خرج ياسين من حمامه وارْتَدَى سِرْوَالًا رِياضِيًّا فَقَطْ، ثُمَّ خَرَجَ وَهُوَ يُجَفِّفُ شَعْرَهُ اللَّامِعَ الَّذِي تَتَنَاثَرُ مِنْهُ قَطَرَاتُ المَطَرِ كَحَبَّاتِ لُؤْلُؤٍ. تَوَجَّهَ نَحْوَ التَّسْرِيحَةِ لِيُمَشِّطَهُ بِعِنَايَةٍ، ثُمَّ رَشَّ عِطْرَهُ المُثِيرَ الَّذِي تَعْشَقُهُ، وَتَوَجَّهَ نَحْوَ سَرِيرِهِ حَيْثُ كَانَتْ بِانْتِظَارِهِ.
كَانَتْ تَرْتَدِي قَمِيصَ نَوْمٍ أَحْمَرَ بِمَا أَنَّهُ يَعْشَقُ هَذَا اللَّوْنَ عَلَى بَشَرَتِهَا البَيْضَاءِ. لَمْ تَضَعْ مِنَ التَّبَرُّجِ سِوَى أَحْمَرِ شِفَاهٍ كَشْمِيرِيٍّ جَعَلَ شِفَاهَهَا شَهِيَّةً كَالكَرْزِ. "مَا نِمْتِيشْ يَعْنِي؟ "كُنْتُ مُسْتَنِّيَاكْ." "وَادِّينِي جِيتْ." قَالَ، وَهُوَ يَتَمَدَّدُ بِجَانِبِهَا وَيَطْبَعُ قُبْلَةً عَلَى خَدِّهَا الرَّقِيقِ: "تُصْبِحِي عَلَى خَيْرٍ يَا رُوحِي."
أَخَذَهَا فِي أَحْضَانِهِ وَنَامَ دُونَ أَيِّ كَلِمَةٍ أُخْرَى. كَانَتْ تَنْتَظِرُ مُدَاعَبَاتِهِ المُحَبَّبَةَ لَهَا وَعَبَثَهُ، لَكِنَّهُ اكْتَفَى بِإِحْتِضَانِهَا فَقَطْ دُونَ أَيِّ حَرَكَةٍ أُخْرَى. كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَسْأَلَهُ مَا الأَمْرُ؟ لَكِنَّهَا تَرَاجَعَتْ فِي آخِرِ لَحْظَةٍ. "انْتِي اتْجَنْنْتِي يَا أَمِيرَة؟ هَتْقُولِيهُ إِيهْ بَسْ!! مِشْ عَايِزْ تِبُوسْنِي لِيهْ؟؟
الرَّاجِلْ أَكِيدْ تَعْبَانْ مِنَ السَّفَرِ وَعَايِزْ يَنَامْ. مَا تَتْخَمَّدِي بَلَّاشْ قِلَّةْ أَدَبْ!! أَغْمَضَتْ عَيْنَاهَا بِصُعُوبَةٍ تُحَاوِلُ النَّوْمَ... وَالَّذِي مِنْ الوَاضِحِ أَنَّهُ لَنْ يَكُونَ سَهْلًا عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الحَالَةِ. فَعِطْرُهُ المُثِيرُ وَأَنْفَاسُهُ الدَّافِئَةُ عَلَى رَقَبَتِهَا يَجْعَلَانِهَا تُسَافِرُ فِي عَالَمٍ مُوَازٍ تَمَامًا لِعَالَمِ النَّوْمِ. فِي المَنْزِلِ
خَرَجَتِ الطَّبِيبَةُ مِنْ غُرْفَتِهَا، وَاقْتَرَبَ مِنْهَا بَدْرٌ رِفْقَةَ هَنَادِي بِقَلَقٍ: "خَيْرْ يَا دُكْتُورَةْ طَمِّنِينِي أَرْجُوكِي." "أَنَا قُلْتُ أَفَوِّقْهَا أَفْهَمْ مِنْهَا إِيهْ المَشْكِلَةْ بَسْ. المَدَامْ أَعْصَابُهَا تَعْبَانَةْ خَالِصْ. وَاضِحْ جِدًّا إِنَّهَا اتْعَرَّضَتْ لِضُغُوطْ وَصَدَمَاتْ كَثِيرَةْ." نَظَرَ بَدْرٌ إِلَى وَالِدَتِهِ بِضِيقٍ وَقَالَ: "أَيْوَةْ دَهْ اللِّي حَصَلْ."
"لِلْأَسَفْ هِيَ بَتْرْضَعْ مَا أَقْدَرِشْ أَنْصَحَكْ بِأَيِّ دَوَى أَعْصَابْ دِلْوَقْتِي...
بَسْ حَاوِلْ بُعِّدْهَا عَنْ أَيِّ ضَغْطْ نَفْسِي أَوْ خَبَرِ وَحِشْ بَعْدْ كِدَةْ. حَالَتْهَا النَّفْسِيَّةْ وَحْشَةْ وَضَغْطُهَا نَازِلْ أَوِّي. مَكُنْتِشْ هَأَقْدِرْ أَسِيطَرُ عَلَيْهَا فِي الوَضْعِ دَهْ. عَشَانْ كِدَةْ أَنَا دِيتْهَا مَهَدِّيءْ وَدَوَى خَافِضْ لِلضَّغْطْ أَهُو تَرْجَعْ تَنَامْ وَمَا تُفَكِّرِشْ فِي حَاجَةْ. أَلْفْ سَلَامَةْ عَلَيْهَا." بَدْرٌ: "اللهُ يُسَلِّمَكْ يَا دُكْتُورَةْ."
حَاسَبَهَا وَعَادَ إِلَى غُرْفَتِهِ بَعْدَ أَنْ غَادَرَتْ، فَوَجَدَ وَالِدَتَهُ تَجْلِسُ إِلَى جَانِبِهَا وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهَا بِنَدَمٍ. بَدْرٌ بِلَوْمٍ: "عَاجِبَكْ كِدَةْ يَا مَّا؟؟ يَا رَيْتْ انْقَطْعْ لِسَانِي وَلَا أَنَّهَا تَسْمَعْ مِنِّي الكَلَامْ السُّمْ دَهْ.... مِشْ كِفَايَةْ عَلَيْهَا اللِّي أُمُّهَا بَتَمُرُّ بِيهْ دَهْ!!!
هَنَادِي: "أَهُو اللِّي حَصَلْ بَقِي يَا ابْنِي وَإِنْ مَكَانَتْشْ عَرَفْتْ النَّهَارْدَةْ كَانَتْ هَتْعْرِفْ بُكْرَةْ." بَدْرٌ بِحِدَّةٍ: "لَا فِيهْ بُكْرَةْ وَلَا النَّهَارْدَةْ يَا أُمَّهْ أَنَا مِشْ مُسْتَعِدْ أَخْسَرْ مَرْتِي بِسَبَبْ المَوْضُوعْ دَهْ... خَلَّاصْ أَنَا هَأَدَبَّرْهَا مِشْ مُضْطَرُّ أَتْجَوَّزْ عَلَيْهَا." هَنَادِي بِزَعَلٍ: "إِيهْ الكَلَامْ دَهْ يَا بَدْرْ!! هَتْدَبَّرْهَا إِزَّايْ بَسْ!!
بَدْرٌ بِضِيقٍ: "مِشْ عَارِفْ إِزَّايْ... أَنَا مُمْكِنْ أَجِيبْلَهَا مُرَبِّيَةْ تُسَاعِدْهَا فِي البَنَاتْ المَهَمْ تِنْسِي مَوْضُوعْ الجَوَازْ دَهْ خَالِصْ دِلْوَقْتِي." وَقَفَتْ هَنَادِي وَهِيَ تَقُولُ: "حَاضِرْ يَا وَلَدِي... أَنْتَ أَدْرَى بِحَالَكْ وَعَايِلَتَكْ.. هَشُوفْ سَلْمَى نَيَّمَتْ البَنَاتْ وَلَا غَلَّبُوهَا زِي العَادَةْ... تُصْبِحِي عَلَى خَيْرْ."
