ابتسمت ولاء بامتنان لثريا. "فلها الفضل، فمنذ أن جئت إلى هذا الشارع وولاء دائمًا عندها تعلمها وتدربها على الحياة ومآسيها." "عيب، أنا تلميذة خالتي ثريا. أنتِ عوضتني عن موت ماما، الله يرحمها. وعمري ما هنسى كل اللي كنتِ بتغرزيه في دماغي أبداً." هزت ثريا رأسها بحب. تعلم كم الغيرة تأكل مريم الآن، ولكن هذا وقته. لعلها تفيق من الغيبوبة التي صنعها لها والدها. أما عن مصطفى، كان يبتسم من الداخل.
"آه طبعاً، ده انتي دراعي اليمين. لو أمك عايشة مش هتحبك قدي." ضحكت ولاء، ومما أثار الدهشة أن مريم هي الأخرى ضحكت. "ماما الله يرحمها كانت بتعلمني كل حاجة، وموتها كان صدمة." ربتت ثريا على ظهر ولاء وهي تحتضنها تواسيها وتطمئنها قائلة: "بجد يعني مش عارفة أقولك إيه، أنا مهما عملت مش هقدر أعوضك." شدت ولاء من أحضان ثريا وهي تنظر من خلف ثريا إلى مريم قائلة: "طبعاً عوضتيني وجبتيلي أخت زي مريم الطيبة والحنية والإحساس."
عند هريدي، كانت تعاتبه عارفة على ما فعله بشقيقه والناتج عنه ما يفعله سالم. تنهد قائلاً: "كان أيامها عمري خمسة وعشرين سنة، أم ماتت وهي بتولدني، أبويا موجود وكأنه مش موجود، حتى أخويا ديما مع أبويا في الوكالة وأنا لوحدي. ولما شفتك يا عيشة اتعلقت بيكي أوي، وأول ما جيت قلت لهم محدش اعترض، اللي هو زي ما أكون عروسة بايِرة وبيزحلقوني. ورغم إنهم كانوا بالدنيا عندي، بس ديما كنت بسأل ليه بيعملوا معايا كده!
تنفست عائشه بعمق، وابتلعت كلماته بغصة. وهو يتابع سرد الحكاية ودموعه تتغلغل في عينيه: "ليه حسسوني إني مش عايش معاهم. كان بيعطيني الإيراد كل كام شهر مرة، وأخويا ماسك كل حاجة في إيده، ولما أطلب يقول لي كلم أخوك. طب أنا مش بمسك كل حاجة ليه! كنت مقتنع وقتها إنه ما بيحبنيش زي طاهر لأنه مش السبب في موت أمي زيي. وكبرت وأنا مش عارف أتخلص من الشعور ده."
بعد أن انتهت ولاء من الجزء اللي يخص مريم، ذهبت إلى بهيرة لسرد الجزء اللي يخصها، ألا وهو الأرض والعقد. صمتت بهيرة واستمعت جيدا. "طب والحق اللي لينا؟ هزت ولاء رأسها بيأس قائلة: "قولي ده كله هيرجع المصيبة لو في كمان." نظرت بهيرة أمامها بتفكير وتساؤل. كم تبلغ الأرض؟ "اممم ويا ترى الأرض دي كام فدان؟ ويا ترى إسماعيل هيقدر؟ رفعت ولاء حاجبيها بدهشة، فهي لم تذكر اسم المحامي حتى، لم تعرفه. "انتي بتقولي إيه يا بهيرة؟
مين قالك إن المحامي اسمه إسماعيل؟ حتى عادل ما يعرف." ابتسمت بهيرة بخبث. فلا أحد يعلم ما يدور برأسها، فهي محامية وما أدراكم بلعبتها القانون. "إيه يا ولاء، انتي بتستقلي بيا ليه؟ انتي ناسيه إني محامية؟ وكمان أنا عارفة إن المحامي بتاعهم إسماعيل." صفقت ولاء بيديها بحماس، وكأنهم تفوقوا ونجحوا في الشيء اللي يخططوا إليه. شعرت أن النهاية اقتربت. "إحنا كده تمام أوي، إيه رأيك يا بهيرة تتواصلي مع إسماعيل؟
أكيد هو محامي وعارفك كمان، حاولي توصلي للعقد." عقدت بهيرة ما بين حاجبيها بتفكير، وأخذت تفكر كيف تتواصل مع إسماعيل لكي يصف معها، ولكنها لا تضمنه أبداً. "إحنا نخلص الموضوع ده بس بعد ما نخلص من نص الأملاك وورث مريم. الحمد لله إننا اكتشفنا موضوع الأرض دي." نظرت إليها بهيرة بصدمة، وخشت أن يكون ما خفي كان أعظم، فهي تستغرب دائما سكون هريدي ورغبته في عودة سالم.
