الفصل 42 | من 45 فصل

رواية البلطجي الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم ولاء حامد

المشاهدات
21
كلمة
5,116
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

مهدي بخوف وترقب: طمني يا دكتور. الدكتور وهو بيبص في التقارير بأسى: للأسف كان نفسي أطمنك، بس للأسف الحالة ماتطمنش. مهدي بصله وهو بيحاول يجهز نفسه للي جاي: هو عنده إيه بالظبط يا دكتور؟ الدكتور باسم وهو لسه عينه في التقارير بيقلب فيها: ورم في المخ، وللأسف في المراحل الأخيرة. وهمس: بس اللي مستغرب له هو إزاي طول الفترة اللي فاتت دي محسش بيه. مهدي وملامح الأسى مرسومة على وشه: يعني إيه مش فاهم؟

الدكتور بشرح مبسط: الأورام السرطانية في المخ أول أمراض بيتم اكتشافها، لأن دايماً أعراضها بتبقى صريحة ومباشرة. أول مرحلة فيه بيبدأ بصداع خفيف، وبالتدريج بيبقى صداع مزمن. تاني مرحلة فيه بيندمج الصداع مع نزيف من المناخير مباشرة. والمسكنات ما بتجيبش نتيجة لأنه بيكون بدأ يتوغل أكتر في المخ. مهدي غمض عينيه بوجع: يا دكتور، مهو لو كان يعرف أو شاكك كان أكيد راح لدكتور بدري.

الدكتور هز راسه: أكيد طبعًا، لأن في ناس بيحصل عندها لبس ما بين الصداع وأورام المخ. مهدي: طيب والحل يا دكتور؟ المفروض نعمل إيه دلوقتي؟ الدكتور بعجلة شديدة: هانبدأ بجلسات كيماوي وهانشوف مدى استجابة جسمه. مهدي: طيب مش أفضل لو شيلنا الورم؟

الدكتور: للأسف التدخل الجراحي آخر حل ممكن نلجأ ليه، لأن الورم منتشر وحجمه كبير. ثانيًا في منطقة حساسة جدًا تكاد تكون مسؤولة عن الوظائف الحيوية. الغلطة والمجازفة فيه بفورة لازم نفكر مليون مرة قبل ما ناخد القرار ده. مهدي مش تايه وهو بيحاول ياخد أنفاسه اللي حس إنها بتتتسحب منه من صدمته اللي فاقت كل وصف وقدرة استيعاب. وصل عند أوضة سراج ودخل وعينيه مرغية بدموع مكتومة بتلمع غصب عنه. سراج

بإبتسامة بسيطة رغم وجعه: الدكتور قالك إيه؟ مهدي بصله وضغط على شفايفه بحده ورمش بعينيه أكتر من مرة علشان يمنع الدموع من إنها تخونه وتنزل. سراج خد نفس طويل: قال إن هاموت مش كده؟ مهدي بحرقة هز راسه: أكيد مش هاتسيبني، إحنا طول عمرنا مع بعض ومش هاسمحلك تستسلم ونتفارق، إنت فاهم؟

سراج برضا: ده لا بإيدي ولا بإيدك، في حاجات أقوى مني وأقوى منك، القدر هو ليه كلمة الحسم فيها. متبصلهاش من ناحية تسمح ومتسمحش، تقدر تقول ذنب مردود، يعني أمر محتوم. مهدي دموعه خانته: إنت معملتش حاجة علشان تتاخد بذنب غيرك. سراج ابتسم: صدقني مش مسألة مين عمل، مسألة نصيب والحمد لله إنها جات على قد كده. مهدي بعدم استيعاب: معنى كلامك إنك كده بتستسلم؟ سراج: مين قال بس إني بستسلم؟

لو كان الانسحاب طبيعي مكنتش عافرت سنين وسنين في الشركة، وحتى لما سيبناها فضلت أعافر. أنا مبستسلمش يا مهدي، أنا عارف اللي فات ومتاكد إن تمنه كان جاي جاى. مهدي: إنت كنت عارف اللي عندك؟ سراج: لا، بس كنت حاسس إن فيه حاجة غلط، كنت شاكك إنه ضغط. ولما زاد شكيت إنه حاجة أكبر. مهدي: وليه مروحتش لدكتور؟ سراج: حسيت من جوايا إن مفيش فايدة، لأن من شكلك ودموعه اللي مغرقة وشك بتقول إن العلاج ملهوش فايدة.

