كان يجلس في تلك السيارة بمفرده يفكر في الحلول ويعرض سيناريوهات في رأسه لوضع خطة محكمة لإخراجها. غادر شكري، ورفض هو أن يتركها بمفردها مع تلك العصابة التي لا تملك أي ذرة رحمة. مع أنه يجلس بعيدًا عنها بأكثر من كيلومترين ولا يسعه فعل شيء، إلا أنه على الأقل يشعر بقربه منها وكأن في ذلك عزاء له. كان يلوم نفسه مرارًا على اختطافها، فكيف لدانيال أن يخرجها أمام ناظريه دون أن يخرك ساكنًا أو ينتبه حتى!
نظر إلى تلك المباني بضيق وهو يفكر كيف له أن يخلصها من هذه المصيبة. وفجأة رن هاتفه برقم غريب. أمسكه بتوجس وأجاب: "الو! "استاذ خالد! أنا سحر" بصوت خافت مرعوب. لم يصدق ما سمع! إنه صوت صغيرته كما يسميها بينه وبين نفسه. "سحر! " قال خالد بذهول. "انت سامعني؟ " همست سحر. "اا... ااه سامعك! " أجاب خالد بهلع يحاول إخفاءه.
همست سحر بخوف: "فيه واحد اسمه دانيال ستيفنز خطفني. هابعثلك لوكيشن، أرجوك ساعدني، ما عنديش وقت كثير عشان أشرح." لم تنتظر إجابته وأقفلت الخط مسرعة. ثم أرسلت إليه موقعها وحذفت الرسالة وأعادت الهاتف إلى كم قميصها وهي تسمع خطوات اقترابه من الباب. فأغمضت عينيها ومثلت الإغماء ثانية. فتح لوكاس الباب ودخل مسرعًا. وضع كوب الماء على المنضدة وساعدها على الاعتدال وراح يضربها ضربًا خفيفًا
على وجهها كي تستفيق: "آنسة افيقي.. هييي يا فتاة! فتحت عينيها بتثاقل مصطنع. فقال وهو يسقيها الماء: "هذا ماء بسكر، اشربيه وسأحضر لك طعامًا بعد قليل.. هيا." شربت القليل ثم أعادها ثانية إلى وسادتها. بينما انزلقت يدها ثانية إلى جيبه لإعادة هاتفه إلى مكانه دون أن يشعر.
خرج مسرعًا، ففتحت سحر عينيها وتنفست الصعداء وهي تتذكر لعبتها المفضلة في طفولتها حين كانت في العاشرة من عمرها حين بدأت تتقن فعلًا هوايتها المتمثلة في لعبة الخفة. فلاش باك: "حنان، تيجي نلعب سوا؟ "امشي العبي بعيد عني، أنا مش بنت صغيرة عشان ألعب بعرايسك السخيفة دي." "لا، مش هنلعب بالعرايس، أوعدك." "قلت لك العبي بعيد عني." "والنبي يا حنان، زهقانة وعايزة ألعب معاك." "أوووف، طيب طيب.. بس أوعي تقولي هنلعب لعبة الخفة تاني!
