينظر إليها ببرود وسألته بانفعال:
– فين شفيق؟!
رفع مسعود حاجبه ببراءة مصطنعة:
– شفيق مين عاد.. أنا كنت واقف لوحدي يا بنتي؟
صرخت غيم بغضب مردفة:
– شفيق أنا شفتك واقف معاه هنا دلوقتي.. قول لي فين شفيق.
ابتسم مسعود بسخرية ونفى مجدداً:
– إنتي بتتوهمي. أنا واقف هنا لوحدي، معرفش حد اسمه شفيق أصلاً.
ارتجف جسد غيم من الغضب والارتباك ودون تفكير اندفعت خلفه إلى داخل القصر تصرخ بعنف:
– كلكم كدابين. أنا شفت شفيق بعيني.. واللي بتعملوه ده علشان تخبوا عجز عصام اللي جاب واحد يعمل معايا علاقة علشان يغطي على فشله.
اتسعت عينا مسعود بصدمة من كلامها لكنه تمالك نفسه سريعا وهتف بحدة:
– انتي بتجولي إيه؟ انتي اتجننتي ولا إيه عاد؟
خرجت لؤلؤ من إحدى الغرف وقد بدا الذعر واضحاً على ملامحها مرددة:
– غيم.. انتي بتجولي إيه؟ انتي اتجننتي ولا إيه عاد؟
لكن غيم لم تتوقف… كانت تصرخ بانفعال، ووجهها يحمر من الغضب وتردد:
– كلكم كدابين.. انتوا جننتوني خلاص.. أنا هتصل بالشرطة دلوقتي وأفضحكم واحد واحد.
أمسك مسعود بمعصمها بعنف واردف:
– إنتي مش هتتجرأي تعملي كده.. اهدي يا بنتي وميصحش اللي بتجوليه ده.
ولكن قبل أن ترد دوى صوت قوي في القصر وكان صوت جارح وهو يهتف بغضب:
– إيه الهرجلة اللي بتحصل هنا دي؟
استدارت غيم نحوه بعيون مشتعلة وأشارت إلى مسعود وهي تصرخ:
– شفت شفيق بره… كان واقف مع مسعود بره.. يبقى كل دي خطة منكم علشان تغطوا على ابنكم العاجز.
نظر جارح إليها بعيون سوداء باردة لكنه لم يتحرك، مما زاد من غضبها فصرخت فيه:
– وانت…. لأنت مجرم… أكيد كنت عارف كل حاجة عن أخوك، انتوا كلكم عصابة واحدة.
وقبل أن تنطق بكلمة أخرى تحرك جارح بسرعة وصفعها على وجهها بقوة جعلتها تتراجع للخلف وهي تضع يدها على خدها الذي احمر من شدة الضربة. فشعرت بالدموع تحرق عينيها لكنها لم تبكي بل نظرت إليه بكره صريح. فـ اقترب منها وصوته منخفض لكنه كان يحمل وعيداً مرعباً واردف:
– اخرسي. انتي المجرمة هنا.. وغلطي إني مجتلتكيش من أول لحظة دخلتي فيها حياتي.
تراجعت غيم خطوة للخلف وهي تحدق فيه بذعر لكنه تابع بصوت ثابت كالصخر:
– وأحسن حاجة هعملها… إني هتجوز سماح ويوم جوازي هقتلك وهاخد بتار أخويا منك يا غيم.
ألقى جارح كلماته ونظر إليها نظرة أخيرة قبل أن يستدير ويخرج من البيت، تاركاً إياها وسط صدمة جعلت كل شيء من حولها يبدو ضبابياً.
***
وفي صباح يوم جديد، كانت تجلس الجدة في بهو القصر العتيق، تحيط بها لؤلؤ ورجاء وعيونهم مليئة بالغضب والترقب. حتى أردفت الجدة بحزم، وهي تطرق بعصاها على الأرض:
– لازم نخلص منها… لازم غيم تموت علشان ناخد بتار عصام. البنت دي وجودها هنا خطر على الكل.
