سراج بدأ جلسات العلاج والكل أخفى عنه خبر موت عادل وعاصم علشان حالته النفسية. ورفعت مداوم على زيارته هو ودرية باستمرار. الدكتور طلب رفعت. رفعت راح له باستغراب: خير يا دكتور. الدكتور: والله يا فندم إقامة ابن حضرتك هنا انتهت لأن الحساب المدفوع خلص. لو حضرتك حابب إنه يكمل علاجه لازم حضرتك تحط فلوس تحت الحساب. رفعت ببصلة: ماشي إن شاء الله هاحط مبلغ كويس في الحساب، أهم حاجة عندي هي صحة ابني وإنه يكمل علاجه.
الدكتور: تمام مفيش مشكلة. مهدي وهو قاعد مع سراج زي كل يوم كعادته، مبتسم علشان يخفف عليه وجع جلسات الكيماوي. سراج بإنهاك وتعب: أومال فين عادل وعاصم؟ معقول مجوش لحد دلوقتي؟ مهدي وهو بيتمالك أعصابه بمعجزة: للأسف بيخلصوا ورق تبع الشركة وأنا مرضتش أبلغهم دلوقتي علشان ما يتخضوش عليك. سراج بعدم ارتياح: هو أنا ليه حاسس إنكم مخبيين عني حاجة؟ وقلبي مقبوض أوووي عليهم مش عارف ليه. مهدي
بيتحامل على نفسه وأعصابه: لأ صدقني اطمن، إنتا بس مفيش حاجة وبطل تشغل دماغك عمال على بطال وركز في صحتك وعلاجك، هما الأهم. سراج بصلة بعدم اقتناع: مش مصدقك، مش عارفة ليه قلبي بيقولي غير كده وعينيك بتكذب لسانك. مهدي بثبات مزيف: صدقني، لو عايز أتصلك بيهم بس للأسف المكان اللي موجودين فيه مفيهوش شبكة خالص، وعلشان يكلموني بيضطروا يطلعوا في مكان تاني. سراج بصلة وتنهد بعدم اقتناع.
رقية على وضعها في حالة جنونية، عايزة تروح المقابر ورفعت قافل عليها. درية بزعيق: وبعدين يا رفعت؟ أنا تعبت من أختك، وآخرتها إيه؟ هانفضل في الموال ده كل يوم صراخ وخبط على الأبواب. جبتها ليه بقى؟ كنت سيبتهالهم. أنا خلاص أعصابي باظت وكل اللي طالع عليك. امتى تفكيرك محدود؟ قولي يا أبو تفكير مفتوح. رفعت: يا غبية، طول عمرك بتبصي تحت رجليكي مش قدامك. درية بحده: قصدك إيه بقى يا سي رفعت؟
رفعت: يا غبية، رقيه دلوقتي كنز وإنتي مش واخده بالك. درية: إزاي بقى يا سبع البرومبة؟ عرفني.
رفعت: أقولك يا أم الغباء، دلوقتي رقيه عيالها الاتنين ماتوا وهي أمهم، يعني قانونًا الوريثة الشرعية ليهم. يعني الشقة بتاعت مصر القديمة ودي لوحدها تعمل بتاع أربعة أو خمسة مليون جنيه. ده غير الفلوس المتلتلة اللي كان سابها عماد لعياله في البنك، شقا الغربة وكل مستحقاته المالية في حياته وبعد مماته، حطه كله باسم عياله، خلاف عربيتهم، كل ده بقى بتاع رقيه. درية: مهي العربية متدشدشة من الحادثة. رفعت: وإيه يعني؟
تتباع خرده، مفيش حاجة بتخسر. درية بطمع: يا ابن الإيه، دماغ دي سم مصفار. رفعت: عرفتي ليه مينفعش أسيبها مع رافت علشان متنفدش من إيدي؟ سراج عايز كومة فلوس ولسه المستشفى مكلميني النهاردة علشان الفلوس اللي دفعها رافت خلصت وعايزين دفعة تانية تحت الحساب، وأنا لازم أتصرف، الحي أبقى من الميت والمجنون. درية: عندك حق، المهم ابننا دلوقتي والباقي تحت رجلينا، بس المهم ده هاتعمله إزاي؟
لأن رافت مش هايسكت، لازم تكون واخد حذرك منه، أديك شوفت بعينك كلنا اتطردنا من بيوتنا وهو اللي فضل عايش في العز بعد ما أمن نفسه كويس أوووي. رفعت: ولا يفرق معايا حد، أنا هامشي قانوني ميه في الميه علشان محدش يقول بم معاي. درية: رسيني على اللي في دماغك، محنا طول عمرنا في مركب واحد. رفعت: بصي يا ستي، أي حد من حبايبنا اللي في الشهر العقاري اللي هناك، والف مين يتمنى يخدمنا، وأخلي رقيه بنفسها تعملي توكيل عام، أخلص كل حاجة.
