اخيراً وبعد معاناة فاقت هنا وفتحت عينيها من غير ما تحس بأي حاجة ولا تنطق كلمة. درية قعدت على الكنبة: الحمد لله لسه عايشة. رقية بتسرع: يبقى نروح نخلص الأوراق ونرميها لأخوها ونخلص من هَمّهم. رفعت بتأكيد لكلامها: عندك حق، من يوم ما أمها دخلت البيت ده والخراب حل، ومن بعدها عيل ورا التاني. عنايات بفضول قاتل: هي إيه العبارة؟ وبصت لهنا اللي تايهة في عالم لوحدها وركزت أوي: مش دي البت بنت أخوكم؟ وشقّت
بصوت عالي: يا أختي هي إيه اللي جابها هنا؟ أنا لسه عارفة إنكم كرشتوها هي وأمها من هنا من سنين، يبقى إيه اللي جابها وعمل فيها ده كله؟ درية بتقفله سحبت عنايات من إيديها: طب يلا يا أختي، معلش آخرتك. وطلعت من الأوضة وطلعت مبلغ كبير من صدرها وحطته في إيد عنايات وكملت بشر: طبعاً أنتِ لا شفتي ولا رأيتي. عنايات وهي بتشاور على بوقها: يا أختي أنا لا رأيت، والنبي صلي.
مشيت عنايات وهي فضولها مموتها، بس لُقشة الفلوس اللي خدتها نستها أصل. تاني يوم طلعت رقية على المحكمة وعملت تنازل وجاية هنا لأخوها هارون واخلت مسؤليته. رفعت بقلق: الواد نابه أزرق ولو شافها كده مش هيحلنا هو واللي معاه. رقية بتفكير: عندك حق. درية: طب والعمل ده؟ عيالنا في إيدهم. رقية فكرت شوية وابتسامة شيطانية اترسمت على وشها: لقيته. رفعت: لقيتي إيه؟ رقية: هفهم بعدين.
رفعت بعصبية: مفيهاش بعدين ولا قبلين، دي حياة عيالي اللي بتلعبي بيها، ومن الأساس الشورة المهببة دي كانت شورتك. رقية بشهقة وشرشحة: نعم يا عنايا؟ وأنا كنت ضربتك على إيدك ولا جريتك من قفاك غصب عنك؟ ماهو كله كان بكيفك وبمزاجك عشان تبردي نارك من العيل اللي سكتك على قفاك بدل مرة اتنين وتلاتة. درية اتدخلت بصوت عالي: خلااااااااااص، فضونا من مين قال ومين عمل، رسينا يا رقية، دماغك فيها إيه؟
رقية بشر: كل خييير، إحنا اللي يلزمنا العيال، والبت اللي مرمية دي لو لمحوها كده هانروح كلنا ورا الشمس، والراجل اللي حاميهم نابه أزرق. رفعت بحدة: اخلصي، كل ده عارفينه، ها، اخلصي فين الجديد؟ منتِ أصل البلا.
رقية بصوت عالي حاد: إحنا مش على ذمة بعض، هاتكتر وتقل في أدبك هاسيبك تخبط راسك في أجدع حيط، ومتنساش يا حبيبي إني السبب إنك تبقى صاحب أملاك بعد ما كنت شحات، حتى مدرس معفن في مدرسة خاصة شغال بالحصة، ففوق كده، لهد المعبد على نفوخ الكل، كلنا معكوكين فيها، هاتخبط هاسيبك مطرح ما تحط راسك، حط رجليك، وأنا عن نفسي أقدر أنجد روحي وكل واحد يشقى بروحه. درية بمحايلة خوف من حدة رقية وشرها: معلش يا رقية، اعذريه، قلبه محروق على ضناه.
وكملت بمكر مقصود: وإنتي ست العارفين غلاوة الضنى وقهرة القلب، بس أنتي عيالك في حضن أبوهم، إنما إحنا عيالنا في إيد اللي ما يعرفوش ربنا. وبصت لرفعت بحدة. رقية بوجع لما افتكرت عيالها ومسكت سماعة التليفون: خلاص يا درية، كلمي عنايات بنت خالتك. درية: ليه؟ رقية: قولي لها عايزين منوم جامد، يعني نطفحولها عشان تتخمد. درية: مهي البت أصلاً قاطعة النفس.