بَدْرٌ بِتَعَبٍ: "وَأَنْتِ مِنْ أَهْلِ الخَيْرْ يَمَّهْ." خَرَجَتْ هَنَادِي وَبَقِيَ بَدْرٌ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَهُوَ يَشْعُرُ بِضِيقٍ شَدِيدٍ. نَائِمَةٌ عَلَى السَّرِيرِ بِفِعْلِ المَخَدِّرِ وَهِيَ تَبْدُو مُتْعَبَةً جِدًّا... لَمْ يَرَ صَغِيرَتَهُ مُتْعَبَةً بِهَذَا الشَّكْلِ مِنْ قَبْلُ.
نَزَعَ قَمِيصَهُ وَتَمَدَّدَ بِجَانِبِهَا وَهُوَ يُمَرِّرُ يَدَهُ بِلُطْفٍ عَلَى شَعْرِهَا، ثُمَّ قَبَّلَ جَبِينَهَا بِحَنَانٍ، وَهُوَ يَقُولُ بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ: "آسِفْ يَا قَلْبِي مَكَانِشْ قَصْدِي أَجْرَحِكْ وَاللَّهْ... أَنْتِ كُلُّ حَاجَةْ فِي حَيَاتِي، مَا أَقْدَرِشْ أَتَحَمَّلْ أَلَمِكْ صَدِّقِينِي."
شَدَّدَ مِنِ احْتِضَانِهَا أَكْثَرَ وَبَقِيَ عَلَى تِلْكَ الحَالِ لَا يَعْلَمُ كَمْ مِنَ الوَقْتِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ أَخِيرًا. فِي المُسْتَشْفَى كَانَتْ مُمَدَّدَةً بِأَلَمٍ وَقَدْ جَافَاهَا النَّوْمُ حِينَ شَعَرَتْ بِأَحَدِهِمْ يَفْتَحُ البَابَ وَيَدْخُلُ. "مِينْ هُنَا؟ ... سَحَرِ انْتِي رِجْعْتِي تانِي؟ "سَحَرِ مَشِيَتْ مِنْ شْوَيَّةْ.. حَمْدُ اللهِ عَلَى السَّلَامَةْ يَا بِنْتِي." فَاتِنْ بِدَهْشَةٍ: "انْتَ!
انْتَ هُنَا؟ جَلَسَ أَمَامَهَا بِتَعَبٍ وَهُوَ يَقُولُ: "أَيْوَةْ... أَنَا مَعَاكِي مِنْ أَوَّلْ مَا دَخَلْتِي يَا بِنْتِي... أَنَا بَسْ أَزْمَةْ الرَّبْوِ شَدَّتْ مَعَايَا وَمَنَعَتْنِي أَزُورَكْ." صَمَتَ لَوُهْلَةٍ ثُمَّ أَكْمَلَ بِإِحْرَاجٍ: "وَبَعْدِينْ عِيلَتَكْ كَانُوا مَعَاكِي طُولْ الوَقْتْ مَكُنْتِشْ قَادِرْ أَقَرَّبْ مِنْكْ."
لَمْ تُجِبْ فَاتِنْ بَلْ بَقِيَتْ صَامِتَةً لِبَعْضِ الوَقْتِ تُفَكِّرُ فِي وَضْعِهَا الجَدِيدِ وَعَلَاقَتِهَا بِوَالِدِهَا.. الفِكْرَةُ تَبْدُو غَرِيبَةً عَنْهَا وَحَتَّى الاسْمَ فَهْيَ لَمْ تَتَعَوَّدْ أَبَدًا عَلَى وُجُودِهِ وَلَا تَسْتَطِيعُ مُنَادَاتَهُ بِهَذَا اللَّقَبِ مَهْمَا فَعَلَتْ! أَخِيرًا تَشَجَّعَ وَأَمْسَكَ يَدَهَا وَهُوَ يَقُولُ بِتَوَسُّلٍ: "تَسْمَحِيلِي أَفْضَلْ مَعَاكِي شْوَيَّةْ؟
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِالمُوَافَقَةِ دُونَ أَنْ تَنْطِقَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ المُتْعَبَ عَلَى طَرَفِ السَّرِيرِ، بَيْنَمَا تَحْتَضِنُ يَدَهُ كَفَّ يَدِهَا بِحُبٍّ وَهُوَ يَقُولُ: "هَتَبْقِي كُوَيِّسَةْ يَا بِنْتِي.. كُلُّ حَاجَةْ هَتَبْقِي كُوَيِّسَةْ. المُهِمْ أَنَا مَعَاكِي وَمِشْ هَسِيبِكْ أَبَدًا بَعْدْ كِدَةْ."
لَوْهْلَةٍ شَعَرَتْ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ بِدَاخِلِهَا، كَانَتْ طُمَأْنِينَةٌ لَمْ تَشْعُرْ بِهَا مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ مَعَ أَيِّ أَحَدٍ. لَمْ يُشْعِرْهَا أَحَدٌ بِوُجُودِهِ بِجَانِبِهَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَلَا حَتَّى صَالِحٌ، الَّذِي رَغْمَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّهَا بِصِدْقٍ فِي السَّابِقِ إِلَّا أَنَّ مَشَاكِلَ الحَيَاةِ وَمَشَاغِلَهَا وَأَطْمَاعَهَا أَبْعَدَتْهُ عَنْهَا تَدْرِيجِيًّا طِيلَةَ سِنِينْ. مُنْذُ أَنْ
سَافَرَا إِلَى كَنَدَا لَمْ يَعُودَا مُقَرَّبِينَ كَالسَّابِقِ وَلَمْ تَعُدْ عَلَاقَتُهُمَا دَافِئَةً كَمَا كَانَتْ، لَا سِيَّمَا وَأَنَّهُ يَعْمَلُ لَيْلًا. كُلُّ مَا يَرْبِطُهُمَا كَانَ البِنْتَيْنِ وَالمَنْزِلَ وَوَاجِبَاتِهِمَا، لَكِنَّهُمَا بَعِيدَانِ بِأَرْوَاحِهِمَا عَنْ بَعْضٍ، لِذَلِكَ فَهُمَا قَدْ نَسِيَا أَنَّهُمَا زَوْجَانِ وَحَبِيبَانِ مُنْذُ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ.
ابْتَسَمَتْ بِأَلَمٍ وَهِيَ تَشْعُرُ بِحَرَارَةِ احْتِضَانِهِ لِكَفِّ يَدِهَا، وَكَأَنَّهُ بِذَلِكَ يَحْتَضِنُهَا بِحُبٍّ قَائِلًا: "أَنَا هُنَا لِأَنْتَزِعَ أَوْجَاعَكِ عَنْكِ وَآخُذَهَا بِعِيدًا. المُهِمُّ أَنْ أَرَاكِ سَعِيدَةً." وَصَلَ خَالِدٌ إِلَى الفِيلَّا مُتَأَخِّرًا، وَكَانَتِ السَّاعَةُ قَدْ تَعَدَّتْ مُنْتَصِفَ اللَّيْلِ بِقَلِيلٍ.
دَخَلَ بِتَعَبٍ وَهُوَ يَقُولُ لِمَحْرُوسٍ: "مِنْ فَضْلِكْ وَرِّينِي أُوضَتِي فِينْ." "اتْفَضَّلْ أَنْتَ يَا مَحْرُوسْ أَنَا هُرُوحْ مَعَاهْ." قَالَتْهَا أُمُّ أَحْمَدَ وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ غُرْفَتِهَا. تَرَاجَعَ مَحْرُوسٌ إِلَى الخَارِجِ، وَقَالَ خَالِدٌ بِتَعَبٍ: "الوَقْتْ مُتَأَخِّرْ يَا خَالْتِي إِيهْ اللِّي مُسَهَّرَكْ؟ "مُسْتَنِّيَاكْ يَا ابْنِي...