"يا نهار أزرق، ليكون لسه في حاجات تانية وإحنا ما نعرفش. بس استني يا ولاء، إيه اللي عرف سالم موضوع الأرض؟ يكون عمي؟ انتبهت ولاء إلى ظن بهيرة. بالفعل هذا الموضوع لم يظهر في الصورة إلا بعد زيارة سالم لهريدي وفرمانه بعدم زواج مريم المؤكد أن الأرض ملك لطاهر. "كده يبقى الأرض بتاعت مريم." عقدت بهيرة ما بين حاجبيها قائلة: "وآخرتها لو معرفش يرجع الأرض يرجع مريم؟ هزت ولاء رأسها بيأس، لا تعرف ماذا تقول في مثل هذا الموقف.
"والله ما أنا عارفة يا بهيرة، شكل عمك قاله على الأرض عشان يرجع لمريم." تنهدت بهيرة بتعب وزفرت بحنق، فالأمور تتعقد والسبب هو هريدي نفسه دائماً. "طيب، الا قول لي حلاوتهم وهي بتحكي لعادل ما كنتش خايفة لا يرجع لمريم ولا خلاص؟ ضحكت ولاء بشدة لما قالته بهيرة، فهي مسكينة لا تعرف أمثال حلاوتهم وما الذي يهمها أيضاً. "يا بنتي دي حلاوتهم اللي قدرت تضحك على الكل. إيه يا بهيرة، انتي مش عارفة بجد هي بتعمل إيه."
تذمرت بهيرة، فهي ما تفكر به حالياً هو طفلها فقط، وإن كانت تتحدث في هذه الأمور فكل ذلك من أجله. "ما هو برضه سالم مش قليل يا ولاء، وطول عمره ما بيسكتش. بصراحة أنا فرحانة فيه أوي إنه خدها." ربتت ولاء على يدي بهيرة لتطمئنها أن القادم أفضل وللجميع، وأنها ستفعل كل ما في وسعها لكي يرسوا لبر الأمان. "هو برضه شكله ما صدق عرف موضوع الأرض، وأكيد ده طعم رماه عمي هريدي بيه، بس الهدف غلط، حرام عليه."
انتبهت بهيرة إلى هذا الأمر، وكان ضرورياً عليها أن تحذر ولاء ألا تخبر مريم حتى لا تكره عمها أكثر مما تكرهه. "بقولك إيه، اسكتي لأحسن حد يسمعنا. أنا مش عايزة مريم تعرف وتكره عمي هريدي أكتر ما بتكره. مش عارفة بيفكر إزاي." نهضت ولاء وهي تتأوه، فقد كان يوماً متعباً ومليئاً بالأحداث الصعبة والأخبار السيئة. لعل غداً يشرق بيوم أفضل للجميع ولا يحزن أحد. "لا، أنا هقوم أنام." أوقفتها بهيرة بسؤالها: "والورق ده مش هنعرف نوصله؟
شردت ولاء في سؤالها بتفكير وأردفت: "بكرة إن شاء الله يبان إن كان حقيقة ولا كذب." لمعت فكرة خبيثة برأس بهيرة واقترحتها على ولاء. "طب ما تيجي نروح لحماتي ونقولها وهي ممكن تعرف." عقدت ولاء ما بين حاجبيها بقلق، فهي لم تأخذ رأي عادل، فتحججت: "دلوقتي دي زمان نامت، خليها بكرة بعد ما أخلص شغل في المكتبة." ومن ثم هربت من أمام بهيرة حتى لا تورطها، تخشى أن تسرد الأمر.
هبطت من عندها لتجد إضاءة المكتبة، لتذهب على الفور ظناً منها أنه عادل. ولكنها تفاجأت بياسمين وهي تضع يدها على خديها بحزن، فسألتها ما بها. "ولاء، أنا هعتذر لضياء والله على اللي عملته، وحتى عشان ما يفكرش إني مستغليه، هقولها ليه قدامكم بكرة في الشغل، وكمان هجيب مريم ومصطفى والكل." ربتت ولاء على يدها تهون عليها. "فعلاً، بس خايفة عليكي لا ما يقبلش اعتذارك."
