الفصل 5 | من 35 فصل

رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الخامس 5 - بقلم مروة البطراوي

المشاهدات
31
كلمة
2,806
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

تأخر عليها حتى حلول الصباح، وهي ظلت على حالها تنتظره بالصيدلية. إلى أن أتى بها بشخص لم تتوقعه يومًا، ألا وهي والدتها المنفصلة عن والدها. وما إن رأتها حتى ارتمت في أحضانها، وهي تنظر له بامتنان على ما افتعله معها. صدقًا، هو رجل أفعال وليس أقوال. "ربنا يخليك ليا يا مصطفى." أخذتها ثريا وخرجوا من الصيدلية. "إنتي ليه ما اتصلتيش بيا يا مريم؟ نسيتيني؟ نكفت مريم رأسها بخزي لأنها تخلت عن والدتها.

"من يوم جوازي وهو حالفان عليا إني ما أكلمكيش." هزت ثريا رأسها وأخذت تهدهد حفيدها بحنان، قائلة: "ده ابنك ده يا مريم؟ بسم الله ما شاء الله، شبهك وشبه أبوك." ابتسمت مريم لوالدتها، فهي ما زالت تحتفظ بملامح والدها في عقلها رغم قسوته. "أه ده ابني وفعلاً شبه بابا." "لسه يا ماما بتحبيه بعد ما طلقك؟ "على فكرة، هو عمره ما نساكي." تنهدت ثريا بحزن تتذكر ما دار بينها وبين والد مريم، وكان السبب في ذلك هريدي لكره شديد.

"وأنا يعني اللي نسيته يا مريم؟ يعلم ربنا إني بحن لأيامي معاه، بس هو اللي باعني وصدق عليا كلام هريدي." أخذتها ورحلت إلى منزلها. أما عن مصطفى، عاد إلى منزله بدون أن يخبر أحدًا عنها وعن مساعدته لها. في الصباح، علم سالم أنها رحلت. وعلى قدر فرحته بذلك، إلا أنه أراد افتعال فضيحة لها. أخذوا يبحثون عنها في كل مكان، حتى في بيت والدها، ولا أحد يعلم عنها شيئًا. "بردو مش موجودة يا عيشة؟ ارتبكت عائشة ولا تعلم طريقها.

"لا، مش موجودة ومش عارفة راحت فين." صرخ سالم فيهم وحملهم المسؤولية، قائلاً: "قلتلكم دي طالعة لأمها، محدش صدقني." حاول محمد تهدئته، لعلها تكون بالمستشفى. "طول بالك يا سالم، أنا هتصل بالدكاترة." هبط مصطفى الدرج باتزان، يغمز لبهيرة: "روحي شوفيها عند نوال، يا بهيرة، ما هما هيبقوا سلايف." نظرت إليه بهيرة ووالدته ببلاهة، وابتلعت ريقها. "روحت، بس مش هناك يا مصطفى، دي مشت بشنطتها." قطب مصطفى جبينه باصطناع وزم شفتيه بسخرية.

"هتروح فين يعني بشنطة هدومها؟ هي ليها غيرنا ولا أبوها؟ غابت الكلمات بينهم لدقائق، لتعود عن طريق بهيرة خالية من أي تعبير. "إحنا دورنا عليها حتى عند بابها، مش موجودة أصلًا. مستبعد إنها تكون هناك." قطب هريدي جبينه بعدم فهم، وتيقن أن بهيرة لديها معلومات عن مريم وتخفيها. "يعني إيه موضوع إنها تكون عند أبوها مستبعد؟ اومال اللي بتغضب بتروح فين يا بهيرة؟

ارتفع صوت سالم عاليًا وأخذ يصرخ في وجههم، والجميع منتفضون عدا مصطفى المتزن. "إنتوا ليه مش واصل ليكم الليلة؟ الهانم من يوم ما اتجوزنا بتتم لعن عليا وشايفة ليها شوفة تانية." تضايقت بهيرة من حديثه وشعرت أنها بنفس الموقف. إذا فاض بها وطفح الكيل، ستغرب عن وجهه. "ملوش لازمة الكلام ده يا سالم." "مريم لو كانت مشيت، يبقى بسببك. مش إنت عايز تتجوز عليها وعايزها تمشي؟

انتفض هريدي ونهض بغضب، ينظر إلى ابنه سالم يود الإطاحة به، لأنه تعهد له أنه لن يفعلها وسيظل مرتبطًا بمريم. "يعني إيه الكلام اللي بتقوله بهيرة ده يا سالم؟ جواز إيه وزفت إيه؟ وبتطرد البت من بيتي؟ ليه أنا معنديش علم بكل ده؟ انتفض سالم بغضب، وقد طفح كيله وأراد إظهار الوجه الآخر لعملته الدنيئة، فهو شبيه لعمه والد مريم، افتعل نفس الفعلة.

