الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. تمني عادل: أن توافق ياسمين على العرض لأنه فرصة. -غبية! أنتِ واحدة غبية خلتيني أقول لك قبل ما يجي هو. لا اتلهي ولا حاجة. قلت لك ميت مرة بلاش تتسرعي في الحكم على كل اللي حواليكي. حزنت قائلة: -أيوه فعلاً فعلاً. نهض ضياء بضيق: -أنا مروح أنام. لو حابة تبقي مراتي يبقى لينا قعدة تانية.
بعد ساعات طويلة، تحديداً بعد منتصف الليل، وصل سالم إلى منزله ليجد حلاوتهم نائمة. وجد شاشة هاتفه تضيء باسم والده هريدي، وكان الاتصال عن طريق عائشة. رد عليه بحدة: -حمد الله على سلامتك يا سالم. راجع متأخر ليه؟ تلفت سالم حوله ظناً منه أنه تم وضع لها كاميرات مراقبة: -الله لا يسلمك يا والدي. المرة دي أنت كسبت وأولادك. ابتسم هريدي بشماتة لأن ما تمناه حدث. تم كسر قلب سالم. -برضه مقلتليش كنت فين لحد دلوقتي؟
إيه خايف من السنيورة؟ جز سالم على أسنانه بغيظ وأردف بقوة زائفة وهو يتحدى هريدي: -ما أنت عارف إني أكيد بحاول أدور على ثغرة في عقد مريم عشان أطعن فيه. قهقه هريدي كأنه رجل ثلاثيني لم يشبوه الزمن ولم تطرأ عليه هذه الحالة المرذولة: -وبعد ما خلصت مش ترجع كده تشوف المحروسة كانت فين طول النهار؟ خلي بالك أنا أعرف عنها اللي أنت متعرفوش.
نهض سالم وتوجه إلى غرفتها يبعثر ملابسها ليختلط بأنفاسه عطر رجولي لم يستطع تحديده، حيث تعمد شوقي وهو يصافحها أن تصل يده المليئة بالعطر إلى حافة كمها. كل هذا جعل سالم يستشيط غضباً، ولكنه تماسك. -ما أنا نسيت أقولك إني روحت لإسماعيل. ما هو صاحبي بقي. بصراحة أنا مش عارف ليه أنتم واثقين في بهيرة وفي اللي بطنها ده. هما قلمين مني له ركع وقال لي إنها كل يوم بتجيله المكتب وتقعد بالساعات معاه.
نظر هريدي إلى عائشة التي كانت ستتهالك من الضحك، ليغمز لها بعينيه قائلاً: -بجد ضربته قلمين؟ إزاي يعني؟ مش إسماعيل اتجوز بقاله يومين وسافر شرم الشيخ؟ عقد سالم ما بين حاجبيه مندهشاً من معرفة هريدي أخباراً لا يعرفها هو. حتى لم يعلق على موضوع بهيرة. -كده أنت ابتديت بالشر يا أبويا، بس بكرة تشوف مرات أولادك وهما مستقوين عليك ومطينين عيشتكم وهيطلقوا.
كانت عائشة تكتم أنفاسها مثل ما أمرها هريدي، حتى يشعر أنه من هاتفه ومن ورائهم جميعاً. ولكن بعد كلمات سالم، زفرت بحنق واختنقت كأن الأكسجين انسحب من جسدها. فهي تعلم ما الذي ينوي سالم فعله. ولكن هريدي استطاع قلب السحر على الساحر، فاستفزه قائلاً: -ما دورتش في هدوم مراتك حلاوتهم؟ التفت سالم حوله يريد معرفة من أين يعلم هريدي: -مراتي مش محتاجة حد يدور وراها. مش بتخرج من غير إذني. ابتسم هريدي بسخرية وهو ينظر إلى
عائشة التي مصمصت شفتيها: -كويس أوي يا ابني. لو بس حسيت في مرة إنها خاينة، افتح قبرها وادفنها. اعتصر سالم يده وهو يستمع لكلمات هريدي، فهو يعلم تمام العلم ما يقصده والده. أغلق هاتفه ولم يرد على والده، ليستلقي على الفراش في الغرفة المجاورة لحلاوتهم ويفكر فيما سيفعله بها، ليغلبه النوم بعدها بقليل. في صباح اليوم التالي، استيقظ سالم على صوت الباب وهو يطرق عليه بطريقة مرعبة. ليقف على قدميه ويذهب لفتحه، ويتفاجأ بشقيقه مصطفى.