مهدي بحده: مفيش حاجة اسمها مفيش فايدة، هتتعالج وهاتكمل وتخف، لو مش بمزاجك اعرف إنه هايبقى غصب عنك. سراج بإبتسامة: أهدى أهدى كده، إنت واخد الموضوع على الحامي ليه كده؟ أنا مش عايز أعيش الباقي متعذب، خليني أموت في سلام. وقبل ما تقول أنا مش بستسلم، أنا بتجنب الوجع الجسماني بجانب الوجع النفسي اللي فضلت عايش بيه سنين.

مهدي سابه وطلع وهو منهار، حس إنه محتاج حد يطبطب عليه ويقوله إن اللي جاي هايبقى أحسن. محسش إلا وهو بيتصل بأبوه. رافت بص للتليفون بإستغراب ورد بفرحة. مهدي بدموع وصوت منهار: بابا أنا محتاجلك أوووي. رافت وقف بصدمة وقلبه عمل زي طبول الحرب: إتكلم بخوف، إنت كويس؟ أختك كويسة؟ طمني قولي مالك في إيه؟ مهدي: سراج بيموت يا بابا. رافت اترمى على الكنبة: إيه! إنت بتقول إيه؟ ماله سراج؟ حصله إيه؟ إنتق! قلبي قرب يقف من الخوف.

مهدي بصوت يكاد يكون مسموع: سراج عنده ورم في المخ وفي مراحله الأخيرة. رافت فصل شاخص ببصره في الفراغ وهو مش قادر يستوعب. محسش إلا وهو بيجري وواخد مفاتيح عربيته وساق بجنون لحد الشقة اللي ساكنين فيها. رجليه مشالتهوش علشان يقدر يطلع. إتصل برفت. رافت بتريقة: إيه؟ افتكرت إن ليك إخوات تسأل عليهم؟ ولا بعد ما الدنيا خربت قولت أنجي بنفسي؟ رافت غمض عينيه: أنزل أنا تحت العمارة وبسرعة. رافت: لو عايزني أنزل أنا مش هاروح لحد.

رافت بحده وعصبية: أنزل بقولك في مصيبة. رافت نزل بسرعة ومستناش الأسانسير. اتلفت حواليه وهو بينهج لحد ما شاف عربية رافت. ركب بسرعة: طمني في إيه؟ رافت بوجع: ابنك بيموت في المستشفى. رافت: إنت بتقول إيه؟ ابني كويس! رافت: ابنك عنده ورم وفي المراحل الأخيرة. رافت بجنون: إنت بتقول إيه؟ بتفول على ابني ليه؟ إنت مكفيكش كل اللي حصلنا؟ عايز تنتقم مني في ابني كمان؟ رافت: أنا لا بنتقم ولا جايب حاجة من عندي، ابنك في المستشفى.

رافت بصدمة وعينين مبرقة تكاد تكون مبترمش هز راسه بهذيان: إنت بتقول إيه؟ ابني؟ ابني أنا؟ لا أكيد لا. رافت غمض عينيه بأسي وساق للمستشفى. نزل رافت وجري بسرعة على جوه. رافت نزل وراه واتصل بمهدي. رافت وهو بيبص على ابنه بقهره وهو راقد في الحالة دي: سأل الدكتور طمني هايخف مش كده؟ الدكتور: إن شاء الله، مفيش حاجة كتيرة على ربنا. رافت: أنا ممكن أسفره بره؟

الدكتور: السفر بره مصر مكلف جدًا ماديًا، ثانيًا مش هايكون في جديد لأن الحالة للأسف في مراحلها الأخيرة. إحنا بنحاول نحجم انتشار الورم بالأدوية في الوقت الحالي. رافت اترمى على الكرسي وهو مش مستوعب. الخبر انتشر وعرفوا رقيه ودريه وحتى دلال. دريه بصراخ: إزاي ومن إيه؟ إيه اللي عمل في ابني كده؟ لا أنا ابني مش هايموت، سامعين؟ ابني هايعيش. صح يا رافت؟ قولهم. رافت: أهدي يا دريه، ده ابتلاء من الله ولازم نصبر ونحتسب وندعيله.

