هيكون مالي يا مريم تعبانه. تنهدت مريم بحزن وزفرت قائلة: يوووه يا بهيرة دي إرادة ربنا، المرة الجاية هيكرمك صدقيني. ابتسمت بهيرة من داخلها بخبث وزمت شفتيها: متشغليش بالك بيا، روحي اعمليلي ملوخية عشان الوحَم. نهضت مريم وتوجهت إلى المطبخ، ولكن وقفت في المنتصف والتفتت إليها: يا بنت اللذينة. عمالة تشتغليني من ساعة ما جيتي وأنا قلبي بيتقطع عليكي، أه منك. تعالت ضحكات بهيرة بصخب وهي تنظر إلى مريم التي تود
أن تفتك بها على ما فعلته: مش قادرة يا مريم، مش قادرة، هموت وهفطس من الضحك، انتي صدقتيني؟ أنا لو كده مكنتش جيت. ابتسمت مريم لسعادة بهيرة وتوجهت إليها تحتضنها، مربتة على ظهرها بحنان الأشقاء، داعية لها أن يتم الحمل: أنا حاسة بيكي يا بهيرة، ودعيت كتير إن ربنا يرزقك المرة دي بالذات، انتي جميلة وتستاهلي كل خير. أخيرا محمد هيبقى له أولاد عم؟
هزت بهيرة رأسها بسعادة وهي تتحسس بطنها الصغيرة للغاية براحة يديها وبرفق، كمن تخشى على قشرة بيضة أن تكسر، ما بالك إذا جاء إلى الحياة: مقدرتش ما أبشروش. قطبت مريم جبينها بعدم فهم: مين ده؟ مش فاهمة، فهميني كده. تنهدت بهيرة بارتياح وهي تقول: دخلت لعم هريدي الأوضة وبشرته. شردت مريم في عمها، فهي منذ أتى لم تقدم على رؤيته. خرجت من شرودها على صوت جرس الباب، فنهضت لتفتحه، تتفاجأ بولاء تدلف بسعادة: والله فرحتلك.
ومن ثم تقدمت منها واحتضنتها لتبارك لها، ومريم تنظر إليها بشك، كيف لولاء أن تعرف هذا الخبر وهي بالمكتبة طيلة النهار، معني ذلك أنها العروس لمصطفى: الأخبار الحلوة بتيجي ورا بعض. عقدت ولاء ما بين حاجبيها بتساؤل: خير يا مريم، شكلك عندك خبر حلو. رفعت مريم حاجبيها وظنت أن ولاء تستغباها: عندنا عريس هيخطب عروسة وشبكة هتتشرى. نظرت ولاء إلى بهيرة بتساؤل، لتمط الأخرى شفتيها: خطوبة مين على مين يا مريم؟
أوووبس، انتي وافقتي على عادل؟ شهقت ولاء من داخلها وحزنت، كيف لمريم أن توافق عليه وهي تعلم أنها تحبه: لا ده مصطفى يا بهيرة، هيخطب واحدة، والظاهر إنها قريبة مننا عشان جه النهارده وقالي. نظرت بهيرة إلى ولاء ببلاهة: مين هي؟ أيعقل أن تكون ياسمين؟ لماذا ياسمين؟ لماذا يختار أي قريبة منها؟ بجد يا مريم؟ انتي بتتكلمي بجد ولا بتهزري زي ما هزرت معاكي من شوية؟ أصل عادل كان عندنا النهارده.
واستطردت بهيرة وهي تنظر إلى ولاء بحرص بسبب حالة خيبة الأمل التي انتابتها ومريم ونظراتها الخبيثة: هو قالك إن عادل جه وهو طرده صح؟ بس غريبة موضوع خطوبته ده، اللي عرفته من مرات عمي إنه هيتجوزك انتي. كانت كلا من مريم وولااء بعالم آخر شاردتين، ولكن ولاء كانت تستصعب الموقف، فها هو للمرة الثانية يتقدم لخطبة مريم:
دي أخرتها يا عادل، انت مفيش منك فايدة، كنت بتلاعبني عشان تفرج الكل إنك مرغوب فيك. أنا اللي غلطانة، بس هتشوف مني حاجات عمرك ما تتوقعها. ضحكت مريم بسخرية من مصطفى: صح كده؟ أنا بانت ليا الرؤية، ماشي يا درش. أخذت بهيرة تغمز لمريم حتى تنتبه إلى ولاء وحزنها: ودي رؤية رمضان ولا العيد يا حزينة؟ أما عجايب انتوا. أرادت بهيرة إراحتهما الاثنتين وسردت لهم خطة مصطفى:
وهنا فهمت مريم سر صمت مصطفى، كان دائماً ينصت ويراقب تصرفات الجميع، ويبني خططه على هذا الأساس، والصمت هو الذي دفعه لذلك، دفعه إلى أن ينصت للعدو والحبيب، ولأي شخص أي كان، حتى لو كان الشخص هذا أضعف منه. تتذكر جملة قالها لها عندما علم بما افتعله سالم، حيث ردد بعزيمة وقوة قتالية: أيوه العقل والصبر والهدوء يا مريم... هي دي الأساسيات اللي لازم نمشي بيها... لو هنرجع حقنا من مين.
