يا مصطفي ده نفس يوم فرحي على سلمى. نظر إليه مصطفي بحدة، والجميع اتسعت حدقة عينيهم عندما تذكر هذا اليوم ورددوا: -مريم، اعتبري اليوم ده اتلغي خلاص. هشوف يوم غيره، ولآخر مرة بحذرك اسمه ميجيش على لسانك. دخلت بهيرة، زوجة محمد، لتشاركهم الطعام لتجد الصمت حليفهم وكأن على رؤوسهم الطير. لتراوغها عائشة: -اتأخرتي كده ليه يا بهيرة؟ الأكل هيبرد. قلت لك سيبيني أنيمها وأنتي تعالي كلي معاهم، وعقلي جوزك عمال يضحك.
ابتسمت بهيرة بتوتر من الأجواء، تسأل محمد بعينيها ماذا حدث. ليرفع رأسه بأن لا تسأل، وتجلس وتتناول طعامها. -معلش يا مرات عمي، أنا نيمتها بسرعة وجيت على طول. كفاية سهرك معايا أول امبارح. فترة وهتعدي، بكرة تكبر. حاول محمد هو الآخر تغيير مسار الموضوع، وفضل التحدث عن طفلته لعله يخترق حاجز الصمت الذي لا يبشر بالخير. -لؤلؤة كويسة ولا لسه تعبانة؟
لو لسه تعبانة، تعالي نروح نكشف عليها أحسن، بلاش نهمل فيها من أولها يا بهيرة، مع احترامي ليكي يا ماما. ربتت بهيرة على يديه لتطمئنه على طفلته. لطالما انتظرت هذا اليوم بشغف أن يكون لديها طفلا من محمد، وشعور القلق على الطفل والتفكير. -متقلقش. خرج من غرفته بكرسيه المتحرك. -عايزكم كلكم تجهزوا كويس عشان خطوبة مريم اللي مش هتتأجل. نظروا إليه جميعهم، وكلهم هزوا رؤوسهم، حتى مصطفى وافق لدرجة أدهشت مريم.
-تمام يا بابا، طالما أنت اللي حكمت باليوم ده، فكلمتك سيف على رقبتي ورقبة الكل يا والدي. بعد مرور يومين، قررت هادية بعمل حفل خطبة صغير لشقيقها ضياء على نفقتها الشخصية. -ألف مبروك يا أحلى ياسمين في الدنيا. ربنا يقدرني أن أخلي ضحكتك تفضل منورة وشك دايما. ابتسمت ياسمين بخجل، ولكن من داخلها كانت تتطاير من السعادة، ليس فقط لخطبتها، ولكن لحديث ضياء.
-الله يبارك فيك يا ضياء. ومبروك ليك أنت كمان، بس مش على الخطوبة، لا، على كلامك اللي زي العسل ده. حاول ضياء إخبارها عن الاتفاقات التي أخذها مع عادل، ولكنه كان يخشي من رد فعلها لتصرفه بدون رأيها. -كتب كتابنا الشهر الجاي إن شاء الله. وبصي، أنا بجهز نفسي من زمان، يعني هنجوز على السريع. أنا عايش لوحدي. صمتت ياسمين، ولا تعرف سبب صمتها. قد يكون رهبة من الزواج، أم أنها كانت تريد الفرحة لشقيقها هو الآخر. لينتبه ضياء.
