الفصل 6 | من 35 فصل

رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل السادس 6 - بقلم مروة البطراوي

المشاهدات
25
كلمة
2,788
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

توجهت عائشة إليه وهي تقبل يده، وهو يتذمر. احتضنته بعناية قائلة: "طبعاً يا بهيرة. محمد كان متعود يصحي يا يطلع لكِ يا ينزل عندي تحت." وُجدت ثريا تظهر أمامهم بحالة أخرى غير حالة الانكسار والحزن. استغربوها. "العمارة اللي قدامنا فيها شقتين فاضيين. إيه رأيكم تيجوا تسكنوا، وبكده محمد يبقى بينا." انشرح صدر بهيرة وتهللت أساريرها، فهي من يوم ذهاب مريم تفتقد محمد الصغير ومداعبته.

"تسلمي يا طنط ثريا. فعلاً إحنا هنسيب البيت لسالم وعروسته، بس مسيرنا نرجع لأننا مش هنسيب حقنا." ابتسمت ثريا بسخرية وهي ترى القوة في عيني بهيرة فقط، التي لم يكن لها حق سوى أنها زوجة محمد فقط. "وإنتوا هتعملوا إيه يا بهيرة؟ لو على الشغل كان يبقى من زمان." "هريدي السبب في كل اللي بيحصل دلوقتي، ومريم كمان." فاقت مريم من شرودها، حيث كانت مغيبة في اقتراح والدتها، متذمرة منه حيث أن بعدها كان السبب الرئيسي لمصطفى وليس سالم.

"ها. أنا. أنا يا ماما مذنب؟ طب كنت أعمل إيه؟ وهو شغال ضرب وإهانة، ولما كنت أروح أشتكي لبابا قالي: وافقي. اللي هتعمليه ده هيرجعلي." ردت بهيرة: "مريم استحملت كتير." بكى الصغير من صوتهم. "بسم الله الرحمن الرحيم، مش وقت عتاب." نظرت ثريا إلى عائشة باستجهان على رفضها المعاتبة. "ولقيتوا بيتي إزاي يا عيشة؟ ولا مصطفى هو اللي جابكم؟ ردت عليها بهيرة بهدوء وهي تهدد حفيدها بعناية، تعطيه لوالدته:

"إحنا عرفنا من مصطفى العنوان، ومترددناش لحظة نجيلكم يا طنط." وجدت عائشة أن وجودهم غير مرغوب فيه، فتنحنحت قائلة وهي تقبل حفيدها: "طب هنمشي إحنا بقى، يدوبك نلحق نشوف هريدي. وشكراً على العرض بتاعك يا ثريا." شعرت ثريا أنها قامت بتقليل العيار مع عائشة، وهي لا ذنب لها سوى إنجاب سالم الملعون. "يا ريت يا عيشة تبقوا قدامنا، هتلاقوا هنا كل حاجة. الناس هنا بتحب بعضها أوي، وأنا معاكم هنا."

بمجرد رحيل عائشة وبهيرة، قامت ثريا بإغلاق الباب وتوجهت نحو المطبخ لتحضير العشاء في راحة تامة. "ياااه، كان نفسي أملي عيني منه وأقوله ليه يا بابا ترفض إنّي أجلك ونواجه سالم مع بعض. الظاهر كان قلبه حاسس." نظرت ثريا أمامها بشرود وهي تعد الطعام، لدرجة لفتت انتباه مريم، فخشت عليها من هذه الحالة وجذبت الأدوات منها. "بجد هو ما كانش بيفكر خالص يا مريم. زمان كان بيعاير أخوه بعدم الخلفه.

ربنا قاله: طب ما فيش غير مريم. إنتي قبلك مات كتير، وبعدك أصبح هو عاجز، ومن يومها افترى عليه أخوه وخربله بيته." تذكرت مريم أنها كانت من ضمن اللعبة، ووجودها في الحياة كان بمثابة صفعة لهريدي يود ردها لشقيقه، وما أن ردها حتى قام الآخر بتوالي الصفعات. "كده ولا كده، أنا كنت بعاصر على نفسي لمون وأنا عايشة مع سالم." تنهدت ثريا براحة تامة، تخشى أن تكون مريم حزينة لفراق سالم، ولها الرغبة أن تعود.

"أنا حاسة إن عروسة البيه دي اللي هتجيب لنا حقنا كلنا. دي أكيد البنت اللي كان ماشي معاها." ابتسمت مريم على توقع والدتها، لتتنهد بحزن، حيث أن الموضوع مفهوم للجميع، فكيف لها أن تكمل. "كنت زمان ببقى خايفة لا يتجوزها عليا. أتارى الهانم شارطة تكون زوجة له لوحدها من غيري. يالا بالشفا." شعرت ثريا بالوحشة والحزن على حالة ابنتها المستسلمة، تود إرجاع الزمن والتدخل في هذه الزيجة وتزويجها بمن تريد.