"ومالها لعبة الخفة؟ دي مسلية جدًا جدًا! "إنتي يا بت انتي عايزة تطلعي حرامية مثلًا! "وليه ما تقوليش لاعبة خفة مثلًا! "لأن الهواية بتاعتك دي مش بتشبه لعبة خفة.. ده اسمه نشل يا ماما، نششششل! "نشل أو خفة، ما تفرقش.. المهم إنها مسلية أوي." قالتها سحر وهي تقترب منها بعبث طفولي. وفجأة وجدتها تمسك مشبكها بين يديها وهي تضحك. "الفيونكة بتاعتي! أخذتيها من شعري إزاي؟
"ما إنتي قلتيها بلسانك قبل شوية.. دي هواية يا بنتي.. هوااااية يعني موهبة." هزت حنان رأسها بيأس: "خلاص بطلت ألعب." وأخذت منها مشبكها وانصرفت. بقيت سحر خلفها وهي تهمس لنفسها: "عارفة يا حنان، أنا اتعلمت خفة اليد دي أصلًا ليه؟
بسببك إنتي. ما إنتي بتاخدي مني كل حاجة عجبتني، وماما بتوافقك وبتيجي عليا أنا في كل مرة بدل ما تقولك ده غلط.. زي الفيونكة دي مثلًا، اللي اشترتهالي ماما وإنتي أخذتيها غصب. علمتيني أعتمد على نفسي عشان آخد منك كل حاجة تخصني بإيدي." عودة من الفلاش باك: تنهدت بعمق وهمست: "الحمد لله ربنا ستر وما انتبه إن تليفونه مش معاه." فكرت قليلًا فيما فعلت،
ثم همست لنفسها بضياع: "تلاقيه دلوقتي مستغرب وبيقول إيه اللي بتقوله بنت المجنونة دي! حد بيتصل بحد تاني في الوقت ده وبيقوله إنه مخطوف؟ أكيد مش هيصدقني وهيفتكرني بتسلى آخر الليل! "لا، أتسلى إيه ده أنا باعثاله لوكيشن، أكيد هيدور ويعرف إني بقوله الحقيقة." "أوووف، طب أنا اتصلت بيه هو ليه؟ ما كنت اتصل ببابا وهو يتصرف! مش عارفة أصلًا ليه هو الوحيد اللي خطر في دماغي ساعتها!! يمكن بسبب الحلم؟
لالا، أكيد مش ده السبب.. مش عارفة ليه عندي إحساس إن خالد هو الوحيد اللي يقدر يساعدني في الوضع ده.. يا رب تسترها معايا وتنجدني من الكلاب دول." خفق قلبه بشدة وارتعب لسماع صوتها الخائف. ترددت مجموعة من الأفكار بداخله: "يا ترى جابت تليفون منين؟ يا ترى حد لمسها؟ لا لا.. لا سمح الله.. لا لا ما أعتقدش وإلا ما كانتش هتقدر تتكلم أصلًا من الصدمة. طب.. طب تليفونها معايا، أومال هي اتصلت بيا إزاي؟ معقولة حافظة رقمي! طب إزاي؟
وإمعنى أنا!! تكونش؟؟ .. لا يا خالد، فوق لنفسك بقى، فوووق! البنت مخطوفة، أكيد مش هتفكر في حاجة من اللي في دماغك دول. وبعدين مشاعر إيه انت كمان! دي بنت في ثانوية عامة وانت عديت 33 سنة. لا، هي أكيد حست إنك هتقدر تساعدها زي ما ساعدتها أول مرة في الميناء مش أكتر. أيوه، هو ده التفسير الوحيد. ماهي حتى لو اتصلت بمامتها مكانتش هتقدر تعملها حاجة. عشان كده محبتش تضيع الفرصة الوحيدة اللي جات في إيدها." "طب والحل يا خالد؟
هتسيب بنتك بين إيدين الكلاب دول لحد إمتى؟ لالا، أنا لازم أتحرك حالًا." أدار السيارة وانطلق مسرعًا لوجهته. في الصباح. كان ياسين يستعد للخروج كعادته. وقف أمام المرآة يسرح شعره الكثيف ثم رش عطره. وفجأة نظر إلى باب الشرفة وتذكر شيئًا. فتحه ووقف بالشرفة يطالع الجو الصباحي الجميل وشرد قليلاً في كلامهما بالأمس على العشاء. فلاش باك: "مش بتاكلي يعني؟ "لا طبعًا، باكل أهو."
"بتاكلي إزاي وانتِ عمالة بتدوري في الشوكة جوة الطبق.. شكلك متضايقة من حاجة ولا أنا متهيأ لي؟ "لا، مفيش حاجة." كان ياسين يشعر بأن بها خطبًا لكنها لا تريد أن تتكلم، فحاول تغيير مجرى الحديث. "امممم.. صينية البطاطس باللحمة طلعت خرافية.. تسلم اسمها ألبرتا." "ألبرتا قطعت البطاطس بس وحطتها، بس البهارات وكل حاجة تانية أنا اللي حض... " انتبهت لاندفاعها فقطعت جملتها بإحراج. بينما أكمل ياسين
حديثه بابتسامته الرائعة: "ما أنا عارف.. عشان كده مكنتش هأفوت فرصة زي دي حتى لو اتعشيت الساعة 3 الصبح." ابتسمت بخجل وأكملت أكلها. فأعاد سؤالها: "برضو مش عايزة تقولي فيه إيه؟ "احم.. كل الموضوع إن أنا مخنوقة من القعدة بين أربع حيطان." "لو الأوضة مش مريحة أغيرهالك، فيه أوض كتير، أنا بس اخترت دي عشان في الطابق الأرضي."
