يفتح إدريس باب الغرفة وهو في قمة الغضب، لدرجة أن ملامحه غير ظاهرة من شدة احمرار وجهه وبروز عروقه، وعيناه مثبتتان على ناريمان التي ترتجف ومختبئة وراء أمل، وهي تنتفض من الخوف والرعب. يضيق إدريس عينيه ويتقدم نحوهما وهو يصرخ بغضب هز وجدان ناريمان وجعلها تبكي بقوة. وهذا أشعل حماس أمل وأيقظ بداخلها مناصرة المرأة وحقوقها، حتى لو كان هذا إدريس حب حياتها. إدريس اقترب منهما وهو يصرخ: ناريمان!
نهارك أسود وعيشتك معاي هتبقى جحيم. والعيال انسيهم. بقيت فكرني طرطور ودايب فيكي، تقومين تستغفليني وتخونيني؟ لا يا ماما، فوقي وشوفي إنتي مجوزة مين. وفكرة نفسك هتتحرمي من تحت إيدي عشان مستخبية ورا أمل؟ ها، بتحلمي. تعالي هنا. ومد يده حتى يجذبها من وراء أمل. لكن المفاجأة التي أذهلته... أن أمل أمسكت يده وأرجعتها إليه وهي تنظر في عينيه مباشرة بلا خوف، بل بتحدٍّ. وتحدثت بنبرة هو يعهدها جيدًا:
اياك تنسى أنا مين يا إدريس يا منيري. أمثالك من الرجال القاسين كنت بوقفهم عند حدهم. أنا مستحيل أخليك تلمس شعرة منها، وإيدك دي لو اتمتدت، أقسم بربي إني هكسرها. وإنت عارفني كويس. ياما كسرت إيدي. لا تعرف الرحمة. تلمع عينا إدريس بتحدٍ، ويتراجع خطوات للخلف ويبتسم متعجباً: ياه!
أول مرة أشوف فتاة تدافع عن غريمتها. أستغفر الله العظيم. وياما لسه هشوف من العيلة المجنونة دي. بس أنا مش هعتقك يا ناريمان. أنا هقتلك. إنتي ولا المتخلف اللي اسمه مهند؟ بقيت بتخونيني مع الغبي ده؟ والله ما أنتي شايفة العيال تاني.
تغضب أمل، ولسه هتنطق، يسبقها انفجار مدوٍ من الصرخات والبكي الهستيري من ناريمان. وجرت على إدريس وجذبته إليها من لياقة قميصه. وأصبحت العيون متلاقية بعتاب وحب ووجع وألم وحنين. وصرخت فيه بشهقات متتالية تحمل أنين ووجع يحرق وداي: ليه؟ ليه إنت يا إدريس من وسط الناس تشك فيه؟ بقيت أنا أخونك مع مهند؟ أنا قلبي ما فيهوش غيرك، حبي وعشقي. إنت إزاي تشك فيه؟
أنا ناريمان حبيبتك. المفروض إنك حمايتي. إنت اللي تدافع عني وتجيب لي حقي. مش تصدقهم من مجرد حتة فيديو اتبعت لك. وفيه إيه؟ مهند مسكني من إيدي ومقرب مني وبـ يبوسني غصب عني، وده واضح. بس والله ما حصل أكتر من كده.
هي تقول ذلك، وإدريس يتخيل الموقف ويشتعل غيرة وغضبًا أكثر. بس يرجع يهدي بمجرد النظر في عيون ناريمان التي كأنها ليل حزين باكي. قلبه يوجعه، بل ينشق نصفين، ويتمنى أن يخرج ويضعها فيه حتى لا يراها غيره. بس يقاوم هذا ويظهر القسوة على ناريمان. ويتركها ويعطيها ظهره وهو يتنفس بصعوبة، وقلبه يأنبه بشدة على قسوته تلك.
أما ناريمان فتجمدت مكانها من الصدمة وبكت أكثر. ولسه هتمد يدها وتلمس كتف إدريس، يتحرك هو خطوة ويخرج من الباب وهو يعطيها ظهره، ويتحدث: إنتي مش هتشوفي العيال تاني. ولا هتخرجي من هنا. ده سجنك يا ناريمان. ألقى بكلماته، وقبل أن يتحرك خطوة، يجد من يمسك يده ويجذبه إليه فيجبره على الالتفاف إليها. ويجد صفعة مدوية من ناريمان: مش أنا اللي يتقال لي كده! وما حدش هيحرمني من عيالي، حتى لو كان أبوهم. يصعق إدريس من تصرفها.