درية: وعلى إيه تدفع؟ منت ممكن تعمل قضية حجر وهايعرفوا إنها اتجننت ويحكموا لصالحك. رفعت: يا غبية! لو رفعت قضية المحاكم حبالها طويله ورافت وقتها هايعرف وهايوقف زي الشوكة في الزور، لأنه هايرفض وعمره ما هايقبل. درية: تصدق فاتت عليا دي! عندك حق والله، بس برضه ممكن الموظف يخاف لما يلاقي حالة أختك كده، دي مسئولية عليه. رفعت بخبث وهو بيطلع كيس من جيبه: عيب عليكي، كل حاجة معمول حسابها بالورقة والقلم. درية: قصدك إيه؟
رفعت: لما ييجي وقتها، هاتحطي قرص من الحبوب دي في أي كوباية عصير وتشربيها لها غصب عن عينها، وبعدها كل حاجة هاتمشي زي ما أنا عايز. درية بطمع: عنيا يا أبو سراج، بس شهل بسرعة. رفعت: طبعًا، أنا هابدأ من دلوقتي. مر يومين ورفعت قدر إنه يدي لرقية حبوب هلوسة، ووقعت على التوكيل وخلص كل حاجة ونقل ملكية الشقة باسمه بعد ما خلص إعلام الوراثة. مهدي وهو مقيم مع سراج، اتصلت بيه ميار وهي منهارة وخايفة. مهدي
طلع بره الأوضة ورد عليها: أيوه يا ميار، خير. ميار بعياط: الحقني، في ناس تحت بيفتحوا الشقة بتاعة ولاد عمتو رقيه الله يرحمهم. مهدي بعدم تصديق: إنتي بتقولي إيه؟ مين اللي استجرأ يدخل الشقة؟ ميار: مش عارفة، أنا شوفتهم لما سمعت صوت دربكة، فتحت باب الشقة وبصيت من مدار السلم وشوفتهم. مهدي: اقفلي وأنا جاي. أخد عربيته وساق بجنون لحد الشقة وطلع جري، خبط على الباب بجنون، وأول ما اتفتح الباب،
زقه بعصبية ودخل: انتوا مين وإزاي تدخلوا شقة مش ملككم؟ أنا هاوديكم في داهية وهالبسكم مصيبة. حسن الصفطي: أنا المهندس حسن الصفطي، المالك الجديد. مهدي بزعيق: مالك إيه ونيلة إيه دي؟ شقة ولاد عمتي ولسه ميتين من كام يوم، يبقى إزاي باعوها وهما في القبر مثلاً؟ حسن: لا حضرتك، أنا معرفش إنتا بتتكلم عن مين ولا عن إيه. أنا مشتري الشقة دي من الأستاذ رفعت. مهدي بصدمة: مين؟ حسن: أنا قولت إيه غلط؟
أنا بقول لحضرتك إني لسه مشتريها من الأستاذ. مهدي بمقاطعة: سمعت الاسم بس، بأي صفة؟ حسن: والله اللي أعرفه إنه صاحب الشقة وأنا اشتريتها وسجلتها كمان في الشهر العقاري. مهدي بلع ريقه بصعوبة: ممكن أشوف العقد من فضلك. حسن: أوي أوي. دخل وغاب دقايق وطلع ومعاه صورة العقد: اتفضل. مهدي خد العقد بصدمة، ومع كل كلمة عينه بتبرق، طلع تليفونه وصور العقد ونزل زي الإعصار، راح لأبوه الفيلا. مهدي بزعيق: إنت كنت عارف ومطبخينها سوا؟
رافت باستفهام: عارف؟ عارف إيه يا ابني؟ في إيه؟ حصل حاجة تانية؟ سراج كويس؟ مهدي: بطلوا بقى تضحكوا على عقولنا بكلمتين، إيه؟ شايفنا عيال قدامكم؟ رافت: عيال إيه وكلام إيه ده؟ في إيه؟ سايب ابن عمك لوحده وجاي هنا تزعق ليه؟ مهدي: إنت مش عارف إن أخوك عمل توكيل من عمتي رقيه وباع الشقة لنفسه، وبعدين باعها لناس أغراب؟ وأكيد طبعًا خد فلوسهم اللي في البنك، مهو السرقة والنصب طبع فيكم. رافت بعينين مبرقة: إنت بتخرف تقول إيه؟
مهدي: يا ريتها كانت تخاريف، ده اللي حصل. وفتح تليفونه: اتفضل شوف بنفسك. رافت خطف التليفون من إيده وبص في صورة العقد واتصدم، اترمى على الكرسي وهو رجليه مش شيلاه. مهدي: ها؟ صدقت؟ رافت: أصدق إيه؟ هو في إيه تاني؟ إيه؟ اتسعر بينهش في أي حد بيجي قدامه، يلا بينا. خد بعضه وطلع على شقة رفعت. نزل وطلع الشقة جري. رافت حط صباعه على الجرس مشالهاش. درية فتحت بزعيق: إيه في إيه؟ إيه يا رافت؟ خبط المخبرين ده؟
