خرج من الغرفة لا يكاد يرى شيئا أمامه. كانت أم أحمد تضع السفرة، وما أن رأته وهو في تلك الحال حتى توجهت نحوه بخطى واهنة. -طمنيني يا ابني، البنت اتكلمت؟ قال بضيق خفي: -أيوه يا خالتي.. اتكلمت. ثم همس في سره: -ويا ريتها ما اتكلمت. -طب الحمد لله.. أومال مالك يا ابني؟ لم يستطع الكلام، كيف سيقول لها إنها رفضته. -مفيش يا خالتي، أنا طالع أوضتي أرتاح. -مش هتتغدى؟ -لا مليش نفس، كلو أنتو بالهناء والشفاء.
شعرت بضيقه ونظرت لطيفة بحزن، بينما يصعد تلك السلالم بصعوبة: -يا ترى إيه اللي حصل يا ابني؟ ثم نظرت إلى غرفتها وقالت: -بيقول اتكلمت.. ومع كده مقهور للدرجة دي! يبقى أكيد ما كانش الكلام اللي قلبه كان عاوز يسمعه. تنهدت بعمق ثم توجهت نحو غرفتها. طرقت طرقا خفيفا قبل أن تدخل. مالكت فيها أميرة أعصابها وحاولت أن تظهر بمظهر القوة، فمسحت دمعها وتجلدت بسرعة البرق. تقدمت أم أحمد نحوها بهدوء تطالع ملامح وجهها بإمعان.
-مساء الخير يا بنتي.. البيه قال إنك اتكلمتي.. الحمد لله على سلامتك. أميرة بتحفظ: -الله يسلمك. -أنا عرفت نفسي امبارح واتكلمت كتير، بس خليني أعرفك عليا تاني.. أنا خالتك أم أحمد. -تشرفنا يا خالتي.. أنا أميرة. -عاشت الأسماء.. بقولك إيه يا بنتي.. الغدا جاهز، أجيبلك هنا ولا تحبي تطلعي بره ونتغدى أنا وانتي سوا؟ أميرة بحزن تحاول اخفاءه: -لا يا خالتي، مليش نفس.. شكرًا.
-هو إيه اللي ملكيش نفس.. انتي عيانة ولازم تاكلي كويس عشان ترمي عظمك.. أنا عملت شربة فراخ هتعجبك أوي. -معلش يا خالتي، سيبيني براحتي، لما أحب آكل هأقولك. لاحظت ضيقها الذي تحاول أن تخفيه جاهدة، وحاولت أن تتصرف بعفوية لإخراجها منه. -بصي يا بنتي، احنا هنا في غربة وما لناش غير بعضنا.. يا ريت تعتبريني أمك وما تتكسفيش مني.. ولو مش بتحبي شربة الفراخ وفي نفسك حاجة تانية أنا هأقدر أعملهالك، مش هأتأخر.
أحبت أميرة سماحة العجوز وطيبتها، مع أنها لا تعرفها سوى منذ يوم، وها هي ذي تعرض عليها أن تكون أما لها. فابتسمت بحب وقالت: -أنتي طيبة أوي يا خالتي أم أحمد.. ربنا يخليكي.. أنا بحب شربة الفراخ بس والله آسفة، مش قادرة آكل دلوقتي. بادلتها أم أحمد بابتسامة: -الناس الطيبة بتعرف بعضها يا بنتي.. وبراحتك خالص، مش هأغصب عليكي. ثم أردفت بمرح:
-طب احنا هنعمل اتفاق.. من بكرة انتي اللي هتقولي لي الأكل اللي بتحبيه وأنا اعملهولك، عشان ما تفضليش على لحم بطنك كده.. إيه رأيك؟ تبدلت ملامح أميرة للضيق ثانية ما أن ذكرت الغد أمامها، وقالت بابتسامة تخفي وراءها حزن عميق: -يا ريت كنت أقدر.. لأني ما لحقتش أتعرف عليكي كويس ولا أشبع من حنيتك يا ست يا طيبة. أم أحمد بتساؤل: -ليه بتقولي كده يا بنتي؟ أميرة بنفس الابتسامة الحزينة: -لأني مسافرة بكرة يا خالتي. نظرت أم أحمد إلى
رجلها المجبسة وقالت بدهشة: -مسافرة!! مسافرة إزاي وأنتي في الوضع ده؟ وبعدين هتروحي فين؟ اللي سمعته إنك ملكيش مكان تروحي عليه. -لا يا أم أحمد.. أنا عندي خالتك في مونتريال. قالتها أميرة بانكسار. فهمت أم أحمد أن هناك أمر ما.. من المؤكد أنها لم تتقبل الفكرة إذن.. رفضت البقاء.. لكن لماذا؟ -طيب يا بنتي، ربنا ييسر لك أمورك ويسترها معاكي.. طب لو جعتي أمانة اندهي عليا، أنا أوضتي جنبك.. عن إذنك. -اتفضلي يا خالتي.