قَلِقْتُ عَلَيْكَ وَحَبِيتْ أَطَمِّنُ عَلَيْكَ قَبْلَ مَا أَنَامْ." جَلَسَ خَالِدٌ بِتَعَبٍ عَلَى تِلْكَ الأَرِيكَةِ وَزَفَرَ زَفْرَةً عَمِيقَةً. أُمُّ أَحْمَدَ بِتَعَجُّبٍ: "يَااااهْ!! لِلْدَّرَجَةْ دِي الوَضْعْ وَحْشْ!! خَالِدٌ بِضِيقٍ: "مَا كُنْتِشْ أَتَصَوَّرُ إِنَّهَا هَتْكُونْ بِالعَنَادْ دَهْ!! أَعْمَلْ إِيهْ طَيِّبْ يَا خَالْتِي؟؟ طَاقَتِي نَفَذَتْ." أُمُّ أَحْمَدَ بِحَنَانٍ: "بَأَقُولَكْ إِيهْ...
أَنْتَ تَدْخُلْ تَنَامْ وَمَا تُفَكِّرِشْ كَثِيرْ وَبُكْرَةْ هَنِبْقَى نَتْصَرَّفْ.. أَكِيدْ مِشْ هَنِسِيبْكُمْ كِدَةْ! خَالِدٌ بِحُزْنٍ: "هَتَعْمَلِي إِيهْ مَثَلًا!! أُمُّ أَحْمَدَ بِمَكْرٍ: "أَعْمَلْ إِيهْ؟؟ وَأَنَا مَالِي عُشَانْ أَعْمَلْ؟؟ أَنْتَ اللِّي هَتَعْمَلْ... إِحْنَا عَلَيْنَا نُقَرَّبَكُمْ مِنْ بَعْضْ بَسْ وَأَنْتَ وَشَطَارَتِكْ." "إِزَّايْ؟ أُمُّ أَحْمَدَ بِابْتِسَامَةٍ: "بُكْرَةْ هَتَعْرِفْ...
يَلَّا يَا ابْنِي عُشَانْ تِتْعَشَّى وَتَنَامْ. هَتْفَرِّجْ أَكِيدْ خَلِّي أَمَلَكْ فِي رَبَّنَا كَبِيرْ." "وَ نِعْمْ بِاللَّهْ يَا خَالْتِي... المُهِمْ أَنَا أَكِلْتُ حَاجَةْ خَفِيفَةْ هَنَامْ عَلَى طُولْ." قَالَـهَا وَهُوَ يَقُومُ. تَوَجَّهَتْ أُمُّ أَحْمَدَ إِلَى إِحْدَى الغُرَفِ، هِيَ تَقُولُ: "طَبْ اتْفَضَّلْ أُوضَتَكْ أَهِي وَهْدُومِكْ مُتْوَظَّبَةْ فِي الدُّولَابْ." خَالِدٌ: "تَمَامْ...
تُصْبِحِي عَلَى خَيْرْ يَا خَالْتِي." "وَأَنْتَ مِنْ أَهْلِهِ." ثُمَّ هَمَسَتْ فِي سِرِّهِ خَلْفَهُ: "رَبَّنَا يُرِيحْ قَلْبَكْ يَا ابْنِي." عِنْدَ سَحَرٍ "انْتِي زَوَّدْتِيهَا أَوِّي يَا سَحَرِ اللِّي عَمَلْتِيهْ دَهْ مَكَانِشْ يُصَحُّ تَعْمَلِيهْ فِي عَدُوَّكْ حَتَّى طَالْمَا جَايْ يَزُورْ أُمُّكْ تَقُومِي تَعْمَلِيهْ فِي الغُلْبَانْ جُوزَكْ اللِّي بِيَتْمَنَّالِكْ الرِّضَا؟
"لَوْ كَانْ بِيَتْمَنَّالِي الرِّضَا مَكَانِشْ طَلَعْ مِنْهُ كُلُّ دَهْ... مِينْ اللِّي عَمَلْ بْلُوكْ يَعْنِي فِيهْ جُوزْ مُحْتَرَمْ يَحْظُرْ مَرْتُهُ؟ "مَا انْتِي طَنَّشْتِيهْ وَلَا عَايْزَةْ تَفْضَلِي شَايْفَةْ أَخْطَاؤُهُ هُوَ بَسْ وَمَعْمِيَّةْ عَنْ غَلَطَاتِكْ أَنْتِي؟ "أُوفْ بَاقِي مِشْ عَايْزَةْ أَفَكِّرْ فِي حَاجَةْ خَالِصْ."
"لَا لَا لَازِمْ تُفَكِّرِي انْتِي غَلْطَانَةْ مِشْ مَعْقُولْ هَتْفَضْلِي تَعَانْدِي... انْتِي هَتْخَسْرِي الرَّاجِلْ وَاللَّهْ." تَمَلْمَلَتْ فِي فِرَاشِهَا بِضِيقٍ ثُمَّ قَامَتْ وَهِيَ تَسْتَغْفِرُ فِي سِرِّهَا.
نَظَرَتْ إِلَى بُقْعَةٍ فِي الأَرْضِ بِشُرُودٍ ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ: "أَنَا كِدَةْ كِدَةْ مِشْ هَيِجِلِي نَوْمْ.. هَقُومْ أَتْوَضَّأْ وَأُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ اسْتِخَارَةْ أَحْسَنْ لِي وَأَقْرَأْ بَعْدِهَا قُرْآنْ." عَدَّلَتْ مَلَابِسَهَا وَتَوَجَّهَتْ لِتَتَوَضَّأَ. فِي الصَّبَاحِ فِي المُسْتَشْفَى
دَخَلَتِ المُمرِّضَةُ إِلَى غُرْفَةِ فَاتِنَ لِتَتَفَاجَأَ بِذَلِكَ النَّائِمِ بِجَانِبِهَا بِتَعَبٍ عَلَى الكُرْسِيِّ مُمْسِكًا بِيَدِهَا. "انْتَ يَا حَضْرَةْ!! يَا عَمِّي انْتَ!! " قَالَتْهَا المُمرِّضَةُ بِهَمْسٍ وَهِيَ تُحَاوِلُ أَلَّا تُزْعِجَ المَرِيضَةَ. اسْتَيْقَظَ بِهَلَعٍ أَدَّى إِلَى الضَّغْطِ عَلَى يَدِهَا الَّتِي يُمْسِكُهَا، فَاسْتَيْقَظَتْ بِأَلَمٍ: "آآآهْ!
ابْتَعَدَ سَرِيعًا عَنْهَا وَهُوَ يَقُولُ بِنَدَمٍ: "سَامِحِينِي يَا بِنْتِي مَكَانِشْ قَصْدِي وَاللَّهْ." المُمرِّضَةُ: "انْتَ بِتَعْمِلْ إِيهْ هُنَا؟ أَنَا شُفْتَكْ قَبْلْ كِدَةْ... أَهْ افْتَكَرْتُ انْتَ كُنْتَ فِي أُوضَةْ... قَاطَعَ كَلَامَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ حَوْلَهُ بِإِحْرَاجٍ: "الظَّاهِرْ إِنِّي رَاحَتْ عَلَيَّ نَوْمَةْ هُنَا أَنَا أَسِفْ أَنَا طَالِعْ."
المُمرِّضَةُ: "مِنْ فَضْلِكْ اتْفَضَّلْ بُرَّهْ بِسُرْعَةْ. الدُّكْتُورْ جَايْ بَعْدْ شْوَيَّةْ يَشُوفْ وَضْعَهَا مِشْ عَايْزَاهْ يَشُوفَكْ لَأَنِّي هَاتَّعَرَّضْ لِمَشَاكِلْ بِسَبَبَكْ." مُصْطَفَى بِتَعَبٍ: "حَاضِرْ يَا بِنْتِي... حَقُّكْ عَلَيَّا مِشْ هَتِتْكَرِّرْ." كَانَ سَيُكْمِلُ لَكِنَّهَا لَاحَظَتْ يَدَهُ تَنْزِفُ، فَقَالَتْ لَهُ بِقَلَقٍ: "عَمِّي إِيدَكْ... انْتَ بِتِنْزُفْ...
