وهذا هو ما فعله سامح مع آسيا وبناتها، أخذهم من الظلام إلى النور. ماذا كان مصيرهم إن لم يأتِ سامح في هذه الليلة وخسر فيه زوجته؟ كان سامح سندًا وحاميًا للبنات. عندما بدأت البنات تكبر أمام عينيه، تمنى بأن تكون فعلاً البنات من صلبه، من لحمه ودمه. ولكن عذرًا، الأب هو من يسهر على بناته، هو الذي يعرف عنهم كل شيء، ليس اسمًا في الشهادة فقط. ذات يوم أخبرهم بأنه ليس والدهم الحقيقي، لتجرِ عليه
خديجة وتحضنه وتقول له: بأن الأب الحقيقي هو من يسهر الليالي على راحتهم وتعبهم، هم لم يعرفوا أبًا غيره، فهم اكتفوا به هو فقط. وأعلمهم أيضًا بتغيير الكنية فقط، وليست في شهادة الميلاد، لأنه لم يقم بتزوير في أوراق رسمية. وهكذا كبرت البنات وهن يعرفن كل شيء، وإذا سألهم أحد عن اسمهم يقولون كنية سامح، وليس كنية رفعت.
كانوا يعيشون بسعادة في تركيا، إلا أن خديجة أصرت أن ترجع إلى وطنها الأصلي مصر لتكمل تعليمها ودخول كلية الشرطة. وبعد كثير من الإلحاح على آسيا التي كانت رافضة الفكرة، وافقت بعد أن قالت لسامح بأن يكون هو المسؤول عنها. ودخلت كلية الشرطة، وبدور كلية الطب، وونس كانت في الثانوية. أما أدهم، تخرج من كلية الشرطة، ولكن جاءت له فرصة أن يتطوع في الجيش لأنه كان من أمهر وأشطر الضباط.
أما شاكر، لم يفلح في أي دراسة. كانت مهجة تشتري له الامتحانات بمقابل مادي كبير. كان يلهو ويلعب ويسهر كل ليلة، ولم يعرف رفعت عنه شيئًا. رفعت، الذي لم يرتاح بعد آسيا وبناتها. زادت وكثرت علاقات يوسف وكبرت تجارته وشركاته. أما حور، فكانت ونعم الابنة، لم تقل أدبًا وجمالًا عن بنات عمها. أما مندور، كان حزينًا جدًا على فقدان أحفاده وساءت حالته الصحية. بعد مرور سنوات كثيرة... في وزارة الداخلية...
كانت تقف خديجة بكل ثقة وشموخ، فهي أول دفعتها، بل وأمهرهم. كانت قوية لا تخشى شيئًا، تحب التحدي، بل تفوقت على نفسها وها هي اليوم كما وعدت نفسها ووعدت أدهم. خديجة رفعت: أصغر رائد في الداخلية بعد الكثير من الترقيات. أنثى بمعنى الكلمة، لا تخاف الموت. عندما تدخل مهمة لا تخرج منها إلا أن تكون هي الفائزة. كما أنها خبيرة في المفرقعات.
تقف اليوم بين الكثير من الضباط، رجالًا ونساءً، ليقوم اللواء سامح الأنصاري باختيار أمهر الضباط للقيام بعملية في حدود سيناء. كان أول ما نادى على اسمها. وهكذا ظل اللواء ينادي إلى أن وصل العدد إلى عشرة ضباط، منهم خمس نساء وخمسة رجال. بعد الانتهاء، اتجهوا جميعًا إلى قاعة الاجتماعات ليقوم اللواء سامح الأنصاري بإعطاء كل واحد دوره في المهمة.
بدأ اللواء سامح شرح المهمة وأنها ليست سهلة، وأنهم سيكونون في حدود سيناء بالتعاون مع الجيش للقبض على أكبر شبكة لتهريب السلاح والمخدرات والاتجار بالبشر. بعد انتهاء شرح المهمة، هتف اللواء سامح قائلًا: أظن كده كل واحد عرف دوره، وطبعًا كل ده تحت إدارة الكوبرا. في مكتب اللواء سامح الأنصاري... بعد خروج الجميع، بقيت خديجة في المكتب. ذهبت إليه: مالك يا بوب؟
أنت شكلك زعلان من حاجة، قول يا شقي. هي الاخت آسيا زعلت القمر بتاعي ولا إيه؟ ضمها سامح بحب أبوي حقيقي، فهو أصبح كل حياتهم، هو الأمان والسند، عوضهم من ربنا. أعمل إيه في لسانك ده يا ديجا؟ بقيتي رائد ولسه لسانك متبري منك. لا يا ستي، آسيا دي ونعم الزوجة. اللي مزعلني ماهر. وماهر زعلك في إيه بس؟ ما الراجل عايش حياته في روما وزمانه مبسوط مع الأجنبيات الفاتنات.