خرجت من الغرفة وهي تهمس: -كده أنا عرفت إيه اللي مضايقك يا ابني.. وبعدين معاكم انتوا الاتنين، شكلكم أعند من بعض! كانت تهم برفع السفرة حين رأته ينزل السلالم مسرعا وهو يتكلم عبر الهاتف بتذمر. -قلتلك ما أقدرش يا منذر.. اتصرف انت يا أخي. -بس يا بيه أنا واقف على أشغال الصيانة اللي في المصنع، ما أقدرش أسافر أونتاريو وأسيبهم! -ما دام ما تقدرش تسافر يبقى اتصل بريتشارد هناك وخليه يعاين هو البضاعة ويبعتلك الصور. -بس يا بيه..
-نفذ اللي قلتلك عليه يا منذر، أنا مش فاضي دلوقتي. أقفل الخط وهو يهمس بضيق: -أنا في إيه ولا في إيه بس! قال أسافر أونتاريو قال. -خير يا بني؟ انتبه لوجودها أخيرا، فتنهد بعمق وقال: -مفيش يا أم أحمد.. دي شوية مشاكل في الشغل. -طب أنت طالع تاني ولا إيه؟ ياسين: -لا مش طالع.. أنا بس كنت عاوز أقعد في الجنينة أشم هوا نضيف، حاسس جو الأوضة خنقني. أم أحمد: -طب تسمحلي! عاوزة أتكلم معاك في موضوع. ياسين باستسلام: -اتفضلي.
خرجا إلى الحديقة الخلفية وجلس ياسين ينظر إلى تلك الورود بشرود لبعض الوقت، ثم انتبه حين بدأت أم أحمد في الكلام وهي تلمس تلك الورود بعناية. -فعلا هوا الجنينة بيرد الروح ومنظرها بيشفي القلب العليل.. خصوصا الورد.. حلو أوي.. ربنا يباركلك فيها يا ابني. ياسين بشرود: -ده بفضل وزير.. أنا معرفش حاجة عن الورد ولا الزرع.. هو اللي مهندس الجنينة ولولاه ما كانت هتبقى جنة كده. أمسكت وردة رائعة وأعطته إياها وهي تقول بمكر:
-يعني قصدك لو غاب وزير هتسيب الجمال ده كله يذبل؟ -هو هيغيب فين يعني؟ ماهو ساكن هنا ومش بينزل مصر إلا كل فين وفين. فكرت قليلا ثم قالت بتذكر: -وزير ده ابن الجنايني محروس مش كده؟ -أيوه هو. -افتكرته.. الله يرحمه كان بيشتغل بحب وبيعمل الورد والزرع والشجر على إنهم ولاده.. ومع كده أبوك الله يرحمه ما كانش معتمد عليه زيك كده.. كان بيعرف يهتم بجنينته بنفسه.. مش في إجازة الصيف كان بيدي محروس شهر يروح يزور أهله في مصر؟
ياسين بتساؤل: -أيوه. -طب مين كان بيهتم بيها في غيابه؟ -بابا الله يرحمه.. كان بيهتم بيها بنفسه. -طب وبعد ما مات محروس الله يرحمه مين كان بيهتم بيها؟ -كمان بابا فضل يهتم بيها لحد ما وزير سقط ثانوية عامة واشتغل هو جنايني بدل أبوه.
