وقفت ايناس بجانب غاليه في المطبخ وظلت تتحدث معها عن أحوالها وتحاول أن تدفعها للحديث. ـ صحيح يا غاليه، من امتى وانتي بتعرفي تخيطي؟ ـ من ساعة ما كنت متجوزة رياض، كان بيرفض اني أخرج أو يبقى لي صحاب، فكنت بضيع وقتي إني أتعلم الخياطة. ـ معنى كده إنه له الفضل في اللي وصلتي له ده. ـ لو الحبس والخيانة والظلم يوصلوا الواحد للي بقى فيه دلوقتي، يبقى فعلاً رياض الوحيد اللي له فضل كبير أوي عليا.
ـ أنا لو منك كنت عديت له خيانة دي وسبته يتجوز زي ما هو عايز، بس أهم حاجة إنه بيصرف عليا وعلى عيالي كويس. ـ انتي بتتكلمي بجد يا ايناس؟ ـ آه طبعًا بتكلم جد، انتي عاجبك بهدلتك مع الزباين؟ ودي تعدل عليكي ودي تتكلم بطريقة وحشة؟
وكل ده كوم، وأنك تتعاملي مع ضرتك دي كوم تاني. انتي اتطلقتي من رياض عشان كان متجوز في السر، اديكي اتجوزتي عيسى واتجوز عليكي قصاد الناس كلها، ومش بس كده، عمل فرح وشهر عسل، حاجات معلش يا غاليه انتي محرومة منها. نظرت لها غاليه بصدمة من طريقة تفكيرها. ـ طيب يا ايناس، لو جوزك جه وقال لك إنه هيتجوز عليكي، هتوافقي؟ ـ انتي ليه عايزة تقارني نفسك بيا يا غاليه؟
أنا ظروفي غير ظروفك، أنا متعلمة ومعايا شهادة كبيرة واشتغلت بره فترة، ولو جوزي فكر يزعلني أهلي هيقفوا له، إنما انتي أنا آسفة يعني في اللي هقوله، انتي مالكيش حد. ـ مين قالك كده؟ بالعكس، عندي ربنا واقف جنبي ورزقني بتوأم يغنوني عن الدنيا وما فيها، عندي صحابي وعندي عيسى أخوكي، عندي مشروعي اللي الحمد لله بيكبر دلوقتي، وبإذن الله في فترة بسيطة هيكبر أكتر وأكتر، أنا الحمد لله مش ناقصني حاجة. ـ تفتكري بابا لو عرف هيسيبك؟
ـ ما يقدرش يعملي حاجة يا ايناس، أبوكي لو كان يقدر يعمل حاجة كان عملها. ـ يعني مش خايفة منه؟ نسيتي زمان كان بيعمل فيكي إيه؟ ـ لأ مانستش ومش هنسى، أنسى إزاي إنه حرمني من الدراسة وسابني أروح الامتحانات بس؟ أنسى إزاي إنه كان مش بيجبلي لبس وانتي بتديني لبسك القديم؟ أنسى إزاي إنه جوزني رياض وغصب عليا اتجوز أخوكي؟
كل الحاجات دي ماتقلقيش، مش هتتنسى يا إيناس، زي ما برضو يوم القيامة وأنا واقفة قدام ربنا هقوله إني مش مسامحاه ولا هسامحه، وعلى فكرة أنا واثقة ومتأكدة إن ربنا هيجيب حقي من كل اللي ظلموني. ـ طيب هو عيسى ماظلمكيش؟
ـ لأ ماظلمنيش، وف عز زعلهم مني وإنه واخد مني موقف، إلا إنه كان في ضهري برضو، كان فاصل بين الزعل والواجب، وحتى لو ظلمني في يوم، أنا مسامحاه لأنه يستاهل. وبعدين يا نوسة يا حبيبتي، ماتشغليش بالك بمين ظلمني ومين لأ، مش ربنا مطلع على كل شيء؟ يبقى حقي هيجيلي دنيا وآخرة، حتى لو اتأخر بس هييجي، وربنا أكيد له حكمة في كده.
