الفصل 6 | من 45 فصل

رواية البلطجي الفصل السادس 6 - بقلم ولاء حامد

المشاهدات
22
كلمة
4,154
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

طلع رفعت شقته وقفل الباب وهو بينفخ. درية بأسلوب ردح مبطن: مالك يا اخويا؟ طالع قفاك يقمر عيش وودانك مدخنة. رفعت بحده: درية، وبعدين أنا مش كل يوم التاني هادخل في مشاكل مع أخواتي من تحت راسك. لو فضلتِ على الحال ده، هانوصل أما للطلاق أو الشارع. درية بتحويل سريع في أسلوبها: اهدا كده يا آيو سراج وفهمني، الله لا يسيئك. يا حبيبي، أخوك عمل إيه وقولتو إيه علشان أفهم.

رفعت اتكب زي الجردل: رأفت قلب الآية عليا بسببك، وإن كل يوم تعمل لي مشكلة وأنا أبرر وأقول مش قصدها، لحد ما شحن أحمد ضدي. وأحمد عشان ميزعلش حد مننا، قال إنه هايعمل شبابيك حديد مبطنة بسلك على المنور وهايعمل تندة، وقاله يدفع تمن اللبس اللي باظ، بس رأفت مرضيش. وأحمد سمعني كلمتين في عضامي من تحت لتحت. درية بزعيق: وأخوك ليه إيه يسم بدنك ويقولك تعمل ومتعملش؟ رفعت بنفس سخريتها: ليه البيت اللي حضرتك بتبرطعي فيه؟

ليه المصروف اللي بيتبعتلك كل شهر؟ ليه إنه اتكفل بجوازي وولادتك اللي كلفت هي والسبوع قد كده؟ ليه لبس ابنك اللي دفع تمنه ولسه هايعمل زيه مع رأفت، ولسه الدور على رقيه بدل ما يدبسنا في جهازه؟ درية بتحول وكأنها بتتك على زرار من وضع لوضع: امممم، قولتلي؟ يعني أحمد أخوك بقى هو ولي النعم.

رفعت: مش بالظبط. أحمد اللي اتولى تربيتنا بعد موت أبويا، وكبرنا وعلمنا وعمل المستحيل عشاننا. أحمد بيعتبر نفسه أبونا مش أخونا. علشان كده بقى بقولك اتقي شر أحمد، لو صبره نفد محدش ها يقدر يقف قدامه. ومتنسيش إن البيت بيته وبإسمه، يعني محدش ها يقدر يتكلم ويقول بم. فهمتي يا أم مخ ضلم؟ درية بتفكير شيطاني: اممم تمام تمام. رفعت: هو إيه اللي تمام تمام؟

درية: عرفت دماغ أخوك كده، وعرفت إزاي أكسبه في صفنا لحد ما يبقى خاتم في صباعنا. اصبر عليا بس واتفرج. من هنا وجاي مهايبقاش على الحجر غيرنا. ومرت الأيام ودرية هدت الجو تماماً وبطلت مشاكل، وبدأت تكسب ود أحمد. أحمد رجع البيت بفرحة وطلب من أخواته ينزلوا ضروري. رفعت ودرية ورأفت ودلال ورقيه. أحمد بابتسامة أب: أنا جمعتكم انهارده عشان عندي خبر ليكم يسوى الدنيا. رافت: خير يا أبو حميد.

أحمد: رقيه كبرت وبقت عروسة زي القمر، والعرسان بيدقوا الباب عليها. رقيه اتكسفت ووشها احمر. دلال بهمس: إيه يابت مالك قلبتي زي حباية الأوطة كده. رفعت: مين العريس وابن مين يعني عشان تفرح الفرح ده كله؟ أحمد بهدوء: الأستاذ عماد عبد الراضي. رفعت بتذكر: حاسس إني سمعت الاسم ده قبل كده، بس فين مش فاكر.

