بغرفة خاصة براوية ونادين كانت راوية شاردة بتلك العينان الغامضة التي لم تفقه في فك شفراتها. لمحت بهما طيف من الحنان يجاوره قسوة وجفاء. شخص غامض لم تفقه بفهمه. أما نادين فكانت مبتسمة بمكر حينما تذكرت سمعها للكبير يطالبها من جدها. فحينها قررت أن تلهو قليلاً مع هذا المتعجرف. لا تعلم أن لا لهو مع الأسد الغاضب سيجعلها تندم على ما ارتكبته.
كانت عيناه كالجحيم يتذكر ماضيه الذي يجعل قلبه مملوء بالكراهية للبندر وما به من نساء. أخذه الذكريات لتلك الفتاة الذي تحدى بها جده للزواج بها. حتى أنه عاش بمصر وتحدث بلهجتها. نعم، ما زال يتذكر كم ردد لها من الحب أطنان وطعنته هي بخنجر مسنون. زفر بحنق عند تذكر عيناها. فهو لا يريد الوقوع بالحب مجدداً، ولكن هل سيصمد الفهد أمامها؟
يتذكر عيناها المملوءة بالتحدي له وكلماتها التي تزيده شرارة. ليتمنى رؤيتها أمامه حتى يقتلع عنقها بيده. فتلك الفتاة لم تعلم قوة سليم الدهشان، كيف لها أن تتحداه؟ كانت تبكي بوجع، فهي تحبه بل تعشقه منذ الطفولة. ولكن شاء القدر أن يتحطم قلبها فلا يحق لها الحب ولا حتى الزواج مما فعله هذا الحقير بها. تتذكر كل شيء ولكنها التزمت الصمت كي لا يتشوه سمعتها ولا يعاقبها الكبير.
كان محطماً، فهو يعلم بأنها تخفي مشاعرها عنه. لا يعلم ما السبب الذي يجعلها تكابر وتخفي ما تشعر به. هل عليه الانتظار أم حثها على الحديث؟ مر الليل على الجميع بشطرات من العذاب والوعيد والتحديات والعناد ومصيره عشق متقاسم من الوجع والحرمان. وأتى الصباح المحمل ببعض من اللمسات والهمسات المحملة بأشياء مجهولة لا يفقها الكثير. بمنزل الكبير استيقظ فهد وأدى فرضه ثم هبط للأسفل ليجد الجميع ينتظرونه.
الكبير باستغراب: كل ده نوم يا فهد مش عوايدك. جلس فهد بجانبه قائلاً بنبرة غامضة: معلش يا جدي. نوال بسخرية: بتفكر بالعروسة إياك؟ كاد أن يجيبها ولكن قاطعته رباب بفرحة قائلة: ومهيفكرش فيها ليه؟ أنا سمعت أنها كيف القمر. تجوله أنزل وأنا أجعد مطرحك. نوال بحقد: ما شاء الله، بكرة نشوفها ونعين بنفسينا. فهد بغضب: مراتي مش للعيان يا عمة. هتبجا مراتي يعني مرأت الفهد. ألا بيصلها بعين هصفيله بالتانية.
كانت رسالة مملوءة بالتحذير لها ولكن بشكل غير مباشر. فالفهد يحمل من الذكاء ما يكفي لأسقاط الكثير من النساء أمثالها. ابتسمت نوال ابتسامة مزيفة تخفي خلفها الكثير والكثير قائلة: طبعاً يا ولدي، مين يجدر يجف جدام حد من الدهاشنة أم يعصي له أمر. بدر: الدهاشنة خط أحمر يا خيتي. الكل بيعمل ليها ألف حساب وحساب. وهدان: الفضل لكبيرها. هنية: ربنا يخليك لينا ياعمي.
الكبير بهدوء: كان زمان بدر، الكل بيهابني. لكن دلوجت الكل بيعملي هيبة واحترام. وما زال الخوف موجود من الأسود الا ورايا. الدهاشنة محمية من الحصون التلاته يا ولدي. وزع أنظاره على الفهد وسليم وعمر، فهم بالفعل من يقومون بالحماية.