-ساكتة ليه يا ياسمين؟ زعلانة؟ عموما عندك حق، لتاني مرة باخد قرارات وبتفق مع عادل من غير ما أرجع ليكي وأخد رأيك. ذكرها هو الآن بهذا الأمر، حيث أنه لم يخطر ببالها. فنظرت له نظرة قاتمة تود الفتك به، ولتأخذها حجة للتأجيل حتى تحل مشكلة عادل. -هقول إيه يعني؟ أنت دماغك ناشفة، وأي موقف بينا مش بيغيرك. لا بترجع تعاند برضه يا ضياء. افرض أخويا عايز يخلص مني، تلبس أنت؟ حزن ضياء. -ومالك زعلانة إني هلبس يعني؟
زفرت ياسمين بحنق لأنها شعرت بمشكلة. -مفيش، أنا مخنوقة أوي يا ضياء، ومحدش حاسس. شعر ضياء أنها تسرعت في خطبتها منه وتراجعت. -بصي يا ياسمين، إحنا لسه في أولها. لو حسيتي إنك اتسرعتي... أوقفته ياسمين عندما شعرت أنه فهم عكس ما بداخلها، فصارحته. -بصراحة كده، أنا مكسوفة من نفسي أوي وأنا بفرح، وأخويا مهموم. تنهد ضياء براحة لأنها خالفت توقعاته، ومن ثم ربت على يدها بحب قائلا. -أنتي إيه يا ياسمين؟ قوليلي أنتي ملاك صح؟
خايفة على زعله وهو مش على باله؟ هزت ياسمين رأسها بحزن وهي تنظر إلى عادل، الذي يظهر فرحته وهو بداخله ممزق. -توعدني يا ضياء إنك ما تكتبش كتابي إلا لما نحل المشكلة دي؟ بصراحة مش هقدر أشوفه كده. قاطعها ضياء ووعدها أن يتدخل في الأمر حتى لو كلفه أي شيء، لأنه يريد القرب منها وليس خسارتها. -قولتلك أنا هتصرف، وأنتي مليكيش دعوة. قوليلي بس اللي اسمها حلاوتهم دي لسه بتيجي عندكم ولا خفيت؟
ابتسمت ياسمين بسخرية، فعادل أمام الناس يعاملها بحب، ولكن هو مقاطع لها من يوم ما دافعت عن ولاء وأقنعته. -لا، بس أنا معتمدة عليك ومش حابة أحتاك بعادل الأيام دي نهائياً، ولا عايزة أدخل بينه وبين ولاء. هي كمان مش عايزة أحتك بيها. عقد ضياء ما بين حاجبيه واستغرب عدم حضور ولاء رغم أنها صديقتها المقربة، وأخذ ينظر إلى عادل، الذي ينظر إلى الباب. -طب ليه؟ هو عمل فيكي حاجة؟
أنا عارف إنه حذرك تدخلي ما بينهم، وده الطبيعي، بس ليه مش عايزة تحتاكي بولاء؟ أنتم زعلانين؟ نظرت ياسمين أمامها وتذكرت آخر لقاء بينها وبين ولاء، والخناق الذي دار بينهم عندما طلبت من عادل أن يصالحها، وهو هاتفها لينهرها. -أصلها بتقول عليا عيلة. مط ضياء شفتيه وشعر بالبلاهة. -طب فهميني إيه اللي خلاها تقولك كده؟ جزت ياسمين على أسنانها بغيظ من ولاء. -بقولها جربي عادل تاني، تقولي أنتِ عيلة.
تعالت ضحكات ضياء لتبتسم هي بسخرية منه. -بتضحك على إيه؟ عشان هي بتقولي عليا عيلة؟ أخذ يهز رأسه بالنفي وهو ما زال يضحك، لا يتمالك نفسه. -لا أبداً يا كبيرة يا عاقلة، أنا بس متخيلك وإنتي بتقولي جربي. مط ياسمين شفتيها باستياء على استهزائه باقتراحها هو وولاء. -اشمعنى يعني؟ فيها إيه لما أقولها جربي ترجع له لآخر مرة هااا؟ حاول تهدئة أنفاسه من الضحك وتنحنح يبتلع ريقه لكي يفهمها الحوار.
-يعني ممكن كنتي تقوليها بطريقة أحسن، مش جربي، جربي دي معناها إنك مش واثقة فيه. ارتفع حاجبا ياسمين على تفكير ضياء وتفكير ولاء، إن كان هذا نفس تفكيرها، وسخرت قائلة. -نعععم؟ مش واثقة فيه؟ بقي أنا اللي مش واثقة فيه ولا هي؟ والله ده من يومها وهو بيدبل قدامي يا حبيبي. ابتسم ضياء بفرحة على حبها لشقيقها، وهذا ما سيجبرها على تقبل حب هادية الأمومي له وعدم الاعتراض. -بعد الشر عليه يا حبيبتي، يعني بتحبيه أكتر مني؟
اخص عليكي يا ياسمين، وأنا اللي كنت مفكر حبك الأول والأخير. تعجبت ياسمين من سؤاله، ولا تنكر أنه أدخل عليها السرور والسعادة من غيرته، حتى لو كانت على سبيل المزاح من عادل. -أنت شايف إيه؟ أكيد شايف إن حبي لأخويا حاجة وانت حاجة تانية. عادل ده أبويا اللي رباني، أما أنت الإنسان الوحيد اللي قلبي دق له.
ابتسم لها ضياء، وتعالت دقات قلبه من أثر كلماتها. هو كان يحتاج لأنثى مثل ياسمين تعدل من مزاجيته وقتامة العيش والحياة الذي يعيشها. -قلبي أنتي.