رقية: بصوا لنا، مش هافضل أعيد وأزيد، هانلقحلهم البت بس وهي متخدرة عشان ميحسوش باللي فيها، لحد ما ناخد عيالنا. رفعت: طب مهي لما تفوق هايعرفوا، وكمان شعرها اللي جزيتوه. رقية: شعرها طرحة تغطيه، لما تفوق يحلها الحلال، إحنا خلاص خلصنا ورق الشركة، اسمع انت كلامي، وعيالك هايرجعوا لحضنك من تاني. وبصت لرفعت بمكر قدر يقرأه رفعت كويس، ابتسم بخبث هو ومراته وسكتوا.
وتاني يوم راحت رقية المحكمة وهي واثقة إنها متراقبة، وخلصت بعض الإجراءات اللي امتدت أكتر من خمس أيام متواصلة. رفعت ساكت، ورأفت هايتجنن على عياله، وكل يوم ينزل يلف في الشوارع والأقسام. رأفت رجع زي كل يوم مكسور وحزين، طلع شقة أخوه. رفعت: ادخل، ادخل. دخل وترمى على الكنبة وحط رأسه بين إيديه وبحزن ووجع السنين: وبعدين يا رفعت؟ شايفك قاعد وحاطط إيدك في المية الباردة ولا كأن المخطوفين دول عيالك. رفعت بهدوء: وأنا هاعمل إيه؟
رقية أختك مش ساكتة، وكل يوم تلف على الأقسام، وأنا مكلف طوب الأرض، وأديك شايف دلال من يوم اللي حصل وهي قاعدة هاتتجنن. رأفت بحزن: معلش، بس أديك شايف اللي إحنا فيه. أنا فعلاً شفت بنت خالتها هنا من كام يوم، وكنت فاكر أسألك بس اتلهيت. رفعت بلع ريقه بصعوبة: آه، تعبت واغمي عليها، وبعت جبت بنت خالتها بدل بهدلة المستشفى. رأفت هز راسه: عندك حق، بلاش نتشتت، كفاية اللي إحنا فيه وحرقة القلب دي. رفعت: عندك حق.
رأفت قام: لو في جديد بلغني، وأنا بردوا مش هاسكت، كل يوم هأفضل ألف، ربنا يرجعهملنا يارب، أنا مش حمل حرقة قلب تانية. رفعت: قصدك إيه؟ رأفت بص له وسكت: مقصديش. وسابه ونزل. خلصت رقية الإجراءات كلها والورق ورجعت، تاني يوم جالهم اتصال على التليفون الأرضي. رقية: الوجابر. جابر: دريت إنك خلصتي، ها يا حلوة؟ رقية بغيظ: خلصت، بس مش هاسلمكم البت إلا لما نستلم العيال الأول. جابر بضحكة عالية: هأ، ليه شيفاني هفأ؟
عدم المؤاخذة، سلم واستلم، البت تيجي تستلموا العيال مجاتش، مفيش. رقية: ماشي، أمتى؟ جابر: هأبلغك، بس قريب، قريب أووووي. يومين ورقيه على أعصابها، ومبلغتش رفعت بأي حاجة. رفعت: ها يا رقية؟ رقية بمراوغة: معلش يا رفعت، بخلص الورق، إنت عارف الإجراءات، أول ما تخلص ربنا يسهل، بس متنساش اللي قولتلَك عليه، فاهم؟ رفعت: أنا خلصت أصلاً كل حاجة، مستني بس على رجوع العيال. رقية: كده تمام. وتالت يوم اتصل جابر.