"وأنا زمان خوفت أدخل لا يرميكي في الشارع وأنا مش هقدر أصرف عليكي. صحيح يا مريم، هتقدري تعيشي معايا وأنا على قد حالي؟ ردت مريم: "وأنا روحت فين؟ قطبت ثريا جبينها. "طب وإنتي هتعملي إيه؟ ردت مريم بعزيمة وإصرار: "هشتغل وأعيش حياتي وأنسى." اتسعت حدقة عيني ثريا بذهول قائلة: "وأنا هسيبك؟ وبعدين إزاي وإنتي معاكي دبلوم؟ زفرت مريم بحنق وضيق ولعنت سالم لإصراره على تركها التعليم.

"وأنا كان بإيدي يعني يا ماما. هشتغل في أي حتة، إن شاء الله في مستشفى." شفقت ثريا على حالة ابنتها، فهي تعلم من المذنب، فهو والدها. تمنت الراحة لها. "لأ مش ذنبك، بس إنتي شايفة أنا بشتغل إيه. أنا مش عايزة ألكِ تبقي زيي، أنا عايزة ألكِ ترتاحي." شردت مريم في أمر ما وزمت شفتيها بضيق. فلها من الأموال ما يريحها، ومع ذلك أصبحت متشرّدة. "طب واللي راح ده كله يا أمي مش هيرجع؟

على الأقل ورثي من أبويا. تفتكري أنا غلطت لما دافعت عن حق عمي؟ نهضت ثريا وجذبتها من ذراعها، كمن تريد تلقينها الحكمة والثبات في مثل هذه الأمور. فثريا ليست كابنتها، هي إذا أرادت شيئاً تأخذه. "بيني له ولكل إنك مش عايزة، بس في دماغك حطي حاجة واحدة، إنك مريم طاهر الحمش اللي مش هتسيب حقها أبداً، وهتاخده وهتحط على الكل." طاف في خيالها. "أنا بس عايزة أعرف مصطفى هيعمل إيه." عادت بهيرة وعائشة إلى المنزل، وبهيرة تزفر بضيق.

"أنا همشي معاكم، بس والله ما هسيب له قرش يتهنى بيه." لوت عائشة شفتيها تحاول منع بهيرة من الانفعال قائلة بهدوء: "طولي بالك يا بهيرة، مفيش حق بيضيع عند ربنا، والدليل عمك." دَلفت إلى غرفة هريدي لتجده ينظر إليها وهو يشير بعينيه نحو يده المشلولة. "يعني إيه خلاص يا عيشة؟ كل حاجة راحت بلمحة عين؟ الواد هيطردنا؟ دَلَف عليهم سالم وهو ينظر إليه بشماتة ولا يهمه ما وصل إليه، ليردف قائلاً:

"أنا ما طردتش حد غير محمد ومراته ومصطفى. إنما إنت أبويا المعلم هريدي." علم هريدي أن سالم يسخر منه، ومع ذلك قام باستعطافه لعله يلين من نحو أشقائه. "ده بيت إخواتك يا سالم، وبعدين مصطفى هيتجوز نوال، ودي صاحبة حلاوتهم." ظهر مصطفى من خلفهم بقوة غير معهودة فيه، يتحدث بطلاقة جيدة وهو مبتسم لأمه. "أنا روحت لهم النهارده بعد ما وصلت أمي لمريم، فهمتهم إن كل شيء قسمة ونصيب يا والدي."

هريدي وهو يحاول النهوض من على الكرسي المتحرك يشعر بالعجز في التحكم في أولاده. "أنا اتشليت علشان تقلبوا الدنيا فوق دماغي. بقيتوا عاقين. ياريتني فضلت من غير خلفة، ياريتني مت." ابتسم سالم بسخرية وشماتة وهو يرى والده عاجزاً، مسروراً من داخله وهو يهزمه مثلما كان يفعلها. "والله لما ييجي أجلك هتموت، محدش بيخلل. وبعدين ده إنت هريدي الحمش هتتعز عن اللي خلقك، يعني."

