ـ ابراهيم عايزك تكلم المحاسب وتخليه يزود النفقة بتاعت غالية. ـ انت بتتكلم جد يا رياض؟ بس الفلوس اللي انت بتبعتها تكفي ولادك زيادة. ـ أنا عارف إنها تكفي مصاريف ولادي، بس غالية صعبانة عليا أوي. حاسس إن ظروفها صعبة، وواضح جداً عليها. ـ أولاً، انت مالك ومال ظروفها؟ جوزها هو اللي مسؤول عنها، وطالما هي راضية خلاص. وغير كده، انت عرفت منين؟
ـ ولادي وحشوني أوي. انت عارف مسموح لي أشوفهم كل أسبوعين. بس وأنا كل يومين بروح من بعيد أطمّن عليهم، بلاقي غالية لابسة نفس اللبس، هما طقمين تلاتة، وواضح إنهم مهلوكين. وأنا واثق إنها مش بتاخد فلوس من فلوس نفقة الولاد ليها. عشان كده عايز أزود النفقة، يمكن لما تلاقيها كتير تصرف منها. ـ رياض، انت بتحبها؟ دخل ذلك السؤال اللي قلب رياض أحيا به وجع داخل قلبه، وعاد الندم يضربه بقوة. أجاب عليه بعينين دامعة:
ـ كلمة بحبها قليلة عليها، أنا بعشقها. ـ طيب، ليه طلقتها طالما بتحبها كده؟ ـ عشان أنا مكنتش كده من سنة، كنت إنسان قذر. وصلت لها لمرحلة صعب يتحملها أي إنسان. مكنتش أعرف إني بحبها كده غير لما بعدت ومبقتش موجودة. وزاد الوجع أضعاف لما اتجوزت غيري. ـ طيب، وهي بتحبك؟
ـ كانت بتحبني، بس اللي عملته فيها كفيل إنه يخليها تكره تشوفني. حاولت كتير بس أكلمها عشان أطلب منها السماح، لكن للأسف مجرد سماع صوتي بتقفل الخط، من غير حتى ما تديني فرصة أقولها أنا عايز إيه. ـ طيب، جوزها ده وضعه إيه؟
ـ ده ابن عمها. معرفش حاجة أكتر من كده، ومعرفش علاقتهم عاملة إزاي. بس بشوف حزن كبير في عينيها، مش زي زمان. عارف زمان لما كانت تنزل تشتري حاجة مع الولاد، كنت أشوفها وهي ماشية جنبهم كأنها طفلة وفرحانة بالحاجة اللي اشتروها. دلوقتي وأنا مراقبها، بلاقيها ساكتة مش بتتكلم، ويادوب بتبتسم على كلام الأولاد. ـ طيب، انت عملت إيه يوصلكم للحالة دي؟ أكيد حاجة كبيرة أوي.
صمت رياض يتذكر ماضيه بخزي من نفسه. ليتها تركته قبل أن يفعل بها ما فعل في الماضي. ليتها ضربته أو أهانته أو أخذت حقها منه. لما كانت ضعيفة بتلك الطريقة، وعندما أخذت القرار ابتعدت بدون أمل. هل كانت تخطط للانتقام مني بتلك الطريقة البشعة ببعدها عني؟ أشار رياض لإبراهيم بالخروج، وظل يسترجع ذكرياته معها ويبكي ندماً. ***
في مكان آخر، كانت تجلس بالشرفة، عيناها مثبتة في الفراغ كطير حزين قام صائده بقص ريشه وتركه في وسط غابة لا يعلم أين يذهب. وكلما يراه حيوان يحاول افتراسه، حتى تركوه ضعيف هش لا يستطيع المقاومة. أصبح شبه ميت، ولكن ما زال على قيد الحياة. قاطع شرودها صوت ابنها وهو يسألها عن الطعام: ـ ماما، ماما، أنا جعان. ـ حاضر، تعال معايا عشان ناكل. ـ هو انكل عيسى هيودينا لبابا يوم الجمعة؟
ـ مش عارفة. هتصل وأسأله. انت باباك وحشك وعايز تشوفه؟ ـ آه، وحشني أوي أوي. على فكرة بابا اتغير أوي يا ماما، مش بيزعلنا خالص، بالعكس، أي حاجة نطلبها منه بيجبهالنا على طول، وبيسألنا عليكي كتير. ـ بص يا حبيبي، أنا مش عايزة أعرف بيسأل عني يقول إيه، زي ما أنا مش بسأل عنه. عشان كده لو سألك عني قوله معرفش حاجة. ولو سمحت نتكلم عني أنا وأخويا بس، وهو هيفهم على طول ومش هيسأل عن حاجة تخصني.
ـ حاضر يا ماما. اتصلي بقى على انكل عيسى، شوفي هيودينا امتى. ـ حاضر. نادي أخوك ياكل معاك على ما أتصل بيه. قامت غالية بالاتصال على عيسى، الذي أغلق عليها الخط بمجرد ما رأى رقمها. أتى إليها أبناؤها يسألونها عن رده، لكنها اعتذرت لهم: ـ عمو مشغول يا حبيبي، لما يفضى هيتصل بينا، اتفقنا. كان عيسى يجلس في إحدى الكافيهات ومعه فتاة جميلة. حزنت تلك الفتاة من تصرفه: ـ ليه يا إبراهيم قفلت التليفون؟ ـ دي غالية يا ليلى.