نَظَرَ إِلَى يَدِهِ سَرِيعًا وَقَاطَعَ كَلَامَهَا مُسْرِعًا وَهُوَ يَقُولُ: "خَلَّاصْ مَاتْشَغِلِيشْ بَالِكْ أَنَا هَأَهْتَمْ بِالمَوْضُوعْ." ثُمَّ نَظَرَ إِلَى فَاتِنَ الَّتِي كَانَتْ تُتَابِعُ الحِوَارَ بِصَمْتٍ وَقَالَ: "هَأَبْقَى أَرْجَعْلَكْ بَعْدِينْ يَا بِنْتِي." خَرَجَ مِنَ الغُرْفَةِ يَجُرُّ الخُطَى بِتَثَاقُلٍ، وَسَأَلَتِ المُمرِّضَةُ بِتَعَجُّبٍ: "مِينْ الرَّاجِلْ العَجُوزْ دَهْ انْتِي تَعْرِفِيهْ؟
لَمْ تُدْرِ فَاتِنْ مَاذَا تَقُولُ، فَتَهْتَّمَتْ بِضَيَاعٍ: "دَهْ... دَهْ وَاحِدْ قَرِيبِي." المُمرِّضَةُ بِإِشْفَاقٍ: "مِسْكِينْ شَكْلُهُ بِيُحِبُّكْ أَوِّي وَإِلَّا مَكَانِشْ فَضَلْ مَعَاكِي فِي وُضْعُهُ دَهْ." فَاتِنْ بِدَهْشَةٍ: "وُضْعُ إِيهْ؟
المُمرِّضَةُ: "الرَّاجِلْ دَهْ مَرِيضْ رَبْو. صُحْبَتِي مَهَا مُكَلَّفَةْ بِحَالَتُهُ. تَعِبْ أَوِّي إِمْبَارِحْ وَكَانْ فِي أُوضَةْ تَانْيَةْ حَاطِّينْ لُهْ دَوَى وَأُوكْسِيجِينْ. بِتَقُولْ إِنَّهُ كَانْ مُعَرَّضْ لِنُوبَةْ قَلْبْ وَمَعَ كِدَةْ سَابْ أُوضَتُهُ وَشَالْ المَحْلُولْ وَجِيهْ قَضَى اللَّيْلَ نَايِمْ هُنَا عَالْكُرْسِيِّ بِالْكَانُولَا فِيهْ إِيدُهْ!!
وَشُهُ وَعَيْنِيهُ بِتَقُولْ إِنَّهُ تَعْبَانْ جِدًّا وَإِيدُهُ كَانَتْ بِتِنْزِفْ وَهُوَ مِشْ حَاسِسْ حَتَّى!! شَعَرَتْ فَاتِنْ بِقَلْبِهَا يَنْقَبِضُ فَجْأَةً.. تَأَلَّمَتْ لِحَالِهِ دُونَ أَنْ تَرَاهُ، وَقَالَتْ لِلْمُمرِّضَةِ: "طَبْ مُمْكِنْ تِتْطَمِّنِي عَلَى وُضُعُهُ؟ كَانَتِ المُمرِّضَةُ سَتَتَكَلَّمُ، لَكِنَّ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ دَخَلَ الطَّبِيبُ. فِي فِيلَّا يَاسِينْ
ياسين فِي الحَدِيقَةِ يَرْتَشِفُ قَهْوَةً بَيْنَمَا يُدَخِّنُ سِيجَارَةً. "إِيهْ اللِّي مُقَعِّدَكْ بَدْرِي كِدَةْ فِي الحَنِينَةْ." نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ: "أَمَّا! صَبَاحُ الخَيْرِ! "صَبَاحُ النُّورْ يَا ابْنِي." رَمَى السِّيجَارَةَ إِحْرَاجًا مِنْ أُمِّ أَحْمَدَ وَهُوَ يَقُولُ: "مَا انْتِي عَارْفَةْ إِنِّي بَأَصْحَى بَدْرِي عَلَى طُولْ.. إِيهْ اللِّي اتْغَيَّرْ." "اللِّي اتْغَيَّرْ إِنَّكَ عَرِيسْ...
وَالمَفْرُوضْ وَاخِدْ إِجَازَةْ يَعْنِي تَنَامْ لَكْ سَاعَتَيْنْ زَمَنَ كَمَانْ مَا يَجْرَاشْ حَاجَةْ فِي الدُّنْيَا لَوْ صَحِيتُ السَّاعَةْ تِسْعَةْ يَعْنِي!! "أَهُو اللِّي حَصَلْ بَقِي.. صَحِيتُ وَمَا عَرَفْتِشْ أَفْضَلْ مَكَانِي وَنَزَلْتُ الجَنِينَةْ أَشِمْ هَوَى الصُّبْحْ." "مَرَاْتَكْ مَا صَحِيَتْشْ لِسَّة؟ "لَا يَا مَامَا... شُفْتُهَا تَعْبَانَةْ مِنَ السَّفَرِ قُلْتُ أَسِيبْهَا تَنَامْ شْوَيَّةْ كَمَانْ."
قَالَـهَا يَاسِينْ بِهُدُوءٍ بَيْنَمَا يَضَعُ فِنْجَانَهُ. "وَأَنْتَ مَكُنْتِشْ مُسَافِرْ؟ ياسين: "انْتِي عَارْفَةْ إِنِّي مُتْعَوِّدْ أَصْحَى بَدْرِي مَهْمَا كَانْ الوَقْتْ اللِّي أَنَامْ فِيهْ وَمَهْمَا كَانْ التَّعَبْ يَعْنِي مَا تَفْرَقِشْ مَعَايَا." نَظَرَتْ إِلَيْهِ أُمُّ أَحْمَدَ بِشَكٍّ وَقَالَتْ: "بَسْ كِدَةْ؟ يَعْنِي مَافِيشْ حَاجَةْ تَانْيَةْ؟ ياسين: "مَافِيشْ يَا مَامَا...
قُلْتْلَكْ مَحَبَّتِشْ أَزْعَجْهَا سِبْتَهَا تَنَامْ وَنَزَلْتُ. وَلَوْ عَايْزَانِي أَقْعُدْ مَعَاكِي أَهْلًا... بَسْ لَوْ زِهْقْتِي مِنِّي أَطْلَعْ تانِي!! أُمُّ أَحْمَدَ بِتَأْكِيدٍ: "لَا طَبْعًا إِيهْ الكَلَامْ دَهْ انْتَ تَقْعُدْ زَي مَا انْتَ عَايِزْ. أَنَا بَسْ بَأَقُولْ مَرَاْتَكْ عَرُوسَةْ جَدِيدَةْ وَمَا يَصِحِّشْ تَصْحَى تِلَاقِي نَفْسَهَا لْوَحْدَهَا! "حَاضِرْ... كَمَانْ شْوَيَّةْ طَالِعْ...
هُوَ خَالِدْ لِسَّة مَا صَحِيشْ؟ "لَا لِسَّة... مَاهُوَ رَاجِعْ مُتَأَخِّرْ وَالظَّاهِرْ مَا نَامْشْ فَوْرًا." "لِسَّة مَوْضُوعُهُ هُوَ وَسَحَرِ مَا اتْحَلِّشْ؟ أُمُّ أَحْمَدَ بِقَلَقٍ: "البِنْتْ عَنِيدَةْ زَي أُمُّهَا بَسْ طَيِّبَةْ مِنْ جُوَّاهَا... إِلَّا مَا تَعْرِفْ إِنَّهَا مَالْهَا شْ غَيْرُهْ صَدْرْ حَنِينْ."