أيدتها رجاء قائلة:
– صح كلامك يا حجة… البنت دي وجودها خطر ولازم تختفي. أنا مكنتش اتخيل إنها ممكن تكون كده. بقى تحتل عصام وانتوا لسه سايبنها في البيت وعايشة معانا كمان. لأ دي ممكن تعمل أي حاجة في أي حد هنا.
نظرت لؤلؤ وهي تضع يدها على جبينها تشعر بأن الأمور تزداد تعقيداً مرددة:
– بس قتلها مش حاجة سهلة… غيم مش سهلة ولو حصلها جارح مش هيسكت برده.
نظرت إليها الجدة نظرة باردة قبل أن ترد بصرامة:
– جارح هيبقى مشغول بجوازه من سماح وهي مش مهمة معاه يعني مش بيحبها. كلنا عارفين إنه محبش حد غير جميلة وبس.
رجاء بضيق:
– نفسي أعرف مين جميلة دي ولا فين ولا إيه اللي حصل معاها بالظبط.
نظرت لؤلؤ إليها بتوتر لكن قبل أن يواصلن الحديث فتح الباب فجأة ودخلت نرمين بخطوات واثقة رغم أن القلق كان يتسلل إلى عينيها. وتوقفت عند عتبة الباب، تراقب الوجوه المتجهمة أمامها.
فـ ضيّقت الجدة عينيها وهي تنظر إليها بعدم ترحيب، قبل أن تسألها بصوت جاف:
– إنتي إيه اللي جابك هنا يا بت؟!... مش كفاية أبوكي الواطي اللي كان شغال عندنا وطردناه.. جاية انتي برده تكملي السرقة ولا إيه؟
رفعت نرمين رأسها بعناد قبل أن تقول بهدوء:
– أنا جايه علشان أقولك حاجة مهمة… حاجة تخص العيلة دي.
نظرت إليها لؤلؤ ورجاء بريبة بينما رفعت الجدة حاجبها تنتظر لتسقط نرمين القنبلة التي فجرت الصمت مرددة:
– أنا حامل… وحامل من فارس.
اتسعت عينا الجدة بصدمة، بينما وضعت لؤلؤ يدها على فمها، ولم تستطع رجاء إخفاء ارتعاشة يدها وهي تتمتم بعدم تصديق:
– انتي بتجولي إيه يا بنت المركوب انتي؟
نرمين بحدة:
– زي ما سمعتي كده… أنا حامل من ابنكم و…
***
وفي الأعلى، كانت غيم تقف في غرفتها ممسكة باختبار الحمل بين يديها المرتعشتين تحدق فيه بصدمة وكأن عقلها يرفض استيعاب الحقيقة. فـ تمتمت بصوت مرتجف:
– إزاي؟ إزاي عملت في نفسي كده؟
رفعت غيم عينيها إلى انعكاسها في المرآة ونظراتها تحمل خليطاً من الذعر والخذلان. فـ عضت على شفتها بقوة تكاد تشعر بطعم الدموع المالحة في حلقها ثم همست:
– مستحيل يوافق على الحمل ده… هو مش بيحبني أصلاً… ولا عمره حبني… بس أنا مش هخاف لازم يعرف، حتى لو طلب مني أنزله. حتى لو طردني... مش هسكت برده كفاية خوف.
حسمت غيم أمرها وأمسكت باختبار الحمل بقوة ثم خرجت من الغرفة بخطوات سريعة. لكن فجأة انتبهت إلى باب غرفة سماح كان شبه موارب وضوء خافت يتسلل من الداخل. فتوقفت مكانها لثواني ثم دفعت الباب ببطء وقلبها يدق بعنف.
وعندما وقعت عيناها على المشهد أمامها… تجمدت في مكانها وهي تراهم على الفراش. كان جارح مستلقياً وسماح نائمة في حضنه، جسدها متكور حوله وذراعه ملقاة بإهمال فوقها كأنهما عاشقان اعتادا النوم معاً. فـ سقط اختبار الحمل من يد غيم على الأرض وأطلقت شهقة مختنقة.