كان سليم شارداً بعالم آخر. لم يرى تلك التي تتطلع له بحزن شديد. كان هو الآخر يتابعها بغموض وهي تتهرب من نظراته. تظن أن ما تخفيه سينكشف إن لمح عيناها. فاستأذنت من جدها وصعدت للغرفة تبكي بصمت. كذلك نواره صعدت حتى لا يعلم أحداً ما بها. بغرفة نواره كانت تحمل صورته والدمع بعيناها. لتجد صوت طرقات على الباب فتخفيها أسفل الوسادة مسرعة. دلف عمر ليجدها تخفي دموعها حتى لا يراها. جلس عمر بجانبها بحنان قائلاً: مالك يا نواره؟
نظرت له قليلاً ثم قالت: يهمك أمري يا خويا؟ نظر لها بتعجب قائلاً: طبعاً مش أختي؟ قالت بسخرية: أنا ماليش حد. لا أم ولا أب. حتى أنت مهتفرجش البندر واصل. تاركني ولا سأل على أمري. وجاي تقولي خيتك؟ لا يا خويا أنا لوحدي ماليش حد واصل. نظر لها بعينين تلمعان بالدمع، فهي أيقظته على واقع تركها تعيشه بمفردها. فأحتضنها تبكي وتزيح همومها بصدره الراحب ليتلقى أوجاعها ويحاول أن يطيب جرح قلبها. بمنزل واهبة القناوي
استيقظت نادين لتجد راوية ترتل القرآن الكريم بصوت يزلزل الأبدان. فظلت تستمع لها حتى أنهت قراءته. راوية باستغراب: إيه دا؟ أنتي صحيتي؟ نادين بسخرية: لا لسه، دا سؤال. راوية بتقزز: يا بنتي غيري أسلوبك دا. مينفعش هنا. نادين بسعادة: دا مينفعش غير هنا وأبو هنا كمان. ثم وضعت يديها على شعرها قائلة بفرحة: تعرفي يا راوية، أنا نفسي في إيه؟ راوية باستغراب: في إيه يا ختي؟
نادين: أشوف الشاب دا تاني كمان. نفسي أعرف اسمه. هتجوز واحد معرفش اسمه أزاي بسسس؟ راوية بتعجب: نادين، أنتي فرحانة أنك هتتجوزي بالصعيد؟ نادين: طبعاً، دانا أول ما شفته وأنا هتجنن. راوية باستغراب: شوفتيه فين؟ نادين بتذكر: اااه، مأنا محكتلكيش. بصي يا ستي. راوية: بصينا. وقصت لها نادين عما حدث لتتعجب راوية وتتذكر حديث الفهد. فتضحك بشدة. فهو كان يظن أن تلك الحمقاء العروس. نادين بسخرية: بتضحكي على إيه يابت؟
راوية: على غبائك اللي هيودنا في داهية. نادين: ليه يا ختي؟ راوية: بقولك إيه، أنا مش فاضيلك على الصبح. هنزل أشوف خالد جي ولا لسه. نادين: خديني معاكي. وبالفعل هبطت الفتيات للأسفل ليجدوا خالد يجلس مع الجد والجميع. اقتربت منه راوية واحتضنته بشوق. فتعجب خالد وسألها باستغراب، فهو لم يغيب طويلاً، يوماً واحد فقط. أخبرته راوية بأنها تشعر بالغرابة وسط الجميع. حزن خالد فراوية لا تعتاد على مثل هذه الأجواء.
بينما اقتربت منه نادين وجذبتها من قميصه. ليصرخ خالد بها قائلاً: إيه؟ بتشدي حرامي؟ سبي القميص. نادين: سبك من القميص وخاليك معايا. الأستاذ ماكس مشرف معاك. خالد باستغراب: لا، ليه؟ نادين: عشان آخد راحتي في الكلام. أصله عصبي، أقل كلمة بتنرفزه. ضحك خالد على تلك الفتاة بسخرية، وكذلك هاشم فهو يجلس بالقرب منهم. جمع واهبة نادين وراوية وأخبرهم بأن عليهم الاستعداد لرؤية أمهات أزواجهم. فأخبره فزاع بقدوم الحريم ليلاً مع فهد وسليم.
