الفصل 2 | من 17 فصل

رواية البريئة الجزء الثاني الفصل الثاني 2 - بقلم Lehcen Tetouani

المشاهدات
24
كلمة
1,033
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

فتحت عيني ونظرت حولي أتفحص مكان وجودي. اختفى المرج والورود والطفلة ذات الفستان بلون الزهور، وحل محلهم ضوء مصباح خفيف. سرير لشخصين بغطاء أبيض، تمدد عليه كجثة تنتظر دفنها. خزانة من الخشب في الزاوية. نافذة صغيرة حجبت عن العالم الخارجي. كل القهر الذي عانيته في هذا السجن الانفرادي تسلل إلى مسمعي صوت امرأة ينتحب. أعرف هذا الصوت، إنها خالتي. أدرت رأسي نحوها وحاولت أن أبتسم، لكني شعرت بالألم في وجهي.

في الصباح، قررت أن أكسر حاجز الصمت الذي لزمته منذ دخلت ما يطلق عليه بيت الزوجية. لم أشكو مرة لأهلي ما أعانيه من هذا الزوج الأناني، حتى عندما تزوج وهجرني، لم أخبرهم إلا برغبته في الولد. اتصلت بأبي وقلت له: "ارجوك تعال خذني". كانت الجملة الوحيدة التي نطقتها قبل أن أجهش بالبكاء، مما أصاب والدي بالذعر. وما هي إلا ساعة واحدة حتى طرق الباب بصحبة أمي التي ركضت إلى غرفتي. وما إن رأتني حتى تسمرت في مكانها من هول ما رأت.

كانت الكدمات قد غيرت ملامح وجهي. دخل والدي بدوره، فاتسعت عيناه من الدهشة. حول نظره إلى خالتي وقال: "ما هذا يا أم حامد؟ ماذا فعلت ابنتي لتعاقب بهذا الضرب المبرح؟ أخبريني ماذا فعلت يا أم حامد، وأقسم أن أزيد فوق ضربها هذا ما يشفي غليلكم. فقط أخبريني". سكتت خالتي لحظة، ثم قالت والدموع تتساقط على خدها كغيث

يثوق لعناق أرض يفتقدها: "منذ دخلت ابنتك هذا البيت، لم نر منها إلا ما يثلج القلب ويسر الخاطر. كانت لابني الزوجة المطيعة الوفية، لكنه لم يقدر هذه النعمة. أشهد الله أنها أصيلة وخلوقة، والعيب ليس فيها، وإنما في ابني". قالتها وانتحبت، فأحسست بقلبي ينفطر عليها. واصلت كلامها وهي تمسك بصدرها وكأنها تخاف أن يسقط قلبها: "خذ ابنتك، فنحن لا نستحقها ولا نستحق نسبكم. تستطيع أن تبلغ الشرطة بأمر هذا الاعتداء".

عم الصمت لحظات قبل أن ينطق أبي قائلاً: "لا يا أم حامد، لن نقحم الشرطة في علاقتنا. ونحن الذين نعتبر الأهل قبل حتى هذه المصاهرة. كان أبو حامد رحمه الله أخا وليس فقط صديقا. بعد إذنك، أبلغي حامد أني أنتظر ورقة طلاقها بالمعروف ودون أية بلبلة". أومأت خالتي بالموافقة، ونظرت إلي نظرة أم تودع ابنتها. كان الوداع حارقاً لقلبي وقلبها. كانت وستبقى أمي التي لم تلدني، ولن أنساها أبداً.

غادرت بيت حامد وانتابني شعور غريب ما بين الحزن والفرح. حزن لفراق حماتي، وفرح بالتحرر من قيود زواج لم أحمل منه ذكرى جميلة. بعد عدة جلسات بالمحكمة وفشل محاولة الصلح، حكم القاضي بالطلاق. ورقة جعلت مني جارية، وأخرى وضعتني، لحسن التطواني، في خانة المغضوب عليهن في مجتمعنا الذي يعتبر طلاق المرأة وصمة عار على جبينها. فما بالكم إذا كانت المطلقة عقيم؟

عانيت الكثير من ثرثرة النساء وفضول الجيران، وكأنني المرأة الوحيدة التي لم تلد في هذا العالم. وأكثر ما أحزنني هو نظرة الخوف من الحسد في عيون الحوامل من صديقاتي وحتى قريباتي.

اعتزلت ذلك العالم المنافق الذي لا يرحم، وبدأت في اقتناء الكتب التي وجدت فيها المؤنس والصديق. قرأت في الأدب والفلسفة، الشريعة والتاريخ، حتى عن العقم. قرأت. لم يبخل يوماً علي أبي بثمن الكتب، بل كان يختار لي البعض منها بنفسه. لازمه الشعور بالذنب والشفقة اتجاهي. كيف لا، وهو من أرغمني على الزواج من ابن صديقه بحجة أنه أعطى وعداً لن يرجع فيه. أما أنا، فكنت أرى أن ما حدث قضاء وقدر لا يرده حزن ولا ندم.

أمي المسكينة لم تتقبل لحظة أن يشار إلي كعقيم. كانت تصرخ في وجه من يحدثها بهذا الشأن وتقول: "ابنتي ليست عقيم. الأطباء قالوا لا يوجد لديها عيب واضح، وهناك فرق بين عقم وتأخر الحمل. ممكن يكون السبب نفسي، وربما من حامد، لما لا؟ مضت ثلاث سنوات على طلاقي. تغيرت أشياء كثيرة في حياتي، والجميل أن الناس انشغلت عني بقصص أخرى، وتركتني وشأني أعيش في سلام داخلي وخارجي.

أكثر الأوقات سعادة بالنسبة لي، تلك التي أقضيها في المكتبة، حيث الهدوء والقصص المتنوعة المثيرة على الرفوف. كنت أشعر أنها تلوح لي وتقول: "أنا هنا، تعالي". مجنونة أنا أصبحت هكذا، أقول مع نفسي وأضحك أحيانا. رن الهاتف. سارعت إلى غسل يدي لأرد، لكن أمي سبقتني. "أهلاً أم نزار، كيف حالك؟ ". ثم تحول صوت أمي إلى وشوشة غير مسموعة. كل ما سمعته هو كلمة "لكن... "، "اها... "، "لا أدري...

"، "خير إن شاء الله". ثم انتهت المكالمة. عادت أمي إلى المطبخ وقد بدا القلق واضحاً عليها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...