نطق بتلك العبارات السخيفة وتركهم ورحل. لينظر مصطفى إلى والده بقلة حيلة، لا يريد تكريمه وهو دائمًا يستهزئ به. "مصطفى يا ابني استنى، عايزة أقولك على حاجة. تعالي اطلع لك هدومك وأنا أحكيلك اللي حصل النهارده وأنا بزور مريم." أفاق مصطفى من شروده ونظر إلى والدته بألم عندما سردت عليه حالة مريم وثريا واقتراح ثريا بالعيش في البناية أمامهم. "جيتي من عندهم إمتى يا أمي؟

عمال أتصل بيها مش راضية ترد عليا. الظاهر إني بقيت شؤم عليها، بقت تخاف ترد عليا. إزاي هروح أسكن قدامها؟ ربتت عائشة عليه. "متزعلش منها يا ابني." تنهد مصطفى بحزن. "زعلان عليها ومفتقدها." نظرت ثريا حولها بخوف. "هي طول عمرها بتحبك." عقد مصطفى ما بين حاجبيه. "إزاي يعني تقصدي اتغصبت على سالم؟ هزت رأسها بنعم وهمست بصوت منخفض: "أنا أيامها كنت بهربها لأمها، بس ما كنتش عارفة طريقها."

اتسعت عينا مصطفى بغضب غير مصدق ما تقوله والدته. "إيييه، بتقولي إيه؟ إزاي الكلام؟ وليه مقولتيليش يا أمي؟ كان ممكن أتصرف." نظرت إليه بألم، فهو لا يدرك ما الذي سوف يحدث لو علم هو بذلك وتصرف. "كنت عايزاني أقولك الحق يا مصطفى؟ دي بتحبك وإنت مش مبين أي رد فعل؟ تنهد بضيق وزفر بحنق، كانت زفرته أمنية لارجاع الزمن إلى الخلف ومنع تلك الزيجة. "بس يا أمي ده مش مبرر. محدش منكم سأل نفسه أنا في قلبي إيه من ناحيتها صح؟

ولا عمركم هتفهموا." أوقفته عائشة بإشارة من يديها نحو فمه الذي ينطق بالأهوال التي لا يصدقها أحد، وسوف تُفهم بالخطأ بالتأكيد. "لا مبرر. أنا كنت عارفة ومتأكدة إن حتى لو بتحبها، ما كنتش هتقدر تدافع عن حبك، وكنت هتحترم رغبة أبوك." نظر إليها باستغراب. نعم، هي حديثها صحيح، ولكن لا نعلم ما الذي كان سيتم، فكلها غيبيات ومقدرة ومكتوبة علينا. "هي أخبارها إيه دلوقتي؟ مرتاحة بعد ما أبوها راح وفلوسها وبقت مطلقة ومعاها ابنها؟

لا طبعاً كان ممكن تبقى أحسن." تذكرت عائشة مريم ونظراتها وألمها النفسي منذ لحظة دخولها لتلك العائلة. شعرت كأنها ابنتها، بكت وانتجحت لأجل خاطرها. "لأ طبعاً ترتاح فين يا ابني؟ دي في يوم وليلة افتقدت كل حاجة. صعبان عليها إنها افتقدت لجو العيلة، رغم إنها مع أمها، كان نفسها في أبوها كمان." بالأسفل عند هريدي. "ده خلاص بيموت مننا." "بتقولي إيه يا أمي؟ أبويا جامد." ردت عائشة تنفي اعتقاد ابنها قائلة:

"ده عمك يا مصطفى، لازم مريم تعرف." لم تكن أحلام بل حقيقة، نادى هريدي عائشة. "عييييشه، أخويا طاهر مات يا عيشة، صح الكلام؟ هرولت عائشة الدرج، وما أن وصلت إليه حتى تحدثت: "أيوووه، بس علشان خاطري اهدي. دي أعمار وبيد الله." ارتجف هريدي من إعلان وفاة شقيقه، وعلم أنها لا تدوم لأحد. "متخافش يا هريدي، إحنا معاك مش هنسيبك وهنعالجك. هو كان تعبان." فجأة قاطع حديثهم اتصال من ثريا، فنهضت عائشة وكفكفت دموعها وخرجت.

"البت عايزة تشتغل يا عيشة، وأنا مش عارفة أعمل معاها إيه. إحنا ناقصين مرمطة؟ رفعت عائشة رأسها إلى ابنها الذي كان يقف أعلى الدرج متوجساً من تلك المحادثة، وبدموع: "محدش هيشتغل منكم يا ثريا، ده وعد مني لكم. إحنا خلاص كمان هنيجي نسكن قبالكم ومعاكم." حذرتها ثريا وهي تجيب عليها بصوت منخفض حتى لا تسمعها مريم وتتضايق من تدخلهم في حياتها.