رواية العذراء و الصعيدي الفصل العاشر 10 - بقلم نور الشامي
كانت غيم واقفة في غرفتها، الدموع تملأ عينيها وهي تضع ملابسها بعشوائية في الحقيبة. قلبها يحترق… تشعر بأن حياتها تتداعى قطعة بعد قطعة حتى لم يبقي منها شيء سوى رماد الخذلان ولم تعد قادرة على الاحتمال أكثر… لم يعد هناك أي سبب للبقاء.
وفجأة، انفتح باب الغرفة بعنف. ظهر جارح عند العتبة وصدره العاري يعلو ويهبط مع أنفاسه المتوترة. نظر إليها بحدة وهو يهتف:
"إنتي مش هتمشي من اهنيه… فاهمة؟ اهدي اكده وخلينا نجعد نتكلم بهدوء."
توقفت غيم عن حزم أمتعتها واستدارت إليه وعيناها مشتعلة بالغضب. ثم صرخت بقوة:
"ابعد عني بجا.. انت وأخوك دمرتولي حياتي. خدتوا مني كل حاجة حتى روحي مش جادرين تسيبوها في حالها.. ليه ال بتعملوه دا حرام عليكم والله العظيم."
رفع جارح حاجبه بسخرية باردة ومال بجسده قليلا وهو يضع يديه في جيبه قائلاً بنبرة هادئة لكنها مشحونة بالاستفزاز:
"هو انتي مصدجة إننا متجوزين بجد؟ انتي ناسيه احنا اتحوزنا ليه؟"
سعت عيناها بدهشة لكنها سرعان ما تمالكت نفسها وهتفت بحدة:
"يبجى طلجني بجا ونرتاح احنا الاتنين."
تغيرت ملامح جارح في لحظة وتلاشى الاستهزاء من عينيه وحل محله ظلام مخيف. وهو يقترب منها قائلا:
"وبتار أخوي… هيضيع بالساهل؟ فاكرة إن ال حوصل هيعدي اكده.. انتي جتلتيه."
نظرت إليه غيم بعينين مشتعلة بالألم والقهر قبل أن تمسك بسكين كانت على الطاولة ورفعتها بيد مرتعشة ووضعتها على معصمها. وعيناها تبرقان بجنون وهي تهتف بصوت مختنق:
"خلاص… بتار أخوك أهه.. هجتل نفسي ورايحك…. هو دا ال عايزه مش اكده."
شعر جارح بصدمة حقيقية لأول مرة وتحرك بسرعة نحوها. وصوته انخفض لكنه كان محملا بالذعر مرددا:
"غيم لع… اهدي، بلاش تتهوري.. جسما بالله ما حوصل بيني وبين سماح اي حاجه.. انا كنت بحاول اضايجك بس والله."
القي جارح كلماته لكنها لم تتوقف. كانت يداها ترتجفان وهي تضغط أكثر على الجلد الرقيق لتبدأ قطرة دم صغيرة في الظهور. فاندفع نحوها بسرعة وأمسك يدها وسحب السكين منها بعنف. لكن النصل شق راحة يده ليسقط السلاح على الأرض وينطلق أنين ألم من بين شفتيه. اما غيم فـ كانت أنفاسهما متلاحقة و عيناها الدامعتان تنظران إلى يده الدامية. بينما كانت يده الأخرى لا تزال ممسكة بمعصمها بقوة كأنه يخشى أن تحاول مجددا.
وفجأة انفتح الباب بعنف وظهرت لؤلؤ ووجهها الشاحب والذعر يملأ عينيها وهي تهتف:
"الحق يا جارح بسرعة."