-بالظبط كده يا ابني.. يعني صحيح وزير بيعرف شغله و بيهتم بالجنينة كويس.. بس ده من باب الواجب مش الحب.. هو بيقبض مرتبه من الاهتمام ده.. بس الجنينة باللي فيها بتاعك أنت.. يعني مسؤولة منك أنت ومحدش هيقدر يحبها أكتر منك أو يهتم بيها أكتر منك. فكر في كلامها وفهم تقريبا ما كانت ترمي إليه، لكنه لم يعلق. بينما أمسكت أم أحمد بخاخ مياه كان بالجوار وراحت تطلق رذاذا من الماء على تلك الورود وهي تقول:
-الوردة من دول مع أنها مش بتنطق بس أبوك كان بيفهمها ويعرف هي عايزة إيه وإمتى.. ده اللي كان مخلي الجنينة بتاعتكم طول السنة مفتحة وريحتها حلوة وشكلها بيشرح القلب حتى لما محروس ما يكونش موجود، وده اللي كان بيخلي كل الناس حاسدة أبوك عليها.. الله يرحمهم جميعًا. علم مغزى كلامها وفهم ما الذي تحاول الوصول إليه، فقال بتساؤل: -قلتيلي محتاجاني في موضوع؟ خير يا خالتي؟ أم أحمد: -أنت اللي محتاجلي يا ابني.. مش أنا.
طرق ياسين برأسه ولم يعقب. صمتا لبعض الوقت ثم أردفت أم أحمد: -ياسين يا ابني، أهلك الله يرحمهم أفضالهم كانت مغرقانا، محمود بيه صان عشرة الجيرة زمان وبعث إقامة لعمك سليمان الله يرحمه ووظفه عنده وكمان بناله البيت اللي حيلتنا.. والست إلهام ما كانتش مقصرة معايا في حاجة، أكل ولبس ومدرسة لأحمد، ألف رحمة ونور تنزل على تربتهم جميعًا بجاه النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وبركة يوم الجمعة ده.
-عليه أفضل الصلاة والسلام.. أمين يا رب. فأكملت أم أحمد: -وأنت وأحمد اتربيتوا سوا وياما لعبتو في المصنع سوا وكنت أنت وخالد زي إخواته الكبار بالضبط.. يعني أنا معتبراك ابني التاني. ياسين بصدق: -عارف يا خالتي. -يبقى بلاش تتكسف مني.. وقل لي بصراحة اللي شاغل بالك، يمكن أقدر أساعدك باللي أقدر عليه. ياسين بارتباك: -مفيش يا خالتي.. كل الموضوع إني مضغوط شوية.. ما انتي شايفة اللي بيحصل. -رفضت مش كده؟
تنهد بحزن ولم يجد بدا من إخفاء الأمر، وهي محقة.. هو بأمس الحاجة لمن يبوح له ولو بالقليل من ألمه.. فكل ما مر به في حياته في كفة.. وما يحدث له الآن في كفة أخرى.. لم يكن ضعيفا أبدا لهذه الدرجة.. لكنه الخوف من فقدانها.. جعله حقا عاجزا عن التفكير. -أيوه.. ومش بس كده.. دي طلبت الطلاق كمان. -ليه.. إيه اللي حصل؟ صمت قليلا ثم فجر البركان الموجود بداخله.
-مش عارف إزاي دخل الموضوع في بعضه فجأة، لقيتها اتضايقت أوي ولقيت نفسي من لخمتي بحاول أبررلها بأي كلام.. قلتلها إني كنت مضطر لكده وإلا ما كنتش هأقدر أنقذها وإني وعدت القنصل لو ما كانتش موافقة هاخدها لحد عنده ونتطلق. -وأكيد أول ما قلت كده قالتلك إنها مش موافقة وطلبت الطلاق؟ ياسين بضيق: -أيوه وطلبت أرجعها عند خالتها.. مع إن خالتها دي بلغت عنها وكانت هتدخلها السجن ورمتها في الشارع.. وأنا اللي عملت كل ده عشانها.. ليه!