-يا حفيظ على الصبح. ابتسم مصطفى بخبث قائلاً: -شفت عفريت يا سالم ولا إيه؟ نظر إليه سالم باستهزاء وذهب ليجلس: -إيه اللي جابك يا مصطفى على الصبح كده؟ دلف مصطفى وتقدم منه ليضع يده على جانبي المقعد بحدة: -قوم يا ابن أبويا بسرعة شوف العقود اللي مضيتها لحلاوتهم موجودة ولا لأ. عقد سالم ما بين حاجبيه بتساؤل، ما دخل مصطفى بتلك العقود ولماذا يشككه في عدم وجودها:
-امشي من هنا يا مصطفى بدل ما أصور قتيل. عقود إيه اللي مش هتبقى موجودة؟ هي حصلت؟ تعالت ضحكات مصطفى وهو ينظر إلى أعلى لعله يراها تدلف الملعب الذي ستكون به مصارعة الثيران: -أنت زعلت يا بيضة؟ دول دقيقتين هتتأكد بس إن كانت موجودة ولا لأ. واعمل حسابك لو مش موجودين ليا الحلاوة. قطب سالم جبينه خاصة من ثقة مصطفى بنفسه وهو يتحدث. يخشى أن يكون حديثه صحيحاً مثل حديث والده أمس، فاختنق: -إيد ده أنت جاي تخرب بيتي ولا إيه؟
بقولك العقود في بيتي وتحت إيدي وأنا واثق في مراتي ومتحاولش يا مصطفى تغيظني. ابتعد عنه مصطفى بمسافة بسيطة يتمعن قلقه وتوتره وقلة حيلته، لتتعالى ابتسامته الساخرة وهو يزيد الضغط عليه ويستفزه أكثر: -طب أنا بغيظك، قوم أنت بقى هات العقود واحرق لي دمي بسرعة. وحياة أغلى حاجة عندك، ولو إني عارف إن مفيش. بس أنا عندي اللي يخليني لازم ألحق شغلي قبل الضهر.
ألقى مصطفى كلماته وهم بالجلوس بالذهاب إلى غرفة السفرة أمام أنظار سالم المذهولة، ومصطفى يجلس بأريحية على طاولة الطعام يتناول الفاكهة في انتظار سالم والعقود وحلاوتهم. على الجانب الآخر، استدعى هريدي مريم حتى يرى حفيده: -اعملي حسابك إن في خطوبة الأسبوع الجاي. لازم أعوضك. نظرت إليه مريم بدهشة، فهو من رفض حفل خطبتها على سالم: -خطوبتي أنا يا عمي؟ شكراً بجد. بس والله ما له لزوم، كان يبقى كتب كتاب وخلاص.
قبل رأس حفيده وهو على قدميه وهو ينظر لها بخبث، يعلم كم الفرحة التي دخلت قلبها: -حد يبقى حماه عايز حفلة خطوبة ويقول ملوش لزوم؟ اسمعي يا مريم، عايز أي حاجة نفسك فيها تطلبيها. ربتت مريم على يده المرتعشة وقبلتها بحنو بالغ، والتي قد تبللت بدموع فرحتها وهي تنظر له بعيون تلمع: -بس يا عمي أنا... أنا مش بنت. أنا اتجوزت قبل كده وخلفت، يبقى خلاص نكتب الكتاب ونوضب شقتنا وأنا هفرح.
