انقض ذاك الشخص على ناريمان والابتسامة الباردة تزين شفتيه، وعيناها تلمع بكل خبيث ومكير. ارتجفت ناريمان خوفًا وظلت عينها تراقب إدريس، الملقى على الأرض فاقد الوعي. تراقبه تارة، وتبحث بعينها في الحضانة على أي شيء ينقذها. وتارة تنظر للطفل الصغير الذي نائم في مهده لا يشعر بما يحدث حوله، وباقي الأطفال صامتين.
وناريمان عاجزة حتى عن إصدار أي صوت استغاثة، بسبب أن ذاك الشخص مصوب نحو الطفل مسدسًا وبه كاتم للصوت، وحذرها بنبرة كلها تهديد. الشخص: لو سمعت صوتك ده، حتى لو بهمس أو بدمعة، قسمًا بالله هقتله. أنتي بقى وشوقك. هزت ناريمان رأسها بمعنى حاضر، وهدأت تمامًا. لكن هذا ظاهرها، أما داخلها فقلبها يصرخ ويبكي خوفًا ورعبًا بأي سوء قد يصيب صغيرها أو إدريس. ودار في بالها أسئلة محيرة، فتحدثت في سرها.
ناريمان: يارب اعمل إيه بس، أنا حاسة بالعجز والشلل. يارب ساعدني، بلاش عشان خاطري ساعدني عشان خاطر صغيري الملاك. ونظرت للطفل بكل حب وخوف. يعجب الشخص بلهفة ناريمان وخوفها على الصغير، وقال في نفسه. الشخص: هي لسه فيه فتاة عندها النقاء والحنان ده، دي زي ما تكون أمه. أنا مش... لأ، فوق كده. كلهم واحد. اجمد كده، إياك تكون فرفور. كفاية اللي حصل زمان، أما سمعت كلام قلبك. وبعد صراعه مع ذاته، استعاد السيطرة على نفسه.
في تلك الأثناء، كانت ناريمان تبحث عن أي وسيلة تنجدها من تلك الورطة. فتذكرت أنها تضع محلول مطهر في جيبها من أجل التعقيم. أصل ناريمان عندها الوسواس القهري للنظافة. وهذه المطهرات والمناديل المعقمة لا تفارق جيبها. فتنهدت براحة وابتسمت بخبث، وعزمت على تنفيذ ما خطر في بالها من خطة. هذا هو السبيل الوحيد لإنقاذها هي والطفل. الشخص: إنتي سرحتي في إيه؟ لاحظ ناريمان ارتعاش يده القابضة على المسدس، ونظرة إعجابه بها.
فابتسمت بمكر واقتربت منه برشاقة، جعلت الشخص يتعرق بشدة وأنفسه تتعالى، والتوتر ظاهر عليه. وهذا أسعد ناريمان. فنظرت للشخص بدلال ورغبته فيها بشدة. الشخص متوتر مرتبك، يراقبها. عيناه لا تفارقها في أي همسة تفعلها، ولم يلاحظ أنها تخفي زجاجة المطهر الصغيرة التي أخرجتها من جيبها وهو لا يشعر بشيء. الشخص يتلعثم في نطق الحروف: إنتي بتعملي إيه؟ مش عاوز أسمع صوتك. تعالي هنا عندي بسرعة.
نظرت ناريمان للساعة الموضوعة على الحائط، وتنفست بسعادة أول ما رأت عقرب الساعة يقترب من الساعة ١٢ منتصف الليل. فتلك موعد قدوم فارس. فتلك موعد مناوبته الليلة، فكل ليلة يناوب من ١٢ لي الساعة ٥ صباحًا، ويقضي معظم الوقت في ملحقها طوال الوقت يلحقها مثل ظلها. كانت تتأفف وتتضايق من هذا، وتتمنى ألا تراه. وكانت تتشاجر معه وتسبه بأي العب الشتائم. هي الآن تتمنى وجوده. وتنتظره بفارغ الصبر.
تقترب ناريمان من ذاك الشخص الذي عض على شفتيه أول ما ناريمان أزاحت وشاحها عن رأسها مدعية سقوطه. أول ما أزاحته تسمر الشخص في مكانه، وبرق عيناه من جمال ناريمان التي تخفيه بحجابها. ودون إدراك صفر ذاك الشخص بإعجاب. لم يحرك ساكن أكثر من الصفير، واكتفى فقط بالمراقبة. ناريمان تشجع نفسها. ناريمان: اجمدي يا ناريمان، خلص كلها ٥ دقايق وفارس المهوس هيجي. تشجعي كده واستعيني بالله.
فعلاً تشجعت وتقدمت من الشخص اللي مش متحمل، وكان على وشك التسليم. اقتربت والشخص على وشك الاشتعال، وانفاسه عالية متلاحقة من شدة توتره وانفعاله. الشخص: لأ كده كتير. إنتي ملكيش حل. أنا... مازن النوري. لم يكمل، وقامت ناريمان برمي المطهر على وجهه وعينيه. فصرخ مازن بوجع: آآآآآه. عيني! ورمي المسدس، الذي التقطته ناريمان بسرعة وصوبته نحوه. وأطلقت رصاصة في قدمه، فصرخ مازن بوجع وألم. مازن: آآآآه. رجلي.