دريه برفض لكلام أي حد ورفض للتصديق: لأ لأ، أنا ابني كويس، ابني لازم يخف، لازم. مينفعش يجراله حاجة. سراج بص لها بإستغراب: لازم أخف ليه؟ لازم؟ ده ابتلاء ولازم؟ دي بتقوليها لمين؟ بتتحدي ربنا وبترضي اختباراته لعباده؟ ده إنتي واقفة بتأمرى ومش قادرة حتى تدعي وتقولي إن شاء الله هايخف يارب اشفيه. لأ بتأمرى كمان في المرض والموت. رافت بدموع

مكتومة طبطب على كتفه: هي مش قصدها، هي أم وخايفة على ابنها، وقت الغضب الكلام مش محسوب. إن شاء الله هاتخف وتقوم وتبقى زي الفل وأفرح بيك، بس شد حيلك وقول يارب. سراج بصله بحيرة واستغراب من شخصيته المحيرة: هو مين فيهم طيب ولا خبيث؟ غمض عينيه بوجع: من فضلكم أنا تعبان وعايز أرتاح، ممكن؟ مهدي: يلا يا جماعة، طلعوا كلهم. عادل وعاصم وصلهم خبر تعب سراج في الشركة. عاصم اتصل

على مهدي علشان يطمن عليه: طمني يا مهدي، سراج عامل إيه دلوقتي؟ بلغوني في الشركة إنه وقع من طوله من يومين، إيه اللي حصل؟ مهدي بانهيار: سراج بيموت يا عاصم، سراج بيموت وإحنا مكناش حاسين بيه. عاصم بصدمة: إيه؟ بتقول إيه؟ سراج ماله؟ الدكتور قالكم إيه؟ مهدي: الدكتور قال عنده ورم في المخ. عاصم بعدم تصديق: إنت بتقول إيه يا مجنون إنت؟ مهدي بحرقة: بقولك اللي الدكتور لسه قايلهولنا دلوقتي.

عاصم: إقفل إقفل، أنا جايب عادل وجاي. الكلام في التليفون مش نافع. مهدي: خليها للصبح، بلاش تسوق بالليل وإنت في الحالة دي. عاصم بزعيق وعدم استيعاب إن حد منهم يموت ويفقدوه: قولت جاي يعني جاي، إقفل بقى. عادل وعاصم لموا هدومهم بشكل عشوائي ونزلوا بسرعة. هارون بيعيش أفضل أيام عمره، مبتخلاش من مناقرتهصدفة ومشاكسة هارونة. هارون وهو قاعد فارد رجليه وبيكلم صدفه:

جنى من وراه: يا عصافير الحب، راعوا السناجل البائسة اللي عندها تصحر عاطفي. هارون: يا ساتر يا رب من عينك يابنت! في إيه؟ جنى: في ناس معندهاش دم، بعيد عنك انتوا قاعدين هنا تحبوا في بعض وانا قاعدة بشرح في جثث! طيب راعوني الله يكرمكم. هارون: جثث! أخيييييييي غوري يابنت قفلتيني! وكمل مع صدفه: بقولك إيه يابنت يا مراتي أنا جاي نتكلم براحتنا علشان ميبقاش وسطنا عزول. البت دي عينها مدورة وهاتحسدنا. جنى: لا والله.