القت لؤلؤ كلماتهت ونزلت الي الاسفل مره اخري. فاقتربت غيم من جارح ونظرت إلى يده النازفة. ثم التقطت قطعة قماش نظيفة وربطتها حول الجرح بحذر. كانت أنفاسها لا تزال مضطربة.. لكنها حاولت أن تسيطر على ارتجاف يديها. اما عن جارح فظل يراقبها بصمت حتى عندما انتهت من تضميد يده. وأمسك بمعصمها فجأة. فـ نظرت إليه متوجسة. ورفع يدها برفق ونظر إلى الجرح البسيط على معصمها مرددا:
"عمر الانتحار ما كان حل لأي مشكلة… وأنا مستحيل اسمحلك تجتلي نفسك يا غيم."
لم تنتبه غيم إلى نظرة عينيه الطويلة، لأنه في اللحظة التالية كان قد استدار ونزل بسرعة، تاركا إياها واقفة مكانها بين مشاعر لم تعد تفهمها.
وبعد فترة… كان فارس يقف أمام العائلة بينما جدته تواجهه بغضب وصوتها المرتفع يملأ المكان مردده:
"إزاي تعمل اكده يا فارس؟! تتجوز واحدة زي دي عرفي؟! دي بنت واحد كان شغال عندنا وكان حرامي كمان."
ارتجفت ملامح نرمين بالغضب وتقدمت خطوة إلى الأمام عيناها تلتمعان بالتحدي وهتفت:
"ابوي عمره ما كان حرامي وبعدين أنا حامل منه وال في بطني ابنه ولا اي يا فارس… اتكلم واجف اكده ليه عاد."
نظرت رجاء إليها بسخرية باردة وأخرجت ورقة من حقيبتها وهي تهتف بازدراء:
"عايزة كام ونخلص من الحوار دال."
لكن نرمين لم تتردد لحظة وهي ترد بحزم:
"أنا مش عايزة حاجة غير إن فارس يتجوزني رسمي ويعترف بابنه.. انا مش بتاعت فلوس يا حجه.. مش كل حاجه فلوس.. فلوس."
قهقهت سماح بسخرية وهي تعقد ذراعيها قائلة بتحد:
"وإحنا إي عرفنا إنه ابنه أصلا."
وقبل أن ترد نرمين دوى صوت جارح بغضب وهو يصرخ:
"كفاية بجا.. اسكتوا شويه اي انتوا مش بتبطلوا كلام."
سكت الجميع فورا واندفع جارح نحو فارس وهو ينظر إليه بعينين حادتين قبل أن يقول بلهجة آمرة:
"ال في بطنها ابنك يا فارس ولا لع؟!"
شعر فارس بالإحراج لكنه تنهد واستجمع شجاعته ليقول بصوت خافت:
"أيوه… ابني."
أومأ جارح برأسه ثم اردف بحسم:
"يبجي تتجوزها رسميش."
شهقت الجدة بصدمة ونظرت إليه بغضب وهي تردد:
"عايزه يتجوز بنت شفيق الحرامي الخاين يا جارح… تنت اتجننت ولا اي."
تنهد جارح بضيق ولم يتراجع بل نظر إليها بثبات واردف بحده:
"ال غلط يتحمل غلطه يا حجه.. هو اصلا الغلطان من الاول انه سمح لنفسه يعنل اكده."
ولم ينهي جارح كلامه بل سادت لحظة صمت مشحونة. لكن فجأة، تجمد وجه جارح وكأن خاطرا ضرب عقله بعنف… صوت غيم عاد يتردد في ذهنه وهي تهتف:
"عصام جاب واحد اسمه شفيق علشان يعمل معايا علاقة."
اتسعت عيناه بصدمة ثم استدار فجأة واندفع خارج المنزل بسرعة، تاركا الجميع في ذهول… ما عادا لؤلؤ التي وقفت تنظر بتوتر وذهبت بسرعه.
وبعد فتره عند غيم كانت تقف في غرفتها تحكم إغلاق الباب خلفها وصوتها يتهدج بالبكاء وهي تتحدث في الهاتف:
"انا مش هجول لحد إني حامل… وهحاول أهرب بأي طريجه وانت لازم تساعدني… لازم أمشي من اهنيه بالله عليك."
