من الجيد أن تمتلك الثقة بالنفس وتعرف حجم قدراتك، ومن الحكمة أن تعرف حدود قدراتك فلا تخوض معارك خاسرة. كان جيش بلعوم صاخبًا، انطلق وسط الأهازيج والأغاني تحت حماية الغابة. عرفت به الريح والطيور والبشر والحيوانات. لا يخفى على أحد أن بلعوم يمتلك جيشًا ضخمًا من أكبر الجيوش، جيش لا مثيل له في وحشيته، ولم يقف أمامه في حرب إلا جيش الشمال تحت راية قائده أرسان.
وكان لدى بلعوم ميزة يفتقدها خصومه، يروي الغابة بدماء الأسرى، والغابة تخفيه عن عيون أعدائه، لذلك لم يتعرض للغزو أبدًا، فلا أحد يعرف مكانه. جيش الشيطان هكذا كان يُلقب. نقلت الريح للحكيمة أخبار الغزو الوشيك، وكان من المؤكد عدم القدرة على الوقوف في وجه جيش بمثل تلك القوة. رفعت الخيام وحُملت فوق ظهور البغال، سيرحل الحكماء مرة أخرى، متمنين من كل قلوبهم أن يتحركوا بسرعة تكفيهم للهرب.
وخلال نصف نهار، شد الرحال ناحية الشمال، يقود الطريق العجائز والنساء والأطفال. بقيت كارولين وفرقتها، وأصرت الحكيمة على البقاء معهم. رغم كل شيء، كان لديها خطتها. اجتمعت بالفرقة، وبعد أن صمتت حتى ظن البعض أنها لن تتحدث مرة أخرى، فتحت فمها. "جيش بلعوم لا يعرف بأمر رحيلنا." توجهت الأنظار إلى الحكيمة. صمتت الحكيمة مرة أخرى، وفي صمتها تجلى القلق. "سهاجم جيش بلعوم." سرت همهمة بين أفراد الفرقة. رسمت الحكيمة على الأرض خريطة.
"جيش بلعوم يسير في هذا الطريق. بعد نصف يوم سيكون هنا." "سهاجمهم عند تلك النقطة." وصوبت إصبعها مثل خنجر على الخريطة. قالت كارولين: "يعني سنكمن بين الأشجار حتى يعبرنا الجيش، ثم نهاجمه من الخلف." "بالضبط. إنهم لا يعرفون عددنا ولا قوتنا. سنشن غارات على مؤخرة الجيش قبل أن يغادر الغابة." مع اختفاء آخر جندي من جيش بلعوم، انطلقت الفرقة في شن هجماتها.
هجمات سريعة مباغتة، غرضها قتل أكبر عدد وتعطيل الجيش ومنح عشيرة الحكماء وقتًا للهرب. وكانت الفرقة تحارب كرجل واحد، تحيط بعدد قليل وبسرعة ونظامية تحاصرهم وتقضي عليهم. سرت البلبة في جيش بلعوم وتوقف عن السير. "المؤخرة تتعرض للهجوم." "استقبل الجيش الناحية الأخرى. اتركو لي الوحوش،" أمرتهم كارولين. "عليكم بالجنود." صدت الفرقة أول هجوم عشوائي ولم يُجرح ولا فرد منها. همست الحكيمة: "حان وقت الرحيل."
كان الجيش كله يستعد لمهاجمتهم، وكانت الخطة السير تجاه النهر ثم الهرب شمالًا. كارولين أكثرهم سرعة وقوة، كانت في المؤخرة. بقوتها كانت تعترض الوحوش والضباع وتسحقهم. انطلق الجيش خلفهم بكل قوته دون أن يتخلف جندي واحد. لمعت مياه النهر الذهبية تحت أشعة الشمس، وكانت مسألة وقت قبل أن يتمكنوا من الهرب. لاحَت الضفة الغربية من النهر، وكان عليها عدد لا نهائي من المستذئبين تحت قيادة هان.
أصبح عبور النهر أمرًا مستحيلًا. لم يتوقع أحد ذلك. إلا أن المفاجأة الصادمة كانت في ظهور بلعوم وسينستر يغلقون طريق الهرب. حُصرت الفرقة بين الجيش الذي يركض خلفها، وبين بلعوم ووحوشه. ابتسم بلعوم. "ونظر إلى سيبينسر: وليمة معتبرة، أليس كذلك؟ "وعدتك بلحم بشري." ثم ضحك بغرور. "لا مكان للهرب،" همست الحكيمة الذئبة بثبات. قلق. "سيقضون علينا." "خطتنا تم تسريبها. يوجد بيننا خائن." همست كارولين وحدها بتلك الكلمات. "سنموت هنا!!
قررت كارولين: "لن نموت ونحن نركض هاربين مثل قطيع من الخراف." تجمعت الفرقة باستسلام وشكلت دائرة مغلقة من الدروع الخشبية. "أي جندي يحاول اختراق الدائرة لابد أن يُنحر. إذا كنا سنموت في النهاية، علينا أن نقتل أكبر عدد منهم." قالت الحكيمة: "سيبينسر لن يمنحنا فرصة. أرى ذلك في عقله." صرخت كارولين: "اتركوا أمر سيبينسر لي أنا. لابد أن تثبتوا على الأقل حتى ينفتح ممر يمكن الهرب عن طريقه." "حياتكم ملك أيديكم." وخرجت برة الدائرة.
مثل سفينة في محيط هائج، أحاط جيش بلعوم بالفرقة من كل جهة، آلاف مؤلفة من المقاتلين والوحوش. كارولين خارج الدائرة، تركل وتضرب وتقفز وتشُق بسيفها الضباع والوحوش. همس بلعوم: "إنها ليست مخلوقًا عاديًا. سيبينسر، أقضِ عليه." ركض سيبينسر وكان يقتل في طريقه كل من يقترب منه. بذيـله الناري وأنياب تقطع الحديد. شعرت كارولين بالخوف عندما لمحته يركض نحوها، وكانت محاصرة بعشرة جنود. وصل سيبينسر وضرب بزيله ضربة سريعة وقوية.
"أخذت كارولين بالها. انحنت على الأرض وتساقطت عشرة رؤوس أمام عينيها، قطعها ذيل سيبينسر الناري." صوب سيبينسر عينه النارية على كارولين، ورأت نفسها داخل عينه قزمة صغيرة. ضربها مرة أخرى بذيله، قفزت كارولين فوق الذيل ولم تُصب. قفز سيبينسر الآخر وضربها بجسده في أثناء الطيران. طوحتها الضربة لبعيد ودحرجتها على الأرض. نهضت كارولين من سقطتها وشقت رجلين اقتربا منها بسيفها. ورأت فرقتها تتقهقر والقتل يكثر فيها.
أغمضت كارولين عينيها. "اجمعي قوتك، كارولين. امنحيهم بعض الوقت." ضرب سيبينسر الأرض بحافره وقذف كتلًا من الطين والتراب بحجم صخرة، ثم ركض بكل سرعته تجاه كارولين بفم مفتوح. تحولت كارولين لذئبة ضخمة بعيون زرقاء لامعة مثل السماء. وركضت تجاه سيبينسر متجهة نحو ارتطام لا أحد يتوقع نتيجته. ورغم السرعة لم يتخلَّ واحد منهم عن طريقه. ابتسم بلعوم. "وهذه نهاية ذئبة أخرى من سلالة هان العظيم."
ارتطم الجسدان ببعضهما، وحدث صوت مثل انفجار قنبلة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!