في صباح اليوم التالي، في المكتبة عند عادل وضياء وشوقي. "بس ليه عملت كده في نوال يا عادل؟ دي كانت زبونة محترمة." سأل ضياء عن المدعوة نوال، الذين يتحدثون عنها، فهو دائمًا مسافر. "مين نوال دي اللي بتتكلموا عنها يا شوقي؟ لا تكون أم شعر منكوش." انتفض عادل بغضب، أولاً من معاتبة شوقي له، وثانياً من معرفة ضياء بها. "اسكتوا انتوا الجوز واسمعوني، لو حد جه هنا سأل عن اللي عملته فيها، طلعوها كذابة."
شعر ضياء أن بالأمر خطب ما، فحاول تهدئة عادل لكي يفهم الأمر جيداً، خاصة عندما لمح في عيني شوقي الرفض. "اهدي بس يا عادل، احنا عايزين نفهم. انت ليه عامل اهتمام للبنت دي؟ وبعدين دي معاكسة عادية وبتحصل منك كتير." أوقفه عادل عن الحديث بإشارة من سبابته، يخشى أن يسرد أمر المعاكسة، لو سُرد من المحتمل أن تعدل حلاوتهم عن تنفيذ قراراته.
"ولا معاكسة ولا زفت حتى، الموضوع ده ملوش لزوم يتقال. لو لزم الأمر طلعوها زبالة. بقولكم إيه، أنا في أم الليلة دي، يا قاتل يا مقتول." هز شوقي رأسه بخبث. "خلاص يا عادل، متخافش." نهض عادل ينظر إلى شوقي بقلق. "انت بالذات يا شوقي، شيل ايدك من الموضوع ده." عند مريم وثريا. استيقظت مريم وتناولت فطورها، وكانت مسرعة حتى تلحق به وترى ذهابه إلى عمله، لتوقفها والدتها تنظر إليها باستغراب قائلة: "البسي طرحتك." تحسست رأسها وشهقت.
"آه، ده إزاي أنساها كده؟ ابتسمت ثريا بمكر قائلة: "مصطفى بيحب يشرب الشاي قبل ما ينزل، لسه بدري." تنهدت مريم بحزن وزفرت بضيق، ودت أن تتخلص من هذا الضيق. "اشمعنا امبارح نزل بدري، أكيد علشان يلحقني. صعب إني أشوفه، هتأخر." ربتت ثريا على يدها وقامت بتجهيز محمد وعربته لكي تذهب مع مريم. "عادي، كل أما نروح بدري شغلنا البركة تزيد. وبعدين بلاش تشيلي هم، أكيد هيفسر سكوتك خجل."
زمّت مريم شفتيها بضيق، وارتدت حجابها ووضعت ابنها في العربة التي تخصه وخرجت من المنزل. "كويس إنك أخدتي بالك إني مش لابسة الحجاب، كان فاتي فرجة للي يسوى واللي ميسواش، وكانوا قالوا عليا اتهبلت." قابلتهم في الطريق ولاء، وابتسمت له وألقت عليهم تحية الصباح، وهي تدقق النظر في وجه مريم الواجم، تنظر إلى أعلى عند شرفة مصطفى. "فيه إيه على الصبح؟ هزت ثريا رأسها بلامبالاة. "عادي يا بنتي، مريم توتر اشتغلت."
حقا نظرت ولاء إلى مريم ووجدتها مضطربة. "صحيح، الحجاب مش مظبوط. إيه يا بنتي، مفيش مراية؟ لكزتها مريم في ذراعها بيدها اليمنى، واليد اليسرى تهندم حجابها. "أي حاجة، ما هو كل يوم مظبوط، جت على النهاردة؟ ومن امتى بتاخد بالك؟ تعالت ضحكات ولاء بصخب، حيث تأكدت أن مريم خطت على أول سلم المعاناة. "ده اللي هو إزاي يعني؟ بجد يا مريم، باين عليكي التغيير النهاردة. تكونش بتحب يا قلبي؟
قابلتهم ياسمين، حيث سمح لها عادل بالذهاب إلى المكتبة لكي تضع عينها على شوقي حتى لا يتحدث عنه. "طب وكتاب الله المجيد اللي بيعمله فيا عادل، ألعن من الحب. شايفين المرمطة مرة ياخدني لحلاوتهم ومرة يبعتني المكتبة." جحظت ولاء بعينيها عند رؤية ياسمين ذاهبة معها إلى المكتبة، وظنت أن عادل يتخلص منها لكي يخلو له الجو مع حلاوتهم، فاعترضت. "لا، ده بيخلص منك." ضحكت ياسمين قائلة:
"لو بيخلص مني، ما كانش بعتني المكتبة. تعالي فطّريني وأنا أحكيلك." سحبتها ولاء أمامها تضربها في ظهرها بضيق، فهي دائمًا استغلالية. "طفسة، قال يعني ما فطرتيش يا بت. اعملي حسابك، هو فطار بس مفيش غدا." نظرت ياسمين إلى ولاء ببرود وأخرجت لها لسانها تغيظها وتراقص حاجبيها. "معلش، ما هو انتي لما تعرفي ليه بعتني المكتبة، هتفطريني وتغديني وتعشيني، وهتبيتين عندي."