أحمد: هو مدير شؤن قانونية في الشركة اللي بتشتغل فيها رقيه. شافها وعجبته، وعرف إنها من بيت محترم، والراجل شهادة لله محترم، ودخل البيت من بابه. وأنا قولت انتوا أخواتها ورجالتها. درية بلسان بينقط سم: مديرها قولتلي؟ تلاقيه عجوز ومكحكح وعايز ممرضة، أصل إيه اللي هايخلي واحد ماسك منصب أوبها زي ده يبص يعني لامؤاخذة لرقيه؟

أحمد بحده: رقيه ست البنات، وأنا أختي مش رمية ولا قليلة عشان أرميها لراجل عجوز. اطمني وطمني بالك يا أم سراج، الراجل شاب ومركز، الله أكبر، وأكبر من رقيه بحوالي خمس سنين، والراجل دوغري وجد في شغله ووصل لمكانته بتعبه وعرق جبينه. عندك كلمة حلوة تقوليها؟ سمعينا. معندكيش؟ ابلعيها في جوفك واسكتي. درية بلوع: يقطعني، والله يا سي أحمد، مكان قصدي. أنا خفت على رقيه، دانا بعدها أختي بالمظبوط. أحمد بخنقة: صادقة، صادقة يا أم سراج.

وبص لإخواته: وانتوا رأيكم إيه؟ رافت: ييجي ونشوفه ونسأل عليه، واللي فيه الخير يقدمه ربنا. رفعت: وأنا من رأي أخوك، بس بردوا لازم نعرف ظروفه، لحسن يدبسنا في شوارها. كله آه، مهو لازم يكون سداد قبل ما يدخل بيوت الناس. أحمد قام منكور وبصوت عالي حاد: أمور الفلوس دي وشوار أختك ميخصش حد منكم. ورقيه ليها أكتر ما ليكم. ولما أخبط على باب واحد منكم وأقولك عايز جنيه لجهازها، يردني. رأفت بص لرفعت بلوم: كلام إيه ده يا أحمد؟

رقيه طبعاً أختنا وعنينا ليها. رفعت قصده السكن وحياتها معاه. رقيه طول عمرها دلوعة وسطنا، وخايف من بهدلته. رفعت: أيوه يا أحمد، أنا بس جايز خاني التعبير. أحمد اتنهد بخنقة: خلاص خلصنا. أنا حددت ميعاد مع الراجل يوم الجمعة، واللي فيه الخير يقدمه ربنا. ومرت الأيام وتم التعارف وانخطبوا. وخلال فترة الخطوبة أحمد كان بيعمل كل ما في وسعه عشان يجهزها أحسن جهاز. ورقيه كل يوم بتطلب أكتر من اليوم اللي قبله، وأحمد بيقول حاضر وبس.

واتجوزت أخيراً وسط فرح كبير، والكل حاكى واتحاكى بيه. رجع أحمد بعد الفرح وفضل يبص في الشقة، وكل ذكرياته بتتعاد يوم بيوم قدام عينيه. أحمد قعد وشرَّد مع نفسه: العيال الصغيرين كبروا. اتجوزوا، وانت اللي فضلت الدنيا صفصفت عليك يا أحمد. يا ترى هايفكروني ولا هاتنسي؟ وابتسم: ربنا يسعدك يا بنت قلبي وعمري، ويكون لكِ الزوج الصالح، وتكون جوازة السعد والوعد.

ومرت الأيام والكل انشغل في حاله، ونسيو أحمد. مبقاش حد بيفتكره إلا آخر كل شهر عشان ياخد الشهري. أحمد صحي من نومه تعبان وهمدان وجسمه مكسر، وفضل راقد في السرير. السخونة بتاكل في جسمه، ومحدش طول النهار فكر يتصل بيه. اتحامل على نفسه ودخل الحمام، خد دش بارد يحاول يهدي بيه السخونة. خد دش وهو قاعد على الأرض من التعب، ومحدش حاسس بيه. طلع بالليل يتسند على الحيطان عشان يوصل الصيدلية ياخد أي حاجة للسخونة. وبعد صعوبة قدر يوصل.

الصيدلي: خير يا أستاذ. أحمد: عضمي كأنه مكسر، وفي إبر بتنغز في جسمي ومش قادر أقف. الصيدلي: حط إيده على جبهته. حرارتك مرتفعة. طيب البلع؟ أحمد وعينيه بتغمض: مش قادر أبلع ريقي، كأن في شوك في حلقي. الصيدلي: تمام، هادي لحضرتك إبرة مضاد حيوي وخافض حرارة ومسكن. والأفضل تريح جسمك كام يوم وتاخد سوايل دافية باستمرار. والأفضل تاكل دلوقتي عشان الإبرة متعملكش هبوط. أحمد هز رأسه بموافقة.