ـ طيب، ما ترد عليها، يمكن عايزاك في حاجة مهمة. ـ تروح لعمها. ـ دي مراتك، ومن حقها إنك ترد عليها. ـ مش مراتي أنا، مش معترف بيها كزوجة. انتي نسيتي اتجوزنا إزاي؟ لو نسيتي، أفكرك. ـ بس ده ما يمنعش إنها مراتك. ـ انتي ليه مصممة تستفزيني وتقولي مراتك؟
نسيتي لما بابا كان موافق على جوازنا، وأنا اتصلت بأهلك وأخدت معاد، وبعدها حصل اللي حصل، واجبرني أتجوزها. دنا وطيت على إيده عشان أبوسها إنه يغير قراره، رفض. وروحت لها لحد عندها عشان ترفض هي، لكن هي مرفضتش وقبلت تتجوزني. كنت صريح معاها، وقولتلها إني مبحبهاش وإني بحب وهخطب واحدة تانية، لكن هي عملت نفسها مش سمعاني. عارفة خلتني أحس بإيه؟ حسستني إني مرة (ست)
بتتجوز غصب عنها. وقتها أبويا وقف لي وهددني، وقالي إنه هييجي لبوكِ ويقول له كلام كدب ويعرفه إنه مش موافق على جوازنا. فاكرة كان بيهددني إزاي؟ كان ضاغط عليا زي العيل الصغير اللي أخد منه مصروفه. بسببها أنا كنت بعيط زي الطفل الصغير اللي لا حول له ولا قوة. عايزاني أعاملها إزاي بعد كده؟ تفتكري ممكن أتقبلها كزوجة ولما تتصل بيا أرد عليها؟ ـ باباك تفكيره قديم للأسف، وشايف إنها بنت أخوه وطلاقها هيسبب لكم العار.
ـ هما الاتنين مش بابا بس، كان ممكن ترفض وتبعد، لكن هي لأ، كملت. ـ يمكن ليها أسبابها. وخلاص، اللي عدى عدى، وإحنا هنتجوز وبابا فهم الوضع وما عندوش مشكلة. ـ في حاجات وضغط بيحصل للواحد، ومواقف من اللي قدامه صعب يتخطاها بسهولة. هي شاركت إني أتأذى نفسياً، يبقى تستحمل. ـ طيب، خلاص. اهدى، اهدى.
مر اليوم، وذهب إبراهيم لمنزله، ودخل مباشرة لغرفته المنفصلة عنهم. فهو يعتبر زواجه منها أمر مؤقت، ولن يوقف حياته لأجلها. هو يعلم مدى الظلم الذي تعرضت له وتعاطف معها وساعدها، لكنه يرى أنها استغلت تعاطفه معها وجعلت والده يطلب منه أن يتزوجها. من وقتها أصبح لا يتعامل معها إلا في أضيق الحدود.
قام عيسى بتبديل ملابسه، وبعدها بدقائق طرق عليه مالك وريان الباب. فتح لهم الباب واستقبلهم في غرفته، فهو يتعامل معهم بطريقة منفصلة، فهم ليس بيدهم شيء. ـ خير يا شباب، عاملين إيه؟ ـ عمو، هتودينا لبابا امتى عشان وحشنا أوي. ـ بصوا حبايبى، أنا مشغول أوي الفترة دي. مامتكم هي اللي هتوديكم. ـ بس انت عارف ماما استحالة توافق على كده. ـ أنا هتكلم معاها. روحوا نادوها.
دخل الأولاد لغرفة والدتهم وأبلغوها بما قاله لها عيسى. ارتدت غالية أسدالها وخرجت للصالة لتقابل عيسى: ـ عيسى، الولاد بلغوني إنك مش هتوديهم لباباهم الأسبوع ده. مافيش مشكلة لو مشغول، نأجلها. ـ وتأجليها ليه؟ وبعدين، هو انتي رايحة في معاد غرامي؟ انتي رايحة عشان يشوف ولاده في الروية الشرعية بتاعته، يعني هتكوني في مكان عام وولادك معاكي. ولو كلمك، ما ترديش عليه. ـ طيب، انت هتقبلها على نفسك ومراتك رايحة تقابل راجل غريب عنها؟
ـ أولاً، أنا مش معتبرك مراتي عشان أعتبره راجل غريب. انتي زيك زيه بالنسبالي. على فكرة، إحنا من يوم ما اتجوزنا وأنا بعتبرك غريبة عني، ومفكرتش ولا قربت منك. وعلى فكرة، أنا خلاص بجهز شقتي وهتجوز فيها، ونادراً لو جيت هنا تاني. عشان كده بقى، حاولي تحلي المشكلة دي بعيد عني، أنا مبقتش فاضي. صمتت غالية، لم تستطع الرد عليه، فهي تعلم سوء ظنه بها، وتعلم أن لديه كل الحق فيما يفعله معها، ولكن ماذا ستفعل هي؟
وإذا منعت الأولاد من أبيهم، سيلقوا اللوم عليها. دخلت لغرفتها وجلست تصلي وتدعو الله أن يخرجها من ذلك الهم. يا ترى حكايتها إيه؟ وإيه هو الماضي اللي الكل بيهرب منه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!