عقدت مريم حاجبيها وهي تفكر في كلماته، لتتفاجأ أنه قد حانت اللحظة الأهم... نهاية سالم... وخروجه هو وحلاوتهم من البيت. خرجت من شرودها على يد بهيرة وهي تدغدغدها من خصرها، لتعلو ضحكاتها، وتنتبه إليهم لتجد ولاء شارده حزينة تفكر في عادل: تصدقي يا بهيرة، انتي فعلاً صح، النهارده ولا فرحتي بدخول رمضان اللي هييجي بعده العيد، وأنا واثقة في مصطفى وفي خططه، هو وعدني. عقدت بهيرة حاجبيها: دي كمان كانت وعد؟ هزت مريم رأسها بتأكيد:
بس موضوع عادل ده لأ. ثم استطردت بقلق وتوتر: في حاجة. ممكن محدش يصدقه. ابتسمت ولاء بسخرية، فهي تعرف عادل: بتقولي إيه يا مريم؟ ده عادل اللي هيعرف يلعبها. توترت مريم، أن يقوم عادل بخيانة الاتفاق ويتحد معهم: معاكي حق، عشان كده أنا مش مصدقاه شخصياً، الله أعلم. ابتسمت بهيرة بمكر وأرادت المرح معهم حتى يخرجوا من القلق: يبقى برضه كتر خيره، يمكن سالم يعرف والنار تشعلل فيه ويرجع.
انتفضت مريم بذعر وهبت واقفة، يتطاير الشرار من عينيها، تبصق في الأرض: مش هيحصل يا بهيرة، على جثتي، يا تاخدي روحي ولا إني أرجعله تاني، قال نار تشعلل فيها. تعالت ضحكات كلا من بهيرة وولااء، حيث فهمت أن بهيرة افتعلت ذلك لتخرج مريم من قلقها: اممممم. لا من ناحية النار فهي شعللت أوي يا مريم، وهو مصطفى هيسكت؟ ما خلاص بقي زمن الصمت. نظرت مريم إليهم بغيظ ونفخت براحة شديدة، متخيلة سالم وهو يجبرها على العودة كخادمة إلى حلاوتهم،
لتهز رأسها: في حاجات مينفعش فيها الهزار بجد يا بهيرة. مجرد التخيل خلّى الدم يفور في نافوخي، أنا ما صدقت خلصت منه، بجد ربنا بيحبني. تقدمت منها بهيرة تربت على يديها بحنان، وتنظر لها بأسف، كأنها تطلب السماح على سوء ما قالته لمريم، حتى لو كان على سبيل المزح: لا، وهي يعوضك. ابتسمت مريم بثقة: أنا طول عمري عندي ثقة في ربنا. كأن كلمات مريم رسالة موجهة إلى ولاء: طب خلاص، أنا هفكني من عادل وهثق في ربنا.
ابتسمت مريم من كلمات ولاء، فتأكدت من وصول الرسالة: كنت ديما أقول كده لبهيرة، وقولتهالك قبل كده يا ولاء، ابقي قولي لياسمين. تعالت ضحكات ولاء عندما تذكرت ياسمين وما تفتعله في ضياء في المكتبة: اسكتي يا مريم، دي سايبة المكتبة بقالها خمس أيام بحالهم، وكل شوية تليفون، مسألش عني. تذمرت بهيرة لأنهم تناسوا أمر الطفل وبدأوا يثرثرون في أحوالهم، هي تريد الاهتمام بها فقط:
طب ما تسيبكم من ياسمين دلوقتي وتعالوا احلموا معايا، يا ترى هيبقي شكله إيه؟ ولد ولا بنت. غمزت ولاء إلى مريم أن بهيرة تتضايق عند ذكر اسم ياسمين منذ آخر موقف، وأرادت تخفيف الموقف: والله ياسمين طيبة وغلبانة، انتي بس اللي اندفعتي فيها يا بهيرة، دي ديما تسأل عني وبتدعي لك إن ربنا يرزقك. أوقفتها بهيرة، لا تريد السماع أكثر عن ياسمين وصفاتها، هي حتى لا تعلم لما تتضايق عند ذكر سيرتها، بل و تقيئت الآن عندما تذكرت عطرها:
اسكتي، هرجع. التفتت ولاء: يالا يا بهيرة، الساعة أربعة. عقدت ثريا ما بين حاجبيها قائلة: و ماله، لما تكون أربعة ووراكي ميعاد؟ نظرت إلى عادل كأنها تريد إغاظته قائلة: عشان أنا داخلة كورس على النت والمستر بيزعق. كتمت كلا من ثريا وبهيرة ضحكاتهما وهم يراقبون انفعالات عادل: الله! كورس ومستر يا ولاء؟ ما تاخديني معاكي؟ أنا خالتك ثريا برضه. قهقهت ولاء من الضحك وأخرجت لسانها تتلاعب به، كان المقصود عادل:
خلاص هقوله وهيوافق أكيد، هو بيحب الحلوين، وانتي هتنولي إعجابه بسرعة. رفعت ثريا حاجبيها بإعجاب لولاء وتغيرها وخروجها من هالة الحزن التي تلتصق بها: والله لو كنت صغيرة ما كنت سبتك تاخدي الكورس، كنت هاخده لوحدي، أصل أنا ست ضعيفة. هنا أحس عادل بغيرة من كلام ولاء وأحس برغبة عارمة في خنقها، لأنها تعدت حدود الأدب مع مدرسها، ولا يعلم لماذا يشغل باله وتفكيره هذا الموضوع، وسرعان ما نفى هذا الإحساس وأكمل طريقه وحده.