إدريس بغضب يجذبها من يدها: بس دول مش عيالك، ولا متسجلين باسمك. إنتي مجرد مرات أبوهم. فوقي من الوهم ده. قبل أن تنطق ناريمان، التي قلبها مات من كلام إدريس، تجد صوتًا مجلجلًا يدافع عنها، وكانت أمل:
لا يا إدريس. هما ولادها، هي اللي ربت وكبرت وسهرت. هي الأم البيولوجية، هي الأم الحقيقية. وإنت وأنا عارفين ده كويس. ومن نهارده إحنا مش هنكلمك غير أما ترجع لعقلك وتعرف إنت بتقول إيه. يلا يا ناريمان نروح نجيب عيالك من المدرسة ونطلع على ماما حرية وجدتنا غني تشوف حل في المتخلف ده. سلام يا...
وابتسمت أمل ساخرة وسحبت ناريمان التي تبكي في صمت، وعيناها تعاتبان إدريس بقسوة محب. وكانت نظراتها مثل جمرات أمطرت على قلب وروح إدريس أحرقته. وأول ما خرجوا وأحكموا إغلاق الباب، انهار إدريس باكيًا: أنا آسف يا حبي يا قلبي. أنا عارف إنك مظلومة ومستحيل تعملي كده. ودي خطة حقيرة من فارس وأمه الحرباية سميرة. بس لازم أعمل كده عشان حياتك يا حبي. بس مسير الأيام تعرفك إن قلبي عمره ما يعيش من غير نبضك. بحبك أوي أوي أوي.
وفجأة يفتح الباب ويدخل عمار. فيمسح إدريس دموعه ويخفي وجعه بداخله. عمار: ها، إيه الأخبار؟ إدريس ببرود: كله تمام. ناريمان وأمل والأولاد راحوا عند جدتي، يعني هما في الأمان. ها، إيه آخر أخبار فارس وسميرة؟
عمار: فارس بعد ما خرج من المصحة، لقي سميرة مستنياه على باب الخروج وركبوا وراحوا في بيت مهجور مطرف في منطقة منعزلة. وبعد التحريات عرفت إن البيت ده تبع أبو مهند. وإن سميرة كل الوقت ده مستخبية فيه. وأظهر إن أبو مهند بيلعب لعبة حقيرة عشان يكسب الشركات ويبتقم من غني ومنك ويخلص من أبو مازن. كل ده في خبطة واحدة. وأولها إن مهند رجع مصر عشان ينفذ خطة الفراق بينك وبين ناريمان، وإنت تقتله، وهو يدخل السجن، وناريمان تبقى من نصيب
فارس. طبعًا أمه متعرفش ده. إحنا عرفنا من سالي، الضابطة المسؤولة عن مراقبة فارس. وهي كسبت ثقته في فترة قصيرة، أما كان في المصحة. وإحنا عرفنا إن سميرة بتزوره، فقررنا نزرعها في المستشفى بصفتها ممرضة. وبكده تقربت من فارس وأصبحت موضع ثقته.
إدريس: أنا لازم أدفعه هو وأمه تمن كل الخطايا والكوارث اللي سببوها لي الجميع. الحساب قرب أوي على التصفية. ومصير الوجوه تتقابل وساعتها هوريك يا فارس الندامة. في مكان تاني. سميرة: تمام كده. خطتنا ماشية في طريقها المضبوط. جاه دلوقتي... دورك يا فارس. فارس بشر وحقد وكراهية: أكيد يا ماما. جاه وقت الحساب وهبتدي. بسلمين، وهرجع ابني منها. سلام يا ماما، أنا ماشي. وانطلق فارس، وبعد فترة يصل لمكان ويدخل إليه وهو يضحك بشر وخبث.
فارس: إزيّك يا حلوة. يا ترى لسه فاكراني ولا... تصرخ سلمين وتبكي: لا لا، ابعد عني. أنا بكرهك. يقترب منها فارس ببرود ومكر: بس يا حلوة، إنتي كنتي بتدوبي في التراب اللي بمشي عليه. فكرة نسيت؟ ترمق سلمين بقرف واحتقار: أنا بكره جسمي ونفسي اللي كان بيتنفس نفس الهوا اللي كنت بتتنفسه، وجسمي اللي كنت بتلمسه. أنا بحتقرك، مش بكرهك. سيغضب فارس ويجذبها من شعرها: وده من إمتى يا رخيصة؟
لولا ابني، لا كنت دفنتك مكانك. إنتي إزاي تسمحي لرجل غيري يلمسك وابني يتكتب باسم رجل تاني؟ سلمين بتصرخ: آه! سيب شعري يا واطي. هيطلع في إيدك. آه آه آه. إنت حقيير. هو أشرف من عشرة من عينتك. إياك تجيب سيرته على لسانك. تتجنن فارس ويصفعها بقوة، فتسقط أرضًا من أثرها، ويضحك بشر: أنا بقي هوريكي أنا حقير إزاي. وخلع قميصه وانقض عليها زي الذئب الذي ينهش في جسد الفريسة. وسلمين تصرخ وتحاول أن تدفعه إلى أن...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!