"خلي بالك يا عيشة، مريم مش هتطيق إن سالم يجيلكم، كمان مش عايزها تعرف إني اتصلت بيك، فهماني؟ هزت عائشة رأسها باستجابة وموافقة على طلبها، وهي تنظر إلى مصطفى بثقة أنه لن يخيب رجاءها وسيتصرف. "حاضر يا ثريا، ولا يهمك. أصلاً سالم معناش لازمينه. ده بقي بيتمني لينا الموت، ربنا يسامحه. طول ما أنا عايشة مريم مش هتتمرمط." هبط مصطفى. "طب ولو ردها؟ هزت عائشة رأسها. "لأ معتقدش يعملها." تركها مصطفى وخرج. "ألو، خير يا مصطفى؟ حد مات؟

ابتسم بسخرية ورد عليها بحنو. "أخبارك إيه دلوقتي يا مريم؟ عرفتي إننا هنسكن قدامكم؟ تعجبت من حنوه البالغ وطريقته في التحدث معها بدون حدود. "أنا كويسة. ماما اقترحت على مرات عمي، ودي حاجة كويسة." ابتسم بسعادة لردها وسأل عن صغير العائلة الذي اشتاق إليه كثيراً. "وإزاي أبو حميد الصغنن؟ أوعي تقولي إنه دوخك، أجي أملصلك ودانه." طل على وجهها ابتسامة مشرقة أصبحت كالوردة التي إن اقتطفتها، فردت:

"بخير يا مصطفى، متقلقش عليه. أنا هعرف أربيه كويس وهعلمه يبقى راجل." تضايق من ردها عن عزمها على تربية صغيرها، كأنها تقول له بمفردها وبدون مساعدة. "إنتوا اتنين ستات يا مريم، مينفعش تعيشوا لوحدكم. إنتي بالذات لازم راجل في حياتك يصونك." ابتسمت مريم بسخرية وتعالت ضحكاتها، تود القبض على رقبته ظناً منها أنه يريد عودتها لسالم. "في دي عندك حق، بس مش هرجع لسالم يا مصطفى، انسي. ومش معنى كده إني هبقى راهبة، لا هتجوز."

استغرب من ردها العنفواني، هو لم يقصد عودتها لسالم بل يقصد ذاته، ولكن كيف بعد اندفاعها الحاد غير المتوقع. "متقلقيش يا مريم، هو نفسه عمره ما هيردك. هو خلاص هيتجوز حلاوتهم. عقبالك، بس خدي بالك، حتى المرة دي مش بمزاجك." ابتسمت مريم بمرارة، فهو الآخر سيقوم بتزويجها رغماً عنها. ترى من هذا الزوج المنتظر؟ أيكون محمد لرغبته في الإنجاب؟ وماذا عن بهيرة؟ "وماله."

ثم رمت هاتفها أرضاً وذهبت إلى غرفتها، لتأخذ والدتها الهاتف من الأرض وتستفسر من مصطفى ما حدث بينهم للتو، جعلها تتعصب بهذا الشكل. "أنا ثريا يا مصطفى." تضايق مصطفى قائلاً: "كده برضه يا مريم؟ تنهدت ثريا بحيرة قائلة: "قولتلك يا مصطفى، موقفك صعب." عض على شفتيه بتفكير وفرك رأسه. "طب والعمل يا مرات عمي؟ دي هتتجوز." ابتسمت ثريا رغماً عنها، فهي تعلم رأس ابنتها. "إنت عارف كويس إنها بتغيظك مش أكتر." واستطردت ثريا قائلة:

"هي طول عمرها بتحب تغيظك... حط في دماغك، يوم ما هتتجوز مريم، هتتجوز من واحدة مش عادية. دي بنت عيلة الحمش، فاستحمل بقى يا مصطفى." كيف تطلب من رجل حرموه منها بالبحث عن الحكمة، الهدوء والقرار؟ هو على استعداد الآن أن يهرس شقيقه وامرأته بالكامل بأسنانه كي يقتص لها. تابعت ثريا وهي ترمق ابنتها من بعيد باهتمام واضح على عينيها. "عارفة كويس إنك تقدر تصمد في مواجهة سالم، ويمكن تقدر تنهيه، وإنت بس اللي تقدر... لكن الباقي لا."

مصطفى بابتسامة تتسع لها عينيه، حيث أنه لأول مرة يشعر بالثقة من جانب شخص دائماً ما يستهترون به. "ماشي يا مرات عمي. أنا هقدر وهاخد حقها تالت ومتلت، وهدفع سالم التمن، بس لسبب واحد، هي هي وبس." بعد انتهاء المكالمة، وجدت مريم عائشة تهاتفها، واستغربت. أهو يوم الاتصالات العالمي؟ ماذا يريدون منها؟ لقد انتهى نهائياً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...