الصيدلي جهز الإبر وعطاهم لأحمد، ودفع حسابهم ومشي. وقف تاكسي. سواق التاكسي: على فين يا باشا؟ أحمد: على الحسين يا أسطى. مطعم... السواق: عنيا. أحمد سند رأسه على الشباك وجسمه بدأ يعرق جامد. السواق بخوف: يا باشا، يا باشا. أحمد فاق وهو مدروخ: خير يا أسطى. وصلنا؟ سواق التاكسي: لاء لسه شوية، بس لقيتك روحت في دنيا تانية. خفت ليكون جرالك حاجة، الله لا يقدر. أحمد هز رأسه بتعب: لا لا، أنا كويس. سواق التاكسي: كويس فين!

دانتا حالك بالبلا. أحمد: كمل إنت بس، وأنا شوية وهابقى زي الفل. متقلقش. سواق التاكسي سطت وهز رأسه بقله حيلة. وصلوا الحسين وأحمد حاسبه ونزل. والدوخة بدأت تاخد من جسمه. وفضل يعافر مع نفسه لحد ما خلاص جسمه أعلن استسلامه ووقع في الشارع. بنت شافته وهو ماشي يطوح. في الأول افتكرته سكران. ولما قربت شافته تعبان. طلعت تجري. ولما لقيته اترمي في الأرض صرخت بصوت عالي: ياناس يا هو يا خلق! حد يغيثني! الجدع قاطع النفس.

قربت أكتر من راجل والناس بدأت تتلم حواليه. "في إيه يا صابرة؟ صابرة بخوف وقلق: والله علمي علمك يا أخويا. أنا شوفته بيطوح لحد ما طب من طوله قاطع النفس كده. واحد من الواقفين: تلاقيه مدهول على عينه. صابرة: لا شكله تعبان. الجدع عمال يشلب في ميه لحد ما هدومه تتعصر عصر. قرب من لمتهم راجل كبير وقور: في إيه يا جماعة؟ ملمومين ليه كده؟

صابرة: الجدع ده وقع من طوله وقاطع النفس، والكل عمال يحكي ويتحاكي ومحدش اتحرك حتى ياخده الأجزخانة ولا المستوصف. والكل عمال يحكي ويعيد ويزيد. رمضان قرب منهم واتخض: يالهوي! أحمد! ونزل على ركبه بسرعة وحاول يخبط على وشه: أحمد يا أحمد! فوق يا ابني الله لا يسئك. صابرة باستغراب: انت تعرفه يا عم رمضان؟

رمضان بلهفة: أيوه يا بنتي. ده ده أبوه كان حبيبي الروح بالروح، الله يرحمه. وهو كان زميلي في الشغل لحد ما طلعت معاش. حد يسنده معايا. صابرة: طيب ندخله المكتبة لحد ما يفوق. رمضان: لا يا بنتي، تشكري كده ولا كده. البيت فركة كعب من هنا. صابرة: ماشي يا عم رمضان. خده وأنا هااسك المكتبة وجاية وراك. سنده رمضان وكام واحد معاه لحد ما وصلوا البيت، ودخلوه جوه.

رمضان: تشكرو يا رجالة. بس الله يخليكم، حد ينادم على الدكتور اللي في الصيدلية اللي تحت ييجي يشوف ماله. صابرة نزلت الباب الصاج بسرعة وراحت ورا عم رمضان تشوف إيه الحكاية. رمضان فضل مستني كام دقيقة. كانت وصلت صابرة وبعدها دكتور الصيدلية. رمضان بلهفة: والنبي يا ابني تعالي شوف ماله ده، قاطع النفس. الدكتور دخل بسرعة وبدأ يشوفه، وعشر دقايق وكان خلص. رمضان: ها يا ابني؟

الدكتور: اطمن يا راجل يا طيب. هو شكله واخد دور شديد وعمله حمى. رمضان بقلق: طيب ناخده المستشفى ولا حتى المستوصف الكبير على أول الشارع. الدكتور: لاء خالص، مش مستدعيه. هو شكله واخد إبرة مضاد حيوي قوية شويتين، بس شكله مأكلش، فهبط منها. عايز بس غذا وراحة وسوايل دافية، وهايبقى زي الحصان. أنا فوقته بس مدروخ عشر دقايق ولا حاجة، ويكون فاق خالص.

رمضان اتنهد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول الله. الله يطمن قلبك يا ابني. معلش عطلتك. مشي الدكتور ورمضان نادى: يا أم محمد. طلعت ست كبيرة في السن: أيوه يا أبو محمد. رمضان: طلعي فرخة من عندك واعملي عليها شوية شوربة بسرعة أوام، الله يخليكي. أم محمد: من عيني. بس لمين؟ وبصت على صابرة. عاملة إيه يا بت؟ كده يا واطية متسأليش على خالتك أم محمد. رمضان: يا ولية شهلي، وبعدين ابقوا ارغوا براحتكم.