زم هريدي شفتيه بحزن على وضع ابنة شقيقته، والذي كان السبب الرئيسي فيه. لا يعلم كيف يرضيها لكي تنسى ما مرت به: -وأنا قلت هنعمل خطوبة يعني هنعمل خطوبة. وانسى إنك كنتي متجوزة قبل كده. أنتِ عروسة جديدة كأنك لسه أول مرة بتتخطبي. جاءهم محمد من الخلف وضربها على مؤخرة رأسها بخفة وهو يحمل محمد يهدده ويقبله بلطف، يغمز إلى مريم لكي تقبل بالأمر كله:
-لا تكوني بتتأمري على أخويا يا ست مريم. اكمنه كبير في السن وبتقولي أهي جوازة والسلام. لا خدي بالك ده شيخ الشباب. الا صحيح، هو فين؟ هزت مريم رأسها: -مقصدش والله يا محمد، بس... توقفت تتلفت حولها تبحث عن مصطفى: -ما بسش. سيبك. هو ليه مش موجود؟ راح فين؟ خرجت عائشة تنظر إليهم بخوف، فلم تجد مصطفى: -مين اللي مش موجود؟ تقصد بهيرة؟ دي كانت في المطبخ. كل هذا وهريدي صامت، والكل يتساءل أين مصطفى الآن:
-مصطفى ابنك يا عيشة راح لسالم عشان يكمل اللي بدأناه امبارح. جحظ محمد بعينيه، فهو يعلم الخطة من بدايتها إلى نهايتها ووافق عليها: -بجد؟ أيوه كده. فعلاً إحنا أولاد هريدي الحمش. والله وكل حاجة هترجع. نظرت مريم إليهم بحزن، فهي تود أن كل شيء يمر بسلام، وفكرة ذهابه لسالم غير مطمئنة: -الله يخليك يا محمد، روح لهم. لاحسن سالم يعمل حاجة في مصطفى. أنا خايفة وخلاص. مش عايزة حاجة.
طمأنتها عائشة رغم القلق الذي كان يعتصر قلبها، ولذلك لم يخبرها هريدي عن موعد ذهاب مصطفى إلى سالم: -أهدي يا بنتي. متقلقيش. أنا عارفة سالم كويس. لما بيخسر مش بيبقى شايف قدامه. وبعدين ده رايح يكشف له حقيقتها. ابتسم محمد بشر وهو شارد يتذكر كل ما افتعله سالم به من البداية حتى النهاية، يحاول أن يتخلص منه قبل أن يزيد من طغيانه:
-الظاهر إن الفرحة الكبيرة قربت أخيراً يا سالم. هتندم على كل حاجة عملتها فينا وهتدفع التمن غالي أوي. ياااه ياااه نفسي أشوفك ذليل. حاول هريدي تحريك يده، ولكن دون جدوى، ليبتسم أنها لا تتحرك حتى لا يتعاطف مع سالم إذا تم شفاؤه، كأن الله قدر ذلك ليتذكر دائماً ما فعله: -وديني لأندمه على اليوم اللي طردنا فيه بره البيت.
عودة إلى سالم ومصطفى. دلف سالم ليبحث عن العقود ولم يجدها، ولم يجد حلاوتهم ولا ملابسها، فعلم أن شقيقه على حق. وأخذ يفكر كيف يخرج من هذا الموقف. لقد تركته حائراً، يراقب شقيقه بالأسفل وملامحه لا تظهر مشاعره، باهتة تماماً وباردة. قرر أن يلتزم لوناً جديداً معه، اللون الرمادي، هو ألا يبين له الموقف ولا يبين مدى حماقته، كي لا يفرح فيه، وألا يطمئنه، فقط كي يعرف من أين أتته الأخبار. هبط إليه وتحدث معه على مضض، يطمئنه
بنبرة هادئة على العقود: -العقود موجودة، وحلاوتهم. تعالت ضحكات مصطفى وتابع من بعد ذلك يصف له حال امرأة الجميع يبغضها ولم تجد أحد يتعاطف معها إلا سالم، رغم ما يقال له عنها: -حلاوتهم اللي مش كويسة، طلعت كويسة معاك. ربنا يصبرها على الكلام اللي بيتقال عليها. حقك عليا يا سلومتي. فتك بعافية يا أخويا، ورايا شغل. تركه يستشيط غضباً وخرج يبحث عنها في كل مكان. عاد مصطفى إلى منزله وهو يحمل الأوراق التي تثبت أن كل شيء أصبح
ملك عادل بجرة قلم واحدة: -إيه يا جماعة بتبصوا لي كده ليه؟ نظرت إليه عائشة بفرحة لرجوعه: -خطيبتك يا سيدي خايفة عليك أوي. ابتسم مصطفى إلى مريم وتقدم منها: -مبروك عليكي يا قلبي. بكرة هتاخدي نصيبك. نظرت إليه مريم بحزن تخشى من القادم من سالم: -الله يبارك فيك يا مصطفى. أنت كويس؟ عمل حاجة؟ شعر بقلقها الغير مناسب وأخذ يربت على كتفيها بعناية: -مالك خايفة من إيه كده؟ مش فرحانة إن كل حاجة رجعت؟ هزت رأسها تنفي قولها، ولكنها كانت
ترتعش بخوف من ردة الفعل: -لا، أهم حاجة إني شوفتك تاني. مصطفى، أنا عايزة أمشي من البلد دي أرجوك. نظر مصطفى إلى هريدي بعتاب لأنه وعده ألا يقول لمريم أنه ذاهب إلى سالم: -مين اللي قال لمريم يا بابا إني روحت لسالم؟ مش إحنا اتفقنا؟ وبعدين محصلش حاجة. رد عليه هريدي بضيق لأن محمد المتسبب من كثرة سؤاله على مصطفى وقلق عائشة: -ما هي دورت عليك ملقتكش، وبعدين كان نفسي تيجي عشان أفرحها برجوع حقها كمان.