جابر بتريقة: أيوه يا سنيورة، جهزي البنت، وفي عربية قدام البيت تيجي بطولك. رقية: ماشي، بس أي حركة غدر أقسم بالله. جابر بحدة: كملي، وأنا أحسرك، وأعرف أجيب البت من قلب البيت لو عايز، عواء ولا لبش كنت عملته، مش حرمة اللي هاتهدني، فاهمة يا ولية؟ خلاصة القول، تجيبي البت وتيجي بطولك. وقفل السكة في وشها. رقية لبست بسرعة وطلعت تجري على شقة رفعت. درية: إيه في إيه؟ بتخبطي زي المخبرين؟
رقية: اخلصي، مش وقت رغي، جهزي البت، جبتي اللي قولتلَك عليه من بنت خالتك؟ درية: أيوه. وطلعت إزازة من صدرها. رقية: بصتلها، بيتعمل بيها إيه دي؟ درية: بتتحط على منديل وتشمه، هاتتهبب تنام ومش هاتقوم إلا بعد كام ساعة. رقية: حلو، وحلني بقى على ما تفوق، وأهو الكام يوم اللي فاتوا وشها خف من الشلفطة اللي كانت فيه. يلا خلنا نلحق أم داه.
دخلوا على هنا اللي لسه وضعها شارد في ملكوت ربنا، وحطت المنديل على وشها وثواني وكانت راحت في دنيا تانية. رقية: لبسيها بسرعة أي جلابية، وكويس إن رفعت مش موجود، وحطي طرحة على راسها. درية: ماشي. ولبست هنا بسرعة. رقية: سنديها معايا ننزلها تحت، وإنتي اجهزي، ولما جوزك ييجي قوليله رقية بتقولك على ميعادنا، وهو هايفهم. درية: قصدك إيه؟ إنتوا بتخططوا وتداروا عليا؟ رقية: مش وقتك يا أختي، اخلصي، مش عايزين حد يشك فينا.
مشافوهمش وهما بيسرقوا، وسمعوهم وهما بيتقاسموا، اخلصي. وسندت هنا ونزلت، كانت العربية قدامهم، ركبت رقية ومعاها هنا، واتحرك السواق لحد ما وصلوا على منطقة مقطوعة. وقف العربية ونزل. جابر: ها، تمام؟ حوكشة: تمام يا معلمة. جابر: البت فين؟ حوكشة: في العربية، بس باين عليها مسروقة. جابر: قلم منطور. وفتح العربية. وبص على هنا ورجع بص على رقية بشر: البت مالها؟
رقية بهدوء قدرت تتصنعه: متخدرة عشان متصوتش وتفرج علينا الناس، تقدر تتأكد إنها عايشة بنفسك. جابر قرب من هنا وحط إيده عند مناخيرها، لقاها بتتنفس، اطمن وشال البت. رقية: العيال فين؟ جابر: حط هنا على كرسي جنبه وشاور لرجّالته. جابر بعنف: انزل. رقية: ليه؟ جابر: مش عايزة العيال، هاتنزلي من العربية دي، هاتركبي العربية اللي هناك. وشاورلها على عربية تانية. رقية: ليه بردوا، والعيال فيين؟
جابر: في العربية التانية هاتخدكم وترميكم في أي مقلب زبالة يليق بيكم. نزلت بخوف وترقب لحد ما ركبت العربية التانية، شافت العيال موجودين، متكتفين ومكممين ومتغميين. رقية: خدت نفس واتنهدت براحة: إنتوا كويسين؟ سراج ركز في الصوت وهز رأسه. رقية: معلش يا حبيبي، كلها شوية ونرجع لبابا وماما. ووصلهم السواق عند أول منطقة عمار ونزل رمى العيال، ومعاهم رقية، واختفى تاني بالعربية. رقية بسرعة ولهفة فكت العيال. مهدي: عمتو مين دول؟
وحضرتك عرفتي طريقنا إزاي؟ رقية: مش وقته، خلينا نتحرك من هنا الأول، وبعدين أفهم براحتك. رقية وقفت تاكسي وركبت بسرعة وكلت السواق العنوان. رهف: عمتو، ده مش عنوان بيتنا. رقية: بابا وماما مستنيينا هناك عشان نرجع بيتنا. جابر بعت خبر لهارون. هارون جه بلهفة وشوق: هي فين؟ جابر شاورله على المكان: جوه، متخافش. شق الباب، دخل قرب منها وحضنها. هارون بإستغراب: هي مالها مبتردش ليه؟ جابر: متخدرة، خافوا لتفضحهم.