يا خديجة، أنا عاوز ماهر يرجع، كفاية كده. يرجع وسطنا، وسط إخواته. ماهر ما يعرفش حتى شكل إخواته مالك وزين، حتى بعد ما بقى جراح كبير مش عاوز يرجع. فاكر إني أنا السبب في اللي حصل لأمه، علشان كده فضل يروح يعيش مع أهل والدته في روما. آخر مرة كان موجود وسطنا يوم سبوع زين يا خديجة. حزنت خديجة على سامح كثيرًا، فهو كان عوض ربنا إليهم، فكان نعم الأب. لم يفرق بينهم وبين أبنائه.
سيبها على الله يا بابا، أكيد ربنا هينور بصيرته وهيرجع لوحده، صدقني. طيب، أنت عارف إن مالك وزين على اتصال معاه وأكيد هيرجع تاني، أوعدك. المهم، مش هتقول لي مين هيكون معايا في المهمة بتاعت سيناء؟ الفهد الأسود. نعم! اشمعنى؟ مفيش اشمعنا يا خديجة، في الشغل، وأظن الفهد سيرته معروفة في جميع الوحدات. يلا اتفضلي علشان تجهزي للسفر. حاضر يا بوب. وقامت بوضع قبلة على خده وخرجت. في فيلا سامح الأنصاري...
دلفت مارسيل إلى الداخل، وجدت خديجة وبدور وونس وسلمى يجلسون في الحديقة. صرخت فيهم: خيانة قلبي الصغير لا يتحمل. نظرت إليها خديجة: اهدى يا حلوة، مفيش حاجة حصلت. والأخت الكريمة آسيا قالت لنا محدش يمد إيده قبل ما انتي تجيء تقولي. كأنها خلفتك ونسيتك؟ ضحكت مارسيل وقامت برفع رأسها: طبعًا يا ماما، هو أنا أي حد. قالت لها بدور: إلا انتي، كنتي فين يا مارسيل؟ إيه ده؟ هو أنا مش قولتلكم؟ لا مش قولتي يا آخر صبرنا!
كنت في الكنيسة. قال إيه، الست ماري اللي هي أمي جابت لي عريس وخدتني علشان أشوفه زي كل مرة. ضحكت سلمى: وطبعًا طفشتيه زي كل مرة. آه، ينعم. وجدت خديجة أن ونس شاردة. ونسى، مالك يا حبيبتي؟ هاا، ولا حاجة يا ديجا، ضغط الدراسة وكده. رفعت خديجة حاجبها: متأكدة؟ مفيش حاجة صدقني. يلا تعالي، لاحسن مارسيل هتخلص الأكل. بعد قليل، وجدوا سامح يدلف إليهم ومعه زين ومالك. وما وجد زين الأكل إلا أنه جرى إليه، فهو يحب الأكل كثيرًا.
اتجه سامح إلى آسيا وهمس لها بالكثير من كلام الحب والرومانسية، فهو يحبها بشدة وكل يوم يحمد الله على عائلته. بقولك إيه، انتي مش زعلانة مني وعاوزاني أصالحك؟ فوق وغمز لها. احمر وجهها من أثر كلماته وقامت بضربه على صدره: اتلم يا سامح، البنات واقفة تبص علينا. وبعدين انت كبرت على كده. ضحك بشدة ومال عليها وهمس: طيب تعالي وأنا أوريكِ مين اللي كبر يا روح قلب سامح. جاءت إليهم خديجة وهمست لهم: في إيه يا بوب؟ راعي شعور البنات.