بعد مناقشات طويلة بين ولاء وياسمين، انتهت باقتناع ولاء بمبادرة ياسمين، ومن ثم عادت ولاء لتتأوه مرة أخرى لتشعر بها ياسمين وبتعبها. "روحي نامي انتي بقي." عند حلاوتهم وسالم. "أنا أصلاً زعلانة منك مهما تعمل." وكأنه مثل الطفل الصغير الذي عاتبته أمه. "أنا مقدرش على زعل حبيبة قلبي، شوفي إيه اللي انتي عايزاه وأنا أعمله." قررت حلاوتهم أن تخبره أنها علمت بذهابه إلى مريم في المحل، ولتتحجج بنوال.
"مفيش حاجة تعوضني إنك رحت لمريم. نوال قالت لي إنها شافتك واقف معاها في محل الورد." جز سالم على أسنانه بغيظ ولعن نوال في صدره. حقاً أنها مزعجة ووجودها سيعطل له كل شيء. "يا حبيبة قلبي والله كنت عند أبويا، انتي عارفة عشان الأرض وحلفني أروح أشوف ابني فروحت." ابتسمت إليه بخبث، فهي تمتلك من الخبث أميال وهو لا يقدر على الغوص في بحورها، فهي عميقة. "عاوز تفهمني إنك روحت لأجل خاطر أبوك بس، يعني الولد ما وحشكش ولا هي وحشتك؟
عادي ما هي القديمة تحلى." انتظر لتكمل المثل، ولكنها توقفت لأنها متأكدة أن مريم ليست بذلك ولا تنعت بذلك. حمد ربه أنها لا تكمله حتى لا يكون له رد فعل. "اممم بصراحة وحشني. كانت ساعة سودة لما أبويا قالي أروح لها. عارفة شفت مين هناك؟ عادل. وبيشكرك على اللي بعتيه لأخته. انتي بعتي إيه بالظبط؟ انتفضت بضيق وتسرعت. "ليه عادل كان عندها بيعمل إيه؟ رفع سالم كتفيه بعدم معرفة وزم شفتيه.
"قابلته صدفة يمكن بيشتري منها حاجة، الله أعلم." ابتسمت حلاوتهم بسخرية وأردفت بكلمات ذم في مريم. "مريم مش هتغلب يا حبيبي، تلاقيها بتظبطه على بال ما مصطفى يتحرك." شعر سالم أن حلاوتهم على حق، لأن منذ لحظة دخول عادل محل الورد شعرت مريم أنه طوق النجاة. "تخيلي يا حلاوتهم، لغاية ما طلقتها كنت حاسس إنها مش هترضي تتجوز حد وهتعيش وتربي ابنها بس للأسف."
تعالت ضحكات حلاوتهم بسخرية، فهي قذفت الهدف وأصابت المرمى، وأرادت تتقيل العيار وأنها لا تستحق التفكير. "لا والله تصدق بالله انت غلبان أوي وصعبت عليا. شوفي يا حبيبي أنا مش عايزالك تروح غيره، لا أنا خايفة عليك، مريم مش سهلة." هز سالم رأسه بتأييدها. دائماً سالم يسرق بفكره ومشاعره أمام تلك الحية. أعتقد أنه أخطأ من أطلق عليها هذا الاسم، فهي مرار لمن يعاشرها. "أيوه كده."
انتهى اليوم واستيقظ سالم ليرى حلاوتهم ترتدي ملابسها على عجلة لتذهب إلى المحلات. تركها وأكمل نومه. استيقظ على صوت طرق باب منزله. فتح الباب ليجدها نوال فسألها باقتضاب. "في حاجة يا نوال؟ "حلاوتهم راحت المحل. محدش هنا غيري." دَلَفَت إلى المنزل وأغلقت الباب من خلفها ووقفت بثبات لتردف: "مش عارفة أسكت أكتر من كده يا حاج سالم. ليه مش عايز ترجع لمريم؟ عقد ما بين حاجبيه يتساءل هي مع من؟ مريم أم حلاوتهم؟ نعم، هي تريد مصطفى.