كانت نظرات التحدي بينهم تزداد، لا تعلم غاليه لما لم تكن تلاحظ تلك النظرات من قبل. توقفت غاليه عن الحديث ولم تكمل تفاصيل أكثر عن حياتها. كيف لم تر نظرات الحقد في عيني إيناس من قبل؟ كيف كانت تراها ملاك في السابق عندما كانت تعطيها ملابسها القديمة، والتي كانت تتعمد عمل عيب بها حتى تظهر دائمًا أنها ملابس مهلهلة؟
تذكرت غالية كيف كانت إيناس تبالغ في إظهار الشفقة عليها أمام الجميع، وتتحدث عن "ظروفها الصعبة" كأنها تمن عليها بصدقة. في تلك اللحظة، انكشف قناع إيناس تمامًا أمام غالية، وظهر وجهها الحقيقي القبيح، وجه مليء بالغيرة والحقد والكراهية. قاطع حديثهم صوت ريان مناديًا عن أمه. ـ ماما ماما. ـ نعم يا حبيبي. ـ أنا جعان. ـ بس كده، عيوني.
وقامت بقطع قطعة من الكيك ووضعتها في طبق وأعطتها له وأخرى لأخيه. ثم وضعت لإيناس وأبنائها طبق به عدد من القطع. ـ اتفضلي يا إيناس الكيكة اللي بتحبيها. أخذتها إيناس وذهبت لغرفتها وحديث غالية يتردد في أذنها. "إزاي غالية بقت كده وبقى ليها عين تبص في وشي؟ الله يرحم زمان لما كنت عملاها خدامة عندي بحجة إنها تسلي نفسها. مش هسمحلك يا غالية إنك تشوفي نفسك عليا مرة تانية."
في منزل خالد، كان خالد يجلس برفقة إخوته مجتمعين في غرفة والدته ومعهم الطبيب. تحدث خالد يحاول الاطمئنان على حالة والدته. ـ خير يا دكتور، ماما مالها؟ مكنتش قادرة تاخد نفسها وبتنهج كتير ورجليها مش حاسة بيها. ـ هي عندها قلب؟ ـ لأ، عمرها ما اشتكت من القلب. ـ هي كده هتكون محتاجة تتنقل المستشفى ويفحصوا حالتها، ممكن تكون أخدت جرعة زيادة من العلاج اتسببت إن يحصل لها شلل، خدوه دلوقتي لأقرب مستشفى.
خرج الطبيب وازدادت حالة والدته سوء، أخذها خالد برفقة إخوته وذهبوا للمستشفى لفحص حالة والدته. في طريقها للمستشفى كانت حالتها تزداد سوء ونفسها بدأ يختفي. عندما وصلوا المستشفى حاول الأطباء إسعافها لكنهم لم يستطيعوا. خرج الطبيب وأبلغهم أنها توفت.
وقف الجميع مصدوم وظلوا ينظرون لبعض. بدأت نجلاء زوجة خالد بالصراخ والبكاء، وبعدها بدأ الجميع في البكاء. ظل خالد واقف لا يعلم كيف حدث ذلك، والدته لم تشتكي أبداً من شيء. كيف تموت فجأة؟ مر بجانبه الطبيب، أوقفه خالد. ـ يا دكتور، هي ماتت إزاي؟ ـ ممكن تكون أخدت دوا غلط أو جرعة زيادة من العلاج، إحنا محتاجين نشرح الجثة ونتأكد من سبب الوفاة. عندما سمعت نجلاء ذلك الحديث ازداد بكاؤها.
ـ لأ يا دكتور حرام نعذبها، حرام يا خالد، أمك مش هتكون مرتاحة، هي دلوقتي في الجنة بإذن الله. ـ أهدي يا نجلاء. ـ مامتك بقالها كام يوم حاسة إنها هتموت وكانت بتوصيني عليكم.