قَامَ يَاسِينُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى سَاعَتِهِ: "طَبْ بَأَقُولَكْ إِيهْ يَا مَامَا. مَا تِرُوحِي تَصَحِّيهْ وَأُطَلَّعْ أَنَا أَشُوفْ أَمِيرَةْ أَظُنْ اتْأَخَّرْنَا وَلِسَّة الطَّرِيقْ بَأَكْثَرُ مِنْ سَاعَتَيْنِ زَمَنْ." قَامَتْ أُمُّ أَحْمَدَ هِيَ الأُخْرَى: "مَعَاكْ حَقْ... عَنْ إِذْنِكْ." عِنْدَ أَمِيرَةَ اسْتَيْقَظَتْ بِصُعُوبَةٍ فَهِيَ لَمْ تَنَمْ إِلَّا فِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ جِدًّا.
تَمَلْمَلَتْ فِي مَكَانِهَا وَلَمَسَتِ الوِسَادَةَ بِجَانِبِهَا، بَيْنَمَا لَا تَزَالُ مُغْمَضَةَ العَيْنَيْنِ، لِتَجِدَ نَفْسَهَا وَحِيدَةً فِي السَّرِيرِ. فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا وَاعْتَدَلَتْ فِي جِلْسَتِهَا وَهِيَ تَقُولُ بِتَعَجُّبٍ: "رَاحَ فِينْ دَهْ!! أَمْسَكَتْ هَاتِفَهَا لِتَجِدَ السَّاعَةَ قَدْ تَجَاوَزَتِ العَاشِرَةَ، فَنَهَضَتْ سَرِيعًا وَارْتَدَتْ رُوبَهَا القَصِيرَ وَهِيَ تَقُولُ بِفَزَعٍ: "يَاهْ!
أَنَا نِمْتُ كُلُّ دَهْ!! اتْأَخَّرْنَا أُوي عَالْمُسْتَشْفَى! كَانَتْ سَتَتَوَجَّهُ إِلَى الحَمَّامِ حِينَ فَتَحَ بَابَ الغُرْفَةِ قَائِلًا بِابْتِسَامَةِ حُبٍّ: "كُنْتُ جَايْ أَصَحِّيكِي." بَادَلَتْهُ الِابْتِسَامَةَ بِخَجَلٍ قَائِلَةً: "وَادِّينِي صَحِيتُ بِنَفْسِي." اقْتَرَبَ مِنْهَا وَاحْتَضَنَهَا بِحُبٍّ وَهُوَ يُقَبِّلُ جَبِينَهَا: "صَبَاحُ الخَيْرِ يَا رُوحِي." "صَبَاحُ النُّورْ... صَحِيتُ بَدْرِي يَعْنِي."
"كَانْ عِنْدِي شْوَيَّةْ اتِّصَالَاتْ لَازِمْ أَعْمَلْهَا. نَزَلْتُ الجَنِينَةْ وَسِبْتُكْ تَنَامِي. الظَّاهِرْ مَا نِمْتِشْ كْوَيِّسْ إِمْبَارِحْ." "يَعْنِي كَانْ حَاسِّسْ بِيَّا صَاحْيَةْ وَمَا كَلَّمْنِيشْ!! " هَمَسَتْ فِي سِرِّهَا بِضِيقٍ، ثُمَّ تَمَلْمَلَتْ فِي حِضْنِهِ قَائِلَةً: "أَيْوَةْ حَسِّيتُ بِأَرَقْ يُمْكِنْ لِأَنِّي نِمْتُ فِي الطَّيَّارَةْ كَثِيرْ." ياسين بِهُدُوءٍ: "يُمْكِنْ."
خَرَجَتْ مِنْ حِضْنِهِ بِخَجَلٍ: "طَبْ أَنَا رَايْحَةْ آخُدْ دُشْ بِسُرْعَةْ عُشَانْ أَلْحَقْ أَجَهِّزْ نَفْسِي." قَالَتْهَا وَهِيَ تَتَوَجَّهُ بِبُطْءٍ نَحْوَ الحَمَّامِ، وَنَظَرَاتُهَا مُعَلَّقَةٌ عَلَى عَيْنَيْهِ. ياسين وَهُوَ يَتَوَجَّهُ نَحْوَ غُرْفَةِ تَبْدِيلِ المَلَابِسِ: "تَمَامْ يَا قَلْبِي أَنَا هَأَغَيِّرْ هُدُومِي وَأَسْتَنَّاكِي تَحْتْ... مَا تَتَأَخِّرِيشْ."
قَالَـهَا وَهُوَ يُغْمِزُ لَهَا بِعَبَثٍ بَيْنَمَا يَدْخُلُ غُرْفَةَ المَلَابِسِ. كَانَتْ وَاقِفَةً بِذُهُولٍ، فَهِيَ ظَنَّتْ أَنَّهُ سَيَلْحَقُ بِهَا إِلَى الحَمَّامِ كَعَادَتِهِ لِيُلَاعِبَهَا هُنَاكَ بِمُدَاعَبَاتِهِ اللَّطِيفَةِ. "لَا بَقِي المَوْضُوعْ فِيهْ أَنَّ يَا أَمِيرَةْ! هُوَ إِيهْ اللِّي بَيَحْصِلْ دَهْ!! دَهْ حَتَّى مَا بَصِّشْ فِي شَفَايِفِي زِي عَوَايِدُهْ!
دَخَلَتِ الحَمَّامَ وَلَمْ تُغْلِقِ البَابَ كَعَادَتِهَا أَمَلًا فِي أَنْ يُغَيِّرَ رَأْيَهُ وَيُوَافِيَهَا. انْتَظَرَتْ قَلِيلًا، لَكِنَّهَا صُدِمَتْ حِينَ سَمِعَتْ صَوْتَ البَابِ الخَارِجِيِّ يُفْتَحُ! لَقَدْ لَبِسَ وَنَزَلَ بِالفِعْلِ إِلَى الأَسْفَلِ!! فَكَّرَتْ بِضَيَاعٍ ثُمَّ تَوَجَّهَتْ لِتَأْخُذَ حَمَّامَهَا.
اسْتَيْقَظَتْ حَنَانُ بِتَثَاقُلٍ لِتَجِدَهُ مُمَدَّدًا بِجَانِبِهَا وَيَبْدُو عَلَيْهِ التَّعَبُ. تَذَكَّرَتْ مَا حَدَثَ بِالأَمْسِ، فَكَتَمَتْ دُمُوعَهَا وَتَمَالْكَتْ أَعْصَابَهَا، وَحَاوَلَتِ الِابْتِعَادَ قَلِيلًا وَالقِيَامَ مِنْ جَانِبِهِ دُونَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ. لَكِنَّهُ أَفَاقَ عَلَى حَرَكَتِهَا وَأَمْسَكَهَا قَائِلًا بِحُبٍّ: "صَبَاحُ الخَيْرِ يَا رُوحِي."
أَشَاحَتْ بِوَجْهِهَا وَلَمْ تَرُدَّ، وَحَاوَلَتِ التَّمَلُّصَ مِنْ قَبْضَتِهِ، لَكِنَّهُ أَحْكَمَهَا عَلَى يَدِهَا مَانِعًا إِيَّاهَا مِنَ الحَرَكَةِ. "مِشْ هَتْصَبِّحِي عَلَى حَبِيبَكْ يَعْنِي؟
سُرْعَانَ مَا انْطَلَقَتْ تِلْكَ العَبَرَاتُ الَّتِي جَاهَدَتْ حَتَّى تُكَتِّمَهَا. خَانَتْهَا كُلُّ العِبَارَاتِ وَلَمْ تَسْتَطِعْ التَّجَلُّدَ أَكْثَرَ، وَانْهَارَتْ بِالبُكَاءِ. فَأَعَادَهَا إِلَى أَحْضَانِهِ رَغْمَ مُقَاوَمَتِهَا، وَهُوَ يَمْسَحُ عَلَى شَعْرِهَا وَظَهْرِهَا بِحَنَانٍ. "آسِفْ يَا رُوحْ بَدْرْ مَكَانِشْ قَصْدِي أَجْرَحِكْ بِالشَّكْلْ دَهْ."