ليه بس أنا مش فاهم. وضعت أم أحمد يدها على كتفه بمواساة وقالت بهدوء: -غلطان يا ابني.. ما كانش لازم تحسسها إنك اتجبرت على حاجة معاها.. أي وحدة مكانها عندها كبرياء وعزة نفس ما كانتش عزة نفسها هتسمحلها توافق وهي حاسة إن الظروف أجبرتك تتجوزها غصب عنك. ياسين باندفاع: -بس أنا مكنتش مجبور أنا.. ب.. انتبه لنفسه فأخفض صوته وأشاح بوجهه بإحراج: -احم.. على فكرة هي طلبت مني آخدها بكرة الصبح. فكرت أم أحمد ثم قالت:
-بس أنت مشغول يا ابني! ياسين بدهشة: -مشغول إزاي؟ -أنت هتسافر تشوف مصالحك.. لإن منذر مش هيقدر يسافر.. يعني مش هتبقى فاضي اليومين دول.. هي هتضطر تستناك بقى لحد ما ترجع. -بس أنا قلت لمنذر يكلم.. -ما أنت مش هتسيب حالك ومالك وتقعد في البيت مش كده؟ ياسين بتساؤل: -طب.. ولو سألتك عني هتقول..؟ قاطعته أم أحمد بابتسامة غامضة: -هأقولها إنك مشغول واضطريت تسافر في شغل مستعجل.. ما هو أنت مش عايزني أكذب على كبر.. صحيح؟
-استغفر الله.. كذب إيه يا خالتي.. لا طبعًا. -يبقى تسافر تشوف أشغالك اللي متعطلة دي وأنا هأفضل معاها. ابتسمت بثقة وهي تقول: -البنت طالعة من صدمة نفسية وأعصابها تعبانة وعلى ما ترجع بالسلامة هأكون أنا كلمتها وأخليها تهدى ويفكرها يصفى عشان تقعدوا تاني وتتكلموا على رواق. -هنتكلم في إيه بس يا خالتي؟ ما انتي شفتي رد فعلها. -يعني المفروض هي مستنية الصبح يطلع عشان نسافر تلاقيني هربت وسبتها؟ هتقول عني إيه؟ جبان ومش قد كلمتي؟
أم أحمد بتهكم: -اومال عايز أول ما تقولك طلقني ورجعني لأهلي تعمل اللي طلبته؟ اومال ربنا جعل العصمة في إيد الراجل ليه؟ ياسين بضياع: -عايزة تقولي إيه يا خالتي؟ -مش يمكن في سرها مش عايزة بكرة ده يجي؟ ما انت لو كنت تعرف الستات ما كنتش تقول كده. -وضحي أكتر يا خالة، توهتيني. أم أحمد:
-يا ابني ساعات الست بتقول حاجة بس قلبها بيبقى عايز عكسها.. لما تقولك ابعد يبقى قصدها قرب أكتر.. لو قالتلك مش محتاجة منك حاجة تبقى محتاجة منك طبطبة وحنية كتير.. ولما تقولك مش طايقاك تبقى مش بتحب حد قدك. ياسين بضيق: -بس كلامها كان واضح.. هي كانت بتتكلم بكل جمود وهي يطلب الطلاق. -طب وعينيها كانت بتقول إيه؟ ياسين بإحراج: -وأنا شفت عينيها منين يا خالتي؟
-العينين هي مراية القلب يا ابني.. هتقولك اللي اللسان ما يقدرش ينطقه.. والناصح بس هو اللي يعرف يقرأ لغتهم.. أنت لو بصيت في عينيها وسألتها تاني لو عايزة تتطلق بجد هتقدر ساعتها تعرف الحقيقة حتى لو ما اتكلمتش. ياسين بتفكير: -طب افرضي حصل زي ما قلتي وعرفتي.. هقولها إيه أنا ساعتها؟ -تقولها السبب الحقيقي اللي خلاك عملت كده وتصلح اللي أنت عملته ده! شعر بالإحراج وكأنها تقرأ ما بجوفه لدرجة أشعرته بالضيق.
أرادت أن تبدد حرجه وتغير تفكيره، فأردفت بنبرة تميل إلى المزاح وهي تضحك: -وعدت القنصل إنك تاخدها عنده لو مكانتش موافقة! يا راجل وأنا اللي كنت بضرب بيك المثل لإبني في النضافة والذكاء!! فرك شعره بإحراج وقال: -ليه يا خالتي؟ أم أحمد بضحكة عفوية: -معقولة تقولها انجبرت عليكي وعايزها تفرح وتزقطط أكمنها بقت مراتك؟ تبقى مهزقة لو عملتها.. ده لو أنا مكانها كنت رزعتك قلم. فرك ياسين شعر ذقنه بإحراج:
-أنتي عارفة إني مليش في حكايات الستات يا أم أحمد.. أنا كل حياتي شغلي وبس. -عارفة يا ابني.. سكتك معروفة وربنا يكملك بعقلك. ياسين بدهشة: -وبعدين أنا كنت أعرف إزاي إذا كانت فهمت الموضوع كده!! -واضحة زي الشمس.. عشان كده بقولك روح شوف مصالحك وسيبها تهدى يومين.. ولما ترجع يبقى يحلها ربنا. بس اعمل حسابك لحاجة! -خير يا خالتي! قامت أم أحمد بهدوء وهمت بالدخول ودون أن تلتفت إليه قالت:
-الموضوع ده ما بينكم.. أنا مش هاتدخل فيه.. أنا بس هأمهد لها الطريق عشان تقدر تسمحلك تتكلم معاها بهدوء.. الباقي عليك أنت. فهم ياسين ما كانت تعنيه. ياسين باستسلام: -حاضر يا خالتي.. أنا هعمل اللي قلتي عليه وربنا يقدرني بقى. ثم همس لنفسه بصدق: -يا رب بس يجيب نتيجة وأقدر أعرف مشاعرها هي كمان عشان تتفك عقدة لساني ساعتها. كانت تقبع في سريرها تمسك بهاتفها وهي تنظر إليه مرارا.