كانت أنفاسها متلاحقة وعيناها ممتلئتان بالدموع لكنها كانت مصممة. لا يمكنها البقاء هنا أكثر… لا يمكنها المخاطرة بأن يعرف جارح أو أي أحد بحملها… عليها الرحيل قبل أن يفوت الأوان. فـ تابعت:
"هكلمك تاني لما أكون جاهزة وتشوفلي حل علشان اخلص بجا."
أنهت غيم المكالمة بسرعة ومسحت دموعها بعنف قبل أن تبدأ بجمع بعض الأغراض. لكن فجأة اهتز هاتفها بين يديها و نظرت إلى الشاشة لترى رسالة نصية مجهولة المصدر محتواها:
"لو عايزة تعرفي مكان شفيق… تعالي العنوان دا دلوجتيات."
اتسعت عيناها بصدمة و حدقت في الرسالة للحظات قبل أن يشتد عزمها. لا تعلم من أرسلها لكنها لا تستطيع تجاهلها… شفيق هو مفتاح الحقيقة. وإذا كان هناك من يعرف مكانه فعليها أن تذهب وبسرعة. فـ أخذت هاتفها وخرجت من الغرفة بخطوات متوجسة وتسللت خارج المنزل بحذر.
اما عند جارح فكان يقف ك في غرفة نوم عصام يقلب المكان بعصبية وهو يبحث عن أي دليل. عيناه كانت تتنقل بسرعة حتى لفت انتباهه شيء صغير فوق الستارة… كاميرا مراقبة متصلة بهاتف عصام، الذي كان معه بالفعل… وبسرعة فتح التسجيلات وبدأت الصدمة تتسلل إلى ملامحه وهو يرى المشهد بوضوح… عصام أدخل شفيق إلى غرفة غيم، ونيته واضحة. لكنها لم تستسلم… أمسكت بسكين وطعنته ثم خرجت مسرعة طلبًا للمساعدة. وبعدها دخل شفيق وضرب عصام بسكين هو الآخر قبل أن يفر هاربا.
فجأة، تقطعت التسجيلات ووقف جارح مصدوما و عيناه متسعتان وهو يردد:
"غيم بريئة… كل كلمه جالتها صوح.. انا ال كنت غبي.. ازاي اعمل اكده.. ازاي اعمل كل دا."
القي جارح كلماته ولكن الصدمة لم تنته بع و اهتز هاتفه برسالة جديدة و فتحها بسرعة ليجد فيديو لغيم مربوطة أمام حمام السباحة… المكان مألوف جدا و قلبه خفق بعنف وهو يدرك الحقيقة المروعة… هذا حمام السباحة في بيت عصام نفس المكان الذي يقف فيه الآن. فتقدم بسرعه وفتح شباك الغرفه وانصدم عندما وجدها حقا تقف وهي وهي مقيده امام حمام السباحه.
وبعد فتره عند جارح كانت أنفاسه تتلاحق وهو يركض بسرعة لم يشعر بها من قبل. يكاد صدره ينفجر من فرط التوتر وقدماه تضربان الأرض بقوة وعيناه مثبتتان على غيم التي تقف عند حافة حمام سباحة ضخم وجسدها محاصر بين ذراعي رجل يمسك بها بإحكام يبتسم ببرود بينما هي تتلوى بين يديه. عيناها تلمعان بالذعر وشفتيها ترتجفان دون أن تخرج منهما أي صرخة. فـ توقف جارح على بعد خطوات وجسده متشنج وأنفاسه ثقيلة و نظر إلى الرجل الواقف أمامه وهتف بصوت يحمل تهديدا:
"سيبها … سيبها دلوجتي قبل ما يحوصلك ال عمرك ما هتتخيله… طسما بالله العظيم هجتلك."