هارون: أه والله. سلاموز يا قطة. لا يا جزازة. جنى بغيظ: ماشي يا هارون، ماشي يا ابن صابرة. هارون طلع وغير هدومه وراح لصدفه وهما قاعدين منسجمين. زهره دخلت عليهم وهي مكسوفة ومترددة. هارون بص لها بإستغراب: خير يا حاجة، شكلك عايزة تقولي حاجة. زهره هزت راسها بصراحة: أيوه عايزة أقولك على حاجة كده. هارون: قولي يا حاجة، عنيا، أؤمري أمر وأنا عليا التنفيذ.

زهره بوجع: طلقني من حمدان، سوقت عليك حبيبك النبي يا ابني، كفاية عليا سنين عمري اللي فاتت دفني فيها بالحيا أنا وعيالي، خليني أشم أنفاسي وأعرف أربي عيالي. بص على العيال الصغيرة بقوا مرعوبين منه ومن أنفاسه حتى في البيت، خليني أنضف منه. هارون بص لصدفه في نظرة فهمت معناها.

صدفه هزت راسها: صدقني يا هارون، إحنا مشوفناش من حمدان إلا كل مرار. أنا حتى مش بقدر أقوله يا عمي، لأني محسيتوش من دمي. من بعد ما أبويا مات وهما ما صدقوا علشان ينهشوا فينا بحجة إننا أولاد أخوك. عشنا سنين وسنين بنشرب من كأس الذل على إيديه. المفروض إننا لحمة ودمه زي ما بيقولوا، إنما حمدان أول من نهش لحم أخوه ولا يعرف دم علشان يراعيه. هو ميعرفش غير الفلوس اللي اتسعروا عليها زي زي أي كلب سعران بيجري ورا حتة لحمة. ولمت مطلهاش، مرر عيشتنا سنين وسنين.

هارون بتقدير لوجعهم: خلاص يا حاجة، مادام إنتي عايزة كده يبقى اطمني وطمني بالك. أنا مش هاخليه لا هو ولا البا*ب*ن*ه* ابنه يهوبوا يمت المنطقة دي تاني. أنا كفيل أتصرف معاه. زهره بإرتياح: ربنا يبارك في عمرك وصحتك وعافيتك يا رب. هارون ابتسم على عفويتها اللي بتفكر بأمه الله يرحمها. خلصوا كلامهم ورجع بيته. تاني يوم في شغله قاعد مالك ومصطفى قدامه محتار. مالك وهو مركز في اللاب توب: خير يا مصطفى؟ قاعد بقالك نص ساعة بتفرك خير.

مصطفى: هو هارون وافق عليك كده لاخته من سكات؟ مالك رفع وشه بإستغراب: يعني إيه وافق عليا من سكات؟ هو هايوافق بالصوت يعني ولا إيه؟ مش فاهمك الصراحة. مصطفى: لا مش قصدي، أنا بس مستغرب إنه وافق بسهولة ومباشرة، مخدش وقت ولا كل الكلام ده. مالك: أيوه وفين المشكلة بردوا؟ أنا وهارون عشرة عمر، مش لسه هايعرفني ولا محتاج يسأل عليا. مصطفى: أه أه طبعًا، أنا بس بسأل فضول مش أكتر.

مالك: أه أه فضول. بقولك إيه يا مصطفى، متجيلي دوغري. بتلف وتدور على إيه؟ عايز توصل من كلامك ده لإيه بالظبط؟ مصطفى: بصراحة كده، من ساعة ما شفت أخته في خطوبته وأنا معجب بيها. مالك بصدمة: جنى؟ مصطفى: إشمعنى يعني؟ مالك بتريقة: مهو مستحيل تبقى هنا لأني خطيبها، وهارون معندوش إلا أختين، واحدة مخطوبة يبقى أكيد التانية. بس مش شايف إنها صغيرة عليك أوي أوي يعني. مصطفى بغرور: وإيه المشكلة؟

مالك: طبعًا مشكلة، لأنها لسه في الجامعة، وعدى عمرك قد عمرها مرتين. ده إحنا نفسنا أكبر من هارون بكذا سنة. مصطفى بلا مبالاة: وإيه المشكلة؟ أنا أكبر من خطيبتك برضه. مالك: طبعًا، بس فرق السن بيني وبين هنا مش كتير، كلهم 8 سنين، إنما إنت أكبر منها بأكتر من 17 سنة، الفرق بينكم شاسع.