"لالا.. الأوضة شرحة وهواها جميل.. بس برضو تفضل أوضة وأنا مش متعودة عالخنقة و.." انتبهت لاندفاعها فتراجعت نبرة صوتها ثانية وقالت بتفكير وهي تنظر إلى صحنها وتعبث فيه بشوكتها ثانية: "محتاجة أشم هوا الطبيعة.. عارف نفسي في إيه؟ جاوبها وهو سرحان فيها: "إيه؟ "نفسي أقعد تحت الشمس والهوا يطير شعري.. وحشني الشعور أوي من لما اتحجبت ما عملتهاش." ضحك ياسين قائلاً: "وده اللي هو من إمتى؟ "عايز تعرف اتحجبت إمتى صح؟
"بصراحة أيوه.. عندي فضول كبير أعرف إمتى." "أقولك وما تستغربش؟ "هاستغرب ليه؟ قولي بس." "قبل ما تخبطني بيوم واحد." "لا والله؟ "أه والله." "طب مادام كده شدي حيلك وكلي كويس عشان عظمك يجبر بسرعة وبعدها تطلعي من قعدة البيت دي، ماشي؟ "حاضر." عودة من الفلاش باك: نزل إلى الأسفل مسرعًا وقد قرر شيئًا. في مقر العصابة. وصل دانيال في الصباح إلى المقر وتوجه إلى غرفة سحر وهو يحمل صينية بها طعام.
"أخبرني لوكاس بما حدث.. لا نريد أن يتكرر ذلك الأمر." "عن أي أمر تتحدث؟ " قالت سحر بلا مبالاة. "فقدانك الوعي طبعًا.. نريدك بصحة جيدة، خذي كلي هذا." "آه طبعًا.. كي تأخذوا أعضائي بدون أي مشاكل." قالت سحر بتهكم. ضحك دانيال: "يا لك من ذكية! هيا كلي طعامك، لا أريد أي تحذلق." وضع الطعام وكان يهم بالانصراف، فاوقفته بجملتها: "لم يخبرك إذن عن الكلب الذي حاول اغتصابي." التفت إليها بدهشة،
فأكملت بثقة: "طبعًا لم يخبرك.. توقعت ذلك." كانت فاتن تتقلب طيلة الليل لا تستطيع النوم ودموعها تنزل بتلقائية. "أهدي يا فاتن، إحنا محتاجين نفكر بهدوء عشان نلاقي حل، مش معقول هتفضلي تعيطي طول الوقت! "يا برودك يا أخي!!! بنتك مخطوفة ويا عالم عملوا فيها إيه وانت ولا على بالك!! " قالت فاتن بانهيار. "ماهي بنتي زي ما هي بنتك، ويمكن بحبها أكتر منك، بس عايز ألاقي حل مش أقعد ألطم!! " قال صالح بضيق. في ذلك الوقت رن هاتف فاتن.
نظرت للرقم وكانت صدمتها شديدة: "ده رقم سحر!!! "طب ردي بسرعة، ولا أقولك هاتي أرد أنا." قال صالح بلهفة. "لا، أنا اللي هرد." قالت فاتن بمقاطعة. أمسكت الهاتف بارتباك وأجابت: "الو سحرررر!!! "الو مدام فاتن." "إنتي مين؟! " قالت فاتن بتعجب. "مدام فاتن، أنا خالد." نظرت فاتن إلى صالح بضياع وقالت: "خالد؟! تليفون بنتي بيعمل معاك إيه؟! "مدام فاتن، إحنا لازم نتقابل وهأفهمك كل حاجة." توجه ياسين نحو المطبخ لإعداد الفطور.
وفجأة رن هاتفه فرد ووضعه على المكبر بينما يكسر البيض في المقلاة. "الو نانسي، صباح الخير." "صباح الخير سيدي.. اتصلت لأذكرك بموعدك مع السيد جاكوب." "نانسي، أنا لن آتي إلى الموعد. من فضلك اتصلي بالسيد جاكوب وحددي موعدًا آخر." قاطعتها نانسي. "لكن سيدي! من الممكن أن نخسر الصفقة، فكما تعلم.. الكثيرون يترصدون هذه الفرصة للتعاقد معه!