كانت تجلس في شقتها بعد ما تجاهل عادل اتصالاتها، تخشى أن تخرج وتقابل سالم ويفعل بها جريمة. فجأة رن جرس الباب لتزفر بحنق لتوقعها أنه البواب. فخرجت إلى الشرفة لتجد أن البواب موجود بأسفل العمارة. هاتفت نوال، أخبرتها أنها لن تأتي اليوم. غمرتها السعادة لأن عادل وعدها أن يأتيها يوما ما. ركضت إلى غرفتها وفكت حجابها وأسدلت خصلاتها وذهبت لتفتح الباب، واتسعت ابتسامتها التي تحولت إلى ذعر وخوف. كادت أن تغلق الباب بسرعة من رؤية عينيه، ولكن اقتحم عليها ودلف بسرعة وأغلق الباب من خلفه وتوجه إليها يجذبها من خصلاتها.
-كنت سايبك على راحتك، واستنيت تطلبي الطلاق بلسانك. ارتعشت حلاوتهم وحاولت تهدئة غضبه، ولكن أخذ يسحبها. -أنت كويس يا سالم؟ أصل شفت مصطفي جاي وعينه شرار. خفت ليعمل فيك حاجة. طرق رأسها بالحائط، ليس على كذبها فقط، بل على خيانتها أيضاً وتبريرها المضحك. -عيب عليكي، أنتي لسه مش عارفاني ولا إيه؟ ده لا مصطفى ولا محمد ولا أبويا يقدروا عليا. أخذت تتوجع وهو يطرق رأسها حتى سال الدم من رأسها، وهي تصرخ تستنجد بأحد حتى تنجو.
-طب معلش سيبني وأنا هفهمك وهرجعلك كل حاجة وهقولك عملت كده ليه. أنت السبب يا سالم. تركها سالم ونفض عن يده خصلات شعرها التي اقتلعها، وجلس أمامها يرفع قدميه فوق الطاولة يدخن سيجارته. -اتفضلي يا حلاوتهم، قوليلي أنتي عملتي كده ليه وأنا السبب في إيه، وأنا مستعد أكفر عن ذنبي معاكي، بس كله هيرجع. ارتبكت من إصراره على إرجاع كل الممتلكات. لعنت غباءها أنها سلمت كل شيء لعادل، وعادل ابتعد عنها. فكرت في تضليله.
-أهلك، فهمت من كلامهم آخر مرة يوم ما شفتك في شقة مريم، لما بعتولي أشوفك معاها. قالولي إنهم هيعملوا المستحيل عشان ترجع. ابتسم بسخرية وهو ينظر لها وهي تستخف به وتدخل أهله في الحوار لكي يقتنع، لكن لا وألف لا، لن يصدقها حتى لو أرجعت كل شيء.
-بصي يا حلاوتهم، فاكرة أول مرة اتقابلنا لما كنتي جاية الحارة أنتي وأمك وإنتي بتلفي حواليا. حتى لما اتجوزت، خربتي بيتي. يعني خرابة بيوت وخطافة رجالة. مفيش راجل يصدق واحدة زيك. هتقولي ما أنت صدقتني، هقولك بمزاجي. فاكرة لما قلتي إنك حامل؟ أنا ليه ما فرحتش؟
أصل أنتي جوازة مزاج. أه، عطيتك نص الأملاك ونصيب مريم، بس أنتي تحت إيدي بس تلعبي بديلك وتلفي من ورايا يا وسسسسس******. لا أجيبك تحت رجلي وكل حاجة ترجع وبعدها أتف في وشك وأرمي عليك يمين الطلاق. يلا يا قطة، خشي هاتي العقود من جوه عشان نروح نعمليلي تنازل. أه، وحاجة كمان، هتمضي على الكمبيالات دي تمن هروبك وتمن الدهب المغشوش اللي أمك ضحكت على الصايغ وعطيته ليه. بس تعرفي، أنا مليش نفس أطلقك. عارفة ليه؟
نفسي أعرف مين الزبالة اللي روحتي نمتي معاه بعد ما شوفتيني في بيت مريم، وممكن بعدها أطلقك لو شايف إنه لايق. ازرق وجه حلاوتهم لينعقد لسانها ولا تستطيع الرد. ليسود الصمت طويلاً، ويخرج من جيبه الإيصالات ويضعهم أمامها ويعطيها القلم لكي توقع. وبالفعل وقعت كي تستطيع إخباره أن الأملاك ليست لها الآن بل ملك عادل.