اتنهد وكمل: بص على العموم، أنا كل اللي أقدر أقولهولك إن هارون جد ودغري أوي ومبيحبش اللف والدوران. عايزها خبط على الباب وادخله بالأصول زي ما أنا عملت وهو عمل قبل مني، وهارون... مصطفى: بس مظنش إن هارون ممكن يوافق بعد اللي حصل بينا. مالك: تبقى غبي لو دي فكرتك عن هارون ولسه متعرفوش، لأن هارون عمره ما بيخلط الحابل بالنابل. هو مش صاحب القرار، هو بيسيب القرار لإخواته. أنا نفسي لما اتقدمت لأخته مقدرش

يديني قرار وقالي بالحرف: "لما أرجع لصاحبه الشأن، لو وافقت كان بها، موافقتش إحنا بردوا أصحاب وشركاء". فأظن إنه هو هيعمل معاك نفس الكلام، لو جنى وافقت كان بها، يبقى على بركة الله. مصطفى: مظنش إن كلامك ممكن يحصل، لأنها فرصة وجاتله علشان يردلي اللي حصل. مالك: بصراحة، مش عارف إنت إيه مشكلتك مع هارون أصلا، وليه كارهه أوي كده؟ ما تتكلم معايا دوغري يا مصطفى، قولي وعرفني إيه سبب كرهك أوي ليه؟

لأن أنا ملاحظه من سنين، من أول ما اشتغل معانا وإنت كنت رافضه، برغم إنه أثبت كفاءته ورفع الشركة وعملنا اسم من العدم، وطول السنين اللي فاتت مشفتش منه إلا كل خير، وبتيجي كل مرة كأنك بتقفله على الواحدة وبتتصيدله الأخطاء علشان تثبت حاجة معينة في دماغك، إيه هي أنا معرفش. مصطفى برفض: لا خالص، مش القصد كده، بس مش شايف إن إنت عطيله مساحة كبيرة أوي في الشركة وخلّيته ياخد حجم أكبر من حجمه وخد صلاحيات أكبر من اللي يستحقه.

مالك: ليه بتقول كده؟ عرفني إيه الصلاحيات اللي هارون خدها خارج نطاق شغله؟

لأن اللي أنا شايفه إنه تعب وشقي وشال الشركة على كتفه ورفعها من تحت قوي لفوق قوي، ومع ذلك مأخدش أكتر من حقه، وما تجاوزش صلاحيات غيره إلا في نطاق الشغل وفي مصلحة الكل. بس يظهر إن اللي عدى عليك يا مصطفى إن هارون علّى وعلانا معاه. ومع ذلك لا في يوم طالب بأكتر من اللي وصل له ولا مد إيده أخد أكتر من اللي يستحقه. أما إن إنت شايف إنه أخد حق مش حقه أو تجاوز صلاحياتك، فدي مشكلتك إنت مش مشكلتي أنا ولا مشكلته هو، دي مشكلة في دماغك إنت يا مصطفى. لأن هو أكيد مش مجبر يتحمل سواد قلوب حد ولا عقم تفكير الغير ولا سوء نية حد، لأن كل واحد محاسب عن نفسه.

مصطفى بعجرفة: تمام تمام، هشوف، واما أحسم الموضوع وأحسبه بعقلي، أبقى أقرر وقتها.

مالك بسخرية: أه، انعره. وعجرفة كذابة كالمعتاد في طبعك. أسلوبك مش هتتغير للأسف يا مصطفى، لما تلاقي نفسك خسرت كل حاجة وبقيت لوحدك. ونصيحة يا صاحب عمري، لو هيفضل أسلوب تفكيرك بالشكل ده، يبقى أنصحك لا تفكر ولا تقرر. لأن هارون طول عمره كرامته غالية قوي، واللي بيمسها بفورة معاه ما بيفكرش إنه يسمحله يدخل حياته أصلا، بيفضل طول عمره على الهامش من بره. وأوعى في يوم ذكائك يخونك وتتعامل مع هارون بكبر وتعالي، لأن هارون بني آدم ذكي جدا، عايش طول عمره بيحسبها بالورقة والقلم، وأسوأ ما فيه إنه حد يفكر يتنطط عليه. فصدقني لو فكرت بس إنك تتعامل معاه بأسلوب الكبر والتعالي ده، مش ها يسمحلك حتى إنك تفتح بوقك، مش تطلب.