ضربها سامح على دماغها: أنا نفسي أعرف انتي بتطلعي منين. أجرى يا بت، روحي لإخواتك ويلا علشان الأكل هيبرد. لا، متقلقيش يا بوب، زين قام بالواجب يا حبيبي. جرت مارسيل إلى خديجة: بت يا ديجا، أنا خلاص لقيت العريس. عريس يا بوي، عريس. وياترى مين بقا العريس يا فالحة؟ أبوكي المز سامح الأنصاري. يانهار أبوكي أسود! عاوزة تخطفي البوب من آسيا؟ دي كانت قتلتك وقتلتني معاكي عشان أنا صاحبتك.
سامح عندها خط أحمر يا ماما. ويلا بسرعة، زمان زين خلص على الأكل. جلسوا جميعًا على السفرة. وجدوا زين يأكل بشراسة. ضحك عليه سامح: كل براحة يا زين، الأكل كتير ومش هيخلص. حاضر يا بوب. لينظر إلى آسيا ويقول: على فكرة يا آسيا، خديجة ومارسيل وسلمى مسافرين. ابقي حضري مع خديجة الشنط. مسافرين؟ فين؟ شغل يا آسيا، هي ده أول مرة يعني. وبعدين لما نطلع فوق هقولك على كل حاجة بالتفصيل يا قلبي، وغمز لها.
كان يجلس وحيدًا في وحدته يتذكر ملامحها الجميلة الشرسه. تنهد بألم: يا ترى يا خديجة، فاكراني ولا نسيتيني؟ يا ترى شكلك بقى إزاي؟ ليرفع يده إلى السماء ويقول: يارب أجمعني بها، يارب ما تقابل حد وتحبه، يارب تكون من نصيبي. لقد سمع الله دعاءه وحقق أمنيته، ليدخل عليه جندي ويقول له بأن الفريق الجديد المشارك في المهمة سيكون غدًا في المعسكر.
دلفت خديجة إلى غرفتها، تخلع ملابسها وتذهب لتأخذ شاور. أمسكت القلادة التي كانت ترتديها ولم تخلعها من رقبتها مهما حدث. يوجد الكثير والكثير من المجوهرات، ولكن لم ترتدي أي شيئًا منهم، ولم تخلع هذه القلادة التي كانت من الفضة وتحمل حرف أدهم. لتقوم بتقبلها وتذهب إلى المرحاض. بعد قليل، خرجت، أدت صلاتها، فأمسكت دفتر مذاكرتها وكتبت: تعال نقتسم هذا الليل. تأتينى.. بشوقك وآتيك.. بحنينى تهدينى الحب وأهديك القلب..
تشعل الحروف نيراناا.. فأجعل السطور لأجلك رمادا.. سلام لعيناك حين تلوذ بالصمت. وفى جوفها شوق لا يوصف. ثم قفلت المذاكرت وذهبت في نوم عميق، فغدًا ستسافر إلى الحدود. بعد الإلحاح من مهجة، تم العيش في مصر ودخول شاكر كلية الآثار بعد دفع الكثير من الرشوة، فهو لم يحصل على مجموع يدخله كلية من كليات القمة، ولكن كان هدفًا لمهجة بأن يدخل كلية الآثار. في فيلا رفعت...
كان يجلس في مكتبه ويمسك صورة لآسيا، ويلمس على وجهها بيده. نزلت دمعة من عينيه وتذكر آسيا كما كانت حنونة، لم تغضبه ولو مرة، كان كل شيء لها. كان يسهر الليالي ويشرب الكثير من الخمور ويلعب القمار. كانت دائمًا تدعوه إلى الخير وأن يترك كل هذا ويتجه إلى الله. وتذكر مهجة وسهراتها وحبها للمال. والولد، وأين الولد الذي يراه فقط عندما يطلب المال؟ في الصباح...
وصل الضباط إلى المكان المحدد لهم لمقابلة ضباط الجيش الذين سيكونون معهم في المهمة. دلف أحد العساكر إلى مكتب القائد ليبلغه بأن الضباط الجدد وصلوا. كان هو غاضبًا، لا يحب التعامل مع البنات، وخصوصًا في مهمة يحب أن يتعامل لوحده أو ضمن فريق يقوم هو باختياره.