أخيرا قررت فتحه فانهالت عليها الكثير من الرسائل والاتصالات الفائتة كلها من خالد وبعض من ساندي. سحر بضيق: -بتتصل ليه دلوقتي!! مش أنا رفضت وانت سافرت؟ عايز إيه تاني!! ما تسيبني في حالي بقى!! حذفت كل الرسائل دون أن تطلع عليها حتى، ثم وضعت رقمه على الحظر وهي تبكي بشدة.
-أنا اللي غبية.. ما كانش لازم أعلق نفسي بيه من الأول وأنا عارفة ظروفي شكلها إيه.. حتى لو هو بجد عايز يرتبط بيا زي ما بابا قال.. فأنا ما أقدرش أظلمه معايا كده. -خالد ألف بنت تتمناه.. ليه يضيع عمره مع بنت مريضة مرض مزمن وعندها مشكلة في النمو؟ رن هاتفها وكان اتصالا من ساندي فردت بضيق. -الو ساندي. -أين أنت يا فتاة؟ أحاول الاتصال بك منذ الأمس!! -أصبت بوعكة ساندي.. لم أستطع الرد حينها.. آسفة.
-لا تبدين بخير سحر.. هل كنت تبكين؟ سحر: -لا.. كل ما في الأمر إني مصابة بنزلة برد.. اسمعي عليا أن أغلق الآن. ساندي بمقاطعة: -انتظري! نسيت لما اتصلت بك!! سحر بضجر: -ماذا؟ ساندي بحماس: -غدا نتائج الامتحان.. هل ستمرين علي لنذهب سويا؟ سحر بيأس: -لا ساندي لا تنتظريني.. لا أدري إن كنت سأذهب أصلا. -هذا أسخف شيء سمعته في حياتي! -لماذا؟ لأني لست متحمسة للنتيجة؟
معك حق.. أعتبر الأمر سخيفا ولا يهم إن نجحت أم رسبت.. فالأمر سيان بالنسبة لي. ساندي بشك: -ما بك يا فتاة!! تتكلمين بغرابة. !! هل كل شيء بخير؟؟ -أجل ساندي.. اسمعي.. أمي تناديني علي الذهاب.. اعتني بنفسك. أغلقت الخط بتذمر وهي تقول: -أما رغّاءة بشكل! دانيال في أحد البارات يحتسي الخمر بجنون حين ورد ه اتصالا. -ألو... أين أنت يا رجل؟ دانيال بسُكر: -وهل أنت ولي أمري لأخبرك أين أنا؟
-أقصد أنك لم تنفذ ما اتفقنا عليه للآن.. فأين تختفي؟ هل من مشكلة؟ دانيال بتذمر: -لم تتسن لي فرصة للآن.. نراقبه من بعيد ونحاول استطلاع الأمر لكنه لا يخرج من قصره.. ولو حدث وخرج فهو لا يغادر سيارته. -تصرف إذن وأخرجه. ألست دانيال ستيفنز الملقب بالماكر؟ -لا تصرخ في وجهي أيها الوغد!! قالها دانيال بغضب جحيمي وهو يرمي الكأس من يده بعيدا ثم أكمل: -لا أحد يعطي الأوامر لدانيال.. هل فهمت!!