بعد توقيعها بفترة، التقط سالم الإيصالات، ينظر لها ومن ثم يعاود النظر إلى حلاوتهم ليجدها بعكس شخصيتها الذي يعرفها. وجدها مثل أوراق الشجر المتساقطة، ولكن كان لجفاء قلبه منها عامل مسيطر على أنه يبتسم بخبث، غير مراعياً لحالتها. -هيكون أجمل لو دخلتي جبتي العقود من جوه. عارفة ليه؟ لأن اللي مضيتي عليه ضعف اللي في العقود. إيه رأيك بقى؟
سقطت بالفعل حلاوتهم كأوراق الشجر، ليقلبها فوجدها مغشياً عليها. ليتجه إلى الغرفة يبعثرها، ولكن لم يجد بها أي شيء. ليرن جرس الباب فجأة. انتظر حتى يمشي من على الباب حتى لا أحد يراه. وبالفعل كانت نوال. أخذت تطرق وترن عليها. ليضع نوال هي الأخرى برأسه ويتوقع أن العقود لديها. انتظر حتى رحلت، ومن ثم طوى الإيصالات وتفحص هاتفها ليجد رقمها الجديد وأخذه ورحل. يكفيه العقود التي تحمل ضعف الأملاك، عزم أمره أن يقاضيها وتمنى موتها لكي يورثها، لطالما أخفت مكان العقود وحرمته منه.
نهضت حلاوتهم بعد رحيله حيث كانت تتماثل الإغماء حتى لا يطالبها بالعقود. على الجانب الآخر، حملت بهيرة طفلتها الصغيرة لؤلؤة وذهبت إلى ثريا تزورها. -ازيك يا خالتي؟ كده برضه من يوم ما جيتي تباركيلي، وأنتي مش عايزة تيجي وتشوفينا؟ عقدت ثريا ما بين حاجبيها واستغربت زيارة بهيرة لها. توقعت منع محمد لها أو جاءت بدون معرفته. -أهلاً يا بهيرة، تعالي ادخلي. مش عوايدك من امتى وأنتي بتزعلي لما بتأخري عن شوفتك؟
أوعي تكوني جاية من وراه. ابتسمت بهيرة بمرح، فثريا تفهمها أكثر من والدتها التي قاطعتها بعد رحيل ثروة عائلة الحمش لعدم تخليها عن زوجها وعائلته. -الله بقى، ما أنا طول عمري كده يا خالتي. أنتي اللي مش عايزة تشوفيني ولا تشوفي لؤلؤ. يا خسارة، كنت جاية هنا لمصلحتك وربنا. رفعت ثريا حاجبيها وهي تستمع إلى بهيرة وتحاورها معها، لتتوقف عند تلك النقطة التي أخبرتها بها بهيرة أنها للمصلحة، وأمرتها قائلة. -أنجزي. رفعت أكتافها.
-وأنا يعني مش بنجز. زفرت ثريا أنفاسها بحنق. -طيب قولي بقى في إيه؟ قلقتيني. اقتربت بهيرة من ثريا تهمس لها. -كنت بقول يعني اللي أنتي عايزاه حصل. شعرت ثريا أن بهيرة تمزح معها لمرة أخرى. -أنا عارفة والله إنك جاية تهزري، وأنا على أخر. ضحكت بهيرة بعفوية لأن ثريا تريد كلام موضح جداً. -أهدي عليا بقى، أنا كنت عاوزة أقولك إن سالم راح لحلاوتهم. اتسعت حدقة عيني ثريا بسعادة بالغة، ونهضت وكادت تتراقص.
-الخبر ده هينفعنا كتير، بس استني كده، أنتي عرفتي منين وإيه اللي حصل؟ ابتسمت بهيرة بخبث ترفع أكتافها بغرور لتفهم ثريا أن بهيرة تكمل مشوارها. -هيبقي ليكي الحلاوة يا بهيرة لو اتحقق اللي في بالي. يارب يكون عرف العقود فين. نهضت بهيرة بعد أن وضعت ابنتها جانباً، تربت على كتفي ثريا لتطمأنها بثقة قائلة. -يارب، بس ييجي ليها تاني، لأن عرفت إنه مضى ها على فلوس ضعف اللي خدته منه يا خالتي.
فتحت بهيرة حقيبتها وأخرجت منها هاتفها لتفتحه وتريها ما تم بشقة حلاوتهم من خلال وضع كاميرا عن طريق نوال. -امسكي يا ستي ده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!