سردت ياسمين لولاء أسباب إصرار عادل على أن تبقي في المكتبة، ومن قلقه الشديد من نوال وما سوف تفتعله. جاء عادل في المساء إلى المكتبة ليجد ولاء وياسمين ما زالوا بها، فاستغرب من تأخرهم. لتنظر له ولاء، فوجدته مهموماً كمن خسر. "شكل وشك بيقول إنك هتودينا في داهية. أنا قلت إنك مش هتفلح، قال عادل اللي هيحلها، قال. كفاية إن نوال طلعت عرفاك، لازم يطلع لك في كل خرابة عفريت." زفر عادل. "افهمي زي ما تفهمي." شعرت ولاء أنها ضايقته.
"طب فهمني، مالك قالب وشك؟ نظرت ياسمين هي الأخرى له بدهشة. "أنا حاسة إن البت نوال حكت لحلاوتهم." تنهد عادل بعمق وجلس على كرسي المكتب. "طب روحي اعملي لي قهوة يا ياسمين، على نار هادية." فهمت ياسمين أن عادل يريد أن يكون مع ولاء على انفراد. "على فكرة، مفيش داعي إنك تزحلقها، إحنا مفيش بينا أسرار." نهض عادل ودار حول المكتب وتقدم منها لتضطرب قليلاً. "أومال إحنا بينا إيه؟ حب؟ ولا مشروع جواز؟
تعرفي إني سألت نفسي السؤال ده النهارده." اضطربت ولاء من اقترابه وتوّترت، وأخذت تبتعد عنه تلملم شتات أمرها وحقيبتها. "أنا مفيش بيني وبينك حاجة، مجرد مستأجرة عندك وشغالة عندك في المكتبة، مفيش داعي للأسئلة." شرد عادل في الفراغ وأخذ يقارن بينها وبين أخريات، وعلى رأسهن حلاوتهم التي جعلته يكره النساء. "وهي اللي دفعتني النهاردة أسأل كل الأسئلة دي. عمري ما شفت ولا هشوف ست بالقذارة دي، كرهتني فيكم."
تصاعدت أنفاسها وخافت منه. كان كذئب بشري يود أن ينقض عليها ليرتاح من عناء فريسة أخرى. هدأت أنفاسها. "معرفش ومش فاهمة، انت بتتكلم عن مين؟ لو بتتكلم عن حلاوتهم، فعندك حق، بس أوعى تقيس واحدة زيها علينا، عشان هتبقى ظالم." ابتسم عادل بسخرية من حديثها الفوضوي، بالفعل هي ليست مثلها، فحلاوتهم كلامها موزون وتطلق الكلمة من شفتيها بحساب، يهمها المصلحة وكفى. "وهبقى ظالم ليه؟ احتارت في أمره فأردفت. "طب ممكن نأجل الكلام لبكرة؟
اعترض طريقها وأوقفها قائلاً بجدية. "لا، مش هأجل الكلام معاكي، لازم نخلص." عقدت ولاء ما بين حاجبيها باستغراب منه. "ليه؟ وإيه اللي لازم يخلص النهاردة يا عادل؟ هدأ عادل حيث كان في ثورة غضبه يريد تفريغه. "روحي الوقتي يا ولاء، وعلى رأيك نكمل بكرة، بس لازم." تنهدت ولاء تنهيدة طويلة، لا تعلم إن كانت راحة أم تعب منه. "أنا بجد تعبت واحتارت في أمرك، ما تريح دماغك عني وأنا كمان."