-لكنك منذ أن اتفقنا لا تفعل شيئا سوى احتساء الخمر والتسكع في تورنتو! أم أنك تخاذلت عن الانتقام؟
قالها إيهاب باستفزاز جعل دانيال لحظتها يصاب بالجنون، فأخرج سلاحه ووجهه نحو النادل وهو ينظر إلى عينيه بشر.. ثم أبعد يده بسنتيمترات عن رأس النادل وأفرغ المسدس بأكمله خلفه، مسقطا كل زجاجات الخمر من على الرف وقد زلزل صوت الرصاص أرجاء الحانة.. فأصيب الجميع بالهلع وكاد النادل أن يصاب بنوبة قلبية من الرعب فقد مرت جميع الرصاصات بالقرب منه. بينما أكمل دانيال وهو يجز على أسنانه:
-من حسن حظك أنك لست موجودا أمامي.. وإلا لكنت أفرغته كله في جمجمتك أيها الحقير! وما دمت ذكيا لهذه الدرجة يمكنك إذن التخلص منه بنفسك. -لكن بيننا اتفاقا.. في حال نسيت. دانيال بشر: -تبا للاتفاق.. هل سمعت!! -حسنا حسنا.. لا تغضب.. أنا فقط أردت أن أذكرك بأن الوقت ينفذ منا لو لم تنفذ ما اتفقنا عليه في أسرع وقت. -إذن دعني أختار اللحظة المناسبة.. واغرب عن وجهي! أيها العربي التافه!!
أقفل الخط وهو يفكر ثم رمى كل الأكواب التي كانت فوق البار بغضب وأخرج من جيبه رزمة كبيرة من النقود رماها نحو النادل بغضب وانصرف. بقي إيهاب يفكر في كلامه وهو يهمس بغضب: -ما بقاش إلا أنت تتطاول عليا بالشكل ده يا كلب! بس أنا محتاجلك هنا.. للأسف أنت فرصتي الوحيدة للخلاص منه وإلا ما كنت هأتذلل لواحد يهودي حقير زيك. نظر إلى خارج النافذة بشرود وأردف بضيق:
-كله من الغبية ليليان.. ضيعت كل اللي خططنا له.. لو ما كانتش عملت المصيبة إياها كان زماننا خلصنا منه!! آآه بس لو أعرف إيه اللي بيحصل في القصر! يا ترى عرفت إنه اتجوزها تبقى مصيبة لو تمم جوازه منها!! أووووف الوقت بيضيع مننا وكل يوم محسوب علينا. تذكر ما قاله له أحد حراس الأمن الذين كانوا يتواصلون مع منير بأنه طرد كل من له علاقة من قريب أو بعيد بمنير وليليان، فأردف بتساؤل:
-طلعت حويط يا ابن خالي.. طردت كل اللي ممكن يوصلوني لأي معلومة من جوة.. بس مادمت بتقول كنت مراقب تلفوناتهم من زمان.. أومال ما طردتهمش ليه من وقتها.. يا ترى ليه دلوقتي؟ دخلت سما مسرعة: -حياتي أنت هنا في المكتب وأنا مستنياك برة من نص ساعة!! -ليه؟؟ -مش قلتلك إننا رايحين عند مامي عايزة تجدد العفش وطلبت مني أروح أختار معاها الموديلات. رن هاتفه وكان المتصل والدته، فنظر إليها قائلا: -طيب حاضر كمان شوية وأحصلك. أجاب بتثاقل:
-الو.. أيوه يا ماما. مفيدة: -كده يا إيهاب!! ما أسمعش صوتك بالأسبوع والإثنين! يعني مش بتكلف نفسك وتزورني وأقول مشغول وأديتلك أعذار.. بس مش قادر تمسك تليفون وتسأل عليا!! إيهاب بضجر: -ما انتي قلتيها.. طبعًا مشغول هو أنا يعني كنت قاعد للتليفونات!! وأول ما أرجع من شغلي باتخمد على طول يبقى هألاقي الوقت إمتى عشان أكلم جنابك؟ -جنابي؟ طب يا دكتور كثر ألف خيرك.. عمومًا أنا اتصلت عشان أقولك لو تقدر تمر عليا النهاردة. إيهاب:
-خير!؟ لو محتاجة حاجة ممكن أبعث حسين يجيبهالك. -لا مش محتاجة حاجة.. أنا بس عيانة وحاسة بوجع في قلبي من يومين لو تيجي تشوف عندي إيه. -النهاردة مش هأقدر عندي شغل مهم.. هأبقى أعدي عليك أول ما أفضي.. يالا أنا مضطر أقفل دلوقتي. أقفل الخط بتذمر قائلا: -دلوقتي بقيت دكتور مش كده؟ ابقي خلي ياسين بتاعك اللي كنتي بتعايريني بيه وتقارنيني بسيرته كل شوية وبتضربي بيه المثل في كل حاجة يجي يكشف عليكي. تنهدت مفيدة بوجع وهي تسمعه يقفل
الخط في وجهها وقالت بحزن: -حسبي الله ونعم الوكيل.. ربنا يعوضني فيك خير يا ابن بطني. عند خالد، يجلس بضيق وهو يمسك هاتفه ويحاول مرارا الاتصال. -وكمان عملتيلي حظر!! عظيم.. كده كملت معاك يا خالد. في تلك اللحظة رن هاتفه، أمسكه مسرعا وكان يظن أنها فكت الحظر ومن لهفته لم ينتبه حتى للاسم. -الو سحر.. من فضلك قبل ما تقفلي الخط سيبيني أشر.. -دعني أخمن! أفسدت الأمر مجددا أليس كذلك؟ نبرتك التوسلية تقول ذلك. خالد بضيق: -إيلينا.
