أول ما دخلت ناريمان من باب شقتها، تجمدت مكانها وتبرقت عيناها. وفي ثوانٍ، لمعت عيناها بدمع وارتجفت من هول ما رأت. من تحاول الفرار منه من زمن، كل ملامحها تبدلت من الثقة إلى الوجع والحزن. أنفاسها تصارعت، تارة تعلو وتارة تنخفض. لدرجة أنها كادت أن تسقط أرضًا، لولا أنها تشبثت بمقبض الباب. واستجمعت قواها وهي تحاول أن تلملم نفسها. لكن كل ذكريات الماضي تطردها.
وخانتها دموعها وسالت وهي غارقة في ذكريات الماضي، وكأنها تعيشها الآن. وهناك من يبتسم من حال ناريمان المتهالكة الضعيفة، ويشعر بلذة في رؤيتها تعاني. يبتسم بمكر، وهو جالس على الأريكة التي في الصالة، المطلة على باب الشقة. نهض ذاك الشخص المبتسم الذي يشعر بنشوة تأثير المسيطر على ناريمان. واقترب منها بخطوات هادئة. ومع كل خطوة، تلمع عيناه برغبة في تملكها. وترتسم بسمة الشر والخبث في تملك ناريمان التي طالما يتوق للسيطرة عليها.
يقترب ويقترب منها في كل خطوة، يبتسم ويهمس بأنّ عاشق جريح: "أخيرًا هتكوني لي. هربتي مني في فرحنا وخلّيتي فضيحتي على لسان. لم ترحمي عشقي." وفجأة، تبدلت ملامحه لسواد وعين محمرة من شدة الغضب والحقد ورغبة الانتقام. ما أسوأ من عاشق جريح يرغب في الانتقام. ويقبض على يده بغضب حارق ويتنهد بوجع: "آآآه منك." وهو ناظر في عينها الغارقة في سحب من الدموع، مثل ليل حزين.
فهي لون عينها أسود لامع، مثل خيام من ليالٍ مقمرة بنجومها الساطعة. أول ما شاف عيونها، كل غضبه تلاشى وتحول لنسيم عاشق مشتاق. ودمعت عيناه بحب يفيض على الأكوان. وارتمى في حضنها، وهي تلاشت بين أحضانه. أول ما لمسها، سمعت نبض قلبه المتسارع، وكأنه ينبض باسمها. زي ما يكون جرس إعلان عن الصلاة، فهي معبده الذي طالما طاق إليه. من كثرة الاشتياق، نسياه كل العالم وذاباه في عشقهما.
أغمضت عينها ناريمان وهي لا تصدق أنها بين أحضان من فرت منه زمان. وهي لا تريد هذا، فرت وتركت قلبها معه ولم تتنفس إلا في أحضانه. ونسيت سبب هروبها منه. وهمست بصوت يملؤه الشجن والحنين والحب: "وحشتني أوي أوي أوي أوي يا مهند يا حبيبي. أنا كنت بموت وأنا بعيد عنك. ليه يا حبيبي تعمل اللي يخليني أقتل حبنا بنفسي؟ ليه تخلي خوفي يفتُرِسني؟ ليه بدل ما تكون أماني وحصني من كل أوجاعي وأتحامى فيك، تأكد خوفي وسبب فراري من الزواج والحب؟
ليه ليه ليه؟ وفضلت تقول كده وسط بكاء هستيري وشهقاتها تنزع القلب. يضمها مهند الحبيب الأول، ولكن ليس الأخير، ولا تعلم ناريمان ماذا خطط لها القدر. يقبل رأسها بحب ويضع رأسه على رأسها، ودموعها تسيل على وجنتيها. تخرج ناريمان من حضن مهند وعيناها مندية من البكاء. وتنظر لمهند في حب وشوق، وابتسامة نظرة قد اعتقدت أنها نستها. لكن تتبدل فجأة أول ما تسمع صوت ينادي من بعيد: "هل في زواج ولا...