هارون: والنبي فوقها، عايز أطمن عليها. جابر: تؤمر. وشاروا لواحد من رجّالته، قرب من هنا ورش على وشها حاجة. دقايق وهنا فتحت عينيها، بس باصة للفراغ. هارون: هنا، هنا يا أنا، هنا. هنا على وضعها، مالك؟ أنا هارون، بصيلي. وبدأ يهز فيها جامد: عملوا فيكي إيه؟ طمنيني، طمني قلبي اللي هايقف. من كتر هزه فيها الطرحة وقعت. هارون: عينيه برقت. هما هما اللي عملوا فيكي كده. وبص لجابر بكسرة: عملوا فيها إيه؟ جابر: اجمد، اومال متبقاش خرعة.
هارون: أذوني فيها، دبحوا روحي بأذيتها. جابر: ولا تعتل هم، ويمين الله لبعت أجيبهم لك متعلقين زي دبيحة العيد. وشاور لرجّالته: عايزكم تجيبوا كل اللي في البيت، كبار بصغار، قدامي، عايز في ظرف ساعة زمن يكونوا مرميين تحت رجلي. تحركت الرجالة بسرعة البرق ينفذوا أمره. هارون: هي مبتردش ليه؟ جابر فهم حالتها من شكلها: شكلها شربت المر كاسات لما ارتوت، أختك محتاجة دكتور أو مستشفى. هارون هز رأسه: أيوه، عندك حق.
جابر: اهدا عشان لما بتتعصب عقلك بيوقف، لازم تخلي عقلك شغال. يلا شيل أختك نروح بيها المستشفى، أنا أعرف مستشفى كويسة وليا هناك حبايب. هارون بص له بمعنى: واللي جايين؟ جابر: متخافش، هتلاقيهم مرميين لحد ما نطمن على أختك الأول. وشال أخته وركب مع جابر. نهاية الفلاش باك. هارون
وعينه لسه باصة للفراغ: يومها الدكتور قالي إنها اتعرضت لتعذيب شديد وصلها لمرحلة انفصال ذهني. مفهمتش كلامه. قالي إن رحمة ربنا بيها إن عقلها فصلها عن الواقع اللي بتعيشه، لأنها لو كانت فضلت بعقلها وسط التعذيب ده كانت اتجننت وما كانش وقتها هايبقالها علاج. حسام بصدمة ودموعه نازلة: واعمامك عملت معاهم إيه؟ هارون غمض عينيه: كانوا فص ملح ودابوا. لقيناهم بايعين البيت وكل حاجة واختفوا. يومها خدت أختك وهي بين أيادي رب كريم.
المعلم جابر يومها قالي: جابر: مينفعش تفضل في العشة دي، إنت وأخواتك، وخصوصاً إننا منعرفش أولاد الابالسة دول فينه. هارون بشر: قصدك إيه؟ جابر: تاخد مكان غير ده. هارون: اللي جاي من الشغل مع المعاش يدوب بيكفي، يكفي كمان. جابر: أختك لازملها علاج، وده عايز فلوس، والمكان اللي إنت فيه لبش وعواء. هارون بزعيق: أعمل إيه بإيدي إيه؟ أعمله وأنا أعمله. جابر: عايزك راجل من رجّالتي.
