أول ما الدكتور مازن قال إن حال الصبي في خطر وإنه يصارع الموت، اصفر وجه ناريمان وقلبها وجعها أوي وفضل يدق بسرعة دقات متلاحقة. شعرت ناريمان بالاختناق وعدم القدرة على التنفس، وعينها ادمعت.
ولما تدري بنفسها إلا وهي أمام الحضانة الخاصة بالأطفال، تنظر للصبي الموضوع في الحضانة والأجهزة تحوطه من كل مكان. رات هذا الملاك الصغير يصارع من أجل لا حول له ولا قوة، لونه مزرق وقناع التنفس على أنفه وفم الصغير. بكت بحرقة ناريمان، تلك العيون التي لم تدمع قط، بكت بقهرة على حال صغيرها، التي لم تعرف بأمره إلا من ساعات قليلة.
وضعت يدها على الحائط الزجاجي للحضانة وهي تبكي وتضع يدها على قلبها الذي يصرخ وجع وألم، وهي لا تعرف كيف تنجد صغيرها. وهمست بصوت يحمل كل أنواع الوجع والقهر: ناريمان: يارب نجي ابني، هو ملوش غيرك يارب، ساعده، أنا هموت لو حصله حاجة. وكان يتابعها وهو يبكي على حالها وحال الصغير الدكتور مازن. اقترب منها ووضع يده على كتفها، يطبطب عليها ويواسيها. تلتفت إليه ناريمان بعينيها الزرقاوتين الغارقتين في سحب من الدموع، وبشهقات
متلاحقة مريرة تتحدث: ناريمان: أرجوك يا دكتور انقذ ابني بأي وسيلة، أرجوك، أبوس إيدك. وانحنت على يده حتى تقبل يده. يسحب مازن يده بسرعة ويلحقها في الرد بلهفة:
مازن: استغفر الله، وأكيد هعمل كل اللي عليا، ده ابن إدريس صاحب عمري، بس لازم تضحي وتتبرعي بدمك عشان فصيلة الأطفال نادرة جداً، وهما اتولدوا بصعوبة واتولدوا في السابع، وكمان اتعرضوا لمشاكل في رحم الأم عشان هي اتعرضت لحادث سيارة، وده سبب الولادة المبكرة. والمشاكل دي سببت نقص في الأكسجين وتلوث في الدم عند الأربع أطفال. أما الصبي كان عنده ثقب في القلب واتعمل له عملية، بس محتاج دم كتير، بس الفصيلة نادرة ومش موجودة، وهي نفس فصيلتك، وده سبب إن إدريس راح عندك، إنتي الأمل في حياتهم. القرار ليكي.
بدون كلام، دخلت ناريمان أوضة التعقيم، وبعدين الحضانة، وأزاحت الأكمام للدكتور مازن، الذي ابتسم من موقفها الغير متوقع. مازن: إنتي متأكدة مية في المية؟ ده احتمال يأذيكي، إحنا مش عارفين كم من الدم نحتاج. تنظر إليه ناريمان بثقة وتمد ذراعيها: ناريمان: شوف شغلك يا دكتور، المهم إن ابني يخف. وفعلاً شرع مازن في نقل الدم، وبقت ناريمان تنظر بأمل للصبي الذي أحبته من أول نظرة، بل أسر قلبها.
في نفس اللحظة، أمل اللي قلبها توقف، والأطباء بيحاولوا إنعاشها. وإدريس جالس على الأرض أمام غرفة أمل، يبكي ويبكي ويدعي ربه إن ينقذ أمل. والدموع مغرقة وجهه، ويسند على الباب، وقلبه تقريباً لا يشعر به. وبصوت يكسر كل قيود الوجع والحزن والأسى: إدريس: أمللللل! إياك تسبيني، أملللل! يا قلبي يا روحي، من غيرك الحياة لا تحتمل، أملللل!
يارب اشفيها، هي روحي. أمل إنتي استحملتيني وأنا كنت عاجز عن الخلفه، وتحملتي كلام الناس وأهلي، وقولتي إن السبب منك، بس أنا كنت السبب وكنت بتعالج. ويوم ما أصبح قادر على الإنجاب والفرحة مش سايعاه، نكتشف إن مخزون البويضات على وشك النفاذ، وإن مفيش غير ٥ بويضات. أملللل!
إزاي وإنتي عمرك كله ٢٤ سنة تبقي يا قلبي من النسبة البسيطة اللي بيجيلهم المدعو سن اليأس، لا لا لا. وأخوكي أشهر دكتور أمراض نسا وتخصصه الحقن المجهري، دكتور جاي من أمريكا يعمل. ويقطعه صوت خروج سلمين. إلى وجهها مصفره من كتر التعب، ينهض إدريس ويمسك يدها بلهفة: إدريس: ها، إيه اللي حصل؟ إزيها؟ ردت سلمين: سلمين: الحمد لله، إحنا لحقناه بمعجزة، بس... يهزها إدريس بعنف وغضب: إدريس: بس إيه؟ ردي، هو إنتي هتلعبي بأعصابي؟ ردييييي!