تغضب ناريمان من مهند وتبتعد عنه في غضب، وتشتعل عيناها بلعتاب واللوم. وتصرخ فيه بوجع وقلب مكسور: "انت إيه؟ مش إنسان؟ مش بتتعلم؟ انت زي ما أنت، مش بتسمع غير نفسك. عملت نفس اللي حصل زمان." واقتربت منه وعيناها تشتعل بتحدي والغضب، وأكملت:
"أنا مش من ممتلكاتك، ومش هكون. فيكون مجرد حاجة مكتوبة باسمك، لا فوق والنظرة التخلف اللي عندك ناحية النساء، انت وكل الرجال دي انساها. فوق، مش ناريمان، وزي ما سبتك زمان هكررها تاني عشان انت شخص أناني ومش هتتغير." يبتسم مهند بسخرية وعدم اهتمام لها: "ها، خلصتي؟ وجذبها من يدها: "يلا يا حلوة، ادخلي البسي فستان الفرح ده عشان الليلة دي هتبقى مشتعلة." الكلام والطريقة دي زادت من نفور ناريمان وتصميمها على ما قررت. فسحبت
يدها منه وصفعته بقوة: "مش أنا اللي يتقالي كده، انت حقير أوي أوي وكسرت قلبي تاني. كل ما أقرب منك تكسرني وتحسسني إني مجرد شيء بتمتلكوه." يتجنن مهند ويجذبها من يدها ويلويها وراءه. وبغضب قاتل يهمس لها: "انتي ملكي أنا وهتجوزك برضاكي أو من غيره. المأذون تباعي، كل بفلوس بيتباع. حتى انتي." بس ناريمان كانت رد فعلها غير متوقع. فغضبت بشدة وضيقت عيناها وصرخت: "لا مش ملكك، أنا إنسانة حرة." وقامت ودست على قدمه، فترك يدها.
وقامت بضربه بركبتها في بطنه وجرت بعيد عنه، وأشارت له بأنه يخرج بره. كل هذا يحصل وهناك من يراقبها وهو في حالة من الصدمة، لا يعرف ماذا يفعل. فهو يشعر بأنه مقيد، لا يعرف ماذا يفعل. قلبه منكسر وروحه تنتزع منه. والدموع تكاد أن تسيل، بس يسيطر على نفسه بصعوبة. ويتحرك أول ما مهند يقترب من ناريمان ولسه هيجذبها من يدها. فيجد إدريس يقف في وجهه، وناريمان اختبأت وراء ظهره، وكأنها وجدت طوق نجاة. مهند بغضب
وسخرية وهو برمقه باستنكار: "انت بقي اللي سرحة بيه الأيام دي؟ ده أنا هقتلك. أحسنلك تبعد عن طريقي عشان انت متعرفنيش يا صغير." رمقه إدريس بتحدي: "ولا انت تعرف عني حاجة. أنا هدَفْنك مكانك لو قربت من مراتي، أم أولادي." يضحك مهند بسخرية: "مراتي؟ بطل كذب بقى. أنا عارف الحكاية كلها، وفارس هو سبب المصايب كلها. هو اللي قالي على الحكاية من البداية للنهاية. وهو اللي جاني وقالي على مكان ناريمان اللي بدوّر عليها من سنين."
الكل ينصدم مما سمعوا. مهند يبعد إدريس بكل ثقة وقوة: "يلا يا صغير، روح لمراتك وأمك أحسن تقلق عليك." إدريس ينظر لناريمان المرتجفة من الخوف، لكنها تدعي القوة. فيبض على يده ويتنفس بسرعة، ويلكم مهند بقوة، فيسقط أرضًا. ويبقى فوقه وينهال عليه بضرب مبرح، ومهند يرد عليه. أصبحت خناقة دموية. وإدريس يصرخ فيه: "ابعد عنها، كفاية الوجع اللي سبّبته، ابعد عنها." ومهند يرد عليه: "لا لا، دي بتاعتي ومحدش هيخدها مني."
وأخرج سكين من جيبه، عشان هو كان فوقه وادريس تحته. ولسه هيطعنه، يتلقى ضربة على رأسه، فيسقط أرضًا وهو ينزف بشدة. وكانت الضربة من ناريمان، ضربته بالـ فاز على رأسه. وهي تصرخ فيه وتبكي بوجع: "انت عايز إيه؟ فاكر إني مش هقدر أعيش من غيرك كده؟ طيب وسيبته وراحت عند المأذون وقالت بتحدي: أنا عايزة أجوز إدريس." قالت كده وهي تنظر بتحدي لمهند، وإدريس يتعجب مما يحدث. وجذبت إدريس من يده: "يلا عشان نكتب الكتاب." تحولت من الضعف للقوة.
الإنسان لما بينجرح وقلبه بينكسر، ممكن يدمر الكون، مش بس نفسه. بمجرد إدريس متحرك خطوة وكان مصدوم وظهره لمهند، اللي وشه مش واضح من الدم. يستغل ده مهند وينطع إدريس ويسقط أرضًا. فتلتفت ناريمان على أثر صراخ إدريس، فتصرخ: "لا لا لا." كل هذا يحدث تحت أنظار شامته، فرحة بما خططت. وفجأة، يتقدم نحوها، وتتصعق أول ما تشوفه. ترى ماذا حدث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!