رافت زقها: هو فين النطع جوزك؟ درية وهي بتحط إيدها على الباب: في المستشفى عند سراج. زقها ودخل بصوت عالي: يا رقيه يا رقيه! درية بصوت مايع: والله معرفش يا أبو مهدي، والله راحت فين؟ كنت باخد شاور وطلعت ملقتهاش في البيت، قولت هاستنى لما رفعت ييجي وأبقى أقوله. رافت اتجنن من برودها وأسلوب كلامها، نزل بسرعة ووراه مهدي، وبدأوا يلفوا عليها ومحدش عارفالها مكان. مهدي وهو سايق وعينيه بتلتفت في كل
مكان وعينيه رغت بالدموع: رافت صعبانة عليك ولا من باب الواجب؟ مهدي بوجع: مهما كانت الظروف، الضفر عمره ما بيطلع من اللحم، وشئت أم أبيت، عمتي وأم عادل وعاصم الله يرحمهم. رافت عينيه دمعت من القهرة والوجع اللي أصبح فوق طاقته واحتماله: رافت، اطلع بينا على المستشفى، أكيد الشيطان الكبير عارف هي فين. مهدي لف وخلال ربع ساعة كان وصل المستشفى، نزل رافت بجنون زي الإعصار ووراه مهدي. أول ما شاف رفعت، مسكه من ياقة الجاكت
وبصوت عالي سمع الكل: إنت إيه يا أخي؟ شيطان! رفعت وهو بيشيل إيدين رافت من عليه وفشل: إيه يا رافت؟ إنت اتجننت؟ جاي وداخل عليا بزعابيبك؟ رافت: زعابيب صحيح؟ البجاحة ليها ناسها وإنت أساسها من ساسك لراسك، طول عمرك بجح ووسخ، بقى يا واطي بتسرق أختك وهي في حالتها دي؟ رفعت ببجاحة وعدم تقدير للمكان: كده ولا كده، أختك اتجننت، هابقى أخلص منها وأرميها في أي مصحة، إنما أنا ابني بيموت ومحتاج كل قرش علشان يخف. رافت: تاني فلوس حرام؟
تاني هتعالج ابنك بفلوس مسروقة زي ما سبق ومليت بطونهم من فلوس حرام؟ مكتفتش من الحرام اللي فات وعشت فيه طول عمرك؟ رفعت بتريقة: هو إنت ليه عايشلي دور الواعظ وعاملي فيها شيخ جامع؟ ما كلنا في الهوا سوا، ولو أنا كنت حرامي، فانتا كمان شريكي، يعني لا تعايرني ولا اعايرك، زيك زيي.
رافت رفع راسه بكبرياء: لا عمري كنت زيك ولا هابقى في يوم زيك يا رفعت، ومصاريف علاج ابنك أنا كفيل بيها، والله الغني عن مالك الحرام اللي مراعتش ربنا في أختك اللي قلبها محروق على عيالها اللي ماتوا وعقلها شت منها من كتر القهرة. رفعت: قصدك إيه؟
رافت: مش مهم قصدي إيه دلوقتي خالص، هاتبقى تعرفه بعدين. خدوا بعضكم وفلوسكم ورّوح أشقى بروحك، لأني مش هاسمح إنك تسمي ابنك باسم المال الحرام، وأختك اللي سرقتها ورميتها في الشارع أنا هاتلاقيها، بس وقتها يا ويلك مني، لأني بكده جبت آخرك معايا، وشرك اتسعر على الكل وأنا اللي هاقلبه عليك. روح حسبي الله ونعم الوكيل فيك، مش عارف ربنا هايعمل فيك إيه أكتر من كده. خسرت فلوسك ومتعظتش، ابنك بين الموت والحيا ومتعظتش، كل اللي بتدور عليه الفلوس وبس، حلال حرام مش فارقة، ماشي بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة ومش مهم هاتدوس على مين، لسه يا رفعت؟
لسه مفوقتش بعد كل ده ومكمل وساخة؟ زقه بقرف: غور، غور يا رفعت، لأني بجد قرفت منك وبقيت بلعن الساعة اللي طلعت فيها أخويا، الله يلعنك في كل خطوة يا شيخ، غور بشرك من هنا ورجلك متخطيش المكان ده تاني، وابنك انساه، أنا كفيل بيه بعيد عنك وعن شرك وعن مال عيال أختك اللي سرقته زي ما سرقت مال أخوك من قبله. زقه وهما غافلين عن العينين اللي شافت وسمعت كل حاجة. وصل الخبر لهارون، فضل وقت يفكر مع نفسه،
وفجأة قام منطور: أنا إزاي مفكرتش فيها؟ أكيد في الترب عن عيالها. خد عربيته وساق بسرعة ووصل في وقت قياسي ودخل عند قبر عادل وعاصم، لقى رقيه قاعدة وبتتكلم وبتخبط على باب القبر. نزل على ركبه وعينيه جامدة: فاكرة يا رقيه يوم ما جيتلكم، يوم تعب أمي الله يرحمها؟ يومها رميتوني زي كلاب السكك وحطيتي في إيدي خمسة جنيه، قولتيلي روح اشحت بعيد. أنا خدتها ووعدت هاييجي وقت واردها. طلع