رفع سبابته لها يحذرها، وكأنه عاد إلى الغضب مرة أخرى، يرفض أن تتملص منه. "لا، مش هشيلك من دماغي بعد النهاردة، ولعلمك أنا خلاص أخدت قرار في اللي بينا." قطّبت جبينها بعدم فهم، أي قرار اتخذه وما الذي بينهم ليتخذ قرار؟ ما به هذا الرجل أصابه الجنون؟ "دلوقتي حالا تروحي وتبلغي أبوكي إني هاجي أقابلكم بكرة، وبكرة متجيش هنا ومتسألنيش ليه، فهماني؟ ارتعدت فرائصها من صوته الذي كان مسموعاً ورج جدران المكتب بل وصفحات الكتب،
لتتذمر قائلة: "لو جيت بيتنا هطردك يا عادل، أنا مش عايزاك، ولا ممكن هكون ليك، انت اللي لازم تفهم، أنا مش عبدة عندك." تقدم منها وجذبها من ذراعها بعنف ليقف بجوار أذنها يهمس كفحيح الأفعى ليجعلها ترتعش من همساته التي تمنت أن تكون عشقاً. "يومين اتنين و تفكري في اللي أنا قلته وردك عليه، بس مش اللي قلتيه دلوقتي، لأني اعتبرت نفسي ماسمعتوش، مش ولاء اللي تقول كده." لملمت شعرها ليبتسم. "وابقي البسي الحجاب." ردت بإحراج من قوله.
"أنا كنت ناوية أصلاً ألبسه." اتسعت ابتسامة عادل ببلاهة. "لا بجد، يعني مش عشان أنا طلبت." انتبهت لما تقوله وانجرافها معه، لتعتدل. "هو إيه اللي انت طلبته؟ لا طبعاً، أنا حرة." وضع شالاً كان يربطه به عنقه على شعرها. "وافقي يا ولاء، أنا محتاجك، محتاج تعدلي عادل." هزت ولاء رأسها بمعني الموافقة، لتجد يديها بين يدي عادل يحملها ويقبلها بشفتيه وهو ينظر لها بسعادة لا يتحملها قلبها، حقاً المفاجأة صعبة. "كفاية."
أنزل عادل يدها، وعلا وجهه ووجهها ابتسامة الفرح والسعادة. كانت ياسمين واقفة من بعيد تتابعهم بابتسامة، ثم أقبلت عليهم. "ها، وصلتوا لحد فين المرة دي؟ شكلكم كده بتسخنوا لمشكلة كبيرة." غمز عادل إلى ياسمين وهو ممسك يد ولاء، لا يتركها رغم خجلها. "خلاص يا ياسمين، أنا النهاردة اتأكدت إن ولاء نصيبي الحلو من ربنا." شهقت ياسمين بفرحة وقامت بالتصفير والتصفيق والتهليل، وأضافت.
"أيوة بقي، ألف مبروك يا لولو. أخيرا يا دولة حنيت، عقبالي يارب، عقبالي." كمّت ولاء فاها تحاول تهدئة فرحتها حتى لا تثير ضوضاء لأهل الشارع. "بس يا ياسمين، بلاش جنان. هتفضحينا، الناس تقول الهبلة بتزغرط على إيه." تعالت ضحكات عادل وهو ينظر إلى ولاء باستغراب، وهي تكتم فرحتها بحرص. "متبقاش ياسمين لو ملمتش الدنيا علينا، بس أنا مبسوط، ياريت الكل يفرح زيي وأكتر."
احمرّت وجنتا ولاء من حديث عادل الذي يعلن فرحته للجميع، فرحته بها فقط. في اليوم الثالث لاعتراف مصطفى لمريم بعشقه الدفين، ذهبت كعادتها إلى محل الورد، وكانت مسرعة بسبب هطول المطر، كانت تخشى على محمد الصغير من نزلات البرد. أغلقت الباب بإحكام عليها، وأخذت تنظر إلى المطر من خلف الزجاج. انتهى وقت المطر، ولكن لا تزال قطرة تسقط. اختفت وقت معانقتها للزجاج، لتتذكر معاناتها مع سالم.
عند سالم، هو لا يتوقع خيانة زوجته، وذلك خير ما منحه إياه غباء عقله. أحياناً يتمنى لو ظل والده على صحته، وأصيب أحد من أشقائه بدلاً منه، كي يتناسى أمر مريم وتضيع بينهم، وينسوا ألمها منه ويستمد من والده القوة الذي كان يستمدها دائماً. يشغل باله بتدمير أشقائه، غافلاً عن الحية التي بأحضانه، متناسياً أمر السيدة ابنة عمه الذي تزوجها وعذبها، وابنه الأول منتظراً ابنه الثاني سيعود ليفرق في المعاملة مثل ما افتعل والده. ولكن ماذا إذا استفاق يوماً وندم؟
ماذا لو استمرت حلاوتهم في خطيئتها، وظلت تمارس أخطائها مع عادل أو غيره، إذا نجت من فخ عادل. أخبرت ولاء ثريا في الصباح ما حدث في المكتبة. "الواد عادل ده مجرم، ده لسه من كام يوم كنت بقنعه." نظرت لها ولاء نظرات معاتبة وأردفت إليها قائلة. "ليه كده يا حاجة ثريا؟ قلتلك سيبيه على راحته، النصيب غلاب." اقتربت منها ثريا بخبث تتساءل عن حلاوتهم وما يدور بينهم. "وهي حلاوتهم مش ممكن تعرف؟ ده مصطفى مش راضي يخطب مريم."