كانت هي منشغلة، تعطى ضهرها للخلف، تدرس المكان بعناية وعملية، هكذا هي الرائد خديجة، لا يفلت من تحتها شيء. كانت ترتدي بنطلون جينز أزرق غامق وعليه قميص أسود ونظارة تخفي جمال عينيها المميز التي تسحر الجميع. خرج القائد لهم، وبصوت حاد وغاضب هتف: الكل يجتمع. اجتمع الكل ما عدا تلك الشاردة في المكان. ذهب إليها القائد وهتف: حضرتك، ممكن أعرف واقفة كده ليه؟ اظن قلت الكل يجمع استدارت له خديجة بثقة: كنت بدرس المكان
تكلم بجد وغضب: كنتي إيه اظن قلت لحضرتك يا فندم كنت بدرس المكان وقامت بخلع نظارتها وقف مصدوم، توقف الزمن، سرح في جمال عينيها وأقسم أنه رأى هذه العيون ومن المضحك أنه كان يحلم بهم طوال حياته، ولكن أين ومتى رآهم كل هذا وخديجة لا تبالي له، فهي جادة في عملها أفاق وهي تقول له: ممكن نبدأ يا فندم أحم أحم أيوا اتفضلوا رجع بكل برود: الكل يجمع
وقف أمامهم وتحدث بكل ثقة: أحب أعرفكم بنفسي أنا المقدم أدهم يوسف، المسؤول عن الكتيبة وطبعًا مسؤول عنكم لحد ما المهمة تخلص والكل يرجع للوحدة بتاعته. وطبعًا أنا اللي هدي الأوامر، يعني كل كلمة لازم تتنفذ قاطعته إحدى الضباط: بس يا فندم الأوامر اللي عندنا إحنا تبع قيادة الكوبرا رفعه أدهم حاجبه: ويطلع مين الكوبرا ده ضحكت في نفسها: أنا نظر وجدها هي صاحبة العيون الساحرة!
ذهب إليها: إزاي يعني القيادة تبقى لرتبة أقل حتى لو مش ضمن فريقي هتفت خديجة بتحدي وبصوت حاد بعض الشيء: أحب أعرفك بنفسي يا فندم أنا وقبل أن تقول اسمها جاء أحد الجنود يطلبون أدهم في أمر هام استدار لهم وقال: الكل يروح يستريح وبكرة هنكمل، وأكيد الكل عارف دوره، والبدء بعد تنشيط المنطقة يعني مش هيبقى أقل من أسبوع ونبدأ المهمة انصراف
دخلت خديجة إلى الخيمة وقامت بخلع ملابسها ولمست القلادة ثم قامت بتغيير ملابسها وخرجت من الخيمة، كانت ترتدي بنطلون جينز وقميص رصاص ورفعت شعرها إلى الأعلى، فكانت ساحرة بمعنى الكلمة اتجهت خديجة إلى الجبل لتقوم بالاتصال على والدها ووالدتها وأخواتها كان أدهم يجلس حزين، تذكر خديجة التي لم تغيب عن باله ولو لحظة خرج وجد خيال شخص يقف على جبل، ذهب ووجد كانت خديجة تجلس على الجبل كانت شارده تفكر، ثم جاءت إليها سلمى تنادي عليها
يا ديجا بت يا خديجة عاوزة إيه يا زفتة انزلي البت مارسيل هتخلص على الأكل وقف مذهول عند سماع اسمها، فكرته بماضي لم يقدر أن ينساها نزلت خديجة من على الجبل لتجد أدهم يقف أمامها وكان غاضب اقترب منها أدهم: انتي اسمك ديجا لترفع خديجة حاجبها: أفندم قصدى خديجة أيوا يا فندم الرائد خديجة سامح الأنصاري بعد كده ممنوع أي حد يخرج بدون استئذان، فاهمين لترد سلمى: فاهمين يا فندم، ولكن خديجة لم تنطق أي كلمة ليجرى مسرعاً إلى خيمته
جلس أدهم يتذكر كل شيء وكتب حبيبي اقتربي وامسحي بعطرك أشواق قلبي حينما أسمع أحد ينادي باسمك ألتفت يمينًا ويسارًا وكأنني سأراكي فيدق قلبي كثيرًا ويتغير حالي ولحظة من لحظاتي لا أعلم أنه يوجد أشخاص كثر يحملون اسمك فـ عند إدراكي ألتفت وأضحك ثم أبكي في صمت من شدة اشتياقي لكي
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!