الخمسة جنيه وفردها قدامها: عارف محتفظ بيها من 16 سنة، وأهو جه وقتها. وفتح إيديها وحطها فيها: اديني نفذت وعدي ووفيت بيه. قام وصلب طوله بعد ما نفض هدومه وسابها ومشي وكمل في طريقه بدون ما يتلفت وراه. رافت وهو قاعد في المستشفى حاطط راسه بين إيديه ومميل راسه في الأرض بحزن وهم. مهدي: اتلفت لابوه: إزاي مفكرناش إنها ممكن تكون في المقابر؟ رافت: تصدق تاهت عن بالي. طلعوا بسرعة ووصلوا المقابر، كان رقيه لسه قاعدة على وضعها.
رافت ميل عليها بلهفة: سيبتي البيت لوحدك ليه بس؟ أنا قلبي كان هايقف من الخوف عليكي، حرام عليكي، ليه بتعملي فينا كده؟ رقية بهذيان: عادل كان بيسأل عليا وعاصم يا رافت، كان زعلان. قولت أجي أشوفهم وأطمن عليهم. عارف شوفتهم مع أحمد كانوا قاعدين وبيضحكوا مع بعض، فضلت أنده عليهم مردوش عليا، وأنا معرفتش أروحلهم. شوفت شوفت يا رافت؟ العيال طلعوا براويين وأحمد خدهم مني. بص بص، هو ده بيحبك؟
قوله، قوله يرجعلي عيالي، هو بيسمع كلامك، وأنا هابيع دهبي كله كله وهادي لعياله فلوسهم. وكملت بدموع: بس والنبي خليه يرجعلي عيالي. قالتها وعينيه بتطبطب على صدرها بحرقة. رافت مسح دموعه اللي غلوشت عينيه بسرعة، ومهدي مبقاش قادر يغمض من كتر الدموع اللي نازلة تلسع وشه. رافت: طيب حاضر، تعالي بس تغيري وأنا هاكلم أحمد، قومي بس. رقية وهي باصة على القبر، رفعت إيدها اللي فيها الفلوس: شايف يا رافت؟
الخمسة جنيه اللي اديتها للواد هارون جه وادها لي، أصيل مصرفهاش. مهدي: طيب يا عمتي، تعالي بس وأنا بكرة هاجيبك. رقية زقته وفضلت تصرخ وتخبط على باب القبر: لأ محدش هياخد عيالي، محدش هايبعدهم عن حضني تاني، يا عادل يا عاصم، قوم يا حبيبي، قوم يا ضنايا. مهدي قرب منها وضغط على رقبتها بطريقة معينة، فقدت الوعي. شالوها أخيرًا وطلعوا بيها. مهدي: أنا هاوديها عند ميار الشقة.
رافت برفض: لأ، اطلع على الفيلا هناك، أأمن. لو راحت هناك وعرفت اللي حصل هاتتدمر أكتر من اللي هي فيه. على ما أشوفلها دكتور كويس. مهدي: ماشي. وصلوا الفيلا وشالها مهدي وطلع بيها لحد ما رقدها في أوضته. دلال بحزن: وبعدين يا رافت، هانعمل إيه دي؟ رافت: والله منا عارف، خلي بس بالك منها وأنا هاشوف دكتور كويس لحالتها. قطع كلامهم تليفون مهدي. مهدي: أيوه يا دكتور. الدكتور: حضرتك فين؟ مهدي: في مشوار مهم، في حاجة ولا إيه؟
الدكتور: آه، ياريت لو تيجي المستشفى دلوقتي ضروري. مهدي بخوف: سراج حصله حاجة؟ الدكتور: لما تيجي، ياريت متتأخرش. رافت بخوف: في إيه؟ مهدي: مش عارف، مش عارف يا بابا، الدكتور طالبني في المستشفى حالاً. رافت: طيب العواقب سليمة يارب. نزلو وبص لدلال: خلي بالك منها. دلال: أوعي تغيب عن عيني. وصل مهدي ودخل جري ووصل مكتب الدكتور وهو بينهج. مهدي ورافت بلهفة في صوت واحد: خير، في إيه؟ سراج كويس؟
الدكتور: للأسف مش خير خالص. إحنا فاجئنا بالاستاذ سراج دخل في حالة هستيريا ومحدش قدر عليه، واضطرينا نديله مهدئ. مهدي بص لأبوه: تبقى مصيبة لو سمع. الدكتور: أنا معرفش للأمانة إيه اللي حصل، بس سبق ووضحتلكم إن العلاج بينقسم على خمسين في الميه علاج نفسي و خمسين في الميه علاج كيميائي، وإن الحالة النفسية أهم عامل في تقبل الجسم للعلاج. مهدي بص لأبوه اللي بدوره ميل راسه وسندها على المكتب بوجع.