ووقع على الأرض وهو يصرخ من ألم قدمه وعينيه التي تحرقه. فمسك قدمه وصرخ بغل وغضب. مازن: ناريمان! والله ما أسيبك، هدفعك التمن غالي. ويبتسم ساخرًا من ناريمان اللي مصوبة نحوه المسدس. وبتهدده بيه، فيسخر منه. مازن: هو إنتي فاكرة نفسك تقدري تضربي منه رصاصة؟ أشك. روحي يا حلوة، العبي بعيد وهاتي أحسن يجرحك. تتغاظ ناريمان منه. ناريمان: أنا مش بهزر. إياك تقرب. أنا صوبت المرة اللي فاتت في قدمك. طيب كده، إنت حر.
بس مازن فضل يقرب منها. راحت مصوبة المسدس، بس رصاصة جت في الهوا. فتراجع مازن بتعجب وغل. أول ما ناريمان أطلقت النار، وقفت أمامه وصوبت نحوه المسدس. فهي لا تستطيع الفرار وترك الصغار بين يد ذاك المجرم. مرت ٣ دقائق بس، مرّت على ناريمان وكأنهم أكثر من ألف عام. الوقت ثقيل لا يمر. ناريمان على وشك الوقوع، ولكنها تتماسك. كل ما تتذكر عيون الصغار وضحكتهم.
ناريمان: أي حركة هفجر دماغك. أظن إني طلعت مش بهزر. اللي جاية في دماغك. إنت سامع؟ لزم مازن مكانه ويجلس على الأرض وهو يرمقها بنظرات التهديد والوعيد. مازن: والله لأدفعك التمن غالي. صبرك. إنتي متعرفيش أنا مين. ابن مين. أما خليتك حياتك سواد. إنتي دخلتي سباق عذاب مازن النوري. تنظر له ناريمان بلا أي أهمية وكأنه سراب. وتقترب منه خطوة وتبتسم بسخرية. ناريمان: ولا يهمني، فلتذهب للجحيم أنت وكل عيلتك. وقبل أن يرد مازن، يصل فارس.
أول ما شاف كده، جري بكل قلق ولهفة عليها والغضب ينطلق من عينيه. ويقف وراء ظهرها. فارس: إنتي كويسة؟ الحقير ده عملك حاجة؟ ناريمان: لأ، بس إدريس مش عارفة ماله. ولكن يرد عليها صوت أنين إدريس الذي فاق على وجع كبير في رأسه. ووضع يده على رأسه. إدريس: آه يا راسي. إيه اللي حصل؟ وينهض وهو يتمتم باسم ناريمان. أول ما شاف اللي حاصل، جن وبرق عيناه بكل غضب.
ومن كتر غضبه، نسي ما به من وجع وجري على مازن وأنقض عليه وأنهال عليه بضرب مبرح وهو يصرخ بغضب ووجع. إدريس: هو إنت إيه؟ مش بتحس؟ مش كفاية اللي حصل منك زمان، عايز مني إيه تاني؟ اخرج برة حياتيييي! هقتلك يا مازن، هقتلك! وما يخلص مازن من بين يديه إلا فارس الذي جذبه مبعدًا إياه عن مازن بالعافية. ومازن تقريبًا دمه اتصفى وغاب عن الوعي. في تلك الأثناء، وتحديدًا في شركة النوري. وهو فين؟ إزاي مش لاقينه؟ هو عيل؟
ده شاب. إزاي يعني يختفي عن عيونك؟ أومال أنا بدفع لكم مبالغ ضخمة ليه؟ ردي عليّ. يا مصطفى فين مازن ابني؟ تعرف لو حصله حاجة أنا هحرقكم. مصطفى مرعوب من الغاضب المشتعل قلقًا على ابنه الوحيد. مازن، ذاك الشاب المجنون المتهور. مصطفى بتوتر: يا باشا، ما أنت عارف إنه محدش يقدر على مازن باشا، وإنه مهوس بفكره الانتقام من إدريس المنيري. وحضرتك مش فاضي ليه؟ وإحنا تعبنا.
يلتفت إليه إدريس النوري: أيوه، اسمه إدريس. ودي بقى حكاية تانية. ويرمقه بنظرات حارقة. وقبل أن ينطق، يرن هاتفه. وأول ما يرد يصرخ بغضب: مازن! ويجري بعاصفة من الجحيم تلحقه وتحرق كل ما في طريقها. وبعد فترة من الزمن، يصل للمستشفى. وأول ما تلمس قدمه أرض المستشفى، تنقلب الدنيا. وهو يصرخ: فين ابني؟ بس يصطدم بـ ناريمان ويصب جمام غضبه عليها. أنا مش هسيبك، إنتي هتدخلي السجن.
وفعلاً، قبل أن ترد ناريمان، تصل الشرطة للمستشفى وتلقي القبض عليها. ويتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!