انطق! سلمين تصرخ بوجع من إيد إدريس اللي مغروسة في كتفها: سلمين: آهههه! حاسب، إنت بتوجعني، أوعى سني. يسبها إدريس وبغضب يبعد عنها خطوة: إدريس: ها، انطقي بقى. سلمين: أمل للأسف احتمال تفضل في غيبوبة لو مفاقتش منها في خلال ٨ ساعات. إدريس يبكي أكثر وأكثر، ويرفع رأسه للسماء ويدعو ربه: إدريس: إن شاء الله خير، الحمد لله إنها لسه قلبها بيدق. طيب وحال الأطفال إيه؟ سلمين: أنا لسه معرفش، أنا هروح الحضانة. إدريس يمسح دموعه:
إدريس: طيب، أنا هاجي معاكي. سلمين: يلا.
وانطلقوا للحضانة. في الغرفة تنام فتاة في أول العشرينات، جميلة بجمال لا يفوقها أحد. تنام لا حول لها ولا قوة. يقترب منها فارس وهو يبكي بحرقة ووجع على حال أخته الصغيرة، التي يعتبرها ابنته وليست أخته. رغم إن فرق العمر ٧ سنوات فقط، لكن أول ما اتولدت أمل هو من ضمها لحضنه واسماها أمل. علاقة أمل وفارس علاقة تفوق الأخ والأخت، فيها علاقة دافئة كلها حب وثقة، فأمل لا تثق في إنسان زي ما بتثق في فارس، فهو أخوها وحصنها من الأيام.
يرتمي فارس على سرير أمل ويبكي ويبكي: فارس: والله ما كنت أعرف إن قرار غبي هيعمل فيكي كده، أنا بحبك يا قلب فارس. بس ده حصل كله بسبب ناريمان، أنا مش هسيبها في حالها. بس سامحني يا أملي. تتصل سلمين للحضانة هي وإدريس، الذي متلهف لمعرفة حال أطفاله. تدخل سلمين للحضانة: سلمين: ها، إيه الأخبار؟ يبتسم مازن بفرح:
مازن: الحمد لله، حال الصبي في تحسن واستجاب لدم ناريمان. والفتيات الثلاث حالهم تحسن بشكل رائع بسبب دم ناريمان، الحمد لله. ناريمان تنظر للصبي وتبتسم بحب وفرحة وحنان. يتنهد إدريس براحة أول ما شاف حنان ناريمان على الأطفال. ينظر إدريس بامتنان وشكر لناريمان. تبتسم له براحة وتأنيب بمعنى: لا شكر على واجب، ده واجبي.
مرت الساعات الثمانية، الكل في حالة ترقب. فارس مختفي، لا أحد يعرف مكانه. وإدريس عند أمل لا يفارقها، وناريمان عند الأطفال تراقبهم وهي في قمة السعادة. سلمين: ياه، الحمد لله حال الأطفال في تحسن والفضل ليكي، بس إنتي اتاخد منك دم كتير أوي. لازم تعوضي وتأكلي وتنامي، إنتي وشك أصفر وعيونك دبلت كده غلط. تبتسم ناريمان بحب: ناريمان: أنا فرحانة أوي إنهم بقوا بخير، بس هما المهم، مش أنا. ومش هسيبهم غير أما يخرجوا من هنا.
تتسم سلمين: لا هتخرجي، يلا بقى. وشدت يدها عشان تخرج ناريمان مش عايزة، بس فعلاً هي مش قادرة. وتنجح في إخراجها، بس تنصدم في فارس اللي عيونه بتطق شرار وغضب وغل. تتجمد ناريمان في مكانها وترمقه باحتقار وقرف. يجن فارس أكتر، والغضب يعميه، ويشدها من إيدها بكل غل ويزعق فيها: فارس: إنتي السبببب في كل المصايب، برفضك وعنادك جننتيني، وبسببك خسرت أختي، إنتي هتشوفي سوااااد مني.
تتوجع ناريمان وتشعر بالدوار. وسلمين بتحاول تبعده عنها، خصوصاً إنه قربها أوي ليها وحاصرها في الحيط. وناريمان عاجزة عن أي مقاومة وتعبانة. بس يشوفهم إدريس اللي كان جاي عشان يشوف أخبار الأطفال، ويجن أول ما يشوف المنظر ده. ويجري عليهم ويشد فارس بكل غضب وبقوة، ويلكمه في وجهه، فيسقط فارس أرضاً وينقض عليه بالضرب المبرح وهو يصرخ فيه: إدريس: إنت سبب كل المصايب، مش هي! وكل الأطباء والممرضين والمسؤولين على فارس وإدريس.
ويحاولوا إن يبعدوهم عن بعض. وفجأة تصرخ سلمين: سلمين: ناريمان! حد يلحقني! وكانت ناريمان واقعة على الأرض فاقدة الوعي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!