"الله، جينا للمهم يا أبو سالم. إنت ملكش حق إنك تعرف عني حاجة. وده بيتي، أطرد منه أي حد وأقعد فيه اللي على مزاجي." هنا سقط هريدي. فما قالته له عائشة قد حدث. تخابث سالم إليه حتى حصل على مبتغاه، ومن ثم يريد طرد الجميع وإبقاء من كان على هواه. هرع محمد إليه أبيه يتفحصه، لتتسع حدقة عينيه بصدمة، قائلاً: "أكيد دي جلطة. الإيد اتعوجت. وديني يا سالم لأسجنك، أبوك رجله مش بتتحرك."

انقض مصطفى على سالم أبرحه ضربًا بسبب الحالة التي وصل إليها والدهم. "ليه. ليه يا سالم ليه. ليها حق تسيبك وتهرب منك. إنت مريض وطماع. أقسم بالله لهرجع منك كل حاجة." أبعده سالم عنه ونظر إليه باستهزاء، وتركهم ورحل. كانت عائشة تتابع ألم هريدي وتبكي في صمت، ولم تستطع أن تفعل له شيئًا لتخفف عنه. وصل خبر شلل هريدي إلى ثريا، فشهقت قائلة: "يا ساتر يارب، اللهم لا شماتة. ربنا يشفيك يا هريدي."

كانت مريم في هذه الأثناء تبدل ملابس محمد وشعرت بحرارته. "تعالي يا ماما الحقيني، محمد سخن تاني، لازم أكشف عليه، الدوا ملوش مفعول." ترددت ثريا أن تخبرها، فهي تعلم معدن ابنتها جيدًا، ستنسى كل شيء وتذهب لرؤيته. "ماشي، تعالي نكشف عليه، إن شاء الله خير. هو كمان تغير الأماكن عليه مخليه يتحسس." وجدت مريم هاتفها يضيء باسم مصطفى، فقطبت جبينها وتساءلت: أهو يريد الاطمئنان؟

"ألو. إزيك يا مصطفى. مجاش فرصة أشكرك امبارح. ياريت محدش يعرف إني مع ماما." تنهد مصطفى بتعب وتردد أن يبوح لها أم يكتفي بالاطمئنان عليه، فهو يخشى عليها من بطش سالم. "أكيد هتسمعي بخبر إن عمك اتشل. أرجوك يا مريم بلاش تيجي، بلاش العاطفة تسيطر عليكي، وادعيله." شهقت مريم ووضعت يدها على قلبها تشعر بالحزن على عمها، بالرغم من قسوته عليها وانتقامه من والدها.

"طب علشان خاطري، شوف وقت سالم مش هيبقي موجود فيه وأجي أزوره. ده عمي يا مصطفى. وأنا مرات ابنه." ابتسم مصطفى بسخرية وأراد إخبارها بالتفاصيل ما حدث اليوم، لعلها تخشى رؤية سالم وتبقى لدى والدتها بعيدًا عنه. "افهميني يا مريم. سالم مش هيسيبك إلا لما يعملك فضيحة. هو خلاص هيطلقك غيابي. وده اللي زعل أبويا. البيه شبه طردنا."

شهقت مريم جاحظة ووضعت يدها على فمها، غير مستوعبة أن أمر طرده لعائلته تم بهذه السرعة، وماذا بعد كل هذا الشر؟ وما هو الرد؟ "مصطفى. لازم تتصرف." هز رأسه بتأكيد وإصرار. "وأنا هتصرف ومش هسكت." استمعت إلى صوت طرق على بابهم بقوة، فتركت هاتفها وهرعت إلى والدتها التي فتحت الباب، وما إن رأت سالم أمامها حتى عادت لتغلقه، ولكنها وضعت قدمه ليفتحه. "مريم بنت أمها الست ثريا هانم." انتفض جسد مريم من الرعب.