كانت راوية تشعر بالارتباك على عكس نادين المتحمسة لرؤيته. وبالفعل مر النهار وجاء الليل المحمل باللقاء المملوء بطيجات من المجهول. جلس الجميع بانتظار الأميرات التي ستحظو بالحصون. لتدلف راوية فتلفت الأنظار إليها بطالتها الرقيقة. كأنها كالفراشة تتبختر وسط الزهرات. لفستانها الزهري وحجابها الذهبي. فكانت كالحورية حقاً. حتى أن الفهد لم يزيح عيناه من عليها.
سعدت هنيه ورباب بها كثيراً. وكذلك ريم التي تبسمت لرؤيتها. فشعرت أن تلك الفتاة يحبها الله فزرع محبتها بالقلوب. على عكس نوال التي كانت تنظر لها بحقد وغل. فهي تتمنى رؤيتهم يعانون وأن لا يعرف الحب الطريق لقلوبهم جميعاً. وقفت هنية واتجهت إليها قائلة بسعادة: تبارك الرحمن، كيف القمر يابتي. ربي يحميكي يا جلبي.
تبسمت راوية لتبدو في قمة الجمال وتقبل يدها تحت نظرات دهشة من الجميع. حتى الفهد فهو اعتقد أن البندر جميع نسائه مزيفات. لتأتي تلك الفتاة وتكسر معتقداته. ولكنها ستعاني مع هذا الفهد. راوية وهي تقبل يدها بحب: ربنا يحفظك لينا يا أمي. وبعدين أحنا نجي فين جنب جمال حضرتكم. مع الدمع بعينيها لتقول بسعادة: أمي. صمتت راوية وقالت بصوتاً منخفض: أسفة، بس عمري ما قولت الكلمة دي لحد بعد وفاة ماما الله يرحمها. فلو دا يزعج حضرتك.
وكادت أن تكمل حديثها لتجدها تحتضنها بحنان تقول بفرحة: شرف كبير ليا يا حبة عيني. ربنا يخليكي ليا يارب. قامت ريم وتوجهت إليها بسعادة قائلة: مش هتسلمي علي؟ تبسمت راوية واحتضنتها هي الأخرى بسعادة. ريم: أني اسمي ريم وأنتي اسمك إيه؟ تبسمت راوية وقالت: اسمي راوية. هنا رقص قلبه طرباً لسماع اسمها. فجلس بجانبهم. رباب بابتسامة لهاشم: ما شاء الله يا أستاذ هاشم، أخلاقها زينة. إبنة ربنا يحفظهالك يارب.
هاشم بابتسامة بسيطة: ربنا يخليكي يا أم سليمة. هنا تذكرت رباب فسألته عن زوجته المستقبلية. نادين بمرح: نحن هنات. طلع لها الجميع لتبتسم نوال لنيل مرادها بسهولة. كانت نظرات سليم إليها مشبعة بالغضب والانتقام على ما فعلته تلك الحمقاء. تطلع لثيابها بغضب شديد. فكانت ترتدي فستاناً طويلاً باللون البنفسجي وتضع ميكب خفيف. فكانت حقاً ملكة.
نادين تمتلك عينين بنيتين كالبندق وشعراً قصيراً باللون البني ووجهها ملامحه رقيقة للغاية. دهشت رباب من كونها غير محجبة. ولكن لم تنكر أنها دلفت لقلبها بدمها المرح. جلست نادين بجانب رباب قائلة بمزح: ألا قوليلي يا روبا. رباب بضحك: جلبيها جول. نادين: هو أنتي كام سنة؟ بس بدون مجاملة. ضحكت رباب بصوتها كله قائلة: 51 سنة يابت. يدهشت نادين وقالت: مستحيل! طب قوليلي اسم ابنك إيه؟ رباب باستغراب حتى الجميع وبما فيهم الفهد وسليم.