انْهَارَ أَكْثَرَ وَعَلَا صَوْتُ نَحِيبِهَا، فَشَدَّدَ عَلَى حُضْنِهَا أَكْثَرَ وَهُوَ يَقُولُ: "دُمُوعِكْ دِي غَالِيَةْ أَوِّي يَا حَنَانْ أَرْجُوكِي تَهْدِي بَلَّاشْ تُوَجِّعِي قَلْبِي أَكْثَرَ مِنْ كِدَةْ... دُمُوعِكْ دِي سَكَاكِينْ بَتْقَطَّعْ فِي قَلْبِي أَرْجُوكِي اهْدِي يَا حَبِيبَتِي."
أَخْرَجَهَا مِنْ حُضْنِهِ وَأَمْسَكَ وَجْهَهَا بِكَفَّيْهِ، بَيْنَمَا يَمْسَحُ دُمُوعَهَا بِإِبْهَامِهِ قَائِلًا بِحُبٍّ: "انْسِي كُلُّ اللِّي سَمِعْتِيهْ، مَافِيشْ حَاجَةْ هَتُحْصْلْ مِنْ كُلِّ دَهْ. أَنَا بَحِبَّكْ أَنْتِي... وَمِشْ عَايِزْ غَيْرَكْ أَنْتِي... فَاهْمَةْ!!!
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِحَيْرَةٍ، فَأَكْمَلَ: "أُمِّي اقْتَرَحَتْ كِدَةْ عُشَانْ حِمْلْ العِيَالْ وَالبَنَاتْ ثَقِيلْ وَمِشْ هَتْقْدَرِي عَلَيْهِ لْوَحْدَكْ. أَنَا مُسْتَحِيلْ أَخْتَارْ غَيْرَكْ بِرِضَايَا... بَسْ لَوْ كَانْ دَهْ هَيِزْعَلْ حَبِيبَتِي بَلَّاشْ مِنْهُ. خَلَّاصْ أَنَا هَاتْصَرَّفْ المُهِمْ عِنْدِي انْتِي... انْتِي وَبَسْ. أَنَا قُلْتُ لِأُمِّي تَصْرِفْ نَظَرْ عَنْ المَوْضُوعْ."
نَظَرَ إِلَى شِفَاهِهَا ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَمَالَ عَلَيْهَا بِقُبْلَةٍ رَقِيقَةٍ جِدًّا، لَكِنَّهَا شَغُوفَةٌ، ثَبَّتَ فِيهَا مَشَاعِرَ عِشْقِهِ اللَّامُتَنَاهِي لِكُلِّ شَيْءٍ فِيهَا، وَالْتَمَسَتْ فِيهَا صِدْقَهُ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ قَالَهَا. ابْتَعَدَ قَلِيلًا وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ قَائِلًا: "هَا... قُلْتِى إِيهْ؟ حَنَانْ بِزَعَلٍ طُفُولِيٍّ: "فِيهْ إِيهْ؟
بَدْرٌ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى عَيْنَيْهَا بِحُبٍّ: "قُولِيلِي إِنَّكِ سَامَحْتِينِي عُشَانْ أَسِيبِكْ تَقُومِي يَا إِمَّا هَأَقْضِي اليَوْمْ كُلُّهُ أُرَاضِيكِي." حَنَانْ بِشُرُودٍ: "بَسْ شُغْلَكْ... هَمَسَ بِالقُرْبِ مِنْ أُذُنِهَا: "إِنْ شَاءَ اللهُ يُوَلَّعْ... مَلِيشْ دَعْوَةْ بِأَيِّ حَاجَةْ النَّهَارْدَةْ. المُهِمْ حَبِيبَتِي مَا تُفَضِّلْشْ زَعْلَانَةْ مِنِّي."
احْتَضَنَهَا ثَانِيَةً وَهُوَ يُدَاعِبُ أَنْفَهَا بِأَصَابِعِهِ وَيُقَبِّلُهَا فِي رَقَبَتِهَا بِعِشْقٍ، فَقَالَتْ بِارْتِبَاكٍ: "يَعْنِي... احْم... مُتَأَكِّدْ مِشْ هَتِفَكِّرْ تِتْجَوَّزْ تانِي؟ هَمَسَ بَدْرٌ وَهُوَ كَالْمُغَيَّبِ يُقَبِّلُ كُلَّ شِبْرٍ مِنْ رَقَبَتِهَا وَوَجْهِهَا: "مَعْقُولَةْ حَدْ يَبْقَى عِنْدُهُ القُشْطَةْ دِي وَيُفَكِّرْ يِتْجَوَّزْ عَلَيْهَا!!
أَوْقَفَتْهُ حَنَانٌ بِتَسَاؤُلٍ: "بَسْ انْتَ بَتْقُولْ بِسَبَبْ الظُّرُوفْ. البَنَاتْ وَشُغْلَكْ هُنَاكْ 😥" "هَسْسْ... قُلْتْلَكْ مَاتْشَغَلِيشْ بَالِكْ بِأَيِّ حَاجَةْ. إِنْ شَاءَ اللهُ أَقْعُدْ مَعَاكِي فِي البَيْتْ نُرَبِّي العِيَالْ سَوَى وَنَطْبُخْ وَنَغْسِلْ وَنَعْمَلْ كُلُّ حَاجَةْ مَعَ بَعْضْ." نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِحُبٍّ قَائِلَةً: "انْتَ إِزَّايْ كِدَةْ؟! ابْتَسَمَ بِعَبَثٍ: "كِدَةْ إِزَّايْ!!!
عَادَتْ إِلَى أَحْضَانِهِ وَاسْتَكَانَتْ دَاخِلَ ضُلُوعِهِ وَهِيَ تَشْعُرُ بِالأَمَانِ مُجَدَّدًا، بَيْنَمَا تَهْمِسُ بِخُفُوتٍ: "انْتَ جَمِيلْ أَوِّي يَا بَدْرْ... أَنَا بِحِبَّكْ أَكْثَرُ مِنْ نَفْسِي." تَنَهَّدَ بَدْرٌ بِرَاحَةٍ وَبَادَلَهَا الحُضْنَ المُتَلَهِّبَ قَائِلًا: "وَأَنَا بِعْشَقِكْ يَا قَلْبْ بَدْرْ مِنْ جُوَّهْ... وَمُسْتَحِيلْ أَعْمَلْ حَاجَةْ تَجْرَحَكْ." عِنْدَ أَمِيرَةَ
خَرَجَتْ مِنْ غُرْفَةِ تَبْدِيلِ المَلَابِسِ وَتَوَجَّهَتْ نَحْوَ التَّسْرِيحَةِ لِتُعَدِّلَ طَرْحَتَهَا. فَجْأَةً فُتِحَ البَابُ ثَانِيَةً. الْتَفَتَتْ بِغِبْطَةٍ وَهِيَ تَقُولُ: "كُنْتُ عَارْفَةْ إِنَّكْ هَتُ... ابْتَلَعَتْ بَاقِي الكَلِمَةِ فِي جَوْفِهَا وَتَلَاشَتْ فَرْحَتُهَا وَهِيَ تَرَى أُمَّ أَحْمَدَ دَاخِلَةً وَهِيَ تَبْتَسِمُ بِمَكْرٍ قَائِلَةً: "جُوزَكْ تَحْتْ، آسِفَةْ لَوْ كُنْتُ خَيَّبْتُ ظَنِّكْ."