رفعت ولاء أكتافها بلامبالاة، لا يهمها الخطبة، يهمها فقط اعترافه بالعشق. "عادي يا حاجة ثريا، أنا مش غبية ومش هجبره على حاجة دلوقتي خالص." رفعت ثريا حاجبيها بإعجاب من شخصية ولاء وتفهمها والتضحية بفرحتها. "ليه يا ولاء؟ مش نفسك كده تلبسي دبلته وتمشي وإنتي إيدك في إيده زي الحبيبة؟ ربتت ولاء على يد ثريا بحب تنظر إليه على أنها والدتها التي حرمت منها وهي صغيرة.
"يا حبيبة قلبي، أنا نفسي في كل اللي بتقوليه ده، بس طالما ده هيبوظ على ناس حاجات، يبقى بلاش." ابتسمت لها ثريا بامتنان وهي تأخذ على عاتقها أن تسعدها كوالدتها بشتى الطرق لصبرها وتحملها. "بكرة هيبقى أحلى، وإنتي يا ولاء هتشوفي أيام مكنتيش تتوقعي إنها تحصل. كفاية حبك لينا كلنا، ربنا يكرمك." نهضت ولاء واحتضنت ثريا من خلفها بفرحة، متمنية ألا ترفض طلبها وألا تخجلها، فوجودها سيكتمل سعادتها.
"يعني موافقة تحضري القعدة اللي هيجي فيها عادل يطلب إيدي؟ هو قالي كمان يومين، وعماتي مش هيلحقوا يحضروا." ربتت ثريا على يدها ونهضت تحدثها بكل ثقة، فهي كانت تنوي بالفعل أن تطلب من عادل أن يتقدم لها باعتبارها ابنتها. "أصلاً من غير ما تقولي، أنا كنت هقولك تقولي لعادل يجي يخطبك مني. إنتي بنتي يا ولاء، أنا من يوم ما جيت الشارع وأنا متعلقة بيكي، إنتي وياسمين." ابتسمت ولاء قائلة. "ياسمين كانت هتفضحنا."
عقدت ثريا ما بين حاجبيها. "إزاي يا بنتي؟ وبعدين هي فين؟ استمعوا إلى طرقات الباب، ففتحوا لتدلف ياسمين. "إيه يا خالتي، انتي منزلتش الشغل ليه النهاردة؟ فيكي حاجة؟ ابتسمت ثريا بود لقلق ياسمين عليها والسؤال عنها وعن تأخيرها. "رجلي بتوجعني، فهأجز النهاردة. قوموا انتوا الحقوا شغلكم، وابقى فوتوا على مريم."
قامت كلا من ولاء وياسمين ذاهبين إلى المكتبة، وعادل في طريقه إلى حلاوتهم، التي كان يبخ لها السم عنه عن طريق نوال، التي أقسمت أن تهدم لذته. "طب يالا تعالي نروح هناك، وإنتي تشوفي." نظرت إليها حلاوتهم بتردد، فهي تريد تصديقه. "بقولك إيه يا نوال، إنتي فاهمة غلط، اللي بيني وبينه شغل. بس لو مصرة، هاجي معاكي وهقف من بعيد، وإنتي تسألي وأنا أسمع."
انفرجت أسارير نوال، حيث وصلت إلى مبتغاها، وهي التوقيع لعادل، الذي أهاتها أمام الجميع أول أمس، متغاضية عن كذب حلاوتهم. "من عيوني، وبعدين أنا مرضاش ليكي إنك تبقي ظاهرة في موقف زي ده، إنتي مهما كان تاجرة وليكي اسمك ومرات سالم الحمش." أخذتها وذهبت إلى منزل ثريا مباشرة، وأوقفتها خلف الباب الذي فتحته ثريا لها، وهي تنظر لها باستهجان واستياء ومعاتبة على ما افتعلته. "ممكن أعرف إيه اللي جابك؟
هنا جذبت نوال حلاوتهم لتضعها في المنتصف، لكي تضيق الخناق عليها أكثر وأكثر أيضاً، لتخبر ثريا أنها ليست المتسببين في المجيء هنا، بل حلاوتهم التي تخشى من رجوع زوجها لطليقته مريم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!