مرت أيام وحالة سراج في تدهور مستمر. مهدي بزعيق: إيه؟ بقاله خمس أيام مفاقش؟ في إيه بالظبط؟ إيه اللي بيحصل وإنتوا مخبيين علينا؟ الدكتور: أستاذ مهدي، أنا أكيد مقدر الحالة اللي إنتا فيها، بس فعلاً إحنا مقصرناش. حالة الأستاذ سراج في تراجع مستمر والغيبوبة اللي هو فيها دي نتيجة لتأخر الحالة، وللأسف لو فضلنا كده هايكون ليه عواقب وخيمة. مهدي: يعني إيه؟ هايموت؟
الدكتور: حضرتك أنا بطبيعتي بصراحة كل مريض بحالته وبنحط خطة شاملة للعلاج علشان نضمن صحة المريض. الأيام اللي فاتت بعد أول جلستين كان الأستاذ سراج فعلاً في تحسن وحالة الورم بتتحجم، ولو كنا استمرينا على نفس النهج كان هايخلص الجلسات ونقدر نتدخل جراحياً بدون ما يشكل خطورة عليه. مهدي: من غير كتر الكلام ده، أحب أعرف الخلاصة. الدكتور: للأسف الأيام اللي فاتت خلت الحالة اتدهورت، كل يوم أسوأ من اللي قبله. مهدي بصله بحرقة: والحل؟
نجهز نفسنا إنه هايموت؟ الدكتور: الأعمار بيد الله طبعًا. حاولوا إنكم تتكلموا معاه، هو بيكون حاسس وسامع كل اللي حواليه، وهانشوف استجابة جسمه ونقدر نقرر. رافت ومهدي أصبحوا مداومين على زيارته ويتكلموا معاه في كل الذكريات والأحداث الكويسة حتى لو بالكذب. ولكن الوضع لسه زي ما هو. بعد مرور أكتر من عشرين يوم، مصطفى قرر إنه يتكلم مع هارون. دخل المكتب بدون استئذان وقعد بعجرفة وهو حاطط رجل على رجل. هارون
بصله ورفع حاجبه باستغراب: خير. مصطفى: إزيك يا هارون؟ عامل إيه؟ هارون: بخير الحمد لله. بردوا خير. مصطفى: بتبتسم. هارون: وبجاحة، بص أنا عايز أقولك على حاجة. هارون بصله باستغراب: اتفضل قول. مصطفى بحدة: طيب سيب اللي في إيدك وركز معايا. هارون: كمل شغله ورد ببرود: والله أنا بسمع بوداني مش بعنيا. مصطفى: مش بيقولوا صاحب بالين كداب؟
هارون: اعتبرني صاحب تلاته ومنافق. أنجز يا مصطفى، أظن مش جديد عليك أكون بشتغل وبسمع وبتكلم كمان، قول اللي جاي عشانهم. مصطفى بدون تقدير: أنا جاي وعايز أتجوز جنى اختك. هارون ساب الورق من إيده ورفع راسه بصدمة: نعم؟ مصطفى: بقولك عايز أتجوّز جنى اختك. إيه المشكلة يعني؟
هارون: والله المشكلة في أسلوبك وفي طريقتك وإنت بتتكلم وكأنك جاي بتبلغني مثلاً وأنا وهي ملناش حق الرفض أو الاعتراض. تاني هام، مش هاقولك طبعًا فرق السن، لأن دي حاجة موجودة عادي، أنا نفسي في فرق بيني وبين خطيبتي، كل ده كلام ركش لا يبل ولا يرش معايا. أنا عايز الأهم واللي بناء عليه هايحدد حاجات كتير: هل إنتا كمصطفى هاتقدر تحتوي جنى وتنزل لعقلها؟
لأن الأكيد اللي لسه هاتمر بيه إنت سبق وعشته، فسهل تعيشه وتكرره تاني. هل إنتا هاتقدر تقدم لها الحب والاحترام وتقدر تبني أسرة على أساس صح؟ مصطفى بزعيق وصوت عالي: قصدك إيه؟ إنت عارف كويس أوووي أنا مين وابن مين وأهلي يبقوا مين في البلد.