مصطفى بص له بلا مبالاة وعدم اقتناع لكلام مالك. عاصم وهو سايق بجنونه وكأنه بياكل الطريق أكل وبيسابق الزمن على الأسفلت علشان يقطع المسافة ما بين إسكندرية والقاهرة بسرعة ويقدر يوصل ويطمن على سراج بنفسه. عادل بحرقة: معقولة؟ معقولة يا عاصم؟ إن دي تبقى نهاية سراج؟ إن سراج يموت بالطريقة دي والموتة الصعبة دي؟ إنه يتألم في حياته ويتألم كمان قبل ما يموت؟ عاصم برفض وعقل

قارب على مشارف الجنون: مش هاسمحله، مش هاسمحله إنه يستسلم، مش هاسمحله إنه يموت الموتة دي مهما كانت الظروف ومهما كانت الأسباب. إحنا طول عمرنا إحنا الأربعة في ضهر بعض، هقويه وهيقوى بينا وهنقوى بيه زي ما اتعودنا طول عمرنا مع بعض على الحلوة والمرة. هانعمل كل اللي في وسعنا علشان يخف، مش هاسيبه. إحنا بقالنا سنين مع بعض، قدرت أعرف وأعرف معدنه النضيف. عادل بحزن: بس المكتوب منهوش مهرب يا عاصم، أوى تنسى ده.

عاصم: أكيد مش ناسيها، بس لازم ناخد بالأسباب، وما ينفعش يكون مستسلم بالطريقة دي. عادل: ربنا يستر. قلبي مش مطمن. وفي عز سرعتهم ومع ضلمة الطريق وتشتت عاصم وانشغال عقله، صوت هز الأركان. دخلت العربية في عربية جاية مخالف. في ثواني الطريق وقف. الكل نزل من عربياته جري، اللي بيحاول ينقذ، واللي بيشوف مين عايش ومين مات ومين مصاب. لحظات وكانت الإسعاف بتنقل كل اللي في الحادثة على أقرب مستشفى.

في المستشفى استلمت المتعلقات الشخصية للحالات الموجودة. الطوارئ اتصلوا بآخر رقم متصل بيه. مهدي وهو قاعد في المستشفى بيبص على سراج بوجع. تليفونه رن. مهدي رد بسرعة: أيوه يا عاصم، وصلتوا فين؟ الممرضة: حضرتك هنا مستشفى... وصاحب التليفون ده عمل حادثة، ياريت تبلغ حد من أهله.

مهدي وقف الطرقة زي المجنون مش عارف يروح يشوف عادل وعاصم اللي في مستشفى في إسكندرية ولا يفضل مع سراج اللي راقد بين الموت والحياة. فتح باب الأوضة اللي بقعد فيها مع سراج. منظره كان كفيل عن أي كلام. رافت بص له بصدمة: إيه؟ مهدي بص على سراج اللي راقد وخاف إنه يتكلم علشان ما يسمعهمش. رافت طلع وقفل الباب وراه: في إيه؟ شكلك عامل كده ليه؟

مهدي بحرقة: عادل وعاصم عملوا حادثة واتنقلوا المستشفى، لسه مبلغني حالا. أروح فين وأجي منين؟ أروح لهم هناك ولا أفضل مع سراج هنا؟ قولي يا بابا أعمل إيه؟ قلبي مقسوم ميت حتة. رافت بانهيار: إنت بتقول إيه؟ بتقول إيه؟ مهدي: بقولك اللي المستشفى لسه قايلينهولي. رافت بص له بصدمة مبقاش قادر يستوعب الصدمات. طلع تليفونه ورن على رقيه: البسي وأنا دقايق وهاعدي عليكي. رقيه ببرود: خير، في إيه؟ عايز مني إيه يا رافت؟