"لا يهمني نانسي.. لو كان السيد جاكوب يريد التعاقد معنا سيقبل بتحديد موعد آخر.. وإن لم يستطع الانتظار فأنا لا يشرفني التعامل مع من يبيعنا عند أول فرصة.. الثقة أساس عملنا." قال ياسين بلا مبالاة وهو يخفق البيض. "معك حق سيدي.. حسنًا، سأتصل به." قالت نانسي باقتناع. "آه نانسي.. لا تنسي أيضًا تذكير المحامي بضرورة تحضير عقود أرض الشمال.. سنتمم شراءها مع آخر الأسبوع." "أمرك سيدي." بعد فترة.
انتهى من تحضير الفطور ووضعه على السفرة. نظر إلى ساعته فوجدها تشير إلى التاسعة. "زمانها صحيت." طرق الباب بلطف: "أميرة." "اتفضل." "صباح الخير." "صباح النور." "جاهزة عشان نفطر؟ نظرت إلى الساعة أمامها: "هو انت مش متأخر كده؟ "أنا مليش مواعيد، أروح وقت ما أشوف إن ده مناسب.. يالا اتفضلي." دفع كرسيها إلى الخارج، وفور أن وصلا إلى السفرة تركها وخرج مسرعًا وهو يقول: "شوية بس وراجع.... تقدري تبتدي فطور انتي بالهناء."
"أهااا، خبار صاحبنا إيه يا منير؟ "بصراحة يا باشا، مش عايز أظهر في حياته الفترة دي ولا أحمل مشكلة جديدة معاه." "طب وليليان؟ "ولا ليليان كمان، بصراحة هي اليومين دول مشغولة بحد تاني." "آه، قلت لي!! ليليان دي مش بتضيع وقت خالص." "خليها تهيص لها يومين.. هانت خلاص، هنخلص منها الواطية." "خلينا في المهم." "أمرك يا باشا." "عايزك تهدي اللعب مع ياسين اليومين دول." "حاضر يا باشا.. طب على سيرة اللعب.. إنت ناوي على إيه يا باشا؟
أصل أنا ملاحظ إننا من عملية المخازن الشمالية وإحنا ما لعبناش ياسين." قال منير بتساؤل. "البركة في أميرة بقى!! " قال المجهول بخبث. "مش فاهم يا باشا؟ "إحنا يا غبي كنا بنعمل كل ده ليه؟ مش عشان يتشتت تركيزه؟ ولما يفقد تركيزه هيغلط.. وساعتها نتفوق عليه إحنا.. بس اللي أنا شايفه إن البنت اللي اسمها أميرة دي في أسبوع بس عملت فيه اللي ما عرفناش نعمله إحنا من سنين." "برضو ما وصلتش الفكرة! "مش مهم، إنت ركز على المطلوب منك وبس."
"اللي هو إيه يا باشا؟ "تجمع لي أخبار عن الحرس بتوع ياسين واحد واحد." "عشان إيه يا باشا؟ "هنحاول نشد واحد منهم لصفنا ونخليه يعمل لحسابنا." "أيوه يعني ليه؟ "عشان نقدر نطلع المزة من القصر." قال المجهول بخبث. "قلت نطلعها؟ إمتى؟ " قال منير بتعجب. "في الوقت المناسب." قال المجهول بابتسامة شريرة. أقفل الخط وهو يتذكر مكالمته قبل قليل. "سيدي، لقد عرفت كل المعلومات التي تبحث عنها." "رائع، أرسلها حالًا."
فتح الملف وهو يقرأ بمتعة: "مممم، معلومات مثيرة... اتهمتك خالتك بسرقة فلوسهم.. البوليس الكندي كان بيدور عليكي.. رجل المافيا دانيال ستيفنز مكلف رجال يدوروا عليكي في كل مكان؟ آه، هي دي معلومة تستاهل الفلوس بجد. مادمتي مهمة أوي لليهودي اللي اسمه دانيال ده، ف أكيد هيفرح جدًا لو جات عصفورة وبلغته إن البنت اللي بيدور عليها مستخبية في قصر ياسين المنشاوي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!