هارون ببرود وتعقل: كل اللي قولته ده هري فاضي ميخصنيش. أنا اللي يخصني هي اختي وبس، إنما أبوك وأمك وهلك مش هايعيشوا ويعاشروا اختي ويبنوا معاها أسرة. هو الجوازة بصفة عامة ارتباط أسرتين ببعض، بس الأهم منه هو تفاهم عقول الزوجين والارتياح النفسي ومدى القبول ما بينهم، وإيه مدى اللي يقدر يقدمه كل طرف للتاني، وأنا هاسألك بصورة مباشرة: إيه اللي عندك تقدر تقدمه لجنى؟
مصطفى: طبعًا عندي كتير، فيلتي موجودة في أرقى أحياء مصر، الشبكة اللي تشاور عليها من مليون لعشرة. هارون: لا، أنا مش بتكلم عن الحسبة المادية خالص، مهي لو المسألة فلوس، أنا أوريدي عندي فلوس شغلي بخلاف ما حقّي رجع وإنت على علم مسبق بده، فأظن لو فكرت لثواني هاتعرف إن لا أنا ولا هي ولا أي حد من إخواتي ناقصه فلوس. أنا سؤالي واضح: هاتقدر تقدم لجنى إيه كراجل، كشريك حياة، كزوج؟ هاتدعمها إزاي في حياتها؟
هل هاتقدر تبقى دافع ليها لقدام تكمل مشوار حياتها معاه وهي مطمنة، ولا عثرة في طريقها تكفيها على وشها وتسحبها ألف خطوة لورا، إن ما كانش حفرة تقع على جدور رقبتها وتتدفن فيها؟ مصطفى بغرور: ااااه، قول بقى إنك رافض وبتدور على أي سبب علشان تعلق عليه رفضك، لأن كرامتك لسه وجعاك لما عريت حقيقتك. هارون بثبات يحسد عليه: ومن امتى وأنا استعريت من حقيقتي أو أنكرتها؟
أنا بقولها بفخر قدام الدنيا كلها ومش مكسوف. أنا واحد بدأتها من الصفر، إن ما كانش تحت الصفر كمان. صحيح إني اتولدت وفي بوقي معلقة دهب، بس جه وقت واتكسرت عادي جدًا، مش عيب. يا أخي ده الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين) . فأنا أنا كبني آدم عادي، هاتكبر؟ مستحيل، لأن الفقر مش فقر جيوب تؤ خالص، الفقر اللي بجد هو فقر العقول والقلوب، فهمت.
مصطفى خبط على المكتب بحدة: أفهم من كلامك ده إنك رافضني؟ هارون: طبيعي جدًا، ومعنديش حتى استعداد إني حتى أفكر وآخد وأدي مع نفسي، أة حتى أعرض الموضوع على جنى وآخد رأيها فيه. عارف ليه؟
لأني للأسف عندي بعد نظر وبعرف أقرأ اللي قدامي كويس أوووي، وإنت كشخص بعيد عن الشغل والخلافات تمامًا، شخص نرجسي متكبر جدًا، عندك غرور الأنا عالي عندك بضمير عالي لدرجة إنه عاميك عن إنك تشوف حقيقتك أو تقدر تستوعب الواقع لو كان مخالف لدماغك ولتفكيرك. غرورك عاميك عن إنك تتقبل الرفض قبل القبول. شايف نفسك فوق الكل. مصطفى: قصدك إيه بقى بتلقيح الكلام ده؟
هارون: هاتغاضى عن تلقيح الكلام ده، لأنه طبع النسوان مش الرجالة. بس أظن كلامي واضح وضوح الشمس في عز النهار، مش محتاج تفسير أكتر من كده. فعلشان كل الأسباب دي، بعتذر، لأن اختي أنا المسئول عنها ومعنديش أدنى استعداد إني أجازف بيها علشان أي حد ولا مقابل أي حاجة. طلبك مرفوض يا مصطفى بيه. طلع مصطفى وسكع باب المكتب بحدة ووشه أحمر من الغضب. مالك بصله باستغراب: في إيه؟ طالع من عند هارون ليه؟ وكنت بتعمل إيه جوه؟
مصطفى: هو ده اللي قعدت تقولي أشعار في تفكيره وذكائه وعقله؟ هو فاكر نفسه إيه؟ هو نسي نفسه لما دخل الشركة دي كان شحات ومعفن. مالك بشخطه وصوت حاد: مصطفى! عدّل كلامك واوزنه قبل ما يطلع من بوقك، لأن وقتها هاتتحاسب عليه. مصطفى: بقى أنا أطلب إيد أخته يقولي أنا نرجسي ومغرور؟ مالك: مهو حقيقي، مكدبش. إيه اللي مزعلك؟ ولا كلمة الحق بتقف في الزور. مصطفى بغضب أعمى: إنت معايا ولا معاهم؟ مالك ببرود: أنا مع الحق، لا معاك ولا معاه.