أم محمد بقمصة: طيب طيب. دايماً كده مكسر مقاديفي. يا ساتر. ربع ساعة وكان أحمد فاق. أحمد بتعب وهو بيحاول يسند نفسه: آآآه. أنا فين؟ رمضان: حمد الله على السلامة يا ابني. كده وقعت قلبي وأنا راجل كبير. أحمد بابتسامة بشوشة واستغرب في نفس الوقت: معلش يا عم رمضان، بس أنا إيه اللي جابني هنا؟ رمضان: أنا اللي أسألك، إيه اللي جابك من الشرابية للحسين وانت في حالتك دي؟ أحمد بتعب: والله غصب عني. الحمد لله. دخلت صابرة

وهي شايلة صينية الأكل: ها يا عم رمضان، فاق؟ رمضان: أيوه يا بنتي، الحمد لله. أحمد بص على الصوت، شاف بنت. إيه في الجمال! عينين زرقا وبيضا زي القمر، لابسة جلابية خروج سودا وحجاب. افتكر العينين دي كانت آخر حاجة شافها قبل ما يغيب عن الدنيا. خد منها رمضان الأكل. صابرة بهدوء: حمد الله على السلامة. يلا يا عم رمضان، فوتك بعافية. أروح أشوف أكل عيشي، ما دام الحمد لله الجدع بقى بخير. رمضان: ماشي يا بنتي. رمضان قعد قدامه

وحط صينية الأكل على رجليه: يلا، لقمة تسند قلبك، وبعدين نتكلم. شكل الحوار طويل. أحمد برفض: كتر خيرك لحد كده والله يا عم رمضان. رمضان: بطل بطل، يلا كل الأول عشان اللي شايفه في عينيك لا يسر عدو ولا حبيب. كل أحمد تحت إصرار رمضان: أحمد: كفاية بالله عليك، والله بطني اتملت. رمضان: طيب ريح جتتك، وبكرة يحلها الحلال. بكرة. أحمد: رمضان: مينفعش والله، وبكرة عندي شغل، منتا عارف.

رمضان بحسم: ولا شغل ولا دياولو. أنا بكرة بمشيئة المولى ها أقدم لك إجازة. أحمد بحرج: مينفعش، الجماعة ميبقوش على راحتهم. رمضان بضحك: كتك إيه يا أحمد؟ جماعة مين يا ابني؟ أنا في البيت بطولي، أنا وخالتك أم محمد. العيال، كل واحد اتجوز وعايش مع نفسه. بييجوا كل يوم جمعة ودمتم. أحمد بحرج: بس يعني. رمضان: ولا بس ولا مبسش. يلا يا راجل، ريح، والصباح رباح.

مر الليل وأحمد التفكير هايقتله. ده محدش سأل عليه طول النهار، ومن كتر التعب نام من غير ما يحس. صحي الصبح وهو مقرر يمشي. عم رمضان خبط بالراحة على الباب. شاف أحمد بيظبط الفرشة. رمضان: بتعمل إيه؟ أحمد: ها توكل بقى على الله. معلش. رمضان: وكتاب الله لا يحصل ولا يكون، عيب عليك. ولو على الشغل، أنا روحت بدري وقدمتلك إجازة، ولقيت ماشاء الله رصيدك يكفي ويفيض. طلعوا مع بعض الصالة، والباب خبط. فتح عم رمضان.

صابرة: افتح الضرفة دي قبالي الله يسترك وخد منير. رمضان فتح الباب ودخلها ونزل الصينية من على راسها. صابرة: أنا قولت أجيب لكم لقمة ليكم وللضيف اللي عندكم قبل ما أتوكل على الله وأروح المكتبة. رمضان: طيب ما تقعدي تاكلي معانا لقمة. صابرة: تسلم يا عم رمضان، انتا عارف أنا بفطر من النجمة. سلملي على خالتي أم محمد. يلا فوتكم بعافية. مشيت صابرة وشد رمضان أحمد وقعدوا ياكلوا. أحمد بفضول: مين دي يا عم رمضان؟ رمضان: دي صابرة.