نظر الجميع لبعضهم لا يعلمون كيف عليهم أن يتصرفوا في موقف كهذا. ظلت نجلاء تبكي وتؤكد عليهم أن وجود والدتهم تكلفة إضافية تصنعها المشفى لأخذ المال منهم وبعدها سيقولون أن سبب الوفاة طبيعي. وحدث مثل ذلك الشيء لإحدى قريباتهم، مما جعل الجميع يقتنع بحديثها، فهم كانوا يرون مدى حبها لوالدتها. وبالفعل مضى خالد على تعهد وأخرج والدته وبدأوا في إجراءات العزاء.
في منزل رياض، كان يجلس في غرفة نومه يتذكر أول يوم له مع غالية، لم يجد أحد في براءتها. كان يتذكر ما فعله بها ويتذكر أدق التفاصيل. وأثناء جلوسه تذكر أنها تحب اللون الأسود لأنه يعطي وقار ويخفي أشياء وعيوب لا تظهر من خلاله. أمسك الهاتف واتصل على إحدى شركات الدعاية وتم عمل تعديل للون اللوجو الخاص بالشركة وجعله أسود في ذهبي. وبعدها اتصل بغالية حتى يعدل معها ألوان الملابس. هو يعلم جيدًا أنهم لم يبدأوا في شيء، ولكنه لم ييأس، سيظل يتحجج حتى يتحدث معها. واتت في ذهنه أفكار كثيرة سيجعل المكالمة تطول بينهم. اتصل على غالية ولكنها أغلقت عليه. عاد الاتصال مرة وأخرى وتجاهل رسائلها على الواتساب إلى أن أجابته غالية بعصبية.
ـ خير يا رياض، في إيه المكالمات دي كلها؟ أجابها رياض بهدوء. ـ محتاج أكلمك ضروري في كذا حاجة. ـ ما يتأجلش للصبح أو تبعتي باللي انتي عايزه رسالة على الواتساب. ـ دلوقتي من الصبح فرقت إيه؟ الوقت مش متأخر أوي، وفي الحالتين هكون محتاج أتكلم معاكي. ـ تمام، رديت، في إيه بقى؟ ـ أولاً، أنا هغير الألوان اللي قولتيها للمدام اللي عندك. ـ قصدك ليلى. ـ آه. ـ خلاص ابقي بلغيها.
ـ منا خايف تشتري الخامات، قولت أقولكم وألحقكم عشان ماتجبوش حاجة غلط. ـ طيب أنا هبلغها. في حاجة تانية ولا خلاص كده؟ ـ آه طبعًا، في حاجة مهمة جدًا جدًا. ـ إيه هي بقى؟ ـ التقديمات بتاعة المدارس خلاص هتفتح وأنا عايز أقدم لهم. صمتت غالية فهي إلى الآن لا تعلم أي مدرسة ستختار. هل تدخلهم مدارس خاصة أم حكومي أم ماذا؟ هي حاولت البحث كثيرًا لكنها لم تعرف ماذا سترسلهم، وعندما تسأل أحد يخبرها عن شيء مختلف.
ـ عارفة، وبدور لهم على حاجة كويسة قريبة من البيت عندي. ـ بصي يا غالية، مدارس الأولاد دي مسئوليتي وأنا ظروفي كويسة وحابب أدخلهم حاجة مستواها كويس عشان مستقبلهم يبقى أفضل، وسألت عن مدرسة ***** الكل قال إنها كويسة وممتازة وبيأسسوا الطفل، عشان كده أنا هقدم لهم فيها. ـ بس أنا مش موافقة. ـ ليه؟ ـ أنا عايزة حاجة تكون قريبة من عندي هنا عشان أقدر أوديهم وأجبهم. ـ تعالي اقعدي هنا في الشقة مع الأولاد. ـ انت بتستهبل صح؟
ـ ماشي يا غالية، مقبولة منك. طيب اسمعي أنا بفكر في إيه الأول. أولاً، انتي حاضنة والشقة من حقك، يعني انتي تيجي تقعدي هنا وأنا همشي منها خالص، ووقتها تقدري تقلبي شقة والدك كلها مصنع وتجيبي عمال زيادة، واللي بتخلصيه في 3 أيام يخلص في يوم وتحولي الشقة لمصنع صغير. صمتت غالية تفكر، فحديث رياض أغراها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!