نظر إليها مصطفى بفرحة يتمنى أن تشعر بنفس إحساسه، فقد انتصر أخيراً وبدون أي خسائر: -بس بجد، اختياري لزيارته النهارده كان في الجون. كان عامل قدامي زي الفار الدايخ. ربنا يعينه. استمعت مريم لكلماتهم وانسحبت بهدوء لمنزلها، تمسح دموعها التي كتمتها وهي هناك. فاستغربت والدتها: -بتعيطي ليه يا مريم؟ وفين محمد؟ لا يكون هريدي غدر بينا فعلاً وخد الواد منك؟ أقسم بالله ده أنا أقتله هو وابنه.
كادت أن تنهض ثريا وتذهب إليهم لولا أن مريم أوقفتها وجذبتها لتجلس من جديد تتحدث وهي ترتعش خوفاً من سيره: -لا يا ماما، عم هريدي صدق في كل وعوده وكل حاجة رجعت زي ما كانت. بس أنا مش عايزة، يغور سالم واللي كان معاه. انصدمت ثريا من ردة فعل ابنتها بعد ما رجعت كل الحقوق من جديد. لولا موقفها لقامت ثريا ورقصت للصباح، فها هم انتصروا: -يا مصيبتي! ليه كده يا بنتي؟
ده يوم المني، يوم سعدنا وجالنا لحد عندنا. ده اليوم اللي أنا وأنتي اتمنيناه. ولو أبوكي عايش كان فاته سجد لربنا. توترت مريم: -أنا فرحانة بس حاسة إن الوقت مش مناسب. زفرت ثريا براحة حيث ظنت أن أحد مسه السوء: -يا بنتي، أبوكي عطاه كل حاجة وكان طمعان، بس للأسف سالم أخد كل حاجة. تنهدت مريم بتعب ونفخت بضيق، حيث أنه لا أحد يفهمها والضرر سيكون لهم:
-يا بختها حلاوتهم، باعت نفسها لعادل وهربت. حتى لو اكتشفت خيانة عادل، أهي بعدت عن سالم. ابتسمت ثريا بسخرية من مريم ومن تفكيرها، فهي لا تأبه لأحد، لا سالم ولا حلاوتهم. هي امرأة قوية: -نهايتها وحشة وهتشوفي، وهو كمان. بس الصبر، هو دلوقتي هيدور عليها وحليني لما يلاقيها هيتلهي فيها. بعد مرور خمسة أيام، وسالم يبحث عن حلاوتهم ولم يجدها. فشعر أن شقيقه يعلم بأمرها، فهاتف مريم لكي تقابله: -أيوه يا سالم، عايز إيه مني؟
مش انتهينا؟ المفروض دلوقتي إني مخطوبة لواحد تاني، ولو عرف إنك بتتصل هيقتلك. أخذ يستمع إلى كلماتها، يود أن يأتي بها ويفتك بها على طريقتها فقط في التحدث، ما بالكم لو عرف ما افتعلته به وبحلاوتهم: -مش ناوية ترجعي لعقلك يا مريم ولا إيه؟ ده أنا بقول عليكي عاقلة وهتخافي على نفسك وابنك وحبيبك. أنا مش بنسى حقي. ارتعدت فرائصها من تهديداته، نعم هدأ وانشغل بهروب حلاوتهم، ولكن سرعان ما تذكرها. أيعقل أنه وجدها وأخبرته بخيانة عادل:
-لا، مش ناوية ومش بخاف منك يا سالم ولا من غيرك. شيلني من دماغك بقى. إيه حيليت في دماغك دلوقتي؟ ابعد عني عشان مراتك ترجع. غضب قائلاً: -والله وبقيتي تتكلمي. عضت على شفتيها بغيظ، فهو دائماً يستهزئ بها وبقوتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!