وتنهد وكمل: وهي صابرة يا ابني، اسم على مسمى. أبوها محروس الجوهري كان راجل ونعم. ميعظمش على اللي خلقه، ميتخيرش عنك كده. مخلفش إلا صابرة بعد طول سنين وسنين. ويشاء ربك مراته تموت بدري بدري، وكانت صابرة دي يادوب بنت كام سنة. وأبوها اتكفى عليها ورباها لحد ما بقت عروسة تشرح القلب. ومن قيمة كام سنة خبطته عربية وربك استرد أمانته. وفاتها لحالها. بس ربك والحق البت بـ ميت راجل. أعمامها وخلانها ياما ياما حاولوا ياخدوها، وهي أبداً مسابتش بيت أبويا. حتى لما حاولوا بالقانون، وقفتلهم بالمرصاد، وكمان رجالة الحتة في ضهرها.

أحمد: طيب متحوزتش ليه؟ رمضان: البت ماشاء الله ربك خلق فأحسن صورة، بس البت مطمع. إن مكنش عشان الجمال عشان المال. وهي مش راضية. أحمد: ربنا يرزقها، شكلها بنت حلال وطيبة. رمضان: أوي والله يا ابني. سيبك بقى من صابرة. إيه اللي جرا معاك؟ واخواتك فااتينك لحالك ليه كده؟ أحمد بتنهيدة: الله يعينهم يا عم رمضان. كل واحد وراه بيت وعيال، وهم ما يتلم. والدنيا تلاهي.

رمضان بتفكير: امممم. طيب وهو سؤال الكام دقيقة هايعطل المشاغل ولا هايوقف مركب الحياة السايرة؟ أحمد بتبرير: مهو بيتجمعوا كل آخر شهر ويقعدوا معايا طول اليوم. رمضان بتعقل: آخر كل شهر؟ وانتوا بينكم وبين بعض كام سلمة؟ اتنهد وكمل: بص يا ابني، مش عيب إنك تحب إخواتك وتحاجي عليهم. زمان لما شوفتك شايل هم إخواتك،

قولت: واد راجل من ضهر راجل. مجدع اللي يصون لحمه. بس لما خدت بالي، لقيتك بتيجي على نفسك أوووي. فاكر يومها أنا قولتلك إيه؟ قولتلك: مش عيب تحب إخواتك، بس تحب نفسك كمان. مش عيب تدي إخواتك، بس تعمل حساب لنفسك. عارف يا أحمد، إنت مشكلتك فين؟ مشكلتك إنك أديت بالقوي، وفضلت تدي بكل جهدك لحد ما اتعودوا إن الأخذ حق، وحق مالكش إنك تعترض عليه أصلاً. مسألتش نفسك بييجوا ليه كل شهر؟

عشان الفلوس اللي اتعودت توزعها عليهم. عملت إيه لنفسك؟ عمرك ضاع وشبابك ضاع. هما حياتهم مشيت، وإنت الوحيد اللي حياتك وقفت. هما بنوا بيوت، وإنت بتبص عليهم وفرحان. بس حد فيهم فكر فيك؟ بص يا ابني، الزمن علمني إن محدش هايفكر فيك غير نفسك. مش بقولك لا سمح الله تبقى أناني. لاء، بس كفاية تشيل شيلة غيرك. ربيتهم، كبرتهم، وصرفت عليهم دم قلبك وشقى عمرك، وضاع عمرك. أحمد بدفاع: كنت عايزني أسيبهم يا عم رمضان وهما في رقبتي؟

رمضان: لاء طبعاً، مقولتش كده ولا استجريت أقول كده. بس كان واجب يا ابني، لما عودتهم شد، كنت تخلي كل حي يشيل شيلته. إنما إنت عملت دور المضحي وحامي الحمى. ربيت وكبرت وعلمت وصرفت، وفي الآخر جوزت. وبعدين اتنسيت. يا ابني، الإسراف في العطاء يعلم الأنانية. وإنت خليتهم أنانيين أوووي أوووي. محدش بيفتكرك إلا لما يقولك: هات. الصح إن زي ما بيقولك: هات، يقولك كمان: خد. مش هات وبس. أحمد بضياع وتشتت: قصدك إيه يا عم رمضان؟

أنا قصرت معاهم؟ رمضان: لاء يا ابني، حاشا لله. إنت قصرت في حق نفسك، وربك ها يسألك على نفسك. إنت كان ليك أخت بنت، كان المفروض يوم ما كبرت وخرطها خراط البنات، كانت تشيل وتتعلم شغل البيت. بس أنا لأ، كنت مدلعه. ومحدش منهم كان أعمى على أنه يشوف بهدلتك. ومحدش في يوم قال عنك يا أخويا يا ابني: إن لبدنك عليك حق. مفكرتش كام يوم محدش خبط على بابك؟ مفكرتش إمتى ها تتجوز وتعيش وتخلف؟