بعد أسبوع منذ ذلك الوقت، وبمحل حلاوتهم، حيث أنها فتحت محل لها خاص: جايين نشتري شوية حاجات حلوة منك يا ست حلاوتهم لجهاز ياسمين أختي. تلفتت حولها حلاوتهم بقلق ورعب أن تكون مراقبة من قبل سالم، وغمزت قائلة: هنروح المحل التاني عشان المخزن فيه، عشان ما نبقاش نمشور الشغالين، تعالي. بالفعل ذهب معها، وهو يتفرس ملامحها بدقة، وهو يحدث نفسه، لقد وقعت في المصيدة:
عندي ليكي خبر مش كويس، سالم كان عند أهله أول امبارح، ومريم كانت هناك، الله أعلم. تذكرت ليلة أمس عندما قامت بمداعبته وهو ينفر منها، معني ذلك أنه بسبب تلك الزيارة الشؤم: محضر ليا إيه يا ابن الحمش؟ كان عندي حق لما أخليك تكتب ليا نص أملاكك وأملاك الهانم. حزم عادل الموقف وانتهز فرصة حديثها عن الأملاك ليبخ سمه في أذنها رويداً رويداً قائلاً: مبقاش اسمي عادل، أما طربقتها فوق دماغهم لأجل عيونك يا حلاوتهم. هقلبه عليها وهتشوفي.
أحست حلاوتهم أن قلبها يدق بشغف من حديثه وهمساته وكلماته، وأرادت إخراج ما يجول برأسه: إيه يا عادل؟ هتعمل إيه يعني؟ هتتجوزها إزاي؟ والكل رفضك وقال إيه بحجة إنها لمصطفى، كنت عارفة إنه ملعوب. ابتسم ابتسامة لعوب وأخذ يدور حولها بمكر، وهي شارده في تفاصيله، وكأن الشيطان يرقص برأسها ويميلها نحوه: هخلصك من الموضوع ده، أنا ميهونش عليا نكدك يا حلاوتهم، كل اللي عليكي تحولي كل اللي أخدتيه منه ليا، وأنا هكتبلك ورقة ضد.
دقائق ودخلت ياسمين المحل، فقد كان شرطها أن تكون معه منه ضمان ألا يغدر بهم، ومنه أن تبتعد عن المكتبة قدر الإمكان حتى ضياء يختار، أشارت له ليأتيها: خف شوية يا عادل، أنا مراقباك. زفر عادل بحنق وندم على جلبها: بت! هو أنا جبتك هنا عشان تضيقي عليا؟ عقدت ياسمين ما بين حاجبيها بذهول قائلة: لا، بس شكلك وأنت مقرب منها كأنك هتغدر. ابتسم عادل بنصر لأنه استطاع إقناع شقيقته بالدور: مع نفسك بقي، وحلو أوي إنك وصلك الإحساس ده كمان.
جحظت ياسمين بعينيها وتدلت شفتيها ببلاهة لتفهم شقيقها: يا واد يا ابن اللذينة، جدع من يومك، ده أنا نفسي اقتنعت باللي بتعمله. ابتسم عادل بثقة وهو ينظر إلى حلاوتهم الشاردة في حديثه، غافلة عن ياسمين: أديني رشيت طقم الحنية دي، حتى لها نصيب الأسد، عمري ما كنت رهيف مع حد كده. نظرت ياسمين إلى حلاوتهم، بالفعل كانت تتمتع بجمال أنثوي طاغي يلفت نظر أي شخص:
أكيد لازم تبقى رهيف معاها. هي وقعت سالم من شوية يا ابني، ده كان مع مراته ومعاها. انقضى اليوم وقد لعب عادل في رأس حلاوتهم لتبصق على حياتها مع سالم، تود التمتع بالحياة الجميلة وتنهي حياتها مع سالم، غافلة عن اصطدامها بالواقع والذي سيكون المنتهي الطويل لها، فقد جذبها عادل من كافة الاتجاهات، حيث كان يتمتع بطول القامة وكان مفتول العضلات، ارتدائه للملابس الشبابية العصرية بعكس سالم المرتبط بالأعلاف فقط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!