"طب وانتِ عايزاني أرجع ليها ليه؟ انسي مصطفى يا نوال. عمره ما هيتجوزك." سألته بتوسل ورجاء لدرجة شعر بها هو بصدقها، حيث أظهرت الانكسار في ملامحها. "ممكن تقعد وتتكلم معاه، يمكن يقتنع؟ وأنا راضية أكون خدامة تحت رجليه. بس بلاش يتجوزها." هز سالم رأسه بالرفض، لأنه في اللحظة الذي شعر فيها بصدقها شعر أيضاً بفخ منها لصالح حلاوتهم. "معلش مش هينفع. وبعدين انتي مش خايفة من حلاوتهم؟
دي لو عرفت اللي انتي بتقوليه ده هتنفخك. أغزي الشيطان يا نوال." نظرت إليه بيأس، ولكن ما ظلت ثابتة في محاولتها، لن تتزحزح. فها هي الفرصة أتتها للتغيير على يد شوقي، خاصة بعد ما أعلمها أن زواج مصطفى من مريم لا محالة له. "هي دي أخرتها يا حاج سالم؟ ابقي خلي حلاوتهم تنفعك." تنهد سالم بضيق وزفر بحنق وقرر أن يوافقها على مضض. "أوووف طيب يا نوال هساعدك. بس حلاوتهم ما تعرفش. فهماني؟
انفرجت أسارير نوال، فقد وقع سالم بفخها هي الأخرى. وطلبت منه: "ممكن الكمبيالة اللي كتبتها لحلاوتهم عشان أجيب كتب أخر ترم." هو يعرف أمر هذا الإيصال وأراد أن يعيده لها حتى يضمن ولاءها له. أحضر لها الإيصال لتأخذه منه وينشرح قلبها. وبحركة سريعة ومقصودة قامت بتمزيقها وبعثرتها على الأرض، ليذهل سالم من فعلتها. لتتصنع قائلة: "أسفة. أنا أسفة يا حاج سالم، مش كنت أقصد بس افتكرت يوم ما مضتني عليه وكنت مذلولة."
نظر إليها سالم ببرود، هو لا يهمه ما افتعلته. يهمه هو كيف لم قصاصاته حتى لا تنتبه حلاوتهم. "لا ولا يهمك، ثواني هجيب المكنسة. أعتقد إن حلاوتهم المفروض متعرفش إني عطيتك الوصل." دلف سالم إلى غرفة المعيشة لكي يأتي بالمكنسة الكهربائية، وما أن أتى بها حتى سمع صوت مفاتيح حلاوتهم، فقد عادت بوقت غير مناسب.
اتجهت نوال لتفتح الباب، والأخرى تدس مفتاحها به، لتصطدم حلاوتهم بوجود نوال وتتلاشى ابتسامتها، حيث أنها كانت مع عادل يخططان إلى القادم. "انتي جيتي يا حلاوتهم بدري؟ جحظت حلاوتهم بعينيها وهي تحاسبها. "انتي إيه اللي جايبك بيتي وأنا مش موجودة؟ ابتسمت نوال من داخلها لأنها أتت بالوقت المناسب. "معلش أصل روحت المحل ملقتكيش، قلقت عليكي." نظرت إليها حلاوتهم باشمئزاز لأنها تعلم أنها مع عادل.
"ده إيه الحب ده كله يا ختي، من امتى يا نوال. الزمي حدودك." قبل أن تكمل نوال كلماتها وتوقفها عن تهديدها، تفاجأت حلاوتهم بوجود سالم الواقف أمامها حاملاً للمكنسة. "روحي انتي يا نوال وشكراً على اهتمامك وقلقك على حلاوتهم وسؤالك عنها، بس زي ما فهمتك حلاوتهم في محلها." ثم التفت إلى حلاوتهم يرمقها بنظرات غاضبة، خاصة عندما علم أنها ليست بالمحل وهذا معناه أنها تذهب إلى أماكن لا يعرفها.
"نعم يا حلاوتهم، إيه اللي جابك صحيح بدري على رأي نوال. عادة انتي مش بتسيبي محلاتك إلا لما يكون فيه مصيبة. خير يا حبيبتي." نظرت حلاوتهم إلى نوال وسالم وشعرت أن بينهم أمر ما، وأن هذا انتقام من نوال أيضاً. لفت نظرها أمر المكنسة لتنظر إلى الأرض وتلمح قصاصات الإيصال. "كنت فاكراك حاميها، طلعت حراميها." فرت نوال هاربة، ليرد سالم على حلاوتهم بعصبية. "اخرسي يا حيوانة، روحي شوفي نفسك كنتي فين."
صاحت بمبدأ أن تلهيه بصوتها قبل أن يغلبها بسؤاله. "هو انت ليك عين تسألني؟ انت أصلاً حقير، متستاهلش." تفاجأت حلاوتهم بصفعة مدوية هبطت على وجهها، ليجذبها من رأسها ويقذفها أرضاً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!