كنت في السادسة عشر من عمري عندما تزوجت حامد ابن صديق والدي. كان حامد حاد الطباع لا يبتسم إلا قليلاً. عشت معه سنة ونصف السنة لم أسمع منه كلمة حب. كانت حياتنا رتيبة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لكني وجدت عزائي في والدته التي أغدقت علي من الحنان ما جعلني أصبر على قساوة ابنها.
أخبرني حامد منذ الشهر الأول من زواجنا بأنه يريد أن يصبح أباً ويفضل أن يكون ولداً لا بنتاً. أخذنا بكل الأسباب لكننا لم نتوفق. كل الأطباء الذين عرضني عليهم قالوا لا يوجد عيب واضح عندي ونصحوه بالخضوع لبعض الفحوصات، لكنه كان يرفض ويعتبر ذلك إهانة لرجولته. وأدفع أنا فاتورة ذاك الغضب وأسمع منه من الشتائم ما لا تطيقه نفس.
تزوج حامد من أخرى وتركني مع والدته التي أقسمت أن تترك البيت إذا طلقني. أصبح يتفقدنا من حين لآخر، مرة برفقة زوجته ومرة بمفرده دون أن يعيرني أي اهتمام. أحسست بالإهانة من تصرفاته فقررت أن أعامله بالمثل، فأصبحت أتجاهله تماماً كما كنت أضع غطاء الرأس في وجوده، مما أثار غضبه بشكل لم يتوفق في إخفائه.
كعادتي استيقظت فجر يوم من أيام الربيع للصلاة وإعداد القهوة لخالتي التي تحب أن تشربها في هذا الوقت المبكر. كنت في المطبخ حين دخل حامد فجأة وألقى السلام، مما جعلني أقف متسمرة في مكاني، فأنا لم أكن أعرف أنه نام عندنا الليل.
كان ينظر إلي وكأنه يراني للمرة الأولى وبدأ يقترب شيئاً فشيئاً حتى كاد يلتصق بي، مما جعلني أرجع بعض الخطوات إلى الوراء حتى كدت اصطدم بالطاولة. استمر في الاقتراب ونظراته تلتهم وجهي وجسدي لدرجة شعرت معها بالتوتر. حاصرني في ركن يصعب فيه الإفلات. ثم همس في أذني: اشتقت إليك. أول مرة أسمع همس حامد الدافئ بدل الصراخ الذي كان يدخلني في حالة الرعب. يتصبب مني عرق كشلال. قلت بصوت مخنوق: ستبرد قهوة خالتي، دعني أذهب أرجوك.
في لمح البصر عاد العبوس إلى وجه حامد المألوف. نعم هذا هو وجهه الحقيقي الذي أعرفه. عض على شفته السفلى وضرب الحائط بقبضة يده بينما هو يقول لي: فلتذهب أنت والقهوة إلى الجحيم يا مدام، أنا زوجك ولي عليك حقوق وطاعة الزوج واجبة يا مدام. قلت في نفسي: عن أي حقوق يتحدث هذا الأحمق؟ أبعد ثمانية أشهر من زواجه وهجره لي تذكر أنه زوجي؟ أين أنا من هذا الزواج حين كان يدخل هذا البيت ويده في يد عروسه غير آبه بمشاعري؟
يقبل يدها أمام عيني ويداعبها وكأنني كرسي لا إحساس لديه. ألست من قال عنها ذات مساء حين طلبت منه خالتي أن يعدل بيننا: لا حاجة لي بها لولاك لما كانت هنا أصلاً. واليوم أنا زوجته بل لعبته التي تركها على الرف وحين ضاعت منه لعبة تذكرها في لحظة اشتعلت فيها فتيل رغبته من هجر زوجته له. نعم أنا عجلة الاحتياط التي يمكنه استعمالها مؤقتاً حين لا يجد عنها بديلاً.
قطع حواري مع نفسي صوت خالتي التي دخلت علينا تسأل عن مصير قهوتها، فما إن رأته حتى رمقته بنظرة عتاب جعلته يخفض رأسه ويخرج. لاحظت خالتي ارتباكي فضمتني إليها وقالت: لا تخافي يا صغيرتي، إني معك. وكأنها مسحت كل الخوف بداخلي بكلماتها العذبة النابعة من أعماقها. إنها أمي الثانية وليست أم رجل من المفترض أنه زوجي وقد أحببتها كما تحب الفتاة أمها.
في المساء تسلل حامد إلى غرفتي عندما كنت مشغولة بنشر الغسيل. وما إن دخلت الغرفة حتى أمسك بي كما يمسك الوحش بفريسته. أغلق الباب بسرعة ولم يترك لي مجالا للهرب منه. كان مضطرباً ويتصرف بحماقة أثارت تقززي. قاومته بكل ما أملك من قوة، الشيء الذي أثار غضبه فانهال عليا بالضرب والركل. حاولت في البداية أن أصرخ لكن صوتي لم يخرج من حنجرتي كحمامة مذبوحة تحاول أن تطلب النجدة.
استمر في ضربي وأنا صامتة. لم أقو على فعل شيء. فجأة شعرت بقوة في نفسي تدفعني للتحدي. لم أعد أميز موضع الألم في جسدي. رأيت الدم ينفجر من فمي وأنفي. استجمعت شجاعتي ودفعت برأسي أكثر نحوه وقلت له: اضرب كما تشاء، هذا جسدي الضعيف أمام قبضتك لكنك لن تنال منه ما يطفئ عطش رغبتك حتى لو قتلتني.
توقف وكأنه استعاد وعيه فجأة. نظر إلي بعيون أقسم أني رأيت فيها الجبن والخوف لاول مرة. كانت عيوني ما تزال تحدق فيه بكل جرأة وقوة وكأنني من أوسعته ضرباً وليس هو، وكأنني أنا الوحش الذي افترس الأرنب الضعيف بلا رحمة ولا شفقة. حاولت أن أقف على قدماي لكنهما لم يكونا في قوة نظراتي، فبقيت مرمية على الأرض كقشة بالية. خلف الباب كانت خالتي تصرخ وتطلب منه الخروج. لم يرد عليها مما زاد قلقها وغضبها.
قالت: أقسم بالله إن لم تفتح الباب أكن غاضبة عليك إلى يوم الدين. ما إن أكملت جملتها حتى ركض وفتح لها. ركضت بدورها إلي وهي تضرب على وجهها وتصيح: لا حول ولا قوة إلا بالله، قتلتها يا مجرم، قتلتها. كان آخر ما سمعته قبل أن أغيب عن الوعي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!