-أجل إيلينا أيها القاسي.. أخبرتك أن تتصل وتخبرني بما حدث لكنك لم تتصل.. وكنت أشك أصلا أنك سترد لو كنت قرأت الاسم. خالد: -الأمر ليس كذلك.. أشعر بالتعب والضياع منذ أن دخلت الفندق.. كان يوما طويلا وحدثت أمور كثيرة. -هات أخبرني ما الذي حدث. -لا أستطيع الكلام.. قلت لك متعب. إيلينا: -أخبرني باختصار. خالد بتذمر: -أنت لن تنسي الأمر أليس كذلك؟ إيلينا بإصرار: -تؤ تؤ.. مستحيل. خالد بحزن:
-حسنا.. حددت معها موعدا في حديقة ما كي أصارحها بحقيقة مشاعري.. لكن في لحظة ما فقدت السيطرة على نفسي وحاولت تقبيلها.. أصيبت الفتاة بالذعر وهربت مني.. ركضت بعيدا عني إلى أن وقعت أرضا وأصيبت بنوبة ربو لم أكن أعلم عنها شيئا.. أسعفتها بالبخاخ ولم يجد نفعا فاخذتها إلى المستشفى لأخذ الإسعافات ثم أعدتها إلى منزلهم.. وذهبت إلى والدها فورا وطلبت يدها.. لكنها رفضت.. هذا كل ما حدث باختصار. إيلينا: -واااااو!!
لا أصدق هذا يا خالد!!! كل هذا حدث في يوم واحد!! أنت حقا تستحق جائزة نوبل للغباء عن جدارة. -لماذا؟ ما الخطأ في هذا؟ لقد دخلت البيت من بابه. -أيها المعتوه.... ستعتقد أنك أشْفقت عليها.. ليس إلا. -حتى أنت تفكرين بهذه الطريقة إيلينا؟ -في حال نسيت هذا.. فأنا كنت فتاة أيضا.. والآن أخبرني.. هل تحبها أم هو مجرد انجذاب فقط؟ -أحبها من أعماق قلبي. إيلينا بفضول: -حسنا.. وهل شعرت بأنها تبادلك هذه المشاعر؟
-لا أعلم.. شعرت بذلك مرة أو اثنتين لكني لست متأكدا. -عظيم.. الآن كيف كانت القبلة؟ خالد بإحراج: -أيليييييناااا! أخبرتك كنت على وشك... لكن لم يحدث شيء. -حسنا.. حسناااا... وهل شعرت بتجاوبها أم أنها بادلتك بنفور؟ خالد بإحراج: -إيلينا.. أيمكن ألا نتحدث عن هذا الآن! إيلينا بإصرار: -لا.. لا يمكن.. هذه تفاصيل مهمة وأحاول أن أساعدك هنا.. إذن هيا ضع حرجك جانبا وأخبرني بكل وضوح ماذا حدث بالضبط.
لم يجد خالد بدا من إخبارها، وفي الواقع إيلينا خبيرة في تلك الأمور ويمكنها أن تفيده، فل طالما كانت له صديقة وأم معا طيلة حياته ولم يتعود إخفاء أي شيء عنها. -أوووف حسنا حسنا.. سأخبرك.. عند اقترابي منها شعرت بتلك الكيمياء القوية بيننا.. كانت مسلوبة الإرادة وهي بين يدي وقد شعرت لوهلة أنها كانت ترغب بتلك القبلة أكثر مني.. لم تكن مجرد رغبة.. لكن لا أعلم.. لست متأكدا. إيلينا: -أيها الغبي... كل هذا ولست متأكدا!!