ضحك هو بسخرية وشدد قبضته على ذراع غيم أكثر ثم نظر إلى جارح بنظرة مستمتعة واردف:
"يااه…. بجا جارح بيه الأسيوطي بيترجاني علشان واحدة؟ معقول؟ انت خايف عليها اكده ليه عاد ؟ بتحبها؟"
تصلب فك جارح… وعيناه اشتعلتا غضبا لكنه لم يملك رفاهية الإنكار. ليس الآن ليس وهي معلقة بين الحياة والموت. فصرخ بغضب:
"آه بحبها… ابوس إيدك سيبها، هي مش بتعرف تعوم أصلا.. انا هعملك ال انت عايزه كله.. ليه اكده.. جول انت عايز اي وانا هعمله بس سيبها."
ارتفع حاجبيه بدهشة ثم انفجر في ضحكة مستفزة وهو يهز رأسه باستمتاع:
"حب؟ جارح الأسيوطي بيحب؟ دا يوم للتاريخ والله."
نظر جارح اليه بغضب وكان على وشك التقدم لكنه توقف فور رؤية هؤلاء الرجال وهم يرفعون أسلحتهم نحوه. فعض على شفتيه ويديه مقبوضتان بقوة تكاد تحطم عظامه وهتف احدهم:
"متحاولش… خطوة كمان وهتكون جثة في ثواني وال بتحبها هتموت غرفانة تحت عيونك… اهدي يا ابن الاسيوطي."
تجمد جارح في مكانه وصدره يعلو ويهبط بعنف وعيناه تحترقان بالغضب والعجز… لكن فجأة دوى صوت إطلاق نار في المكان فالتفت الاخر بصدمة ليرى رجال جارح يقتحمون المكان بسرعة بينما ارتبك رجاله للحظة… وفي تلك اللحظة كأن الزمن تباطأ أمام جارح وهو يراه يبتسم بسخرية ثم تمتم بهدوء:
"بما إنك بتحبها جوي اكده… يبجى تعوم وراها بجا لو عرفت تنقذها."
ودون إنذار دفع غيم بقوة إلى المياه.
"غيييم!"
صرخ جارح بأسمها بألم وهرع نحوها دون تفكير. زجسده اندفع بقوة وقفز في المياه بينما صرخت غيم وهي تغرق. تقاوم بضعف ذراعاها تتحركان بفوضوية في محاولة للبقاء على السطح لكن المياه كانت تبتلعها بسرعة حتي فقدت وعيها تماما وكأنها تري شريط حياتها امام عيونها. وغاص جارح نحوها وقلبه يصرخ قبل صوته. وم ذراعيه بقوة وانتشلها قبل أن تبتلعها الظلمة… لكنه ادرك انه تأخر كثيرا.
وبعد فتره وقف الجميع في قاعة المنزل الكبير و التوتر يملأ الأجواء، والجدة واقفة بعصبية ووجهها يشتعل غضبا وعيناها تضيقان وهي تتحدث:
"ازاي… فارس يعنل اكده ؟! ياربلط مع واحدة زي دي… دا حتى مفكرش يختار بنت كويسه.. بنت ناس."
تنهد مسعود بضيق وهو يردد:
"معلش يا حجه.. متزعليش الولاد شكلهم اتجننوا كلهم ولا اي عاد.. المهم خلينا نفكر هنعمِل اي دلوجتيل."
لكن رجاء تدخلت بحدة وقد بدأت تشعر أن الأمور تتجه لمنحنى خطير واردفت:
"مش وجته العتاب… لازم نشوف هنتصرف ازاي في ال احنا فيه دال."
ما تهدأ الجده بل نظرت إليهم بعزم وهي تطرق بعكازها على الأرض بقوة، قائلة بحسم:
"عارفين بجا احنا لازم نعمل اي؟! لازم نجوز جارح لسماح… أنا مش هستنى لحد ما دا كمان يضيع مننا زي فارس."
ساد الصمت للحظات قبل أن يقطعه صوت سيارات قادم بسرعة من الخارج تلاه صوت صفارات الإسعاف يعلو في المكان. فـ التفت الجميع بقلق وفجأة دلف الحارس إلى القاعة يلهث وعيناه مليئتان بالذعر وهو يهتف بصوت مرتجف:
"الحقيني يا حجه… تعالي بسرعة."