مصطفى: اااااه، قول كده بقى، منتا بقيت دلدول الست أخته من يوم ما خطبتها. مالك وملامح وشه تغني عن أي كلام: لحد من دقيقة فاتت كنت بتكلم معاك بالعقل، بس من اللحظة دي وخلصت بينا خلاص على كده. مصطفى بخوف ووش أبيض من رعبه: قصدك إيه؟ مالك بحسم: يعني إنت من طريق واحنا من طريق. يا تشيل نصيبي أنا وهارون وحلال عليك الشركة، يا أشيل أنا وهو نصيبك. والله يسهلك بعيد عننا. مصطفى بزعيق وصل لهارون مكتبه، ولكن فضل الصمت: يعني إيه؟
بتنصر بتاع الشوارع عليا؟ جايين بعد ما الشركة كبرت وبقالها اسم ترموني براها؟ مالك: افهم اللي تفهمه. الشغل كده مبقاش مستحمل عجرفتك وقلة ذوقك وجليطك مع الكبير والصغير. قاعد عامل ريس وحاطط رجل على رجل وإحنا شايلين الشغل، وياريت عاجبك؟
لأ بتنتقد، وياريت بطريقة كويسة كمان، لأ بمنتهى قلة الذوق وعدم التقدير لتعب غيرك اللي بتاخد فلوس من وراه على الجاهز. لأن باللي إنت بتعمله كده، إحنا بنتهدم مبنبنيش، بندمر مش بنعمر. فلحد دلوقتي وكفاية أوووي الفترة اللي فاتت، سبحان من عدّاها على خير. إنت عملت فيها مشاكل بالكوم وأنا كنت عامل مش واخد بالي وبعدي وبأتجاوز عن كل اللي عمال تقوله وتعمله وأقول معلش، خليها عليك، هاتعدي زي غيرها كتير، ما عدا أنما أكتر من كده أنا باجي أوووي على نفسي وعلى هارون وعلى شغلنا اللي خد سنين من عمرنا على ما قدرنا نثبته ونبني اسم في السوق.
مصطفى بصله بصدمة ومقدرش يتكلم. مرت الأيام وبدأ هارون ومالك فصل الشركة عن مصطفى. مصطفى خلص التوقيع واستلم فلوسه بغيظ وبص لهارون: بكرة أوعى تفتكروا إنها خلصت على كده، لأ، اللي جاي أسوأ، وأنا هافضل وراكم بالمرصاد. رمى كلامه وسابهم. مالك: تفتكر مصطفى ناوي على إيه؟ هارون بلا مبالاة: فكك منه، ولا هايعمل حاجة. مصطفى طول عمره بوق على الفاضي، بيتكلم كتير والفعل مفيش. مالك: عندك حق، خلينا نركز إحنا في شغلنا.