أَمِيرَةْ: "لَا طَبْعًا أَنْتِ تَشْرُفِي فِي أَيِّ وَقْتْ... صَبَاحُ الخَيْرِ." أُمُّ أَحْمَدَ: "صَبَاحُ الهَنَا يَا بِنْتِي. أَنَا شُفْتُكْ اتْأَخَّرْتِي قُلْتُ أَطْلَعْ أُصَحِّيكِي عُشَانْ تِلْحَقِي تَفْطَرِي." أَمِيرَةْ بِتَسَاؤُلٍ: "لَا أَنَا صَحِيتُ مِنْ شْوَيَّةْ. أُومَالْ يَاسِينْ مِشْ هَيِفْطَر؟ أُمُّ أَحْمَدَ: "ياسين سَبَقَكْ مِنْ زَمَانْ يَا بِنْتِي هُوَ وَضُيُوفُهُ...
يَلَّا اقْعُدِي عُشَانْ تِتْعَشِّي لُقْمَةْ وَنَمْشِي. هُوَ مُسْتَنِّينَا بُرَّهْ." أَمِيرَةْ بِضِيقٍ: "لَا مِشْ عَايْزَةْ خَلِّينَا نِمْشِي أَحْسَنَ اتْأَخَّرْنَا." "نِمْشِي إِيهْ وَأَنْتِ عَلَى لَحْمِ بَطْنِكْ يَلَّا اسْمَعِي الكَلَامْ بَقَى." "سَمِيحَةْ كَمَانْ شْوَيَّةْ هَتْجِيبْلَكْ صِينِيَّةْ الفِطَارْ هُنَا."
جَلَسَتْ أَمِيرَةُ عَلَى مَضَضٍ وَجَلَسَتْ أَمَامَهَا أُمُّ أَحْمَدَ وَهِيَ تَرَى الضِّيقَ وَاضِحًا فِي عَيْنَيْهَا. "هُوَ إِيهْ اللِّي بَيَحْصِلْ بَيْنِكْ وَبَيْنَ جُوزَكْ يَا أَمِيرَةْ؟ أَمِيرَةْ: "هَأَ... لَا مِفِيشْ يَا مَامَا." أُمُّ أَحْمَدَ: "مِشْ عَلَيَّ يَا بِنْتِي.. انْتِي مِشْ هَتْقْدِرِي تَخْبِّي عَنِّي. هَاتِي فَهِّمِينِي...
أَيِّ اللِّي بِيَخَلِّي وَاحِدْ عَرِيسْ صَبَاحِيِّتُهُ كَانَتْ مِنْ يَوْمَيْنِ بَسْ يُسِيبْ حُضْنْ مَرْتُهُ وَيِنْزِلْ الجَنِينَةْ يَدَخِّنْ بِزَهَقْ أَوِّلْ مَا الصُّبْحْ يَطْلَعْ؟ أَمِيرَةْ بِضِيقٍ: "وَأَنَا أُيِّشْ عَرْفَاني! ? مَا سَأَلْتُوشْ هُوَ لِيهْ؟ "ياسين رَاجِلْ وَمِشْ هَيِقُولِّي فِيهْ إِيهْ. بَسْ انْتِي أَكِيدْ عَارْفَةْ إِنَّ فِيهْ حَاجَةْ حَصَلَتْ مَا بَيْنُكُمْ هِيَ اللِّي مُضَايْقَاهْ صَحْ؟
فَكَّرَتْ أَمِيرَةُ بِضَيَاعٍ ثُمَّ قَالَتْ: "لَا مِشْ عَارْفَةْ... تَصَرُّفَاتُهُ بَقَتْ غَرِيبَةْ." "غَرِيبَةْ إِزَّايْ؟ أَحْرَجَتْ أَمِيرَةُ مَاذَا سَتَقُولُ لَهَا؟ "احْم... زِي مَا يَكُونْ بَيِتْفَادَانِي." أُمُّ أَحْمَدَ بِشَكٍّ: "كِدَةْ مِنْ غَيْرِ سَبَبْ؟ انْتِي مُتَأَكِّدَةْ إِنَّكِ بَتْتَكَلِّمِي عَنْ يَاسِينْ!! "أُومَالْ خَيَالُهْ؟ أُمُّ أَحْمَدَ بِدَهْشَةٍ: "يِتْفَادَاكِ إِزَّايْ!
دَهْ بِيَعْشَقْ تُرَابْ رِجْلِيكِي وَبِيَتْمَنَّالِكْ الرِّضَا! انْتُو اتْجَوَّزْتُو عَنِ حُبْ. الكَلَامْ دَهْ تَقُولِيهْ عَنْ وَاحِدْ اتْجَوَّزْ صَالُونَاتْ بِوَحْدَةْ عُمْرُهُ مَا شَافَهَا قَبْلَ الدَّخْلَةْ... هَهَا.. افْتِكَرِي كِدَةْ فِيهْ إِيهْ عُشَانْ نَعْرِفْ نَحُلُّ المَوْضُوعْ دَهْ... مِشْ كِفَايَةْ سَحَرِ وَخَالِدْ؟
فَكَّرَتْ أَمِيرَةُ قَلِيلًا، ثُمَّ تَذَكَّرَتْ جُمْلَتَهُ: "هَادِمَةُ اللَّحَظَاتِ السَّعِيدَةِ وَمُدَمِّرَةُ الأَوْقَاتِ الرُّومَانْسِيَّةِ." فَجْأَةً ضَرَبَتْ خَدَّهَا بِكَفِّ يَدِهَا قَائِلَةً: "يَا مُصِيبَتِي! يَكُونْشْ زِعِلْ لَمَّا رَفَضْتُ أَفْتَحْلُهُ البَابْ!! "بَابْ إِيهْ؟ قَالَتْهَا أُمُّ أَحْمَدَ بِشَكٍّ. أَمِيرَةْ بِإِحْرَاجٍ: "لَا دَهْ مَوْضُوعْ خَاصْ... حَاجَةْ كِدَةْ هَزَارْ."
طَرَقَ البَابَ وَدَخَلَتْ سَمِيحَةُ ثُمَّ وَضَعَتِ الصِّينِيَّةَ وَانْصَرَفَتْ. فَاقْتَرَبَتْ أُمُّ أَحْمَدَ مِنْ أَمِيرَةَ وَقَالَتْ: "أَمِيرَةْ حَبِيبَتِي انْتِي عارْفَةْ إِنِّي بَأَعِزُّكْ زَي بِنْتِي بَسْ كَمَانْ بَأَعِزُّ يَاسِينْ وَمُعْتَبْرَاهُ زِي أَحْمَدْ ابْنِي."
أَوْمَأَتْ أَمِيرَةُ بِمُوَافَقَةِ كَلَامِهَا، فَأَكْمَلَتْ أُمُّ أَحْمَدَ: "ياسين عَاشْ يَتِيمْ طُولْ عُمْرُهُ يَعْنِي كَانْ مَحْرُومْ مِنَ الحَنَانْ مُدَّةْ طَوِيلَةْ لِحَدْ مَا عَرَفَكْ وَحَبَّكْ وَاتْجَوَّزَكْ... عَارْفَةْ دَهْ مَعْنَاهُ إِيهْ؟ أَوْمَأَتْ أَمِيرَةُ بِتَسَاؤُلٍ، فَقَالَتْ أُمُّ أَحْمَدَ: "مَعْنَاهُ إِنَّكِ بَقِيتِي كُلُّ حَاجَةْ فِي حَيَاتِهِ...
أُمُّهُ وَأُخْتُهُ وَبِنْتُهُ وَمَرَاتُهُ وَحَبِيبَتُهُ... وَمَا تِنْسِيشْ إِنَّكِ وَعَدْتِيهْ مَا تِبْعِدِيشْ عَنْهُ... وَلَوْ عَمَلْتِيهَا هَتْلَاقِي مِلْيُونْ وَحْدَةْ تَتَمَنَّى تِبْقَى مَكَانَكْ وَتِدِّيهُ الدَّلَعْ اللِّي هُوَ عَايْزُهْ." وَقَفَتْ أُمُّ أَحْمَدَ وَهِيَ تَقُولُ بِمَكْرٍ: "يَبْقَى خَلِّي بَالِكْ بَعْدْ كِدَةْ. مِشْ كُلُّ الهَزَارْ مَحْمُودْ...