من المؤكد أنها تبادلك الحب لكنك خسرتها الآن بسبب تسرعك.. شخصيا لو كنت قد تعرضت لهذا الموقف المخزي أمامك مرتين لفعلت المستحيل كي لا ألمح وجهك ثانية. خالد بتساؤل: -لم أفهم!! إيلينا: -أولا استسلمت لسحر القبلة تلك.. وثانيا وقعت في موقف محرج أمامك بسبب نوبتها. خالد ببلاهة: -أجل.. وماذا في ذلك؟ إيلينا بتأنيب: -إنها محرجة منك يا أحمق.. تعرضت لموقفين كل موقف أسخف من الآخر. خالد بغباء:
-محرجة من ماذا لا أرى ما يدعو للحرج.. ولم أفهم قصدك حقا!! -الفتاة ليست كندية.. هي مصرية أي أنها من عائلة محافظة ومسلمة يا خالد.. وحتى لو كانت تعيش في كندا فهي لن تتصرف بحرية كباقي الفتيات هناك.. كما أنه لقاؤكما الأول كما فهمت.. لهذا فمن المؤكد أنها ستشعر بالإحراج لأنها استسلمت لك وتركت لمشاعرها العنان بهذه السهولة.. ليس هناك تفسير آخر غير هذا. همس خالد بدهشة: -يعني قصدك هي كانت متضايقة من نفسها مش مني أنا!!!
إيلينا بعربية ضعيفة: -بالضبط يا مقفل. خالد بتساؤل: -هل قلت موقفين كل موقف أخزى من الآخر!! ما الآخر؟ -هل تتذكر أنت مرة لم أكن فيها بكامل زينتي وتبرجي مع والدك؟ -لا طبعًا.. كنت ولا تزال دوما تهتم بمظهرك.. لماذا؟ -لأني كنت أحبه.. لذا فأنا كنت أريد أن أبدو دوما رائعة في نظره حتى بعد ما تزوجنا.. وإذا كان هذا حالي بعد ما تزوجنا فعلا فكيف تتخيل أني كنت أتعامل مع الأمر قبل الزواج؟
-كنتي تهتمين أكثر بمظهرك.. هذا ما تريدين قوله؟ -بالضبط.. كنت أسْرق من تبرج أمي وألبس أجمل عندي وأذهب لموعدي معه وكنت أبهرُه في كل مرة.. كانت حقا أيام رائعة. -حسنا.. ولماذا نتكلم عنك أنت الآن؟ لقد كنا في موضوع سحر لو نسيتي ذلك! -أيها الأبله.... ما أريد قوله يتعلق بسحر أصلا!! لو كانت للفتاة تهتم لأمرك حقا فهي ستود أن تبدو أمامك في أحسن صورة.. فإذا بموعدكم الأول
يتحول إلى كارثة حقيقية: تصاب المسكينة بنوبة ربو وتختنق وتشحب وجهها وتزرق شفتاها.. تعطيها البخاخ وتأخذها إلى المستشفى لإسعافها.. كيف ستجرؤ المسكينة على النظر في وجهك بعد كل ما رأيت منها!! أراهن أنها تبكي الآن في مكانها بصمت. شهق خالد من الصدمة!! كيف لم ير الموقف من هذه الزاوية!! ظن أنه سيسعدها بطلب يدها لكنه ما زاد الطين إلا بلة. خالد: -إيلينا أشكرك حقا لقد لفتت انتباهي لأشياء مهمة.. أسعدني الكلام معك. إيلينا يحب:
-في أي وقت عزيزي.. حاول فقط أن تصلح الأمور في أسرع وقت.. فالحظ لا يأتي إلا مرة واحدة. خالد بأمل: -سأحاول إيلينا.. تصبحين على خير. أقفل الخط وهو يقول: -أنا كده بقيت متأكد إنها متضايقة من اللي حصل مش مني. تذكر شيئا ثم قال بأمل: -ياسين معاه حق.. بكرة نتيجة الثانوية العامة.. يمكن مش هألاقي فرصة تانية غيرها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!