تجمد الجميع في أماكنهم ثم اندفعوا خارج المنزل وعندما وصلوا إلى المدخل اتسعت عيونهم بصدمة وهم يشاهدون المسعفين يفتحون باب سيارة الإسعاف ليظهر أمامهم جسد عصام ممددا داخلها. وجهه شاحب وجسده مغطى بالكدمات والجروح. فوقفت الجدة في مكانها وعيناها متسعتان من الذهول بينما ارتفع شهقات الصدمة في المكان وبقي الجميع واقفين في صمت تام لا يصدقون ما يرونه أمامهم…
اما عند جارح كان قلبه يضرب صدره بقوة وهو يحتضنها بين ذراعيه بينما جسدها كان ساكنا تمامًا وأن الحياة قد غادرته. شعر برعب لم يعرفه في حياته من قبل وهو يرفعها إلى السطح ويده ترتجف وهو يخرجها من الماء ويضعها على الأرض راكعا بجانبها يهز جسدها بجنون:
"غيم… فوطي بالله عليكي… متسبنيش اكده… غيييم.. ابوس يدك.. انا خسرت جميله مره مش هجدر اخسرك انتي كمان.. مش هجظر اعيش الشعور دا تاني.. جومي بالله عليك."
يحاول جارح كثيرا لكنها لم تتحرك… كانت مغمضة العينين و أنفاسها مختفية وشفتيها شاحبتين. فشعر وكأن الهواء قد اختفى من حوله وضغط على صدرها بقوة يحاول إنعاشها. يحاول أن يعيدها إليه وكأن روحه هي التي تلفظ أنفاسها الأخيرة.
وفي هذه اللحظة كان الرجال الملثمون لا يزالون في مكانهم لكن الأمور بدأت تتغير. ز أصوات إطلاق النار تعالت أكثر وصوت أحدهم يصرخ:
"انسحبوا… انسحبوا دلوجتي!!"
لكن القائد الملثم الذي دفع غيم للماء لم يتحرك… كان يقف بعيدا يراقب المشهد وركض بسرعه وهو يردد بصوت مرتفع:
"متفتكرش إن القصة خلصت هاحتا… إحنا لسه مبدأناش أصلاف."
رفع فارس سلاحه بغضب وكأنه على وشك إنهاء الأمر لكن في اللحظة ذاتها، انطلقت رصاصة من بعيد أصابته في كتفه، فارتد جسده للخلف وسقط بينما بقية الملثمين بدأوا في الانسحاب وسط فوضى المعركة.
أما جارح فلم يكن يرى أو يسمع شيئا سوى أنفاسه المتقطعة وهو ينظر إلى وجه غيم الشاحب… ثم فجأة اهتز جسدها بعنف وشهقت بعنف وهي تفتح عينيها وتلفظ الماء زتتنفس بجنون وكأنها عادت للحياة من جديد. فـ شهق جارح بنفس القوة وكأن الأكسجين عاد إلى رئتيه أيضا، ثم أمسك وجهها بيديه بقوة ونظراته مجنونة وخوفه لا يزال يسيطر عليه وهو يصرخ فيها بحدة:
"بالله عليكي متعمليش كده تاني… كنت هنتجن… كنت هضيع لو جرالك حاجة!"
لكن غيم لم تكن قادرة على الرد، فقط أغمضت عينيها للحظة، الدموع تختلط بالمياه التي تبلل وجهها، بينما قلبها يدق بجنون… لأنها أدركت الحقيقة: جارح لم يكن مجرد زوج بالورق… بل كان رجلًا أحبها حد الجنون، حتى لو لم يعترف بذلك. حتى شعرت بألم شديد اسفة معدتها ورددت بصوت ضعيف:
"ابني يا جارح… ابننا بيموت."
نظر جارح اليها بعدم فهم وتفاجئ عندما وجدها تنزف بشده. وقبل ان يتحدث انصدم عندما وجد هذه الفتاه تقترب منه. فردد جارح بصدمه:
"جميله."