فِيهْ مَوَاقِفْ بَيِكُونْ فِيهَا الهَزَارْ مُحَبَّبْ وَفِيهْ مَوَاقِفْ تَانْيَةْ بَيِكُونْ الهَزَارْ فِيهَا بَايِخْ. أَبْقِي فِكْرِي إِذَا كَانْ الهَزَارْ اللِّي قَصْدْتِيهْ دَهْ كْوَيِّسْ وَلَا بَايِخْ. لِأَنِّي أَكْثَرُ وَاحِدَةْ تَعْرِفْ يَاسِينْ: عِنْدُهُ عِزَّةْ نَفْسْ عَالِيَةْ أُوي وَكَرَامَتُهُ قَبْلَ أَيِّ حَدْ مَهْمَا كَانَتْ غَلَاوَتُهُ عِنْدُهْ."
غَادَرَتْ وَتَرَكَتْهَا فِي ضِيقٍ شَدِيدٍ تُفَكِّرُ فِي مَوْقِفٍ مُشَابِهٍ لِمَوْقِفِ الحَمَّامِ، وَهُوَ مَوْقِفٌ حَدَثَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ مُغَادَرَتِهِمَا لِقَصْرِهِمَا نَحْوَ المَطَارِ. فَلَاشْ كَانَ قَدْ أَخَذَ كُلَّ حَقَائِبِهِمَا إِلَى الخَارِجِ لِيَأْخُذَهَا وَزِيرٌ وَبِيتَرُ إِلَى السَّيَّارَةِ، بَيْنَمَا كَانَتْ هِيَ تُكَمِّلُ لِبَاسَهَا فِي الأَعْلَى.
صَعِدَ إِلَيْهَا وَكَانَتْ قَدْ وَضَعَتْ آخِرَ لَمَسَاتِ طَرْحَتِهَا، وَهَمَّتْ بِحَمْلِ حَقِيبَةِ يَدِهَا وَهِيَ تَقُولُ: "أَنَا جَاهِزَةْ خَلَاصْ." ياسين بِتَصَنُّعِ الجِدِّيَّةِ: "مُتَأَكِّدَةْ إِنَّنَا مَانْسِينَاﺵْ حَاجَةْ؟ أَمِيرَةْ وَهِيَ تَنْظُرُ حَوْلَهَا بِبَلَاهَةٍ قَائِلَةً: "لَا مَا أَعْتَقِدْشْ."
كَانَتْ سَتَخْرُجُ، لَكِنَّهُ أَوْقَفَهَا وَهُوَ يَحْتَضِنُهَا مِنْ الخَلْفِ وَيَهْمِسُ فِي أُذُنِهَا بِعَبَثٍ: "بِذِمَّتِكْ كِدَةْ مِشْ نَاسْيَةْ حَاجَةْ!! فِكِّرِي كْوَيِّسْ؟ تَمَلَّصَتْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَهِيَ تَقُولُ: "هَأَكُونْ سِيتْ إِيهْ يَعْنِي؟ أَعَادَهَا بِحَرَكَةٍ خَاطِفَةٍ إِلَى أَحْضَانِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى شِفَاهِهَا قَائِلًا: "لَا أَنْتِ نَسِيتِي دِي."
مَالَ عَلَيْهَا لِيُقَبِّلَ تِلْكَ الشِّفَاهَ الغَضَّةَ، وَمَا أَنْ أَخَذَهَا بِنَهَمٍ بَيْنَ شِفَاهِهِ، حَتَّى أَبْعَدَتْهُ بِتَذَمُّرٍ وَهِيَ تَقُولُ: "يُووُوهْ يَا يَاسِينْ!! هُوَ دَهْ وَقْتْ قِلَّةْ أَدَبَكْ دِي؟ مَا خَلِّينَا نِطْلَعْ!! اللهُ! ابْتَعَدَ عَنْهَا قَائِلًا بِصَدْمَةٍ: "بِتْسَمِّي حُبِّي لِيكِي قِلَّةْ أَدَبْ!! أَمِيرَةْ بِإِحْرَاجٍ: "مِشْ قَصْدِي...
بَسْ النَّاسْ مُسْتَنِّينَا بُرَّهْ. وَكَمَانْ انْتَ عَارِفْ الوَضْعْ عَامِلْ إِيهْ... خَالْتِي وَمَامَا... كُلُّ دَهْ وَأَنْتَ لِيكْ مِزَاجْ لِلْبُوسْ." ياسين بِإِحْرَاجٍ مُمْتَزِجٍ بِالذُهُولِ: "مَا إِحْنَا مُسَافْرِينْ لَهُمْ أَهُو عُشَانْ تِتْطَمِّنِي عَلَيْهِمْ. أَعْمَلْ إِيهْ يَعْنِي عُشَانْ أَثْبِتْلَكْ إِنِّي مُتَعَاطِفْ مَعَاهُمْ؟ أَعْمَلْ إِضْرَابْ عَنِ الطَّعَامْ لِمُدَّةْ شَهْرْ؟
أَمِيرَةْ بِتَذَمُّرٍ: "لَا بَسْ تِبْطَلْ بُوسْ كُلْ شْوَيَّةْ هَنِتْأَخَّرْ كِدَةْ." خَرَجَتْ مِنْ الغُرْفَةِ وَتَرَكَتْهُ يَنْظُرُ إِلَى سَاعَتِهِ بِاسْتِغْرَابٍ قَائِلًا: "هَنِتْأَخَّرْ إِيهْ الطَّيَّارَةْ مَعَادُهَا بَعْدْ سَاعَةْ وَنِصْ أَصْلَا!! ثُمَّ نَظَرَ إِلَى طَيْفِهَا وَقَالَ بِصَدْمَةٍ: "هِيَ قَالَتْ قِلَّةْ أَدَبْ!! هِيَ لِيهْ مُحَسِّسَانِي إِنِّي شَاقِطْهَا مِنْ قُدَّامْ المَدْرَسَةْ؟ بَاكْ
نَفَخَتْ أَمِيرَةُ بِضِيقٍ حِينَ تَذَكَّرَتْ تِلْكَ اللَّحْظَةَ المُحْرِجَةَ، وَكَانَتْ قَدْ سَمِعَتْهُ مِنْ خَلْفِ البَابِ. فَقَالَتْ بِتَذَمُّرٍ: "أُوفْ! أَكِيدْ زَهِقْ مِنْ مُعَامَلَتِكْ الدَّبِشْ يَا غَبِيَّةْ!! كُلْ مَا يِقَرَّبْ مِنْكِ تَصُدِّيهْ وَتَعْمِلِي حُجَّةْ عُشَانْ تِبْعِدِيهْ عَنْكِ!! اسْتَرِحْتِي كِدَةْ!! اشْرَبِي دِلْوَقْتِي يَا بِنْتَ العَبِيطَةْ." "لَاااا... أُمُّ أَحْمَدْ مَعَاهَا حَقْ...
مِشْ هَأَسْتَنِّى تَجِي وَحْدَةْ تِانْيَةْ تِدِّيهُ الحَنَانْ دَهْ. أَنَا لَازِمْ أَتْصَرَّفْ." أَخَذَتْ حَقِيبَتَهَا وَنَزَلَتْ مُسْرِعَةً. فِي المُسْتَشْفَى وَصَلَتْ كُلٌّ مِنْ فَاطِمَةَ وَسَحَرٍ إِلَى غُرْفَةِ فَاتِنَ، بَيْنَمَا تَوَجَّهَ صَالِحٌ وَرَجَبٌ إِلَى الطَّبِيبِ. فَاطِمَةُ: "صَبَاحُ الخَيْرِ يَا حَبِيبَتِي... إِزَّيْكِ النَّ
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!