رافت بزعيق: بقولك البسي بسرعة. نزلوا بسرعة ومعاه مهدي. وصل لقي رقيه منتظراه قدام العمارة: خير، أديني جيت، عايز إيه؟ رافت: اركبي، مش وقت كلام. ركبت وهي كلها قلق وخوف. رافت داس بنزين بجنون. رقيه بعد نص ساعة مش فاهمة حاجة. بصت من الشباك بإستغراب: إحنا رايحين إسكندرية ليه؟ رافت بص لمهدي ومحدش منهم قدر يرد ولا ينطق. رقيه بحرقة وصوت عالي: بقولكم فيه إيه؟ واخديني على إسكندرية ليه؟

رافت غمض عينيه بوجع: اصبري يا رقيه، إحنا خلاص قربنا نوصل. بعد ساعة ونص كانوا وصلوا قدام المستشفى ونزلوا بسرعة. رقيه وهي بتبص على المستشفى بقبضة قلب مسكت دراع رافت: في إيه؟ إحنا جايين هنا لمين؟ رافت سحبها من إيديها وهو خايف زي الطفل الصغير. أول ما وصلوا الاستقبال اتكلم مهدي وهو عينه على عمته: لو سمحتي، في حد بلغني عن حادثة وفي مصابين بإسم عادل عماد وعاصم عماد. رقيه بصت لهم بصدمة: ولاادي؟ إنتوا بتقولوا إيه؟

رافت بشخطه: باااااااس، اسكتي، هايكونو بخير إن شاء الله. الموظف: الدور الثاني، غرفة 16. رقيه سابت إيد رافت وكانت أول من جري. مهدي ورافت وراها بيحاولوا يلحقوا خطواتها ومش لاحقين. أول ما وصلت قدام الأوضة كانت ممرضة خارجة من الأوضة. رقيه مسكت في ذراعها بجنون: ولادي؟ ولادي؟ رافت بزعيق: اسكتي بقى. طلع الدكتور على صوتهم: في إيه يا جماعة؟ دي مستشفى. رافت

قدر يتمالك أعصابه المدمرة: لو سمحت بلغونا عن حادثة حصلت على طريق القاهرة إسكندرية. الدكتور وهو بيدور في الكشف: طيب، أسماؤهم إيه؟ وأخد كشف كان مع الممرضة: رقيه: غمض عينيه بوجع وفتحها: البقاء لله يا جماعة، هما وصلوا المستشفى ميتين أصلا. رقيه بجنون وصراخ وانهيار: ولاااااادي! عيالي يا رافت! عيالي! يا حرقة قلبي! اتحرمت منهم زمان واتحرم منهم دلوقتي! حرام! لأ ولادي مماتوش، سامعين؟ ولادي مماتوش! ليه؟

ليه أولادي أنا يموتوا وعيال صابرة هما اللي يعيشوا يا رافت؟ ولادي عايشين، ولادي هايرجعوا لحضني. الكل بيبص لها بوجع. مهدي قرب منها وحاول يحضنها. رقيه زقته: أوعى! ده حضن أولادي بس، سامعين؟ ولادي بس. رافت قرب ومسكها جامد والدكتور اضطر يديها مهدئ. ارتخت وغمضت عينيها بين إيدين رافت اللي دموعه خانته وهو بيقعد بيها على الأرض. مهدي شالها وحطوها في أوضة وهي غايبة تحت تأثير المهدئ.

مهدي بعد ما نقل عمته أوضة دخل وهو منهار ورجليه مش شيلانه من الصدمة وعقله عاجز عنها. بص على جثث عاصم وعادل اللي راقدين قدامه واتكلم بحرقة ودموعه مغرقة وشه: في إيه؟ إيه اللي بيجرالنا؟ كل ده ذنب؟ معقول مخلصش الذنب لحد كده؟ يا ترى الدور جاي تاني على مين؟ في إيه؟ في ليه إحنا ندفع تمن ملناش ذنب فيه؟ رافت بدموع شدد على كتفه: شد حيلك يا ابني، لسه قدامنا يوم طويل. إكرام الميت دفنه. مهدي بحرقة: ميت دلوقتي بقوا ميتين.