هارون: يفتح الله، ماليش في الشمال، ولا هاصرف على إخواتي من مال حرام، ولا أشيل ذنب أنا مش قده. جابر: وماله، نخليك يمين. هارون بإستغراب: يمين؟ هو شغلك فيه يمين إزاي، لامؤاخذة يعني؟ جابر برفقة حاجة وابتسامة بسيطة تنم عن شر: شغلنا فيه كل حاجة، في اليمين والشمال، وفيه اللي بيحب يحود يمين شوية ويحدف شمال شوية. هارون: وإيه بقى الشغل اليمين اللي عندك؟ جابر: هاتلم الوارد من النباشين وتحاسبهم. هارون: مين دول وبيعملوا إيه؟
جابر: دول بقى يا سيدي، بيدوروا على الزبالة. هارون بصدمة: بيلموا زبالة؟ جابر بفخر: ياض، الزبالة دي الكنز المرمي، آآآهدي، كلها خيرات، بلاستيك، كرتون، صاج، طب ده حتى الحوء بتاع الكولا لما بيتباع وليه سعر وتمن. هارون بصدمة: الزبالة؟ جابر: آه، اومال إيه؟ هارون: وإنت بتعمل بيها إيه بقى؟
جابر: سكتها طويلة. أنا بأخدها منهم بملاليم، وبتتفرز كل حاجة لوحدها، وفي تاجر بيشيلها ويبعتها بلاد بره، وفيه اللي بيشيل منها في مصر، بتتسيح وبيتعمل منها حاجات كتير، مش شغلتي أنا، شغلتي نفع واستنفع. طب ده حتى الأكل اللي مرمي في الزبالة بنشيله. هارون بصدمة: نعم؟ جابر: أيوه والله، زي ما بأقولك كده. هارون: وداه بتعملوا بيه إيه؟ بتصنعوه من جديد؟
جابر: هأو، لا يا حدق، ده بقى بياخدوه الجماعة اللي، عدم المؤاخذة، اللي بيربوا الخنازير، أصلها بتعيش وترعى ع الزبالة. هارون بصدمة من العالم اللي بيسمعه. جابر: ها، قولك إيه؟ شغلانة يمين اليمين وقرشها حلال. هارون: موافق. جابر: يبقى استبينا من الليلة، تبات في ضيافتي إنت وأخواتك، ومن بكرة هألاقي لكم مكان كويس.
هارون برفض: لاء، أنا إخواتي مع عم أيوب، وأنا هأفضل مع هنا، ومن بكرة هأطلع معاك الشغل لحد ما أجمع قرشين وأقدر أجيب شقة كويسة، إن شاء الله حتى أوضة وصالة. جابر خبط على كتفه: خلاص، بخاطرك، واللي يلِد عليك اعمله، وأنا بردوا في ضهرك. هارون بتنهيدة طالعة من جوفه نار: واشتغلت مع جابر، وفضلت مكمل في المعمار مع عم أيوب طول النهار، وآخر النهار أروح أطمن على هنا وأرجع أروح شغلي في تجميع الزبالة والخرده، وقدرت أجمع مبلغ مش بطال،
وكمل بتهكم: وخدت الشقة اللي في بولاق ونقلتكم معايا، كانت على البلاط، وفضلت أعافر لحد ما بقيت أجيب حاجة حاجة، كل ما ييجي معايا قرش بقيت أجري أشتري اللي ناقص، وفضلت ألف بأختك على الدكاترة، وفين وفين لما ربنا كرمني وكرمها ورجعت وعيت للدنيا من تاني، حمدت ربنا وشكرت فضله، بس الدنيا كمان استكترت عليا الراحة، بقينا مطمع للناس في الراحة والجاية، ما إحنا عيال يتامى وملناش لا ضهر ولا سند. يومها حلفت ميت يمين لأحميكم، ولو كان
التمن روحي، وبقى كل اللي يفكر بس يبصلكم، كنت بأعلم عليه، وبقيت بلطجي عشان أحمي الباقي منكم، وفضلت اشتغل والمصاريف بتزيد، مبقتش عارف أعمل إيه، نزلت الشوارع واتلتمت، وبقيت ألم زبالة وبقيت ببيعها للمعلم جابر، والشهادة لله، الراجل كان بيحاسبني زي ما بيحاسب تاجر الجملة اللي بيشيل منه، وفضلت سنين لحد ما بالصدفة وأنا معدي في حتة هاي هاي أوي من بتوع الناس العليوي، لقيت مطعم معلق يافطة مطلوب عمال، قولت وماله، ياض جرب، وياصابت
يا خابت، وقدمت ورميت تكالي على الله، وربنا كرمني واتقبلت، وساعتها قولت لعم أيوب إني مش هأقدر على تلات شغلانات وأراعيكم، والراجل كتر خيره وافق ودعالي، واشتغلت هناك، وكان المرتب مع البقشيش، مع الزبالة اللي كنت باخدها من المطعم وبواقي الأكل كنت بأشيلهم على إني هارميهم وأروح أفرزهم وأبيعهم للمعلم جابر، لحد ما كبرتوا واتعلمتوا، وبقيتوا بتستعروا مني، بتعيدوا الزمن تاني، أحمد تاني وقصة جديدة.