زياد قاعد في الفيلا وهو شارد. ماهر قعد قدامه بابتسامة بتحمل كل معاني الحنان: مالك يا زيكو؟ قاعد كده مش على بعضك؟ زياد بابتسامة: يااااه، حضرتك لسه فاكر الاسم ده؟ ماهر: طبعًا، ودي حاجة تتنسي؟ مفيش حد بينسي اللي يخص حبايبه. زياد بمشاكسة: وأنا من حبايبك؟ ماهر: طبعًا، ده أنت حبيبي الوحيد. سخّرت حياتي وعمري اللي فات واللي جاي علشانك، ورفضت اتجوز علشان أقدر وأعرف أحافظ عليك. قولي بقى مالك؟
ملاحظ إن بقالك كام يوم عقلك مشغول وكول الوقت سرحان ومش على بعضك؟ زياد: عايز الحق. ماهر: تؤ، ابن عمه؟ زياد: بصراحة، تقدر تقول كده، بحب. ماهر هز راسه: كويس، الحب شعور حلو، بس الأهم يكون متبادل، مش من طرف واحد علشان ميكونش مؤذي. زياد: بصراحة معرفش إذا كان متبادل ولا لأ. ماهر: هي مين؟ حد نعرفها؟ زياد: آه، حضرتك تعرفها وممكن تكون شفتها كمان. ماهر بترقب: مين؟ زياد: فاكر الخطوبة اللي روحتها مع حضرتك اللي كانت في شارع دي؟
بتاع الولد اللي اتخانقنا معاه قبل كده؟ ماهر: آه، البشمهندس هارون. ماله؟ إيه علاقته؟ زياد: تبقى أخته. ماهر: اللي أعرفه على ما أظن إنها اتخطبت. زياد: لأ، مظنش. اللي حضرنا خطوبتها على شريكه كانت الكبيرة. ماهر: الصغيرة مش شايف إنها صغيرة أوووي عليك يا ابني؟ زياد: لا خالص، مش للدرجة دي، الفرق بيني وبينها كل ست أو سبع سنين. ماهر بتفكير: لو كان كده، آه يعتبر الفرق بينكم مقبول. تمام، إنت بقى عايز إيه بالظبط؟
زياد: أكيد عايز ارتبط بيها. ماهر: تمام، بس إعمل حسابك دول إخوهم ملهوش في جو الخب واللف انصاص الليالي. عايز ترتبط، اخطب، والخطوبة عندهم ليها أصول وحدود. زياد: أكيد طبعًا، وده اللي شدني ليها، إني أقدر أأمنها على حياتي واسمي وشرفي. ماهر: لو كان كده، يبقى على بركة الله. سيبني أشوف وأرد عليك. زياد بلهفة: يعني حضرتك موافق؟ ماهر: طبعًا، وإيه اللي يمنع؟
البنت أدب وأخلاق، وأخوها راجل جدع جدًا وابن بلد، يعني أكيد مربيهم تربية صح. زياد: طيب، كلمة مش بيقولوا خير البر عاجله؟ ماهر: ابتسم: مستعجل أووي، وقبل كده كنت قاعد تعد النجوم عز الضهر. زياد بكسوف: يا بابا بقى. ماهر: يا خبيتي على الرجالة! انشف كده، وأنا هاكلم أخوها أهو. طلع تليفونه ورن على هارون. ماهر: إزيك يا أبو النسب؟ هارون بضحك: أبو النسب؟ هو إنت طلعت حمايا ولا إيه؟ أوعى تكون أبو صدفه وأنا مش واخد بالي.
ماهر: لا والله، كنت أرحب بس أنا بتكلم على ما هو قادم. هارون: اعذرني غبائي حكم هنا ومش فاهم الصراحة. ماهر: بصراحة كده ومن غير لف ولا دوران، عندكم شايه؟ هارون باستغراب: نعم؟ ماهر: بقولك عندكم شايه؟ هارون: لأ، عندنا قهوة، ينفع؟ ماهر: عز الطلب، ينفع أوي أوي كمان، وياسلام لو كان شربات. هارون: الله الله الله، ماهر باشا الشبراوي بيتريق؟ ماهر: وبيألش كمان؟ وحياتك هو ماهر الشبراوي مش بني آدم ولا إيه؟
هارون: لأ طبعًا بني آدم، بس رجل أعمال محنك وليه شنة ورنة في السوق. قولي بقى عايز الشربات لمين؟ ماهر: بجد بقى ودوغري، عايز أطلب إيد جنى اختك لزياد ابني، وأتشرف بنسبك. هارون: يبقى الأصول تجيبه وتيجي، والاتنين على وش بعض. ماهر: يعني اعتبر إنك موافق؟ هارون: بص، جنى مش صغيرة، اللي ليها عندي حق النصيحة، إنما حق اتخاذ القرار ده يرجع لها، لأن هي اللي هاتعيش. بس ميمنعش، إن لو كان قرارها غلط، إني أدعمها تصححه. ماهر: عين العقل.
اتقدم زياد وماهر. هارون بعد ما مشيوا: ها يا عروسة، رائيك إيه؟ جنى بكسوف: بصراحة، برغم الخناقة اللي حصلت، إلا إني حسيت إنه شخص عاقل ومثقف ومهذب، تقدر تقول جدع، والأهم من ده كله إنه صريح. هارون: يعني نقول على بركة الله؟ جنى: اللي تشوفه. هارون بفرحة وهو بيضمها: كبرتي يا جنى، وجه اللي هياخدك من حضني. جنى: عمري ما أقدر أسيبك، إنت أبويا، أنا مشفتش بابا إلا من الصور، بس شوفتك من حنيتك. هارون: ربنا يسعدك يا قلب هارون من جوه.
تمت خطوبة زياد وجنى وسط سعادة الكل. يا ترى مصير سراج إيه؟ يا ترى مصير مهدي إيه؟ يا ترى مصير رفعت إيه؟ يا ترى هارون أخيرًا لقى السعادة ولا لسه فيه حاجة تاني؟ يا ترى اللي جاي مخبي إيه؟ يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!