رافت: حال الدنيا وما دايم إلا وجه الله. خلينا نخلص إجراءات خروجهم من المستشفى وأنا هابلغ عمك رفعت علشان يفتح المقابر بتاع العيال. مهدي برفض: لا، عادل وعاصم هايتدفنوا في مقابر عيلة أبوهم. رافت بص له وهز راسه من سكات واتصل برفعت بلغه وانتشر الخبر بسرعة. خلصوا الإجراءات، غسلوهم وكفنوهم في المستشفى وخدوهم عربية تكريم الموتى، وأخذوا رقيه في العربية وهي غايبة عن الوعي.

على ما وصلوا القاهرة كانت رقيه فاقت من المهدئ بعد صلاة الجنازة. رقيه بإنهيار وصراخ هستيري محدش قادر عليها. مسكوها دلال ودريه ورهف. واخدة جنب بتعيط بدموع تماسيح ومش فارق معاها حد غير نفسها. انتشر الخبر على السوشيال ميديا وهارون عرف. أصبح بين نارين، إنه يروح وانه يعمل نفسه كأنه معرفش. وكان الاختيار التاني هو الحاسم ورفض إنه يروح أو يبلغ حد من إخواته.

رقيه بدأ عقلها يشرد منها. طول اليوم في المقابر ومحدش قادر يحركها من هناك. أصبحت مقيمة جنب قبر عيالها. رافت بعد إصرار أخدها هو ومهدي يعد معاناه على فيلته. رقيه بجنون: شوفت أحمد الوحش يا رافت؟ خد عيالي مني، طب إنت عارف أنا هاروحله وأجيب عيالي. رافت بدموع وهو مش قادر يستوعب حالة أخته واللي جرالها: ضمها لحضنه بوجع: ربنا يصبر قلبك. أهدي يا رقيه، قلبي بيتقطع عليكي. وحدي الله.

رقيه زقته: أنا عايزة أولادي. خدوه مني ليع الفلوس وراحت هما كمان يروحوا ليه. رافت بتأثر مزيف: خلاص يا رقيه، وحدي الله. وقام يسندها. رافت: بتعمل إيه؟ رافت: هاخدها معايا. إنت مش هاتقدر تاخد بالك منها. أنا ودريه حواليها وكمان رهف، وإنت أساسا شايل إيدك مننا من زمان قووووي. دريه زغدته بكوعها في جنبه وهمستله: متسيبها معاه، خلينا نخلص من همها ومصاريفها. أختك اتجننت ومحدش منا هايقدر عليها أصلا.

رافت: اسكتي دلوقتي، لما نروح هافهمك. اصبري بس. دريه بصتله بإستغراب. هي كاشة وشها وفضلت السكات في الوقت الحالي. رافت كز على أسنانه: اسكتي دلوقتي بقى. هياخدوا بالهم من ودوددتنا دي. بعد وقت قدر رفعت ياخد رقيه فعلا معاه ورجعوا الشقة تاني. دريه وهي قاعدة بغيظ: فهمني بقى دماغك فيها إيه؟ ليه مسبتهاش عند أخوك؟ أهو أولى بيها، لأني مش هاقدر عليها وعلى جنانها. ثم إحنا قادرين نكفي روحنا، لما هانقدر نكفيها؟

رافت بإبتسامة خبيثة: لأن ذكائك محدود. دريه: قصدك إيه؟ رافت بمكر: .... يا ترى رفعت ناوي على إيه؟ ياترى مصير رقيه إيه؟ يارتى مصير سراج إيه؟ ياترى اللي حايم مخبي إيه؟ ودايرة الشر خلصت ولا لسه؟ ياترى هارون رد انتقامه ولا لسه؟ للقدر رأي تاني.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...