ولا ناوي تفضل طول عمرك كده لحد ما تموت وينقطع ذكرك من الدنيا؟ طلعت أم محمد من جوه: يا راجل! تف من بوقك إيه؟ بوقك عامل زي البيارة الطافحة، وواخد الواد في وشك. رمضان بعصبية: بفوقه يا أم محمد! كفاية كفاية عليه أوي كده. عمره ضاع، خليه يلحق الباقي من عمره ويعيش مرة مرة من نفسه، عشان نفسه. كفاية عاش عمره عشان غيره، وياريت قدرو! لاء دول أكالين نكارين.

أم محمد بمهاودة: بالراحة على الجدع. بص عليه، وشه راح زي قشرة اللمونه الصفرا، وشرد يا كبدي في ملكوت ربه. رمضان بحده: لازم أقسي عليه عشان يفوق لروحه. لازم أوجعه عشان يخف. يا بخت من بكاني وبكى عليا، ولا ضحكني وضحك الناس عليا. أم محمد: سوقت عليك حبيبك النبي، بالراحة. داه لسه جتته مطابتش. يا واش يا واش عليه، مش تاخده كده على مشنه.

رمضان بجنون: منا سنين وسنين وسنين بقول وبفهم بالراحة والعقل. خليني أشد عليه، يمكن يفوق، ويلحق روحه. بقى أبوه الله يرحمه لو كان عايش، كان قاله بنفسه. بصي عليه، وبصي على أخواته. بيستخسر حتى تعبه وشقاه في نفسه. خليني أفوقه. ده من امبارح هنا، ولو قعد شهر مش ها يفتكروه إلا يوم القبض، لما ييجوا زي كلاب لملم عشان يمدوا ايدهم ويقولوا: هات. أم محمد بصت لأحمد بحزن وميلت راسها في الأرض وسكتت.

أحمد حس بوجع، وشريط حياته كله بيتعاد موقف ورا موقف ورا موقف، لحد ما تعب: عايزني أعمل إيه يا عم رمضان؟ رمضان بتعقل: بص يا ابني، أنا عايز منك حاجة واحدة بس. تاخد إجازة. أنا فعلاً قدمت لك على إجازة. اقفل باب بيتك أسبوع. مش كتير. لاء تفتح باب ولا شباك. وشوف ها يفتكروك فيه ولا لاء. وبعدها ها أستناك تقولي عملت إيه وقررت إيه.

محمد بعفوية عشان تفك الجو: طيب والنبي يا أبو محمد، الجدع ده حله يتجوز. ولما يبقى عنده بيت وست تاخد بحسه، تنسيه الدنيا وهمومها. وسكتت ومصمصت شفايفها: طيب والله لو كان عندي بنت ما اتجوزت، كنت جوزتهالك. دانتا تشرف البيت اللي تخطيه. وسكتت كأنها بتفكر: عارف يا أبو محمد، البت صابرة أهي دي اللي تليق بيه بحق وحقيقي، وتبقى العوض ليه وليها. عم رمضان: يا وليه، اهدي. قولي هديتا.

أحمد فضل معاهم باقي اليوم. وآخر اليوم روح بيته. وكل كلمة قالها عم رمضان بترن في دماغه. وقصادها موقف واتنين وتلاتة، وسنة واتنين وسنين. وصل البيت وابتسم لأول مرة بتهكم، وكأنه كان أعمى وفتح بعد سنين من العتمة. فضل قافل على نفسه الباب يوم ويومين وتلاتة، لحد ما مر أسبوع كامل، وباب البيت حتى مخبطش. أحمد بكسرة: ياآآآه يا ابن شافع! دانتا لو مت محدش ها يحس بيك. ها يعرفوك زييهم زي الغريب.

وكمل بتهكم: دي زرعة سنين عمري وشبابي ضاعت، وطلعت إيد ورا وإيد قدام. حسم أمره وخد بعضه وطلع من البيت زي الإعصار اللي واخد في وشه الأخضر واليابس. بس المرة دي واخد معاه الماضي، وبينضف للحاضر. يا ترى أحمد قرر إيه.... يا ترى صابرة مصيرها إيه.... يا ترى اللي جاي مخبي إيه....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...