وقام منطور: بس لاء يا أولاد المالكي، أنا مش هافيه عشان أغلط غلطة أبوكم اللي لازمة حياتي، أهلاً بيه فيها، واللي مش لازمه، الباب يفوت فيل ويروح يشقى بروحه، منا مش هأبيع عمري وأشتريكم، وإنتوا بايعيني. وكمل بشخطه وصوت عالي: ها قولتوا إيه؟ معايا ولا كل واحد يشقى بروحه؟ هنا قامت ومسحت دموعها: معاك يا هارون، يا أبويا وأخويا وضهري وسندي، اللي حميتني بروحك. وبصت لجنى وحسام اللي مصدومين من كل اللي سمعوه. جنى قامت ورأسها
في الأرض ووشها مليان دموع: أنا آسفة، أنا كنت باجي عليك كتير وإنت كنت بتستحمل كل حاجة عشان. هارون مسك وشها بين إيديها ورفع راسها: اخت المعلم هارون تفضل طول عمرها رأسها مرفوعة. جنى بدموع: مش زعلان مني؟ هارون: إنتي بنتي، تربية إيدي، لو عايزاني أفرح، فرحيني بنجاحك، وكبري وحققي حلمك وحلمي وحلم أبوك وأمك الله يرحمهم، وأنا هأفضل في ضهرك طول عمري لحد آخر نفس فيا.
جنى رمت نفسها في حضن هارون، ضم أخواته، كل واحدة في دراعه، وعينه على حسام. حسام بعد تفكير وقف من على الأرض: طول عمري كنت بأستغرب، بحسك اتنين، مثقف وجاهل، طيب وشرير، عصبي وهادي، عرفت دلوقتي السبب، كل اللي مريت بيه ما كانش سهل. هارون بتنهيدة: لو كان اللي دفعتُه تمن راحتكم وأمانكم، هأدفع قده عشر مرات، لو كانوا خيروني بين أذيتي ووجع هنا، كنت اخترت أتأذى ومحدش يمس طرفها. حسام بشر: ناوي على إيه معاهم؟
هارون بحدة: إنتوا بره الليلة دي، الحوار ده يخصني أنا، وأنا كفيل بيه، ومحدش يفتح سيرته تاني، اتدفن هنا بين الحيطان دي، ومن أول ما نخرج محدش حتى يفكر يجيب سيرة بينه وبين نفسه، لو عايز ترجعلي حقي من الدنيا، تنجح وتكبر، عشان لو جرالي حاجة، تعرف تسد مكاني. هنا وجنى وحسام في صوت واحد: بعد الشر عليك. هارون: يلا عشان نروح، المكان هنا بالليل لبش.
وخد أخواته وطلع من العشة في طريقه لبيته، بس المرة دي غير كل مرة، المرة دي براحة لهارون، وكأنه أخيراً ارتاح من هم الماضي. هنا اللي الوجع رجع يتجدد عليها من تاني، وكل ذكريات الماضي بترجع. جنى اللي مصدومة، وسؤال واحد بس في دماغها هي وحسام: ليه؟ ليه عملوا فيهم كده؟ هنا يتسحقوا منهم كده؟ فيه أهل ممكن تكون ظالمة بالشكل ده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!