رباب: معنديش غير ابن واحد. نادين: أيوا، مانا عارفه. اسمه إيه بقا؟ ضحكت رباب بشدة وقالت: سليم يابت. نادين بتلقائية: الله، اسمه حلو أو. ونظرت لها راوية بغضب وكذلك هاشم. فتلك الحمقاء تعيش بحرية. ريم: ههههه، طب مش هتتعرفي على الباقي؟ قامت نادين وجلست بجانبها بسعادة قائلة: ودي تيجي؟ لازم أتعرف على الكل. وأخرجت هاتفها قائلة: وهنرغي واتس كمان. ريم بحزن: ميعيش تلفون. راوية باستغراب: ليه يا حبيبتي؟
قاطعها الفهد بحزم: معندناش الكلام ده. نظرت له راوية بدهشة وعلمت أن القادم أصعب بكثير من الذي مضى. كان سليم نظراته على تلك الفتاة. أرد اقتلاع عنقها. فسُهلت عليه زوجة عمه المهمة. عندما أخبرت هاشم أن عليه ترك نادين وسليم بمفردهم لدقائق حتى يتعرفوا على بعضهم أكثر. وأيضاً فهد وراوية. وبالفعل جلس فهد وراوية بالشرفة وأمامهما الحقول والمزارع. فأرتاعبت راوية من أصوات الضفادع.
لاحظ ذلك فهد فقال بسخرية: بنت البندر خايفة من ضفدع؟ نظرت له بغضب قائلة: أنا مبخافش غير من اللي خلقني يا أستاذ فهد. لحظة توقف قلبه عن النبض لسماعه اسمه يتغرد بين طرب شفتيها. أكملت قائلة: أنا بس مش بحب أصواتها. بتعملي إزعاج. نظر لها بصمت ثم قال: بكرة كتب الكتاب. معيزاش حاجة تعرفيني عليها قبل ما تبقي مرتي. نظرت له بعدم فهم ثم قالت بتعجب: حاجة ذي إيه؟ فهد بهدوء: الحاجة دي انتي اللي بتحدديها مش أنا.
راوية بنبرة تحمل الغضب: معنديش ماضي. ولو عندي فدا شيء يخصني أنا. حضرتك ملزم تعرف بالمستقبل ده اللي هيبقا معاك لو أمر ربنا. غير كدا فدا شيء يخصني لوحدي. كانت شرارات الغضب تبعث رسائل وتسطر حروف. ولكن عليه التحكم بأعصابه قليلاً. فغداً ستكون زوجته وبإمكانه فعل ما يشاء. بالغرفة المجاورة كان يجلس وعلامات الغضب على وجهه بأشكال مختلفة. وما أن دلفت تحمل المشروبات حتى وقف أمامها كالثور الهائج. نادين بابتسامة: اتفضل البرتقان.
سليم بغضب: مش عاوز حاجة من جلجتك. نظرت له قليلاً ثم قالت: ليه؟ حملت عنها المشروبات ثم اقترب منها بغضب لتتراجع بخوف شديد قائلة: لو مش عاجبك البرتقان ممكن أجبلك حاجة تانية مكانه بس متتعصبش. سليم بغضب: لأول مرة بشوف في حياتي واحدة بترمي نفسها للنار. شجاعة منك. بس أوعدك بالجحيم. نظرت له بدهشة ثم قالت بابتسامة: كدا أحلى وأحسن. أعرف أفهمك كويس. بصراحة أنت بجميع أحوالك كويس. بس لما بتتكلم مصري أحسن بكتير.
نظر لها مطولاً ليضرب الحائط بيده. فتلك الفتاة تجعله يشيط من الغضب. كيف له من العيش معها؟ جذبها من معصمها بالقوة قائلاً: خلجاتك دي لو شفتك لبسها تاني هولع فيكي. فاهمة؟ نادين: والله ما فاهمة. سليم بغضب: الصبر يارب. الهدوم اللي لبسها دي آخر إنذار ليكي. سامعة؟ نادين: أيوا سامعة. لازم تعلي صوتك يعني. بص تعال معايا نخرج نجيب اللبس اللي يريحك. وأهو بالمرة نخرج مع بعض ونتكلم.
نظر لها قليلاً ثم وضع يده على وجهه وخرج من الغرفة حتى لا يقتل تلك الحمقاء. بالخارج كانت نوال تنظر بحقد للفتيات وخاصة راوية. فأخلاقها عالية للغاية. انتهت الزيارة وغادر الجميع على مواعيد اللقاء غداً لعقد قرآن الفهد على تلك الحورية التي ستقلب حياته رأساً على عقب. وذلك الوحش الثائر على تلك الحمقاء التي ستتمكن من ترويضه ولكن بعد عناء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!