"إنت عرفت منين إن أنا هنا يا سالم؟ اقترب منها وهمس في أذنها كفحيح الأفعى. "تجيبي ابني وترجعي معايا وتخدمي ضرتك." هزت رأسها ترفض طلبه، لينقض عليها ويضربها، ومن ثم قام برمي يمين الطلاق عليها، لتندرج في وصلة من البكاء التي لا تنتهي. حتى والدتها حاولت تهدئتها. "معلش يا حبيبتي، أنا معاكي." ارتمت مريم بأحضان والدتها. "ربنا يخليكي ليا يا ماما، تسلميلي." ربتت ثريا على ظهر ابنتها وهتفت: "والله ما هسيب حقك يروح يا مريم."

واستطردت تسألها بتوجس قائلة: "مصطفى اللي قاله على مكانك صح؟ هزت مريم رأسها بعدم معرفة. لتمسح ثريا دموعها. "بقولك إيه، انسي وأنا أهو موجودة، هنعيش مع بعض." أومأت مريم برأسها بمعني أنها موافقة، ومسحت دموعها. "هنسى يا ماما. هنسى كلهم، وكويس إنه طلقني، هعيش حرة."

ربتت ثريا على ركبتي مريم وهي تردد كلمة حرة في أذنها، كم تمنت الحرية لمريم منذ لحظة عقد قرانها على سالم، لأنها تعلم مدى عشقها لمصطفى، لذلك توغلت الفكرة في رأسها الآن أكثر وبأريحية تامة، لعل القدر يجمع بينها وبين مصطفى من جديد، فأردفت بحب وحنان قائلة: "عندك حق، إنتي حرة." انتبهت مريم هي الأخرى للكلمة. جلست ثريا أمام الفرن الخاص بها، تضع الذرة على لوح الصاج الأسود، حيث كانت مهنتها بعد ترك والد مريم لها.

ولكنها الآن في الشتاء تقطن في منزلها وتطعم أهل عمارتها، سواء كهدايا أو مال. فور نضوج الذرة، أعطت ابنتها لتطعمها وتطعم محمد الصغير ذو السنتين. تتذكر أنها كانت تفتعل هذا الشيء عندما كانت ببيت زوجها، حتى منعها فامتثلت لرغبته. تركت مريم جلستها مع جيرانها مدعية النعاس، وهي بالأصل تكره القيلولة. نهضت من مكانها وطلبت من والدتها الاهتمام بالصغير.

وما إن أخذت والدتها الصغير وصعدت إلى جارتهم، حتى قامت مريم بالرد على مصطفى المتصارع باتصالاته. فأخبرها أنه بالأسفل ولا بد من نزولها إليه على وجه السرعة. ركضت تهبط السلم وهي تحكم حجابها حول شعرها كي لا يطيره الهواء الناشئ عن هبوطها السلم بسرعة، حتى وصلت إليه ووجدته يجلس على الرصيف بانكسار، فتقدمت منه وجلست بجواره.

كان الهواء شديدًا لدرجة أنه أزاح حجابها، وهو كان شاردًا لا يرى شيئًا، بالإضافة إلى طول صمته، وهي تريد العودة مسرعة. سألته برجاء: "ممكن تقول بسرعة عايزني في إيه يا مصطفى؟ رفع عينيه الحائرتين بسبب صعوبة الخبر الذي يحمله، وبتيه سألها وقد فاض به حتى أنه شارد في كل شيء. "ممكن تسمعيني من غير ما تنهاري؟ أومأت بلا تردد. فتابع موضحًا: "قبل ما أتصل بيكي، لما كنت بحكيلك إن بابا اتشل والخط ما بينا اتقطع...

قاطعته وهي تعلم أنه من أدلى بمكانها لشقيقه. "إنت اللي قلت لسالم على مكاني صح؟ تشكلت ابتسامة يائسة فوق شفتيه. "كنت هقولك إن أبوك أول أما عرف إن اللي سالم عمله فرح في أبويا وفكر إن سالم هيبقي معاه، اتفاجئ إن سالم حجز على أملاكه هو كمان. الصدمة كانت كبيرة عليه، مات." صمتت ولم تبدِ أي رد فعل، سوى أنها نهضت بجمود وذهبت نحو مدخل العمارة وصعدت سلمها، تكتم ما بداخلها من شعور. يندهش هو في أثرها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...